مع هدوء الصباح الباكر المغمور بصوت العصافير الملونة التي أحضرها زوجها لها، يعلو صوت الشجار بينهما. صرخت به بإنفعال شديدة قائلة: -يوووووه بقى أنا زهقت من شغلك ده. هو أنا متجوزك عشان تفضل في الشغل بالأيام ولا حتى تسأل على الكلبة اللي رميها في البيت ولو بتليفون. أدار رأسه عنها بضيق من شجارها المستمر وتذمرها على عمله، وقال بهدوء محاولًا إرضاءها والغضب المكتوم بداخله:
-غصب عني ياحبيبتي ظروف شغلي كدة. وعموما أخلص القضية اللي معايا وبعدها آخد أجازة. أندفعت صارخة به بأنفعال أكثر مردفة: -كل مرة تقول كدة ومبتعملش حاجة وتطلعلي بأي حجة وتلغي الإجازة. فقد السيطرة على أعصابه وأغلق قبضته بغضب وقال: -يعني عايزني أعمل إيه؟ أسيب الشغل وأقعد جنبك؟ أرحميني من الخناق اللي كل شوية. أنا بقيت أكره أرجع البيت بسببك. زاد صراخها وهي ترفع حاجبيها له وتعقد يديها أمام صدرها بضجر قائلة:
-طبعًا ما أنا بقيت دلوقتي معجبكش. بقيت وحشة ونكدية وبتخانق صح؟ كفاية زن أمك عليك عشان تتجوز وتخلف وتلاقي الكلام جه على هواك صح. أتسعت عيناه بذهول ورمقها بنظرة حادة وهي تطعن بحبه له. تعلم جيدًا بأنه لم يخونها ولن يستطيع الزواج من أخرى غيرها، ولكنه يكره الشجار معها. يريد حياة وردية معها هي وليست سواها. طالما حلم بهذه الحياة معها.
تركها وخرج من الشقة غاضبًا. وضعت يديها على بطنها بحنان تشعر بروح طفلتها بداخلها ولم تخبره بحملها. ابتسمت بشغف لرؤية طفلته الأولى أمام عينيها وركضت خلفه. أرادت مصالحته وإخباره بأنها ستنجب طفلته الذي ينتظرها هو الآخر. يريد أن يرى حبه لها متجسدًا في جسد طفلة صغيرة يراها ويداعبها بأنامله.
خرج من بوابة العمارة يزفر بضيق، كارهًا لحياتهما العتمة التي تحولت من وردية إلى مظلمة بسبب شكها به. دائمًا تخبره بأنه سيتزوج من أخرى، أما هو فلم يفعل. سمع صوتها من خلفه فأستدار لها وهو يخرج تنهيدة قوية من بين صدره. رآها قادمة نحوه ركضًا مبتسمة له وقد تلاشى حزنها وغضبها. وقبل أن تصل إليه أصابت رصاصات نارية قاتلة له ولها من العدم. لا يعلم من أين جاءت تلك الرصاصات سوى أنها أصابته.
سقط على الأرض جسدًا هامدًا وهو يراها تسقط على الأرض بعد أن أصابتها بعض الرصاصات ولوثت الدماء ملابسها. تألمت بهلع بعد أن التهمت تلك الرصاصات طفلتها الموجودة في أحشائها. رفعت يدها بضعف ووضعتها فوق بطنها بخوف وتبكي من الألم بعد أن فقدت طفلتها وشعرت بروحها تخرج من جسدها. إلياس: شاب قاهري ضابط شرطة برتبة رائد قسم مكافحة المخدرات. عمره 33 عام يعيش في القاهرة. تيا: زوجة إلياس المتوفية.
وضع كأسه على البار بغضب وهو يتذكر كيف تركته ورحلت. أصبح كالميت بداخل جسد حي يتنفس. لم يقتله الحزن، فالحزن لم يقتل أحدًا بل يجعل صاحبه فارغًا من الداخل.
