تحميل رواية «رحماكي» PDF
بقلم أسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تقف تستند بيديها على حوض المطبخ. دموعها تنزل في قهر، كل يوم يمر عليها تخسر جزء من روحها ونفسها القديم. لم تكن تتصور يومًا أن حياتها البسيطة ستؤول لذلك المنحدر. نظرت لطفلتها التي تحبو ببراءة بأرضية المطبخ وطفلها النائم بسلام بجوارها، من كثرة التعب والبكاء. طفلها الذي يكبر أخته ببضع شهور، لقد حملت بأخته وهو بعمر الشهرين. ظلمت نفسها وظلمتهم معها. ولكن ماذا كانت ستفعل هي؟ والجميع يخبرونها أنها إن لم تتزوج الآن لن تتزوج ثانية. مجتمع ظالم ظلمها وحط عليها. لقد تركت جامعتها بعدما تزوجت. أجبرها شبيه الرج...
رواية رحماكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أسما السيد
المزرعه..مزرعه العشق والعاشقين..
بوليمه اشبه بولائم الامراء....وبعدما أتم كتب الكتاب..وانطلقت الاعيره الناريه وفاز الفارس بجائزه العشاق..جائزه باسمها هي..ساااجده..
وهدان: ماتفرحشي اكده أني وياك والزمن طويل يابن خيتي.
عدنان: وااه ياخال.،.ليش اكده.،.والله عاشج بتك..وتعب الجلب من الشوج والفراج.
وهدان: اكتم ياعدنان واتحشم.،.والا مابعطيك يااهاوجضي عمرك كله بفراج.
الراوي: بحده..خلص..ياوهدان..، خلينا نفرح اومال.
فجاه استمعوا لصوتها الناعم، بحنجرتها الذهبيه...التي كتمتها مع مراره أيامها وتناستها..ومن فرحتها بجمع العشاق..قررت مشاركتهم بها..تسعدهم كما اسعدوها واحتوا اوجاعها..بهم صارت اقوي..اجمل..لحياتها هدفا..ولايامها حلما..تعيش عليه....ومعها هم، شاركوها الغناء بإبلهم، وأحصنتهم الراقصه... ليله ساحره..تختلف عن لياليهم الغناء..ليله شهدت علي ازدياد عشاقهم اثنين.
فريده: بصوتها الفريد..واقتربت محتضنه ساجده السعيده بحب..فرحه هي لفرحتها..لزواجها أخيرا ممن عشقه قلبها..بأنشوده اسلاميه..استمعت لها صباحا...الله الله..، صلو علي رسول الله...زي القمر بدر في سماه..، انا قلبي شافهم من هنا سمي وصلي..قولو ان شاءالله..باركلهم واسعدهم امين....الليله ليله الطيبينتمم عليهم نعمتك..قولو ان شاءالله..لذات الدين..عريسنا الزين.،.ربه اللي هداه.ادعوا للغالين بأحلي حيااه..ماشاءالله، علي سنه رسول الله..هيبتدو الليله الحياه..يارب ارزقهم بالفرحه... كل الايام..الليله دي كتبتو الكتاب.أغلي ما لينا ماتصلو علي طه نبينا..مين اللي هيعرف من الفرحه الليله دي. ينااام...لذات الدين عريسنا الذين..ربه اللي هدااه..ادعو للغالين بأحلي سنين وأحلي حياه.
ــــــــــــــــفي سوهاااج..
ينادي علي حفيده فهد بلهفه.
الجد: فهد..يافهد ياولدي.
فهد: اقترب مسرعا. نعم ياجدي في ايه..حاجه حصلت.
الجد: بفرحه. ايوه ياولدي..اتصلي علي خيك كيان جوله يعاود وين ماكان..ضروري ياولدي.
سعديه: تقترب هي كالحيه تتلصص علي حديثهم. ياتري ملهوف اجده ليه علي حفيدك ياغراب البين انت..ميتا يجي اليوم اللي اخلص منيك..نوهائي.
