فتح باب الشقة وهو يمسك يدها وهي تصرخ به وصدم حين وجد الشقة في حالة فوضى وكأن لص دخل إليها. نظر بأحراج ثم أدار رأسه لها بأحراج. نظرت له بزفر وجذبت يدها من معصمه وهتفت بأنفعال: -إيه اللي أنت عامله في الشقة دي؟ أنت صغير تبوظ كدة! -كنت بدور على ورق مهم للشغل. قالها بأحراج وهو يخفي عنها حقيقة فعلته حين غضب منها حين ذهبت معه لرجل آخر. دلف إلى الداخل ويعدل الكرسي المقلوب وهو يقول: -أنا هظبطها. أدخلي أنتي.
صدم حين دلفت إلى غرفتها حقاً ولم تعر أي اهتمام له أو تساعده. ركل الكرسي بقدمه بأنفعال وبدأ يرتب الفوضى التي فعلها. خرجت من غرفتها بعد نص ساعة. رفع نظره لها وجدها غيرت ملابسها وأرتدت بيجامة بيتي زهرية اللون بنص كم وشعرها البني مسدول على الجانبين مبلل وتتساقط منه حبات الماء يبدو أنها أخذت حمامها. رأته يقف هناك بعد أن توقف عن ما يفعله يتأملها وعيناه تحتضنها بين جفينه. أشاحت نظرها عنه وبدأت ترتب المكان معه دون أن تتفوه بكلمة واحدة. تأكد بأنها بالفعل لم تصالحه ومازالت غاضبة منه. أقترب منها وهو يدعي أنشغاله بالتنظيف. أبتعدت عنه بضجر فأقترب مجدداً.
صرخت به بغضب طفولية: -ممكن تبطل تخبط فيا بقي! هتف ببسمة هادئة قائلاً: -لا مش ممكن. ألقت المكنسة من يدها بغضب فوق قدمه وقالت بضيق منه تثير غضبه: -نضف لوحدك بقي. أنا غلطانة أني بساعدك أصلاً... تألم من قدمه وهو يمسكها. أبتسم بأستفزاز ومكر ثم تركته ودلفت المطبخ. ألقى من يده وسادة الأريكة غاضباً من تذمرها. في شقة مصر الجديدة. دق جرس الباب. فتحت الخادمة سيدة في منتصف الاربعينات ودلف "علي" وهو يسألها: -بابا صاحي؟
-أيوه يابيه في اوضته. قالتها وهي تغلق باب الشقة. طرق الباب بهدوء ثم دخل إليه. سأله "علي" عن صحته وهو يجلس على الكرسي: -إزي صحتك يابابا دلوقتي أحسن؟ أدار "جلال" رأسه دون أن يجيب عليها. هتف "علي" مجدداً بأستياء قائلاً: -رد عليا يابابا. أنا عملت إيه لكل ده؟ أتصل بيك متردش واجيلك متردش. عملت إيه أنا؟ صرخ "جلال" به بأنفعال وهو ينظر له قائلاً: -عملت إيه؟ رايح تحط ايدك في ايدك الراجل اللي كان يوديني فداهية وتقولي عملت إيه!
وقف "علي" بغضب ثم جز على أسنانه وقال مفعلاً: -كان هيوديك في داهية وانت لما تاجرت في المخدرات وابنك في كلية الشرطة كان عادي عندك؟ انت عارف لو كان اتقبض عليك انا كان هيجرالي إيه في كليتي؟ أحمد ربنا أن متقبضش عليك وواد تاني اللي شالها وإلا كان زمانك خسرتني أنا كمان مع أختك. أخرج تنهيدة قوية من بين صدره بزفر. ثم هتف ببرود مستفز: -عشان كدة رايح تتجوز بنته وكمان من ورايا؟ يابجاحتك ياواد.
