أرتدت حذاءها وشنطتها وركضت بأقصى سرعتها في الطريق. ظلت نصف ساعة تركض بخوف حتى ظهرت أول سيارة على الطريق وأشارت إليها لكي تتوقف. توقفت السيارة ودهشت حين نزل منها "سيد" وعيناه كالصقر الذي وجد فريسته وتشع غضب من هروبها التي لم تتوقف عنه.
انقبض قلبها بخوف وصدرها يصعد ويهبط من ارتجافها. زحزحت قدمها بثقل إلى الخلف وهربت شجاعتها بعد أن جعلتها تهربها. اقترب منها بجحود ورمى سيجارته وهو ينفث دخانها بوجه "دموع". مسكها من معصمها بقوة وأدخلها السيارة بقسوة وصدمت رأسها بالسيارة وهي تجهش في البكاء بخوف من تفكيرها وماذا سيفعل بها. قاد بهما "رامي" وهو شاب فاسد يعمل ديلر مع سيد ويريد الزواج من دموع وهي ترفض بشدة. عمره ثلاثة وعشرون عاماً.
نظر لها في المرآة فرمقته بنظرة احتقار وأشاحت نظرها عنه. في ڤيلة "معتصم". نزل من الأعلى وهو يحمل جاكيته في قبضته واتجه نحو السفرة حيث تجلس زوجته وابنته الصغرى وجدة زوجته العمياء. "صباح الخير... قالها "معتصم" وهو يضع جاكيته على ظهر كرسيه. هتفت "كارما" وهي تطعم طفلتها ذات السابعة سنوات دون النظر له: "صباح النور يا حبيبي." جلس على مقعده وبدأ في تناول فطاره. وقفت "أريج" من كرسيها وذهبت نحو والدها وقالت ببراءة:
"بابي هنروح الملاهي بليل صح؟ "أريج بابي عنده شغل." قالتها "كارما" بحزم وهي تضع السندوتشات في شنطة طفلتها المدرسية. نظرت أريج لوالدها بحزن شديد وقوست شفتيها للأسفل بخيبة أمل. وقالت بلهجة حزينة دون معارضة حديث والدتها: "أوكي مامي." وضع "معتصم" سبابته أسفل ذقن ابنته ورفع رأسها مبتسماً لها وقال بلهجة حنونة: "هنروح الملاهي. مادام بابي وعدك يبقى هينفذ." ارتسمت بسمة مبتهجة على شفتيها ولمعت عيناها ببراءتها وعانقت
بسعادة وهي تردف قائلة: "ميرسي يابابي.. أنا بحبك أوي." رن هاتفه برقم مسجل. ابتعد عن ابنته وأخذ جاكيته وقبل رأس زوجته وخرج. ضحكت "أريج" بسعادة لأمها وأخذت شنطتها وخرجت لأتوبيس المدرسة. أنزلها "سيد" من السيارة بعنف وأغلق بابها بانفعال. دلفها بها للحانة ودفعها بقوة للداخل فسقطت على الأرض من دفعته. صرخ بها وعيناه تشع نار من الغضب وجبينته تتعرق من الغضب: "بتهربي يابنت شريفة بعد كل اللي عملتهولك؟
خرجت "فريدة" من المطبخ على صوت صراخه. ونزلت "نارين" من الأعلى. وقفت "دموع" وهي تجفف دموعها بيدها وقالت بتحدي وتمرد: "آه بهرب وهفضل أحاول وأحاول طول ما فيا نفس وعايشة. وعمري ما هقبل بالحياة دي والعيشة معاك ولا هستسلم لجحيمك وسيطرة مراتك وحقدها. كلكم بتكرهوني ونفسكم أموت."
