في القاهرة قبل ساعات طويلة.. كانت تقف في شقتها الحبيبة وهي تنظر لكل ركن بها قبل أن تدخل غرفته. التي كانت دائما ملاذها لتفتح دولابه وهي تتحسس الثياب بحسرة قبل أن تأخذ بدلة منهم لازالت رائحة عطره عالقة بها بعد كل تلك السنوات بسبب حفظها داخل غلاف بلاستيكي. ووضعتها داخل الحقيبة مع زجاجة عطره وسبحته وسجادته وحملت مصحفه في يدها وخرجت من الشقة بعد أن أتمت غلق كل الأقفال. في إسبانيا..
جلس خافيير على الكرسي بتوتر وهو يتأمل الساعة مخاطباً للرجل الذي يجلس بهدوء يتصفح أوراق صفقة جديدة: سام؟ .. ألا تعتقد أنها تأخرت قليلاً؟ كان ميعاد وصولها منذ ساعة مضت. رفع سام نظره لذاك العجوز أمامه قائلاً: لا تقلق لابد وأنها عالقة في زحام ما.. كما أنني أرسلت السائق لها.. وأرجوك اهدأ. تنهد خافيير بعجز قبل أن يقول مجدداً: برأيك هل ستسامحني؟ وكيف سأقابلها وماذا أقول لها! ترك سام الأوراق من يده بسأم ليقف خلف خافيير ويضع
يديه على منكبيه ليقول: لا تقلق أنا واثق من أنها حين ترى المبلغ الذي ستعطيه لها ستطير فرحاً! أجل هذا هو تفكير سام عن الفتاة المجهولة ابنة خالته صوفيا ذات الاسم الغريب القادمة بعد كل تلك السنوات من بلد عربي لترى جدها! رفع خافيير نظره لسام وكاد أن يتكلم حتى سمع صوت دخول السيارة من البوابة الخارجية. اتسعت عيناه بحماسة مع بعض التردد ليقف بسرعة ويذهب إلى خارج مكتبه ليكون في استقبال حفيدته.
وقد خرج معه سام كذلك وقد تجمع باقي أفراد العائلة أيضاً لاستقبال تلك المجهولة يملأ قلبهم الفضول حولها. انفتح الباب ليدخل رئيس الخدم أولاً متنحياً جانباً لتدخل هي. ومع دخولها جحظت العيون وسقطت الأفواه أرضاً من الصدمة. حيث دخلت فتاة شابة جامدة الملامح شديدة الشبه بأبيها بعينان لونهما كالشيكولاتة تحيط بها رموش كثيفة تصور للمرء أنها تضع كحلاً أسود كثيف!
ترتدي فستاناً أسود اللون فضفاض طويل وهناك قطعة قماش سوداء أخرى فوق رأسها يختبئ شعرها داخلها. تقدمت حتى توقفت أمامهم مباشرة وهي تنظر لهم جميعاً بذات الوجوم لتقول: مرحباً أنا مليكة خيرت سررت بلقائكم. رمش خافيير بصدمة قبل أن يستوعب الأمر ليتقدم نحوها بسرعة محتضناً إياها وهو يمطرها بكلمات الترحيب. ثم ابتعد عنها ليحيط كتفها الهش بيده ليعرفها على العائلة قائلاً: والآن لأعرفك على عائلتك.
نظرت هي إلى حيث يشير فوجدته رجلاً بدا على وجهه عدم الترحيب بها ذا شعر أسود لامع طويل بعض الشيء ذا أعين فضية باردة قائلاً: هذا سام. هو حفيدي أيضاً مثلك وهو أكثر شخص سيفيدك هنا إن احتجت شيئاً ما. وهذه إيزايلا خالتك أتت خصيصاً لرؤيتك وسوف تغادر مجدداً. قالها مشيراً نحو امرأة في منتصف العمر بها شبه كبير من أمها بدت خائفة ومتوجسة من مليكة! ليكمل الجد: وهؤلاء أبناؤها رافل وليرا.