ألتهمه الفراق ولم يعد يقوى على شيء. الحياة الوردية التي طالما حلم بها تبعثرت في الهواء كالغبار ولم يعد لها أثر أو وجود. وضع له النادل كأسًا آخر يحمل ما حرمه الله من الخمر. ألتقطه بيد مرتجفة من كثرة الخمر التي أرتشفها. وضع رأسه على البار ولم يستطع رفعها. وأكمل شروده بمحبوبته.
أستيقظ في المستشفى. وجد نفسه على سرير في إحدى زوايا الغرفة وصدره عاريًا وعليه بعض الخراطيم الطبية المتصلة بالأجهزة. ملفوف خصره بالشاش الطبي. نادى عليها بتلعثم من التعب: -تيا.. كح كح تيا. دخلت الممرضة عليه، تردف بهدوء قائلة: -أخيرًا فوقت. أعاد جملته مرة أخرى مناديًا عليها ويسأل: -تيا... تيا فين؟ أردفت الممرضة بجحود قلب دون أن تراعي حالته الصحية قائلة: -اللي جت معاك ربنا يرحمها. شد حيلك.
أتسعت عيناه بصدمة وهو ينظر لها بذهول من جملتها. جلس على السرير وبدأ ينزع عن صدره تلك الأجهزة، صارخًا بها: -أنتي بتقولى إيه؟ تيـا تيــــااااا. خرج من غرفته متكئًا على الحائط بصعوبة ويضع يده على خصره بألم شديد يلتهم جرحه، وعقله يرفض تصديق هذه الأكذوبة التي قالتها هذه الممرضة، وقلبه يعتصره الوجع خوفًا من تصديق ما قالته. ركضت الممرضة خلفه تحاول أن تمنعه من الحركة ولكنه رفض ودفعها بعيدًا عنه.
فاق من شروده في ماضيه المؤلم حين شعر بيد ناعمة تلمس يده. نظر بجواره وهو يمسك كأسه في يده. وجد فتاة تعمل بهذه الحانة وترتدي ملابس تفضح من جسدها أكثر مما تستر. جذب يده بقوة وبرود بعيدًا عن يدها التي تلوث يده، وترك كأسه وهو يقف صامتًا وجسده يهتز يمينًا ويسارًا من كثرة الخمر الذي يسير في عروقه. وأستدار وأصطدم بفتاة صغيرة الحجم ضئيلة. ترتدي زي هندي عبارة جيبة طويلة واسعة جدًا وبدي بحمالة رفيعة قصيرة يظهر خصرها النحيل.
بشرتها بيضاء اللون كالحليب وشفتيها الصغيرتين بلون الكرز وعيون خضراء فاتحة كصفاء الطبيعة الخلابة الخضراء. وشعرها البني الفاتح الطويل مسدول على ظهرها. كادت أن تسقط من صدمة جسده القوي بجسدها الضئيل بدون قصد. وعيناه شبه مفتوحتان لف ذراعه الأيسر حول خصرها النحيف قبل أن تسقط.
تقابلت عيناهما معًا. أزدردت لعابها بأرتباك منه. نظر لعيناها بهيام ولا يعلم أي سحر ألقته عليه بهذه العيون الساحرة. كانت تملك نظرة حزينة والدموع تجمعت في عيناها وأرتجفت بخوف منه. غريبة هذه الفتاة تملك بعينيها حزن وخوف ودموع وأرتباك وتوتر. أي مشاعر تملكها هذه وهي مرتدية بهذه الحانة المليئة بالرجال في كل مكان. أبتعدت عنه وركضت بخجل وأرتباك. ظل ينظر عليها وهي ترحل كالمخدر تمامًا تحت تعويذة ألقتها عليه ورحلت.