كانت تتحدث وهي تنظر لسيد نظرة تحدي وتمنع دموعها من النزول رغم ارتجاف جسدها من نظراته وحدتها. اقتربت "نارين" منها من الخلف ومسكتها من شعرها وجذبتها للخلف بعنف. صرخت "دموع" من قوة قبضتها وتتألم. أردفت "نارين" بجحود ولهجة قاسية وهي تمسكها من شعرها قائلة: "القطة المغمضة طلعها حس وبتزعق؟ آه بنكرهك وعايزينك تموتي عشان نرتاح من همك وقرفك." دفعتها "دموع" بقوة بعيد عنها وقالت بصراخ:
"خلاص سبوني أمشي وأريحكم من همي اللي تعبتكم ومش هوريكم وشي تاني." قهقهت "نارين" بسخرية بصوت عال وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بإذلال: "أنتي مالكيش خروج من هنا غير وأنتي جثة غير كده متحلميش يابنت شريفة. وطول ما أنتي عايشة هتفضلي هنا رقاصة وبس فاهمة؟ نظرت لها "دموع" باشمئزاز وقالت بتحدي ونرفزة:
"لا مش فاهمة. أنا مش رقاصة أنا أنضف من وسختكم وقذرتكم دي. عالم تفرق ورجل شمام وبنات تبيع نفسها بالرخيص أنا مش زيك ولا من زبالتك دي." قالتها بتحدي وهي تجول بعينيها بين عين "نارين وفريدة" وتبث لهم نظرات احتقار واشمئزاز. لم تشعر بشيء بعدها سوى انقضاض "سيد" عليها بالضرب والعنف بقسوة وكأنها جسد بلاستيك لا يشعر ولا يتألم ولم ينتبه لصرخاتها أو بكاءها وهي تنتفض بين يده وهو يكمل ما يفعل بدون توقف.
استيقظ إلياس عصراً على صوت جرس الباب. وجد نفسه يجلس على الكرسي كما تركته أمه. مسح وجهه بكفه بضيق ثم وقف وفتح الباب. وجد "علي" صديقه وابن خاله يقف على الباب. دلف للداخل وترك له الباب مفتوح دون أن يتفوه بكلمة فدخل "علي" خلفه وهو يردف قائلاً: "مساء الخير كل نوم. رنيت عليك كتير." دخل "إلياس" المطبخ وهو يحدثه ببرود ولا مبالاة: "رنيت عليا؟ خير إن شاء الله. تشرب قهوة؟
جلس "علي" على الكرسي وهو يأخذ علبة السجائر الخاصة بإلياس من فوق الترابيزة وهتف باهتمام: "معتصم ناوي على شحنة مخدرات محترمة بكمية كبيرة ومطمن أنك مش مركز معاه. مش ناوي ترجع من الإجازة دي؟ خرج "إلياس" من المطبخ وهو يحمل فنجانين من القهوة وجلس بجواره وقال بلا مبالاة وعدم اهتمام: "المكافحة فيها ضباط كتير وكلهم عايزين تريقة. طلعني من الموضوع ده. أنا في إجازة متدوخنيش بشغلكم عشان مش مهتم. إشرب قهوتك ومع السلامة عشان خارج."
تركه ببرود ودخل لغرفته ووقف "علي" بشفقة على حال صديقه وما حدث لأسرته الصغيرة قبل أن تكبر. جلست منكمشة في ذاتها فوق سريرها وترتجف بقوة من شدة قسوته عليها وضربها بهذه الحدة. صوت شهقاتها يعلو في المكان بأكمله ولم تستطع التوقف عن البكاء. دلفت "فريدة" الغرفة وضحكت بمياعة ساخرة منها وهي تبكي. وأقتربت منها وهي تضع يدها في خصرها وقالت: "قومي ياحلوة ألبسي وأنظلي شوفي شغلك."
أخفت رأسها بيديها وهي تبكي وتلعن هذا المكان المخيف كالجحيم لها. فتحت "فريدة" الدولاب وأخرجت الملابس منه وقذفتها بوجه "دموع" بعنف وقالت: "أبلتي بتقولك ألبسي بسرعة." وتركتها وخرجت. دموعها تسيل بغزارة وتنهمر على وجنتها وكأن دموعها تؤكد اسمها. فهل كانت أمها تعلم بقدرها لذلك أسميتها بذلك الاسم البأس؟ أكنتي يا أمي تعلمين بدموعي التي تسيل دوماً دون توقف؟ أقرأتي قدري وكفي حين كنت جنيناً في رحمك؟
أسبب عذابي يا أمي هذا الاسم أم قدري الأليم؟ كفي ضعف يا قلبي. كفي قسوة يا قدري. كفي عذاب يا عقلي. كفي دموع يا "دموع". نظرت لهذه الملابس باحتقار وقالت: "مستحيل أفضل كده. مستحيل." نظرت لشباك غرفتها بتحدي ثم وقفت من مكانها وأغلقت باب غرفتها بالمفتاح من الداخل.