كانا شاباً وفتاة في عمر مليكة أو أصغر ذا ملامح محببة لطيفة. قاما بتحيتها بابتسامة متوترة. ليكمل الجد مجدداً: وأخيراً أسرة خالك ليو وزوجته أماندا وأبناؤه ريزا وقد بدت في السابعة عشر وأنيتا بدت في بداية عقدها الثاني وسامويل الذي يبدو تقريباً في عمر سام. وكان من الواضح عليهم عدم الترحيب بها كذلك وحتى الأبناء الثلاثة كانوا كما لو أنهم يريدون طردها خارجاً لكنها تجاهلتهم ببرودها المعتاد.
انتظرت أن يكمل لها الجد تعريفه عن أسرة المدعو سام لكنه لم يكمل. ليبقى هذا سام لغزاً محيراً لها ولتبقى هي وملابسها الغريبة لغزاً له. بعدما أكمل الجد تعريفه أمر كبير الخدم بأخذها إلى الغرفة التي ستمكث بها لتغادر بصمت تاركة خلفها جواً مشحوناً وعين سام لم تفارقها. بعدها في غرفة الجلوس تكلم ليو بحده: أبي! أحقاً ستمكث غريبة الأطوار تلك بيننا! أعطها بعض المال ولتنصرف من هنا. نظر خافيير لابنه بغضب صارخاً:
حفيدتي باقية وإن لم يعجبك الأمر انصرف. يكفيني ما عانيت حين ذهبت صوفيا. وما الغريب بها! ثيابها حسناً غريبة قليلاً لكنها أتت من مكان الثقافة به مختلفة.. قد تكون تلك ثيابهم! امتعض ليو من رد أبيه وانصرف لتنصرف معه زوجته وأبناؤه غير راضين عن وجود تلك الدخيلة. وتبعهم باقي أفراد العائلة عدا سام الذي ظل صامتاً وهو ينظر للجد بحدة قليلة. ليجلس الجد وهو الآخر ينظر له وتنهد قائلاً:
ثيابها ليست غريبة.. إنها مخيفة يا سام.. لذا أرجوك تولي أنت أمرها. ازدادت حدة نظرات سام ليقول: إن تركت أمرها لي سوف أرسلها من حيث أتت بلا فلس واحد. أنا في الأساس لم أكن مرتاحاً لقدومها وبعد رؤيتها أصبحت أريد مغادرتها بشدة. زفر الجد بإرهاق وهو يعيد ظهره للخلف ليقول وهو مغمض العينين: سام! أنا أريد هذه الفتاة أن تبقى. لن أتحمل أن تذهب آخر قطعة من ابنتي هكذا لمجرد أن ملابسها غريبة.
تستطيع تغييرها إذا أردت ذلك لكن لا تقف معهم في أمر إبعادها! اخفض سام وجهه كاظماً غضبه المتأجج ليرفع وجهه مجدداً لجده قائلاً: موافق. أضاء وجه العجوز بابتسامة واسعة ليرحل سام وهو يفكر كيف له أن يغير هذه الفتاة لتصبح مؤهلة للعيش هنا. وفي جانب آخر مليكة في غرفتها قد بدلت ثيابها بأخرى بعد أن أحكمت غلق الباب وذهبت لتتوضأ وتصلي ما فاتها وذهبت إلى النوم.
بعد ساعات نظر الجد إلى ساعته وهو يترأس المائدة وعلى يمينه سام ويساره ليو ويتبعهم باقي العائلة. ليتنهد قائلاً: بيادور! اذهب وتأكد أن.. م.. م.. عقد حاجبيه بحيرة حتى تذكر نطق اسمها قائلاً: أخبر مليكة أن تأتي لتناول الطعام. أومأ الخادم ليذهب إلى غرفة مليكة وقام بطرق الباب ليأتي صوتها نعساً دون فتح الباب: من؟ أجاب: أنا بيادور أنستي السيد خافيير يخبرك أن الطعام جاهز. أجابته: قادمة.
