نظر لعيناها وهو يقود سيارته وتذكر ما حدث بأكمله. خوفها عليه جعلها تبتسم له ببراءة، فابتسم لها. رأى سيارة نقل تأتي من جواره بسرعة قصوى، علم بأنها ستقتلهم. جذب رأسها بهلع وأخبرها بصدره وهي مبتسمة. بسرعة البرق، صدمت السيارة سيارته. انكسر زجاج نافذة الباب بظهرها وانقلبت سيارته نتيجة الصدمة القوية وهي بين صدره. فرت سيارة النقل هاربة بعد أن صدمتهما. تنفس الصعد بتعب وألم في كل أحناء جسده، ودماء تسيل من رأسه.
كان مثبت ذراعه الأيسر في المقود بقوة ويحمي رأسها بين ذراعه الأيمن وصدره. نادها ليطمئن عليها: -دموع. لم تجبه مرة أخرى. حاول فك حزام الأمان بخوف عليها وهو يتاوه بألم، ثم خرج من نافذة السيارة وأخرجها معه، فاقدة الوعي. جلس على الأرض بتعب ووضعها على قدمه وحاول إفاقتها وهو يصرخ بهلع: -دموع.. دموع. فتحت عيناها ببطء شديد وأنفاس متقطعة. رأته أمامها وعيناه تكاد تبكي من الخوف. نطقت بصعوبة وصوت مبحوح: -عمـه.
وغابت عن الوعي من جديد. نظر عليها وهي بين ذراعيه ملوثة بالدماء بالكامل وتذكر جملتها: "أنا خايفة عليك". وقف بصعوبة من الألم وحملها على ذراعيه، لكنه لم يقو على الحركة فسقط على الأرض. أخرج هاتفه واتصل بسيارة الإسعاف. ضم رأسها لصدره وحدثها بخوف شديد:
-دمـوع خليكي معايا متموتيش، متمشيش زي تيا وتسبيني لوحدي. دموع خليني أعمل حاجة صح مرة في حياتي وأدخلك المدرسة. أنتي مالكيش ذنب في كل ده، مش لازم تموتي. المفروض أنا مش أنتي ولا تيا. انتفض جسدها فجأة بين ذراعيه ثم توقف قلبها عن النبض تمامًا. صرخ بصدمة وهو يضمها بقوة: -ااااااااه ليـــــــه كـدة ليــــه.. أستيقظ "حبيب" على صوت رنين هاتفه، فالتقطه وأجاب عليه: -آلو.. أيوة أنا.. إيه طب هو كويس؟ جراله حاجة؟ فتحت "جميلة"
عيناها بتذمر وهتفت قائلة: -في إيه ياحبيب على المساء؟ أنت مش هتبطل تليفونات؟ -طيب طيب أنا جاي. حاجة مستشفى إيه.. ماشي سلام. قالها "حبيب" وأغلق الخط. أعتدت في حديثها وقالت بقلق: -في إيه ياحبيب وراح فين دلوقتي؟ أجابها وهو يقوم من سريره بقلق مستحوذ عليه بعد هذا الخبر: -ابنك عمل حادثة هو ودموع في العمليات. صرخت بهلع مصحوبًا بانتفاض قوي: -ابني.
خرج "علي" مسرعًا من باب العمارة بعد أن جاءه الخبر وركب سيارته ثم قاد كالمجنون إلى المستشفى. رأه يقف أمام غرفة العمليات ورأسه محاطة بشاش طبي وذراعه الأيسر معلق في رقبته. أسرع نحوه ثم هتف مردفًا: -حصل إيه؟ ودموع جرالها إيه؟ لم ينطق "إلياس" بشيء، فقط أبقى كما هو متكئًا على الحائط بظهره ويفكر بها وصوتها يتردد في أذنه: "ممكن تخرجني من هنا؟
" "عمه" "بس أنا بثق فيك لأن بحس معاك بالأمان" "أنا بجد خايفة عليك" "بجد هتوديني المدرسة؟ فكل لحظة قابله بها، كانت أمامه. كنت بسمتها البريئة ترتسم على شفتيها وتميل رأسها نحو كتفه بعفوية ويميل شعرها الحرير معاها. ضرب الحائط بقبضته اليمنى بقوة وهو عاجز عما حدث ولا يعلم ماذا يحدث بها في الداخل وإلى أي مدى ستت حالتها بعد أن توقف قلبها بين يديه. وصلت أسرته إلى المستشفى. وقف "حبيب" أمامه وسأله بفضول عن الحادثة ناظرًا
لغرفة العمليات: -حصل إيه؟ ودموع جرالها إيه؟ صرخ به بعد أن نفذ غضبه وقلقه عليها: -معرفش معرفش. وقفت "أثير" بجوار والدتها تنظر على أخيها بعد ما حدث له في الأوان الأخيرة وهل عمله سبب كل هذا. وقع نظرها على "علي" الواقف بجواره يربط على كتفه بمواساة. انتفض قلبها بخوف عليها، فأذا وقعت في حبه هل ستكون تمامًا كـ "تيا" وسيظلوا يحاولون قتله. هزت رأسها بخوف وهي تشيح نظرها عنه بعيدًا.
