استيقظت صباحًا، وبعد أن أدت فريضتها وقرأت وردها، نزلت للأسفل كما أخبرتها الخادمة. على المائدة، وجدت الجو هادئًا جدًا، حيث لم يكن أحد موجودًا غير جدها الذي انشغل بحوار بدي لطيف مع سام. وما إن شعروا بها حتى حياها الجد بسعادة، بينما حياها سام بإيماءة من رأسه. ليتكلم الجد: "تعالي ياصغيرتي، صباح الخير. هل نمتِ جيدًا؟ مليكة: "صباح الخير جدي. أجل، أنا بخير." تقدمت نحو الكرسي الذي جلست عليه سابقًا، ليمتعض الجد ويقول:
"مليييييكه، حبا بالله اقتربي. كدت أطير فرحًا حين علمت أنني سأفطر مع عزيزاي فقط، بدون إزعاج من باقي الأفراد." هنا فقط تأكدت مليكة من مكانة سام لدى جدها، بدا لها وكأنه يده اليمنى، ويضع ثقته به أكثر من ولده. تكلم الجد بود: "إذًا صغيرتي، هل ستبدأين بزيارة البلد من اليوم؟ ردت مليكة:
"أنا لا أعرف أحدًا هنا، ولا أعرف شيئًا هنا حتى أتنزه وحدي. وأيضًا أشعر ببعض التعب بسبب السفر، وقد رأيت من شرفة غرفتي حديقة جميلة أود الجلوس بها." أومأ لها الجد بهدوء، ليدخل عليهم سامويل وهو يحييهم، ثم اتجه نحو مليكة مبتسمًا تحت أنظار جده المترقبة وسخرية سام الذي فهم ما يخطط له ابن خاله العزيز. مد سامويل يده إلى مليكة وهو ينحني لها بأناقة قائلًا:
"صباح الخير مليكة. لم يتسن لي الترحيب بكِ بالأمس جيدًا، أنا آسف عزيزتي. تشرفت بلقائك يا جميلة! ظلت مليكة تحدق بيده الممتدة بمجود، قبل أن ترفع وجهها له لتقول بصوت أشبه بالسقيع: "أولًا، أنا لست عزيزتك، أنت لم تتعرف عليّ سوي البارحة. ثانيًا، شكرًا لك لترحيبك. وثالثًا، وهو الأهم، لا أستطيع مصافحتك، فأنت لست بأخي أو أبي أو زوجي."
ثم عادت بنظرها إلى طبقها وهي تأكل ببرود، متجاهلة ذاك الذي تجمد بوقفته بجانبها، ومازالت يده ممتدة لها، وجدها الذي فغر فاه حتى كاد فكه أن يلامس الأرض، وسام الذي عض شفتيه كاتمًا تلك الضحكة التي كادت تفجر أحشاءه من كتمانها. رمش سامويل بصدمة، قبل أن يعتدل ويذهب للجلوس بجانب سام وهو يطالع مليكة بتعجب. تحدث الجد حتى ينهي هذا التوتر: "احم، إذًا سامويل، ما الذي أتى بك باكرًا هكذا؟ نظر سامويل لجده ليقول بهدوء يغلفه الغيظ:
"كنت ذاهبًا للعمل وقررت أن آتي للترحيب بمليكة قبل ذهابي. لذا... لنغادر معًا يا سام! أومأ له سام لينهض ويذهب مع سامويل لعملهم، بينما استأذنت مليكة للذهاب هي الأخرى. ليرسل الجد رسالة بعدها لسام مفادها: "تصرف معها بسرعة، أرجووك." وما إن رأى سام الرسالة حتى جز على أسنانه وهو لا يعلم كيف يتصرف معها من الأساس. لتأتيه الفرصة على طبق من ذهب حين أنهى عمله بالشركة وانصرف لمنزل جده حيث يقيم مؤخرًا. ليجد مليكة تجلس في الحديقة!
أكل هذا الوقت حقًا أمضته في الحديقة؟ اقترب منها بهدوء دون أن تشعر به، فقد كان ظهرها مقابلًا لسام الذي انتبه إلى أنها تقرأ كتابًا ما كان قد لمحه في يدها حين دخلت المنزل أول مرة. وكلما اقترب استمع إلى صوتها وهي تقرأ بصوت عالٍ وبطريقة بدت مميزة في القراءة. اقترب أكثر حتى أصبح خلفها مباشرة، واستند على ظهر الكرسي وهو يسترق النظر لما في يديها.