لتنهض وترتدي فستاناً أسود آخر وحجاباً أسود كذلك وهمت بالنزول يسبقها الخادم ليدلها على الطريق. وكما حدث سابقاً تعلقت بها الأبصار ما بين حنين ورفض لوجودها وخوف منها و.. فضول! نظرت لهم مليكة وأماكن جلوسهم لتعرف أن ذاك المدعو سام يحظى بمكانة عالية في تلك العائلة حيث أنه الحفيد الوحيد الذي يجلس بجانب الجد بدلاً من خاله. قال الجد قائلاً: تعالي يا صغيرتي هنا. مشيراً لكرسي فارغ بعد كرسي سام. رفعت وجهها قائلة: لا يمكنني.
تحمحم الجد قبل أن يقول: ولما يا صغيرتي؟ فأجابته بثقة: لا يمكنني الجلوس بجانب رجل ليس بأبي أو زوجي أو أخي. كاد سام أن يبصق الطعام من فمه من هول صدمته. ليعيد الجد سؤاله بريبة: ولما لا؟ أجابت هي بكلمة زادت تعجبهم: حرام! ثم وزعت أبصارها على الجميع لتقف فتاة لم ترها مليكة من قبل بدت كالحية أكثر من كونها فتاة جميلة لتقول بصوت ناعم: أنا سأجلس بجانب سام وأنتِ تعالي مكاني. وتحركت تجاه سام بابتسامة انتصار قبل أن تجلس بجانبه.
لتجلس مليكة بهدوء وهي تتأمل الأطعمة أمامها قائلة: هل دخل هذا الطعام لحم أو شحم خنزير أو نبيذ أو أي نوع من الخمر... جدي. اللمعت عينا العجوز حين سمعها تقول جدي لكن هذا لم يمنع ريبته وخوفه من أسئلته الغريبة. ليقول: بيادور أجب على سؤالها. ليقول رئيس الخدم: لا يا آنسة اطمئني. فلقد خمّن بيادور أنها ربما تكره تلك الأشياء ليس إلا. لتمسك هي بالملعقة قائلة بتمتمة لاحظوها جميعاً: بسم الله.
وبدأت بتناول الطعام بحرص في البداية حتى اطمأن قلبها أن الطعام ليس به شيء حرام. انتهوا من تناول الطعام ليطلب الجد من مليكة أن تتبعه إلى المكتب فذهبت معه. جلس هو على الأريكة ليسألها بتوتر: تستطيعين الجلوس إلى جانبي صحيح؟ أومأت هي برأسها ليبتسم باتساع حين جلست ومسك يدها بين يديه محدثاً إياها: أنا آسف يا صغيرتي أعلم أنني لا أستطيع تعويضك عن خسارتك لوالديك لكني سأفعل ما بوسعي لإسعادك. ابتسمت هي بهدوء قائلة:
ما حدث كان قضاء الله جدي. لم تعاتبه ولم تقل حرفاً زائداً رغم هذا قد أحس بتلك الحمم بداخلها. قطب الجد حاجبيه وقال: ولكن لقد ماتت صوفيا وأنتِ ما زلت طفلة.. كيف لك أن تتحدثي الإسبانية بتلك الطلاقة؟ أكان تخصصك بالجامعة مثلاً؟ شردت مليكة بكلماته وأخيراً ابتسمت بدفء وهي تتذكر كلمات شخص ما حين قال مازحاً: عليكي أخذ بعض الدروس في لغة والدتك تحسباً للمستقبل. وأكمل بدرامية واضعاً يده على قلبه:
آه ويوم إتقانك لها ستتركينني هنا بين تلك الدجاجات الصغيرة وتذهبين إلى جدك حيث الأموااال والمنازل الشاهقة تلك. ما إن تذكرت حتى ضحكت بخفوت مخفضة رأسها ثم رفعته قائلة: آسفة تذكرت شيئاً ما.. أنا تخصصي المحاماة أما اللغة فقد أصر علي شخص ما لتعلمها معللاً أنها لغة أمي وعلي معرفتها على الأقل. انتبه الجد لنبرة الحنين بصوتها ولم يرتح للأمر أبداً فهو وضع لها تخطيطاً آخر لحياتها ووجود رجل ما من بلد أبيها يعرقل مخططاته.