دلف "معتصم" إلى فيلته منهكًا من كثرة العمل ويحمل جاكيته بيده. -بابي. قالتها "أريج" وهي تركض نحوه بسعادة. جثا على ركبته بسعادة يعانقها ثم قال: -عصفورة بابي صاحية لحد دلوقتي ليه؟ ابتسمت له ببراءة وهتفت بطفولية: -مستنياك تلعب معايا. قهقه من الضحك بسعادة. اقتربت "كارما" منه مبتسمة وهتفت مردفة: -حمد الله بالسلامة ياحبيبي. روحي يا أريج لنانا بابي تعبان. -أوكي. قالتها "أريج" بطفولية وسذاجة وهربت إلى الداخل.
وقف "معتصم" ووضع قبلة على جبينها بأرهاق وقال: -العشاء جاهز. أشارت إليه بنعم وهي ترسم بسمة على شفتيها. صعد الدرج لكي يغير ملابسه أولًا. خرج الدكتور من غرفة العمليات ونزع الكمامة عن وجهه. أسرع إلياس له بفزع وسأله: -خير يا دكتور، هي كويسة؟ -الحمد لله حاليًا صحتها كويسة وتجاوزنا مرحلة الخطر. طبعًا خرجنا الزجاج من ضهرها وجبسنا رجلها الشمال. بس.. قالها الدكتور وهو ينظر له ثم توقف عن الحديث.
نظر "إلياس" له بخوف بعد أن توقف عن الحديث. نظر الدكتور لـ "حبيب" ثم أكمل حديثه بأسف: -هي دخلت غيبوبة علميًا مفيش أي أسباب توحي للغيبوبة دي، يمكن جسمها مش قابل الحادثة وصدمة. إن شاء الله تفوق في أسرع وقت. عن إذنكم. ارتطم جسده بالحائط بخذلان وانهيار بعد خبر الغيبوبة. نظروا جميعًا لبعضهم ثم له بذهول من خوفه الشديد عليها ومن فقدها. ذهب إلى غرفتها بضعف وهو لا يقوى على الحركة.
دلف بتعب ورآها على السرير وأنبوبة التنفس الصناعي على فمها وعليها غطاء أبيض وشعرها مسدول بجانبها. جلس بجوارها على الكرسي وتأملها بهدوء وذرفت دمعة من عيناه مع دقة قلب من أجلها هي فقط. طفلة سكنت تفكيره منذ أول لقاء لهما بالحانة واسمها الذي تردد بأذنه منذ أن سمعه من "فريدة" وعيناها الحزينة كأسمها وكيف تحتضن عيناه. تشبثها به وبيده مع صوتها الرقيق بهدوئه وبسمتها البريئة وسذاجتها.
كل شيء بهذه الطفلة سكنه وحدها. من جعلت قلبه يدق من أجلها من جديد. دقة قلب رغم خوفه منها إلا أنه سعد بها. ذهبت عيناه على يدها رغم الكانولا المعلقة بها. اقترب بجسده نحوها ثم احتضن يدها بيده اليمنى وهتف بضعف وصوت مبحوح ودموعه تنهمر قائلاً: -دموع.. دموعي بتنزل بسبب واحدة ست بعد العمر كله، حتى لما تيا ماتت دموعي منزلتش قد ما كتمت وجعي جوايا. دموعي نزلت بسببك يا دموع. هان عليكي عمه ودموعه.
ترك يدها ثم رفعها ليمسح دموعه وتنفس بعمق ثم هتف مردفًا: -متخافيش أنا معاكي فوقي ومتخافيش من حاجة. صدقيني لو أعرف أن ده هيحصل كنت سبتك عند ماما. صرخ بانهيار وهو يقف من جوارها: -فوقــي بقــي. دلف الجميع إلى الغرفة على صراخه وزاد ذهولهم من صراخه وانهياره هكذا بسببها هي فقط. هتف "علي" بهدوء: -إلياس أنت كويس؟ تركهم وخرج من الغرفة بأنفعال وقلبه يعتصره الألم خوفًا من فقدها هي الأخرى. يعلم بأن هذه فعلة "معتصم" وحده.
