كل حاجة كانت بتحصل بسرعة، مكنتش مستوعب اللي بيحصل. بس أنا لو قدرت على خسارة تقي، يستحيل أخسرها. يمكن هي عوضتني عنها، بس مين يعوضني عنها هي لو حصلها حاجة.
كان أخوها واقف جنبي، ولما شاف الفون وقع مسكه وشاف الرسايل. ولأني كنت حاكي كل حاجة عني وعن اللي أبويا عمله لأهل نور من أول يوم، مكنتش محتاج أوضح لطه حاجة. عارف إن اللي عملته غلط، عارف إني المفروض مكنتش كسرت قلبه. بس قلبها مع الوقت ربنا هيطيبه ويداويه، لكن مكنتش هقدر أغامر بيها وأخسرها لمجرد إني عايزها معايا. قلبي مكنش هيستحمل بُعدها. مش هينفع أبقى أناني. عشان كده... عشان كده كان لازم أمشي.
والله يارب أنت اللي عالم بيا، أنت يارب عالم بقلبي اللي اتكسر قبلها. اتفقت مع والدها وأخوها إني همشي من غير مبرر، وطلبت منهم محدش يقولها السبب عشان واثق إنها لو عرفت مش هتسيبني وهتكمل رغم أي حاجة. مشيت على إسكندرية تاني، كنت ناوي أبعد عنها وعن قلبي بكل قوتي. مشيت وأنا ناوي مشوفهاش تاني، وكأني الطفل اللي اتحرم من أمه مرتين. ***
"وبعدين يابابا، نور بقالها شهر على الوضع ده. لا أكل ولا شرب، عايشة على المحاليل. أنا بقول نقولها يمكن نهون عليها شوية." "اياك يا طه، اوعي يا بني. محدش عارف لو عرفت هيحصلها إيه. إن شاء الله أزمة وهتعدي يابني."
كنت عايشة جسد بس بلا روح ولا قلب. أيامي شبه بعضها، أصحى أشوف حسرة أهلي عليا وأفضل باقي يومي أدور على سبب خلاه يعمل كده. قلبي مازال مصدقه وحاسه إن حاجة حصلت. قلبي مش بيحب غلط، زي ما كنت واثقة فيه أول مرة أشوفه فيها. واثقة إن أكيد مشي لسبب قوي. بس قلبي مكنش مستوعب وقتها. مكنتش قادرة استحمل إنه يمشي بالسهولة دي. عدت شهور كتيرة، بدأ الترم الجديد في الدراسة بس مكنتش بحضر بسبب حالتي النفسية. كنت معتزلة عن العالم كله.
لغاية ما في يوم، كنت بدور على شنطة كنت شايلة فيها ورق محتاجاه. لقيت بالصدفة الشنطة اللي جالي فيها فستان الخطوبة وافتكرت اليوم ده وإزاي هيجيب الفستان بليل ويمشي الصبح ويسبني. "طه... طه تعالي عايزاتك." "نعم يا نور." "طه، هو آدم جابلي الفستان ده منين؟ لقيته سكت، واتكلم بعدها ببطء: "بصراحة مش آدم هو اللي اشترى الفستان."
الكلام مكنش غريب بالنسبالي، لأني كنت شاكة أصلاً يومها ومش مرتاحة للفستان، لأن آدم مش بيختار حاجة لوحده. حتى البدلة إخواتي لفوا معاه واختاروا معاه، يبقى إزاي؟ "اتكلم يا طه، أنا حاسة إنك عارف حاجة. أنت وبابا من ساعة اليوم ده بحس في حاجة بينكوا. والله أنا بقيت كويسة، تقدر تقولي."
"نور، يوم خطوبتك آدم وصلتله صور ليكي وأنتِ في الكوافير. الأول افتكرك، بعدين جاتله رسالة من نفس الرقم بيهددوه بقتلك فيها. عشان كده قرر يمشي. حتى من وقتها أنا وبابا بنحاول نوصله نطمن عليه، بس اختفى من وقتها، حتى رقمه قفله." دخلت أوضتي وأنا قلبي مليان عتاب وغيظ. كنت متعصبة أوي منه. لي يعمل كده؟ لي يقرر عني؟
والله العظيم أنا موتي وأنا جنبه أهون من موتي بعيد عنه. بس هو غبي، غبي. فكر في نفسه وبس، خاف على نفسه لا أموت وضميره يعذبه. غبي، أناني. *** عدت سنة تقريباً وأنا بعيد عنها، بس لا قلبي ولا عقلي ينسوها. حتى في صلاتي كنت بناجي ربنا بيها.