سحر: من ورائها. مالك يااماي..عم تتلصصي اجده علي ايه.
سعديه: تستدير لها بحده. بعدي يدك عني جبر يلمك..انتي وبناتك بساعه وحده.
سحر: ليش اجده يااماي.
سعديه: عشان خايبين كيف امهم..لازمن اني اللي امشي كل شي.
سحر: بشماته. لع ماتجلجيش يااماي.،.جريب جوي هيجيلك الحفيد.. اللي تستمنيه.
سعديه: صوح يابت ياسحر..اوعي تجولي ان الخلطه اللي عطيتهالك جابت نتيجه.
سحر: بغرور. جابت بس..دي جابت وجابت..اللي بجالنا سنين مستنينه حصل يااماي.
سعديه: بلهفه. وليش ماجولتيلي ياغراب البين انتي.
سحر: جولت استني لحد مانتوكد ياماي ان البت حبله..دعواتك انتي بس لاجل مايتم المراد.
سعديه: واه ياسحر لو تم..هيبجي ناري بردت.
سحر: بس ليه خايفه اكده يااماي.
سعديه: عشان انتي بهيمه..ومهتفهميش شي واصل.
سحر: الله ماتفهميني يااماي.
سعديه: بوكي عم يخطط ليجوز كيان بفريده بت ناديه..
سحر: باااه..وهو عرف طريجها منين.
سعديه: ببغل. ماعارفاش..حواليهم دايره..حتي الاسياد ميعرفولهاش طريج.
سحر: بخضه. كيف ده يااماي..ازاي ميعرفوش.
سعديه: بشر...تحويطه محاوطاها هي واخواتها..اللي عملهالهم ضليع..عليم..بس أني وراهم لما اعرفلهم طريج..ساعتها هخلص عليهم بيدي.
سحر: ايوه يااماي..خلصي عليهم خلينا نرتاح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انقلب فرحهم لدمار..وليلتهم الغناء لحزن وفراق..بعد انتهائها من انشودتها وصمتت هي..علي صوت الصياح والقتال..والسبب..خطف الابناء..تبكي وتبكي..ويشاركها الجميع..يحبونها هم ويفدونها بروحهم.
الراوي: دخل بهيبته..صائحا بهم..فتونا لحالنا.
تحرك الجميع وبقيت هي واشقائها.
فريده: بلهفه. ها ياجدي لقيتوهم...طمن قلبي ياجدي الله يخليك.
الراوي: بحد. امسحي دموعك يافريده..ولادك بأمان.
فريده: بلهفه. فين هما ازااي..عرفت.. ومين خطفهم.
الراوي: المرسال..يابتي..اظاهر ان آن الاوان.
فريده: اوان ايه ياجدي.
الراوي: تعاودي لاهلك يابنتي.
استجمعت افكارها اخيرا ولمعت عيناها بشعله الانتقام.
الراوي: الولاد مع جدك..شرطه....تعاودي..انتي وخواتك ليهم...يتلم الشمل..وتاخدي ولادك بحضنك.
فريده: بقوه. هنعاود.
نظر لها بفخر...لجرأتها وقوتها..وانتقل بنظره لاشقائها ووجد بهم مازرعه بهممنذ شهور..القوه والصلابه.
الراوي: تمام يابتي..يطلع النهار.....وتكونو حضرتو حالكم..هشيع لجدك المرسال..بس الاول..خدو دول.
فريده: ايه دول ياجدي.
الراوي: حصنكم الحصين من الشر والشياطين..حجابكم الحاجب...عن الاذي والسحر بتوع سعديه..انتو هتخشو جحر الشياطين..ولازمكو تحويطه.
أمسكتها سلمي تنظر لها بيديها مستغربه.
سلمي: فيه ايه الحجاب دا ياجدي.