تجاهل هو الشطر الأول من كلامها وقال: إذا صغيرتي محامية! هل كان لك عملك الخاص أم مع أحد ما؟ أجابته: أجل كان لي مكتب خاص وأنا محامية لدي مجموعة شركات مصرية. أومأ الجد مفكراً وهو يفكر كيف له بتنفيذ مخططاته ليقول: إذاً لما لا تعملين معنا! قطبت هي حاجبيها بتسائل دون كلام. معنا؟! ماذا يقصد. بينما الجد ظن أنها ربما يخبره برحيلها بعد انتهاء الزيارة فشد أكثر على يدها: أنتِ لن ترحلي صحيح!؟
أنتِ لم تأتي فقط للزيارة وستعودين إلى مصر مجدداً؟ هل لديك أشخاص تريدين العودة لهم يا مليكة؟ لمح بريق عينيها الذي بهت أكثر مما كان عليه لتتذكر هي ملامح طفلة صغيرة مكومة أرضاً من شدة الضرب وملامح أخرى لطفل آتٍ راكضاً بهلع ومعه كوب ماء وقطعة بسكويت قائلاً للطفلة: لابأس.. أنتِ بخير؟ هيا اجلسي وكلي هذه. عادت من تلك الذكرى قائلة: لقد أتى معي من كان يخصني في هذه البلاد جدي لا تقلق. ارتجف قلب العجوز من الكلمة!
ما قصدها من هذا.. هل سيفشل في أن يجمع بينها وبين حفيده الأكبر لتبقى تحت عينيه هنا إلى الأبد! هل سيخطفها منه ذاك الشخص كما خطف خيرت ابنته صوفيا من قبل! لا!! والف لا. قال الجد بهدوء مصطنع: إذاً أنتِ باقية معي يا طفلتي العزيزة. وبما أنك باقية أريد أن تعملي معنا لكن أولاً أريد أن تتنزهي قليلاً فهذه أول مرة ترين فيها بلد والدتك يا صغيرتي. أومأت له فقد أعجبتها فكرة عملها معهم.
وبعد أحاديث طويلة بين الجد ومليكة لم يتمكن الجد من معرفة أي شيء عن حياتها رغم أنها كانت تجيب عن تساؤلاته كلها لكن بغموض تام لم يرض فضوله! وها هي عادت لغرفتها لتنام فقد تأخر الوقت. بينما دخل سام من الباب الخارجي وقد لمحه خافيير ليقول متعجباً لوجوده وهو ينظر للساعة في يده: ماذا حدث؟ ارتفع حاجب سام قليلاً ليقول: ماذا الآن! لقد أتيت للنوم أهذه المرة الأولى التي أنام بها هنا؟ قال الجد بسخرية:
لم تفعلها مذ كنت في المرحلة المتوسطة حين كنت تهرب من منزلك. امتعض وجه سام ليتوجه نحو جده بسرعة قائلاً: أجل أنا هنا بسبب هذا الكائن بالأعلى لن يهدأ بالي وأنا في منزلي وهي هنا لذا أنا ذاهب للنوم. وصعد الدرج ركضاً للأعلى ودخل غرفته في منزل جده وأخذ ملابسه منها وذهب إلى الحجرة المجاورة لمليكة.
وعندما مر أمام غرفتها لم يستطع منع فضوله ليضع أذنه على الباب وقطب حاجبيه حين استمع إلى همهمة خافتة قليلاً ظلت لبعض الوقت ثم اختفى الصوت. ليذهب هو إلى الغرفة الأخرى وهو عازم على اكتشاف أمر تلك الفتاة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!