بعد ما مشيت من عندها بشهر، نزلت إسكندرية واستقلت من شغلي عشان مخلّيش طريق تقدر توصلني منه. حتى سكني غيرته. بعدها وصلني فاكس، ولما فتحته اتصدمت. والدي تعب وحالته تدهورت، جاله زهايمر مبكر واتحجز على كل أملاكه لغاية ما أظهر إني المالك الوحيد لأسطول شركاته ومصانعه.
سافرت نيويورك وعملت الإجراءات اللازمة عشان أقدر أباشر العمل في الشركات وأدير المصانع. وروحت زرته، أيوه روحت أشوفه في المستشفى. هيئته اللي كان عليها خليتني أشفع له. كانت حالته مُريبة. قاعد على كرسي متحرك، مش بيتكلم، مش عارف أي حد حواليه، حتى أنا معرفنيش. حتى الحمام (أعزكم الله)
كان بيعمله على نفسه. ولما سألت الدكاترة على حالته، مكنش في سبب طبي للي هو فيه. وعرفت وقتها إنه فعلاً مش سبب طبي، ده سبب إلهي من اللي كان بيعمله وذنب الروح اللي قتلها.
قضيت سنة في نيويورك بحاول أصلح اللي باظ واللي اتسرق. والحمد لله الوضع استقر لغاية ما قررت أسافر إسكندرية تاني عشان أصفي شركات والدتي وأرجع أستقر هنا. حجّزت على طيارة الصبح، معرفتش أنام أنا الليلة دي. قررت أصلي قيام الليل والفجر واستنى معاد الطيارة. وكالعادة كان دعائي كله ليها، بس المرة دي دعيت دعوة غريبة، وإني نفسي أشوفها حتى لو لآخر مرة. ***
"كان لازم أنزل كليتي وأشوف اللي فاتني. كفاية حياتي وقفت كتير بسببه. كنت هسحب الملف وأحول لجامعة سوهاج محافظتي."
وفعلاً سافرت تاني يوم وخلصت الإجراءات اللازمة للتحويل. وللحظة حسيت بحنين للدار، كان نفسي أسلم على الولاد قبل ما أسافر. خلصت واشتريت هدايا وروحت الدار. والولاد كانوا مبسوطين بيا أوي، بس سيطر عليا إحساس إنه قريب. بس بعدت التفكير عن دماغي وبدأت أنسجم معاهم. وفجأة لقيت الولاد بيجروا ناحية البوابة بيقولوا "بابا آدم! " أنا رجلي سبتت في الأرض، معقول؟ هو؟ معقول هشوفه؟ ***
"دخلت باب الدار وكنت حاسس بيها، حاسس بطيفها موجود، حاسس بنفسها قريب. لغاية مادخلت ولقيتها. كانت تعبانة وهزلانة وخاسة عن آخر مرة شوفتها فيها. كان شكلها متغير، بس لمعة عينيها لسه هي. كنت عارف إنها شايفاني خسيس وندل، بس مش عارف هتسمعني ولا لأ." "نور...
ولسه مكملتش كلمتي، لقيتها بتزعق وبتضربني بأيديها الضعيفة على صدري وبتصرخ فيا. سبتها. سبتها تنفس عن كل غضبها. سبتها تشتم وتضرب وتصرخ. سبتها لأن حتى عصبيتها كنت مشتاق ليها، حتى دموعها وحشتني. "أنت غبي وأنانى. لي مشيت؟ لي عملت كده؟ لي بتقرر عني؟ لي؟ كان أسهل حل ليك إنك تتخلى عني مع أول مشكلة؟ مشيت؟ أنت جباااااان!