كان "إلياس" يقود سيارته على الطريق خالٍ بالكاد تمر عليه سيارة أخرى في هذا الليل. ظهرت أمامه من العدم وهي تركض وتنظر خلفها بخوف تأبى أن يأخذها "سيد" مرة أخرى. ضغط على الفرامل مرة واحدة قبل أن يدهسها. وقفت أمامه بهلع. ترجل من سيارته بثقة ناظراً عليها وهو يتذكر ملامحها. هي نفس الفتاة التي رآها أمس. ذهب إليها بهدوء وهو يضع يديه في جيبه بغرور واقترب منها. -مش تبص لطريق وأنتي ماشية؟ حد يطلع فجأة كدة على الطريق.
قالها "إلياس" بصوت جهوري خشن وعيناه البنية تتشبث بعيناها الخضراء كعيون الصقر لفريسته العاجزة عن الهروب منه. ذهل من فعلتها حين احتضنت يده بيدها الصغيرة فشعر بنعومة يدها وصغرها بين يده. شعر بجسده يذوب بلمسها وغروره ينهار أمام نظرتها البريئة الممزوجة بحزن ودموع تسكن جفنها. هتفت "دموع" بنبرة حزينة تترجاه بتؤسل، قائلة: -لو سمحت ممكن تخرجني من هنا؟ وديني أي مكان بعيد عن هنا.
نظر للمكان حوله باستغراب وعاد بنظره لها مجددًا. فتاة ضئيلة رأسها بالكاد تصل لساعده. وسألها: -أوديكي فين؟ فين أهلك وأزاي تخرجي لوحدك في وقت زي ده أصلاً؟ -أهي لاقيناها. قالها أحد الرجال محدثًا أصدقاءه وهو يشير عليها. نظرت بخوف نحوهما واختبأت خلف ظهره وتشبتت به بقوة وقالت بسرعة: -أنا معنديش أهل ودول خطفوني والنبي متخلهمش يخدوني عايزين يقتلوني.
قالتها بسرعة قبل أن يصلوا لهما. أرادته أن يقاومهم ويحاربهم ويمنعهم من أخذها بعد أن رأت "رامي" معاهم. اقتربوا الرجال منهما. نظر ليدها وهي تتشبث بجسده بقوة وتختبي خلفه ويشعر برجفتها. وقبل أن ينظر لهم التقت لكمة في وجهه على سهو من "رامي". ثم أخذها منه وأعطاها للرجال وهي تصرخ بهلع. لم يشعر "إلياس" بشيء سوى وهو يسحب مسدسه من جرابه من خصره وأطلق رصاصة منه في العدم. استدار الجميع له وانتفض جسدها من رصاصته. أردف "إلياس"
بصوت غليظ وهو يقترب منهم: -أنت اتجننت ياروح أمك بتمد أيدك عليا وتأخدها مني. جذبها من يده وهو يصوب مسدسه على رأس "رامي" وقال بتحدي: -لو شايف نفسك دكر فكر تاخدها مني وأنا أخليهم يترحموا عليك. أخرج أحد الرجال مسدسه وفور رؤية "إلياس" له أطلق رصاصة على قدمه وقال: -معاك دكر غيره ولا لا؟
أخرج "رامي" مطواة من جيبه. ارتاعت "دموع" من الخوف فهي لا تعلم من هذا الرجل الذي أخرج مسدس من العدم وتتحمى به. جذبها "إلياس" وأخباها خلف ظهره ونظر لرامي بتحدي وهكذا رامي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!