جلس في الاستراحة منتظرًا شيئًا واحدًا وهو أن تستعيد وعيها وتناديه بـ (عمه) مجددًا بلطفها. ظل هكذا حتى جاء "علي" له مع أذن العصر وجده شاردا لا يعلم ماذا يحدث لصديقه، لما جن جنونه هكذا من أجلها. سأله بوجع قائلاً: -عرفت اللي عملها؟ هو صح؟ هتف "علي" بضيق قائلاً: -اه هو. وقف "إلياس" بغضب مشتعل كالثور الهائج وخرج من المستشفى كالمجنون ومنها إلى شركته وهو يفكر بشيء واحد: قتله لـ "تيا" و "دموع" على وشك تركه.
كان يجلس يباشر أعماله باستياء. فتح باب مكتبه بقوة. فرفع نظره ووجد "إلياس" يقترب منه وعيناه تشع نارًا من الغضب بداخله. موج غضب خارج عن سيطرته ممزوج بألم الفقد ولما دائمًا هو من يخسر وكل من يقترب منه هو من يتأذى بالنهاية. خلفه رجال الأمن، وقف "معتصم" من كرسيه والتف حول المكتب ويقول: -إيه ده؟ أنت داخل فين هنا؟ أقترب "إلياس" منه ومسكه من عنقه بقوة وهو يزداد في ضغطه ثم يهتف قائلاً:
-كان لازم تفكر في ده لما قتلتها. ليــــه؟ هي ليــــه؟ ولكمه بقوة في وجهه أسقطه أرضاً. أقترب الرجال منه ولكمهم بقوة وأطرحهم ضرب وصرخ بقوة ونار بين صدره قائلاً: -ااااااااااه ياقلبي... وقف "معتصم" بمساعدة رجاله وصرخ به بإنفعال قائلاً: -أنت اتجننت ياحيـوان؟ أن ما خليتك تندم علي اللحظة اللي أتولدت فيها... دلف "علي" خلفه وهلع حين رآهم هكذا. أسرع له ومسكه من يده وهو يهتف قائلاً:
-إلياس أنت فقدت عقلك بعد اللي حصل. دخولك هنا جريمة... نزع ذراعه من يد "علي" وتركه بلا أهتمام وأستدار لكي يخرج وقابل "سعيد". أزدرد لعابه بخوف وأرتباك من "إلياس". دفعه بقوة وأكمل خروجه ومن الشركة إلي المقابر فاقداً كل أعصابه تماماً ويفكر بـ "تيا" وهل سيفقد "دمـوع" هي الأخري. وقف أمام قبرها ثم قرأ الفاتحة وعقله وقلبه مع هذه الطفلة التي علي وشك الفراق والرحيل.... رن هاتفه بأسم "أثير" فتح الخط وقال ببرود: -نعم.
-إلياس دموع فاقت وبتدور عليك. ركض بسرعة كالمجنون وكأنه مسافر وهبط علي أرض الوطن أمام عيناه بسمتها فقط وهي تناديه.
دلف "علي" وهو يحمل بيده عبوات العصير للجميع. وجدها منكمشة في ذاتها كعادتها وتبكي بخوف من كسر قدمها. أعطي العصير لـ "جميلة وحبيب". أقترب من "أثير" ووقف إمامها ومد يده بالعصير. نظرت لعيناه بخجل وأخذته منه فتلامست أصابعهما معاً ودق قلبه مع دقات قلبها ثم جلس بجوارها. دلف "إلياس" للغرفة وعلي جبينه حبات العرق من كثرة الركض ويهتف بذعر قائلاً: -دموع. رفعت نظرها له ورسمت بسمتها الطفولية وقالت بعفوية: -عمه. أسرع لها وعانقها
بشغف مشتاق لها وقال بلهفة: -أنتي كويسة؟ أبعدته عنها بخوف عليه وقالت بهلع وهي تديره يمين ويسار: -عمه أنت كويس صح؟ محصلكش حاجة وحشة؟ أبتسم لها بسعادة فتنحنح "علي" بإستياء. خرجت "نارين" من غرفتها وأغلقت الباب ثم أستدارت فصرخت بهلع حين رأت. .....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!