"خاطية يا أبوي؟ عايز تجوزني واحدة معيوبة؟ زينة شباب الصعيد يتجوز خاطية؟ لم يجد سوى صفعة قوية ومؤلمة أطاحت به أرضًا، وكأن قوة العوالم اجتمعت بتلك الصفعة الآتية من أبيه. ليهتف بضيق: "اللي أقولك عليه تسمعه يا ولد، فاهم ولا لأ؟ أكمل حديثه وهو يلتقط ياقة عباءة ذلك الواقع على الأرض، ويضع يديه على وجنتيه من قوة الصفعة، ليردف بغل مضاعف:
"اسمع الكلام أحسن يا هارون، وإلا وربي وما أعبد، أسحلك جدام أهل الصعيد كله. فاهم ولا لأ يا ولد المحروج أنت؟ على مجيء أمه وهي تدافع عن ولدها هارون الذي كاد أن يفتك به أبيه، لتهتف بصوت مسموع: "بعد عن الولد يا حاج، أبعد. هيموت في يدك." نجحت في أن تفض ذلك الشباك غير المبرر من ذلك الأب على ابنه، ليقوم ذلك الهارون على قدمه بخوف وهو ينظم ياقة عباءته بغيظ، وبتنهد بخوف:
"الحجي يا أماه. أبوي ناوي يجوزني من خاطية. عايزني ألمس حرمة اتلمست قبل أكده." تنهدت الأم بقلة حيلة وردفت بصوت متقطع وهي تنظر إلى ذلك المقام والهيبة الواقفة بجوارها: "معلش يا ولدي، وافق لأجل أمك يا جلب أمك، عشان خاطري وغلاوتي عندك، وافق. البنية زينة وشكلها مليح، أنا شفتها جمر أربعتاشر." جلس الأب ومدد قدميه على الأريكة المقابلة له، وهتف لذلك الواقف بضيق: "جهز نفسك يا هارون، كتب كتابك ودخلتك الليلة يا ولد."
نظر له الآخر بضيق وتنفس بعمق، وبلع ريقه بتوتر: "حاضر يا أبوي، أعمل اللي يريحك. بس ما تلومنيش على اللي هعمله فيها زين يا أبوي، ولا لأ؟ نظر له الآخر بضيق وهتف بلا مبالاة: "اعمل اللي يحلالك فيها، المهم من غير دم يا ولدي، فاهم؟ خرج هارون من الغرفة بعصبية، وعروقه باتت بارزة من شدة العصبية والتوتر. فكيف لهارون أن يتزوج هكذا؟ ومن من؟
من تلك المرأة الذي سُلب منها شرفها وعفتها. ليصرخ بقوة وصوت جهوري وهو يقر بأنه سيجعلها خادمة، أو يعاملها معاملة أحقر من الحيوانات. "أجهزي يا راضية، كتب كتابك الليلة يا حبيبة مامي." تنهدت راضية بضيق وأخذت تستنشق بعض الهواء لأنها أحست بالاختناق. جراً فتح حديث الزوج وهتفت بغيظ: "إيه اللي أنتي بتقوليه ده يا ماما؟ أنا مش هتجوز، مش عايزة اتجوز. افهموا بقى." تقربت منها الأخرى بشك والتقطت يديها:
"وليه بقى يا بنت بطني مش رايدة الجواز؟ نظرت راضية في عيون أمها، فهي أصبحت تعلم أن أمها عندما تتحدث بلكنة أهل الصعيد يصبح الأمر غاية في الخطورة والأهمية. بلعت راضية ريقها بقلق وتوتر: "لا يا أمي، بس ليه السرعة دي؟ تركت أمها يديها وهتفت بهدوء عكس الشك الذي نهش قلبها منذ برهة: "حدتونى من البلد وقالولي إن في شاب حدنا من البلد رايدك للجواز، راجل مالي هدومه مش رجالة شبه اللي بنشوفهم هنيه في البندر." نظرت الأخرى
إلى العدم لتتنهد بضيق: "حاضر يا أماه، بس أنا خايفة قوي يا ماما. أنا معرفهمش ولا أعرفه، ولا حتى فيه فترة خطوبة عشان أتعرف عليه كويس." هتفت الأم بصوت مسموع: "مش مهم فترة خطوبة دي، شكليات. أهم حاجة أنه يكون راجل مليح، وده هتتأكدي منه بالعشرة."