جلس "علي" أمامه على السرير وقال بخفوت شديد يريد موافقته عليها: -وأثير ذنبها إيه في الموضوع ده يابابا؟ وأنا ذنبي إيه في كل ده؟ المشكلة أتحلت وأنت في السليم وسافرت وسيبت كل البلد ومضرتش في حاجة وعمي حبيب اهو طلع معاش وقعد في البيت خلاص. نحلها إحنا بجوازي من أثير وتصالح أختك. رمقه "جلال" بنظرة غضب وقال بلا مبالاة: -برضو مفيش جوازة. وقوم أمشي بقي من هنا. زفر "علي" بضيق وقال بخفوت شديد مضطراً: -يعني أبنك مش مهم عندك؟
يعني أنا أتنازل عشانك وأنت مستكتر تتنازل عشاني وعشان حبي؟ ماشي سلام. وتركه وخرج من الشقة مستاء من رد والده ورفضه وقلبه يتألم وأمامه صورتها وهي تتركه وترحل غاضبة منه. زفر بضيق وهو يركب سيارته. جلست "دموع" على السفرة تأكل بشراسة. خرج "إلياس" من غرفته ورأها كما هي. جلس على كرسيه وتناول بأصابعه الملعقة يستعد للطعام. قرب يده من الطبق فضربته على يده بغضب وقالت بحزم: -متأكلش من أكلي. قوم أعمل لنفسك. أخذ الكفتة
بالشوكة يغيظها وهتف بتهكم: -جعان. صرخت به وهي تأخذ الشوكة قائلة: -قولتلك مش هتأكل يعني مش هتأكل. اللي يغلط يتحمل غلطه. وأخذت الأكل معاها ودلفت إلى غرفتها. ذهب خلفها فأغلقت الباب في وجهه. طرق الباب بقوة وهو يقول: -أفتحي يادموع. أنا جعان. يرضيكي عمه ينام من غير أكل؟ أبتسمت بخبث عليه وقالت بلهجة حادة مصطنعة: -اه يرضيني جدا. أكلت الطعام وتمتمة بعناد لتغيظه أكثر: -اممممم طعمه رائع.
سمعها من الخارج وأشتاط غضب من دلالها عليه وعنادها مع عقلها الطفولي. قال بحزن مصطنع: -دموع أفتحي عشان خاطري. لم تجيبه. ظلت تقف خلف الباب ولم تسمع صوت من الخارج. وضعت أذنها خلف الباب فسمعت صوت باب الشقة يغلق. فتحت الباب بسرعة ولم تجده في الشارع. قوس شفتيها للأسفل بحزن عميق أعتقدت أنها أغضبته فتجمعت دمعة في عيناها وأنهمرت على خدها وبكت ببراءة.
ظلت تنتظره ساعتين ولم يعود. فتحت شرفة الصالون وطلت منها تنظر في الشارع عليه ولم تجده. فتح باب الشقة ودخل رأها تقف في النافذة. أبتسم وذهب نحوها بخفوت على أطراف أصابعه حتى لا تشعر به. كادت دموعها تنهمر من جديد وهي تبحث عنه في الشارع. شعرت بهواء ساخن خلفها شعرت بالخوف معتقدة بأن هناك لص. أستدارت بقلق ورأته أمامها شهقت بقوة وضربته على صدره بقوة وهي تصرخ به: -خضتني حرام عليك!
أخرج باقة ورد جميلة من خلف ظهره وأبتسم لها. رفعت حاجبها له ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بأستياء مصطنع وقلبها يرفرف من السعادة تخفيها: -إيه ده؟ وضع قبلة على جبينها بحنان وقال بهيام وهو ينظر لعيناها بحب وشغف: -أسف. فرح بسعادة حين أبتسمت له ببراءة وأخذت منه الورد بدلال. أقترب خطوة منها ودهش حين رفعت نظرها له وتغيرت تعابير وجهها للغضب من جديد وقالت: -شكرا على الورد. بس أسفك مش مقبول.
أنهت جملتها ثم بعدته عن طريقها بيدها في صدره وجلست على الأريكة تداعب الوردات بأصابعها وتستنشقهم بسعادة تغمر قلبها الصغير وتتناغم بدقاته. جلس بجوارها. -وحياة عمه سماح المرة دي. قالها إلياس وهو يداعب كفها بيديه ويحتضنه بدفء. أردفت "دموع" بزفر شديد منه. وهو يظل يشاكسها ويذهب خلفها أينما ذهبت. تعانده وهي تخرج لسانها له كطفلة صغيرة قائلة: -وحياة عمه حبيبي مش هسامحك. أبتسم عليها وقال وهو يغلغل أصابعه بين خصلات شعرها بحنان:
-سماح المرة دي عشان خاطر عمه حبيبك. أبعدت يده عنها بأستياء وقالت بحزن عميق وهي تنظر له: -ده أنت مستنيتش تسمعني طردني وخليتهم يأخدوني. مستحيل أسامحك ياعمه أنت وحش وشرير. ضحك على براءتها ثم وضع قبلة على جبينها بلطف شعر بشفتيه تلتصق بجبينها فتسارع قلبها بنبضه وأغلقت قبضتها بأرتباك منه فهي الأخرى إشتاقت له ولحديثهما ولكنها غاضبة حقاً منه. أبتعد عنها ثم نظر لعيناها بدفء وهتف بخفوت يهمس لها في أذنها:
-صدقيني عمه مش شرير ويحبك والله ومش واجعني بجد إلا جرحي لكِ ومع أول خطر قرب منك سبت أيدك. أنا أسف حقك عليا غلطة مش هتتكرر. أبتسمت بداخلها بمكر ورفعت حاجبها ثم وقفت بدلال تثير غضبه أكثر وأكثر وهي تتجه إلى غرفتها مستديرة له: -برضو مخاصمك ومش هسامحك على عملتك دي ها؟ وضع يده خلف رأسه بزفر وهو لا يقوى على هذا الخصام أكثر من ذلك ودلالها المفرط وهو يعلم بأنها تعاقبه بدلالها هذا. أستسلم لدلالها وذهب إلى غرفته بغضب شديد.