أقتربت الفتاة منه من الخلف ووضعت يدها على كتفه وتنظر على "دموع" وهي ترحل. تردف ساخرة منه ومن هذه الفتاة، قائلة: -دموع مش للمزاج.. مبتعرفش تبسط الراجل اللي معاها. دي مجرد رقاصة مش أكتر. أنا ممكن أبسطك زي ما تحب. فريدة. فريدة: أحد عاهرات الحانة تكره دموع لكونها أجمل منها والكل يريدها لفاتنتها. نظر لها دون أن يستدير بأشمئزاز وحرك كتفه يبعد يدها عنه وقال بقلب قتله الألم: -متلزمنيش.. يا فريدة هانم.
جز على أسنانه في نطق اسمها بأشمئزاز وتركها ورحل ويتردد في أذنه كلمة واحدة فقط "دموع". هكذا هو اسمها إذا، ولكن لما اسمها حزين هكذا كعيناها تمامًا. أمامه صورة واحدة فقط تحمل عيناها الخضراء وملمس خصرها الناعم بنحافته. قاد سيارة لكي يعود إلى منزله ويطرد من عقله هذه الأفكار. دموع: فتاة ريفية تعيش في حانة على الطريق في منطقة ريفية لا أثر لها على الخريطة. عمرها 17 عام درست الإعدادية وتركت التعليم. يتيمة الوالدين.
في مكان آخر بأحدى الشركات التجارية، كان معتصم يجلس يباشر أعماله على اللاب توب وهو ينظر لبعض الأوراق المتناثرة على سطح مكتبه ويبحث عن شيء في الورق. رن هاتفه برقم مسجل. أتاه صوت الرجل بجملة غير ما ينتظرها. صرخ معتصم وهو يضرب سطح المكتب بقبضته بقوة والغضب يعتصر عقله قائلاً: -يعني إيه لسه عايش... أنت أكيد مجنون. -غلطة ومش هتتكرر يابيه. المرة الجاية مش هنغلط هنفذ بنفسي.
-شغلنا مفهوش حاجة اسمها غلطة. المرة دي لو غلطت حياتك هتكون الثمن. -أخر الأسبوع يكون عند معاليك خبره. -مفيش أخر الأسبوع. معاك 48 ساعة يا تجيبلي خبره.. يا أجيب أنا خبرك. واضح. وأغلق الخط دون أن ينتظر جواب أو مبرر. عاد بظهره للخلف شارداً في تفكيره وكيف يتخلص من هذا الضابط الذي يعترض أعماله وطريقه. معتصم: رجل أعمال يملك شركة تجارية ويتاجر بالمخدرات في الخفاء. يعلم إلياس بعمله ويطارده.
دخلت دموع غرفتها في الطابق الثاني للحانة بتعب وجسدها مرهق من عملها. وقبل أن تغلق الباب دلف خلفها زوج أمها "سيد" وهو يصرخ بغضب وصوت عالي: -هتفضلي كدة ترفضي أكل العيش؟ أنا مش هفضل أصرف عليكي العمر كله. سيد: زوج والدة دموع عمره 45 عامًا. يعشق الأموال والحشيش. يتاجر بالفتيات من أجل المال. جشع ولا يخشى شيئًا ويعمل ديلر. نظرت للأرض بروح منكسرة كعبده لديه وهتفت بخفوت: -تصرف عليا ليه؟
أنا بشتغل كل يوم من الصبح للفجر. ماما وصتك عليا وقالتلك تدخلني الجامعة وأنت عرتني لكل الناس. عايزني أعمل إيه تاني؟ أنام معهم؟ بالنسبة لك ده الشغل يعني وأكل العيش. أقترب منها بغضب ومسكها من ذراعها بقوة وصفعها على وجهها بيده الأخرى وهو يتحدث بلهجة إذلال: -أنتي تبوسي إيدك أني ربتك ولسه متكفل بيك وبهمك لحد دلوقتي. واحد غيري كان رماكي في الشارع لكلاب السكك تنهش فيكي بعد ما أمك ماتت.