وما إن عادت مليكة بظهرها إلى الوراء حتى شعرت بيده، لتنتفض واقفة فجأة بفزع مما أجفله هو الآخر. نظرت له بصدمة قبل أن تقول بحده: "لما لم تتحدث بما أنك تقف خلفي! أفزعتني." رمش بعينيه قبل أن يتجاهل كلماتها ويسألها موجهًا نظره للكتاب في يدها: "ما نوع هذا الكتاب بالضبط؟ قراءتك له كانت غريبة بعض الشيء، لذا اقتربت لأراه." نظرت هي للكتاب الذي يقبع بين ذراعيها قائلة: "هذا مصحف، وهو ما يحتوي على القرآن، وليس أي كتاب."
ضيق عينيه بعدم فهم، لتوضح: "يخص الدين الإسلامي." أومأ لها وهو ما يزال ينظر للمصحف بين يديها، ليلمح ذاك الخاتم الرفيع الذي ترتديه منذ أن أتت، لكنه تجاهل الأمر ليقول: "لقد أحرجتِ سامويل بتصرفك اللئيم معه صباحًا." أدارت عيناها بملل لتقول:
"هو من أحرج نفسه، فلقد كان شاهدًا على كلماتي مسبقًا حين قلت إنني لا أجلس بجانب الرجال ووضحت الأسباب، لذا كان حريًا به أن يستنتج أني لا أصافح الرجال للسبب ذاته، هذا أولًا. وثانيًا، هو كان يدعي اللطف، هو غير مرحب بي، كما هو الحال معك تمامًا، ولنتكلم بصراحة، أنا أيضًا لست مرحبًا بكم." "مساءً." وتركته واقفًا ومرت كالبرق من جانبه، ليتنهد بغضب وهو يفكر بطريقة لجعلها أكثر مرونة في التعامل.
حسنا، هو غير مرحب بها كما قالت، لكن جده لا يريد لها الرحيل، لذا سيبذل جهده ليغيرها ويعلمها أن حياتها تلك ليست حياة. ذهب كل منهم إلى النوم، عدا سام الذي وقف مجددًا أمام باب مليكة ليستمع ذات الصوت الذي سمعه من قبل، وأيضًا لم يعرف ما هيته، ليذهب للنوم ورأسه مليء بالأسئلة حولها. في الصباح، كان هناك هدوووء عجيب بسبب غياب الجد عن المنزل. لتنزل مليكة إلى الطابق الأرضي، واتجهت نحو المطبخ لتخبر أحدهم بصنع بعض القهوة لها.
وما إن أخذت كوب قهوتها حتى خرجت إلى الشرفة لتري سام واقفًا هناك. وما إن رآها حتى أداره وجهه بغضب، لتضيق عيناها من تصرفه هذا، لكنها تجاهلته. لتسمع صوت أقدام قادمة من خلفها، وكانت ريزا، ابنة خالها ليو، التي أتت بابتسامة مشرقة خصت سام وحده بها. لترفع مليكة حاجبها بتعجب لتصرفاتهم! أليس من المفترض بهم تملقها؟ أم أن غياب الجد ترك لهم حرية التصرف؟
كادت أن تنصرف لتجد سام على غير عادته الهادئة الرزينة، يرحب بريزا ترحيبًا حارًا كأنها كانت غائبة منذ أعوام. وأخذ يقترب منها، وما إن مر بجانب مليكة حتى صدم كتفها متعمدًا، لتسقط القهوة على ثيابها. ليكمله هو طريقه إلى ابنة خاله محتضنًا إياها بأخوية، غير آبه بتلك التي نظرت بهدوء تام إلى القهوة التي سكبت عليها، وحمدًا لله أن ثيابها لم تمتص معظم القهوة، فلم تشعر بالألم. ليتكلم سام موجهًا كلامه لمليكة وهو ممسك يد ريزا
التي تعجبت من تصرفاته: "ما رأيته الآن يسمي سلامًا بين الناس! وليكن بين الأقارب على الأقل. لن نأكل يدك إن صافحتنا يا عزيزتي." قالها ضاغطًا على أحرف كلمة عزيزتي، لتبتسم له مليكة ببرود قبل أن يومئ برأسها له. ليستدير وهو يتكلم مع ريزا وهما يجلسان على الكراسي الموجودة بالشرفة.
نظرت مليكة لكوب قهوتها المنسكب والذي أصبح فارغًا، لتنظر على الطاولة وتجد كوبًا آخر، ويبدو أنه لسام، فتوجهت إليهم بإصرار في الوقت ذاته الذي أخذ سام الكوب في يده ليرتشف منه. ليفاجأ بيد مليكة التي انتشلت الكوب من بين أنامله دون لمس يده، لتضع الفارغ على الطاولة وتأخذ كوبه وتسير مبتعدة وهي ترتشف منه بغل وكأنها تنتقم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!