خرجت "أثير" صباحاً من غرفتها أوقفتها "جميلة" وهي تتحدث: -أثير مش هتفطري؟ أجابها وهي ترتدي حذاءها بروح حزينة: -مش جعانة وهتأخر. عندي محاضرة بدري. تركتها وخرجت. أردفت "جميلة" وهي تسديرة لزوجها قائلة: -عجبك بنتك كده؟ أجابها وهو يأكل بلا مبالاة: -أنا اللي عملت كده ولا ابن أخوكي وأخوكي. تنهدت بزفر رغماً عنها وقالت بهدوء تستأذنه: -طب إيه رأيك أروح أتكلم مع جلال أنا يمكن أوصل لحل؟ نظر لها بضيق ثم قال بأستياء:
-أعملي اللي يريحك. بس يارب هو اللي مطردتكيش من بيته. ووقف من كرسيه ثم ذهب إلى الداخل. أستيقظت "دموع" على صوته وهو يناديها ويربت على كتفها. أردفت بصوت نائم وهي مغمضة العينين ونسيت غضبها منه: -عمه خليني أنام شوية بليز. أربت على كتفها بحنان وقال وهو يبعد خصلات شعرها عن وجهها: -قومي يادموع بطلي كسل من أول يوم. رفعت رأسها من فوق الوسادة ووضعتها على قدمه بتشبث به وهي تقول بخفوت وهي شبه نائمة وغير واعية: -عمه عايزة أنام.
مسح على رأسها بيديه وهو يقول بأبتسامة: -والمدرسة مين يروحها؟ ولا مش عايزة؟ فتحت عيناها بذهول ونظرت للأعلى له وقالت بعدم تصديق: -هروح المدرسة. أبتسم لها وهو يضع خصلات شعرها خلف أذنها ثم أشار إليها بنعم. قفزت من فوق السرير بسعادة وهي تعدل من هيئتها قائلة: -أنا جاهزة يلا بسرعة. أبتسم عليها وقال مشيراً على الأريكة: -ألبسي لبس المدرسة بسرعة عشان الباص هييجي بعد نص ساعة وبسرعة عشان تفطري قبل ما تنزلي. -عملتي فطار؟
قالتها بدلال وعفوية وهي تضع يديها على وجهها بطفولية وترمش له بعينيها مبتسمة. قرصها من خدها وخرج. أخذت حمامها ومن ثم جهزت نفسها للمدرسة خرجت ورأته يرتدي قميص وبنطلون وتجهز للعمل. قوس شفتيها وهي تتذكر غضبها منه. -أفطري بسرعة. قالها وهو يرتشف قهوته. حملت شنطتها وقالت بغضب: -أنا مخاصمك إياك تنسي كدة ها...
وتركته وخرجت. أعد سندوتشات لها وأسرع خلفها رأها تركب الأتوبيس. أعطاهم لها من النافذة فأبتسمت بسعادة لذهابها للمدرسة ولوحت له بيدها الصغيرة من النافذة مبتسمة. لوح لها بيده ثم ركب سيارته. دلف "سعيد" إلى مكتب "معتصم" سأله وهو يباشر أعماله: -عملت إيه؟ أجابه "سعيد" وهو يقرب: -سيد هيرحل على النيابة بعد يومين ورجالتنا هتخلص الموضوع قبل ما يوصل للنيابة. سأله بفضول أكبر: -ودموع؟ أزدرد لعابه بصعوبة وقال بضيق مخفض رأسه للأرض:
-رجعت لإلياس وداها المدرسة مع مامته. أسند بظهره للخلف متكئاً على كرسيه وصمت لوهلة من التفكير ثم هتف بتهكم قائلاً: -كويس أنه خرجها. جبهالي قبل ما تفتح بوقها. بتر "سعيد" الحديث من فمه وقال بثقة: -بس... -بس إيه؟ دموع لو قالت أنك طلبت منها تقتله هيأخد رأسك قصادها. قالها "معتصم" بأنفعال يخشي تهور "إلياس". أجابه وهو يضم يده أمامه بهدوء مطيعاً لأمره: -النهاردة وهي خارجة من المدرسة هنجبها حاضر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!