تألمت من قبضته وصفعته وتأوهت بوجع وهي تبكي بين قبضته وصراخه في وجهها. وجمعت شجاعتها وقالت بأنفعال: -لو كنت رميتني لكلاب السكك كان أرحم من العيشة هنا وتشغلني راقصة. أنت فاكر نفسك كدة عامل فيه خير وبتذلني؟ أنا هنا في جحيم.. جحيم أنت فاهم. كعادتها تتمرد عليه بعد لحظة ضعف وخوف منه. تمامًا ككل شجار يحدث بينهما تضعف ثم تخرج شجاعة تملكها بداخلها. كاد أن يصفعها على صوتها العالي ولكن دلفت زوجته إلى الغرفة على صوتهم.
هتفت "نارين" بقسوة قلب وهي تأخذ سيد من ذراعه قائلة: -تعال يا سيد. هو أنتي على إيدك نقش الحنة؟ أمشي انقري يابت ساعدي فريدة والبنات في النضافة. عايزة المكان يبرق وحضروا العشاء. وأخذت زوجها وخرجت. سقطت "دموع" على الأرض تجهش في البكاء وتلعن حظها وقدرها الذي جعلها جارية لديه يفعل بها ما يريد هو وزوجته.
نارين: زوجة سيد. ماضيها سيء. امرأة قاسية تمامًا كزوجها. تكره دموع لكونها ابنة زوجته السابقة وتريد التخلص منها عن طريق جعلها عاهرة وراقصة في الحانة وتبقي جارية لها. دلف "إلياس" من باب الشقة ثملًا ويهتز يمينًا ويسارًا صباحًا ووجدت أمه تجلس على الأريكة تنتظره. وقفت "جميلة" فور عودته وعقدت ذراعيها أمام صدرها بضجر من تصرفات ابنها في الآونة الأخيرة ونظرت في الساعة وجدتها 8 صباحًا وقالت: -كنت فين يا إلياس؟
أتجه نحو غرفته دون أن يجيب عليها. دلفت خلفه وهي تحدثه بغضب: -أنت هتفضل كدة لحد إمتى؟ بتدمر حياتك بإيدك وشغلك بطلت تروحه وكل ده عشان إيه؟ أمر ربنا ونفذ هنعترض يعني؟ أستدار لها وهو يصرخ بها بدون وعي: -أنتي إيه اللي جابك؟ عايزة مني إيه؟ سبوني في حالي بقى محدش حاسس باللي أنا فيه. أنا واحد مراته وابنه ماتوا قدام عينه وهو معملش حاجة. أرحميني بقى وروحي لجوزك أنا مش عاوز حاجة منك. رمقته بنظرة غضب وقالت بلهجة غليظة:
-وبدل ما تدور على حقهم رايح تضيع وراء الغوازي والخمر. مسكها من ذراعها وأخرجها من الغرفة وهو يقول: -متجيش تاني هنا. أنا لما أعوزكم هاجيلكم. وصل لباب الشقة وأخرجها من الشقة وأغلق الباب وعلي أقرب كرسي جلس عليه منهك من التعب جسديًا ونفسيًا. جميلة: أمه مديرة مدرسة ثانوية عامة بنات. عمرها 56 عام.
فتحت "دموع" باب غرفتها بخفوت شديد وأخرجت رأسها من الباب ثم نظرت في الممر ولم تجد أحدًا منهم. خرجت من الغرفة وهي ترتدي بنطلون جينز وتيشرت بنص كم وشعرها مسدول على ظهرها وتمسك بيد شنطة ظهرها متوسطة الحجم وبالأخرى حذاءها الرياضي وركضت على الدرج بسرعة هاربة من سجنها هنا منه إلى خارج الحانة. أرتدت حذاءها وشنطتها وركضت بأقصى سرعتها في الطريق. ظلت نصف ساعة تركض بخوف حتى ظهرت أول سيارة على الطريق وأشارت إليها لكي تتوقف. توقفت السيارة ودهشت حين نزل منها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!