"بس بحبك، جبان عليكي مكنش أسهل حل، وأنتِ واثقة من كده. نور، مكنتش هقدر على بُعدك. مكنتش هقدر أخسرك. والله العظيم لو كان جالك حاجة كنت هموت بعدك. أنتِ بيتي وأمي وبنتي وصاحبتي ومأمني. أنتِ الناس والدنيا. كان أهون إني أبعد وأنا عارف إنك عايشة على إنك تموتي وتموتيني." لقيتها هديت ونظراتها رجعت لنور اللي أعرفها.
كملت كلامي: "أنا آسف يا نور، مش هقدر أبقى أناني. نور، أنا من وقت ما عرفتك مش بشوفك غير بتبكي وبتتوجعي. أنا جيت عشان أصفي شركات والدتي هنا، وأوعدك مش هخليكي تبكي بسببي تاني." لقيتها اتعصبت تاني وبدأت تبكي بهستيريا وتصرخ فيا: "تااااني هتمشي؟ تااااني هتسبني؟ تاني وهتموتني؟ حرام عليك، حرام علييييك." خلصت آخر كلامها ووقعت على الأرض. "نور!
نور ردي عليا، الله يرضى عنك. نور والله العظيم آسف، آسف والله مش هسيبك، بس اصحي، والله مش هزعلك. أنا آسف يا نور، آسف سامحيني." خدتها على المستشفى في عربيتي. نيمتها على رجلي وأنا ببكي فوق راسها. لقيتها شدت على إيدي وبتتكلم كلام متقطع. وجعت قلبي عليها أكتر، هي متستاهلش مني كده. وصلنا المستشفى أخيراً. "دكتووور! دكتووور بسرعة! أخدوها مني. وبعد ربع ساعة طلع الدكتور. -ههههه، اهدي بس يافندم. سفر برا إيه بس؟
مجرد إجهاد عصبي، ومكنتش أكلت. هي بس محتاجة راحة وساعة إن شاء الله وهتفوق وتبقى كويسة وتقدر تشوفها بعد كده." مشي الدكتور وأنا فضلت واقف قدام أوضتها زي العيال وفضلت أعيط وأقرأ لها قرآن وأبكي. خلصت قراءة القرآن وكنت نازل أجيب قهوة عشان أبقى فايق. نزلت وأنا نازل قابلت عم محمد. كانت ملامحه متغيرة، بس عرفته. الواحد مينساش من أحسن إليه. "عم... عمي محمد." -مين؟ آدم؟ آدم إزيك يابني؟ إزيك يا آدم؟ وحشتني أوي يابني."
"والله وأنت كمان يا عم محمد. صحتك عاملة إيه؟ وخالة سعاد عاملة إيه؟ ألقيته بدأ يبكي بشحتفة: " -خالتك سعاد ماتت يا آدم، وسبتني يتيم من بعدها. ماتت يا آدم، ماتت." وفضل يعيط. في اللحظة دي كان نفسي أجري أضم نور في حضني. كنت خايف أوي لتسيبني، كنت خايف أعيش وجع عم محمد. حاولوا يهديه لغاية ما هدي، وعرفت منه إنن بييجي يغسل كلى هنا في المستشفى.
ورجعت لأوضة نور تاني. ملاكي كانت نايمة زي الوردة الدبلانة. كانت ملامحها بريئة وتعبانة. قعدت جنبها ومسكت إيديها وفضلت أعيط. "سامحيني يا نور... عيوني وحياتي، والله مش هسيبك. هعوضك عن أي لحظة بكيتي بسببي فيها. وهنسافر كمان البلد سوا، أصل الواد طه وحشني. وهتجيبلي جيلاتي وهووهوز." "نور... أنتِ صاحية؟ أنتِ كنتِ سمعاني؟
مسحت دموعي واتكلمت: "مسمحاك، وعايزة أفضل عمري كله جنبك. ومش خايفة من أبوك أو من أي مخلوق. عايزة أفضل معاك أنت يا آدم، أنت وبس." "في حاجات كتير عايز أحكيهالك." "عارفة، كي أخبارك. كنت متابعاك وعارفة اللي حصل لوالدك، ومستعدة أكمل معاك بقيت عمري حتى لو مكنتش مالك كل الشركات دي." "يا عوض الرحمن لقلبي، يا جنان ربي على الأرض، يا من لم يمل قلبي لدعاها، يا من تمنيت حتى رضاه." تمت بحمد الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!