أخذت تلك الراضية تجهز نفسها بتوهان، وهي تائهة في بحور الحيرة التي باتت فيها منذ ذلك اليوم وذلك الحين، لتستعد للذهاب إلى قدرها الحتمي الذي بات كالخيال بالنسبة لها. وغادرت المنزل هي وأمها للذهاب إلى الصعيد حيث يوجد ذلك الهارون.
وبمجرد أن وصلوا حتى وجدوا الزينة والطبول والدفوف تقرع بفرحة لتعلن عن قدومها إلى منزلها الجديد، ليستقبلها ذلك الهارون وأبيه وبعض الرجال من أقاربه. حتى لمحها هارون وهي ترتدي فستان رقيق من الحرير اللامع وتواري شعرها بحجاب من التُل الذي لا يليق إلا بالأميرات أمثالها.
وبمجرد أن أتت عيونه عليها ونظر له وتلاقت عيونهما، حتى تورّدت وجنتاها بحياء، ولمعت عيناها. ليرشدهما هارون وأبوه إلى الداخل في الجزء المخصص للنساء، ليجلسان حتى يتم عقد القرآن. مضى وقت ليس بقصير حتى أتت إحدى الفتيات وأخذت راضية وراحت بها إلى السطح لترى هارون وهو يشدد من اللجم الخاص بفرسه ويرقص به كالفرسان. لم تعجب به، بل أعجبتها الأجواء كثيرًا.
نادت أم هارون على الفتيات ليأتوا بالعروس حتى تتم مراسم عقد القرآن. كانت تتقدم لتجلس بحانبه وكأنها سيحكم عليها بالإعدام شنقًا. كانت ترتجف وتفرك في يديها بتوتر لدرجة أنها احمرت من شدة التوتر والخوف. حتى استيقظت على كلمة كانت بمثابة الرمي في أعماق الجحيم بالنسبة لها: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
أعلنها المأذون بعد إتمام مراسم عقد القرآن. وبمجرد أن انتهت تلك الشعائر، حتى احتضنت الأم ابنتها وبكت في أحضانها بشدة وشوق. ليقطع تلك الوصلة من المشاعر صوت والد هارون: "أنت هتبيتي عندنا الليلة دي يا ست هانم." وبعد إلحاح طويل وافقت الأم وخرجوا كل من بالغرفة وانفض المنزل عليهم، ليهتف والد هارون بقوة: "خد عروستك واطلع يا ولدي، ألف مبروك." وبمجرد أن نطق بتلك الجملة، حتى التقط هارون يديها بقوة وشهوة، وتنهد بجانب أذنها
بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "يلا يا عروستي." نظرت في عيونه لبرهة، أقسمت أنه يشبهه كثيرًا، كان يشبه القلب والحب والغرام الغائب عنها. في غرفة هارون وراضية، غلق الباب بسرعة. أما هي، فأخذت تتفحص الغرفة بعناية فائقة وهتفت بطيبة: "هارونتاه؟ في عبق اسمه من فمها، نظر لها بحدة وحنان، ليتقرب منها بهدوء: "إيه يا عيون هارون؟ ابتعدت عنه بقوة وغضب وتنهدت بخوف: "ابعد يا هارون، ما تقربش مني لو سمحت."
فاق هارون من غفوته على كلماتها اللعينة تلك، حتى عاد لوعيه والتقط يديها بغل وشر، ليهتف بضيق وهو يصك على أسنانه: "طبعاً ما تلاقي الباشا اللي كنت نايمة في حضنه مشبعك حنان يا خاطية." تقربت إليه بشر وصكت على أسنانها بغيظ، وردفت أمام وجهه بجبروت: "خلي بالك من كلامك معايا أحسن لك، عشان ما أقلبش البيت ده عليها. وطيها، فاهم ولا لأ يا هارون؟ "هخلي البيت ده بركة دم لو فضلت كده، فاهم؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!