قالها والد هارون وهو ينظر لزوجته بكسرة لاتليق به أبدا. مسحت زوجته على ظهره بحنان وهتفت بعطف: "هتعدي يا حاج، قول يا رب، ومادام ناوي خير ربنا عمره ما يردك خايب أبدا." نظر لها بأمل وترتسم على شفتيه ابتسامة مبهمة، ولكنها أمله بالخير ليس إلا. قطعت تلك الابتسامة زوجته وهي تحثه على الدخول إلى المنزل، ولكنه رفض. لتدخل والدة هارون إلى الداخل لتحضير وجبة الفطور. وبمجرد أن تأكد من دخولها، حتى ضرب عدة أرقام
على الهاتف وهتف بشر وكره: "الدنيا هنا ماشية زين، خليك عندك وما تجيش البلد، وأصل فاهم ولا لأ." ليردف على الجهة المقابلة بصوت جهوري وصارم: "إزاي يعني ما أجيش البلد، أنا لازم آجي، أنا مش هقبل إنه يلمسها أو يتمتع بيها لوحده." ليبتسم والد هارون بسخرية وهتف له باستخفاف: "اكتُم، اجفل خشمك، وأصل مكفكش اللي عملته، سيبها لحالها بقى، أنا ما صدقت إن هارون وافق على جوازته منها." ليهتف الآخر بشر وهو يترقع بأصابعه:
"لأ يا حاج، أنا مش هعمل كده، راضية بتاعتي، ممنوع أي حد يلمسها أو حتى يقرب منها، حتى لو مجرد تفكير. وإذا كانت المشكلة هارون، ما تقلقش، هضبط أنا وهو، هو يوم وأنا يوم، أي رأيك." لم يكمل والد هارون المكالمة وأغلق الخط في وجهه ذلك الحقير. ليهتف بضيق: "ملعون أبو البطن اللي شليتك وجابتك." فاقت راضية وفتحت فنجان قهوتها بنعاس، فهي لم تتعود بعد على الغرفة ولا ذلك السرير.
لتستوعب فجأة أنها بين أحضانه وهو يلف يديه على خصرها بتحكم وعشق وقوة. كانت كل معاني العشق في تلك اللحظة. حدقت عيناها بشهقة في أول الأمر، ولكن بعد ذلك تقربت إليه بحذر وهدوء لتبدأ باستنشاق ملامح وجهه التي جعلت قلبها ترتجف. لم تكن تعرف ما سبب تلك النبضات والحركات الغريبة التي يحدثها قلبها بقربه، ولكن كل ما تعرفه أنها تشعر بأن قلبها بات خادم أمام ذلك الهارون التي لم تعرف لماذا هو وكيف ومتى.
لا توجد أجوبة لكل تلك الأسئلة. "إنه القلب الذي لا نعرف كيف ومتى يقع في العشق." ولكن هل راضية أحبته، أو أنها تفعل ذلك لتجعله يعشقها لأنها علمت بأن مادام النهاية سيئة، لتكن سعيدة سيئة. تقربت منه راضية بعشق وأغمضت عيونها بشوق ودابت مع شفتيه في قبلة شغوفة. كانت هي نفسها تتعجب لجرأتها معه، من أين جاءت بتلك الجرأة يا راضية. لتستيقظ راضية عليها وهي هكذا تقبض على شفتيه وتتعمق به.
ليغمض الآخر عيونه ويتعمق أكثر وأكثر معها في قبلتها. حتى ابتعد عنها هارون محاولًا أن يفرغ طريق للأكسجين. خرجت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة. ليلصق هارون جبينها في جبينه ويتنهدا معًا بعشق. وأخذ هارون يلهث أمام شفتيها بعشق. تقرب هارون ليأخذ قبلة أخرى، ولكن راضية أبعدته عنها بخوف. فهي لم تكن بالنسبة له سوية إطلاقًا، وكأنها شخصان في جسد واحد. ابتعد عنها بإحراج ودلف إلى الحمام المرفق بالغرفة.
وهي قامت بسرعة لتلتقط بعض الثياب من الخزانة حتى تبدل ذلك الفستان. وبمجرد أن فتحت الخزانة حتى هتفت بصوت جهوري خرج على أثره هارون من الحمام بخوف: "إيه اللي جاب الشال ده هنا." "جاي هنا إزاي." "أظن موضوع راضية خلص، صح." قالها شخص ذات هيبة كبيرة وهو جالس على مكتبه بحرية وجبروت مبالغ فيه. ليهز الجالس أمامه رأسه بخوف وهو يفرك يديه من التوتر من تلك القامة الماثلة أمامه:
"أيوة يا سعادة الباشا، خلص واتقفل عليه بالضبة والمفتاح كمان." ليتلتثم في بقية الحديث من خوفه منه: "بس كان عندي طلب يا باشا." أشار الآخر بإبهامه كناية عن الموافقة. ليكْمل الآخر حديثه بجرأة مبالغ فيها: "بس أنا كنت عايزة أرجع البلد تاني يا باشا." وقف الآخر على قدميه بسرعة وصدمة وهو يكاد يفتك بالآخر وهتف له بصوت ملئ بالشر: "قوم أمشي وحسك عينك تروح تاني هناك." بلع الآخر ريقه بتوتر وردف بخوف: "اللي تؤمر بيه يا باشا."
أكمل وهو يكاد ينهي حياته بتلك الجرأة المضاعفة: "هي يعني هتعرفني حتى لو شافتني يا باشا." "ربنا يشفيها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!