الراوي: دي أيات قرانيه..بتحجب عين الشياطين والسحره يأجل ما تكونو فريسه سهله ليهم..ومهوصيكوش الصلاه والقرآن..واعرفو اني في ضهركو وعيني عليكم..اما انتي يافريده..أنا واثج من جراراتك..وانك هتاخديها بحكمه...مع ذلك...أني حواليكي...هدخل.. في الوجت المناسب..واسمعي يابتي..جدك راجل حكيم..بيحكم بالعدل وله هيبه.. والكل بيعمله حساب..كل اللي هيعمله من حبه وخوفه عليكم..فهماني يابتي..اسمعو لكلام جدكم..ومد يدكم وخدو حجكم من عين التخين..وأني في ضهركم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صعد الجبل ليلا يطمأن عليهمبنفسه ويملي عينيه من جمالهم..ألا يقولون ان أعز الولد ولد الولدهذا مايشعر به وهم يلعبونبسعاده مع الخيول والماعز...لم يخشوه...يبدو انهم شعرو بحبه كما يشعر بأنهم نور عينيه الذي عاد له بعد عمرا عاشه بالظلام..ان كانو أبنائها هكذا فكيف هي.
راشد: نده عليه..سليم..تعي ياولدي.
سليم: اقترب مسرعا...يلبي نداءه..ايوه ياجدي..مش انت كمان جدي زي جدي الراوي.
راشد: بضحك. جدك الراوي جوي جلبك..جوي ياولدي.
سليم: بفخر..وبلهجه بدويه اعتادها منهم...جوي جوي...أومال..نشج النار ومنخافش.
راشد: يعني مخيفش مني ياوحش.
سليم: جدي الراوي..حكالي عنيك وعن بطولاتك وعن حواديتك وجالي يوم ماتجابل جدك راشد..ماتخافش منه..وجوله الراوي..صان الامانه.
راشد: بفخر...يسلم فومك ياغالي يابن الغاليه.
اقتربت سيليا تتحسس لحيته الطويله بدهشه..بجلبابها البدوي الصغير فحملها علي قدمه.
راشد: اسمك ايه ياجميله.
سيليا: بطفوله..سيليا.
راشد: باستغراب، واه..سيريا.
سليم: سيليا ياجدي.
راشد: حاول نطقها مرارا وتكرار..ويأس..بااه معرفشي ياولدي...هي سيريا حلوه اجده.
قضي نصف الليله سعيدا معهم..وتركهم بأمانه وجدي..وهبط للبلده..الي ان يحين اللقاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتصف الليل وهي بانتظاره..بفستانها....ببيته البسيط..فقير هو وبعيناها أغني الاغنياء..زاهده بالمال وكان هو لها زواد..تنهدت..برعشه خفيفه..وهي تستمع لصهيل جواده التي تعرفه اذناها..وهل تخطئ به..تميز خطواته ورائحته الفواحه، ولو عن بعد..فتح الباب ودخل هو..جسده المشتعل يتمني لقياها هي..خطواته غصبا عنهأبطأت وهو يتطلع لمحياها الخجل.
عدنان: بهمس.. ياويلك ياعدنان.
ناداها.
ساجده: رفعت راسها له بعيونها التي تخجله هو..عيون عابثه..عيون تتلاعب به..منذ ابصر عشقها..، وهي متلاعبه..أوقعته اثيرا لغمزاتها وضحكه محياها.
عدنان: أجابها قلبه،..ياعيون عدنان،..وياويل عدنان ياساحره.
ااقتربت خطواته وأصبح مقابلا لها..يسالها..يطمئن قلبه.
ساجده: ماحيلتي زاد ولا زواد..فارس انا رحال...بتقبليني..كيف ماانا.
حطت بيدها تكتم باقي حديثه..لتريح قلبه..صرخت بوجه القبيله كلاتها، وجلت صدرك زادي وحنيتك زوادي، ولسه عم تسأل ياعدنان.
ابتسم لحديثها واطمأن قلبه..مد يده يزيح حجابها..ازدادت لمعه عيناه، بفرحه كطفل، أعطته امه للتو حلواه.
عدنان: شعرك كيف وهج النار.. ياساجده.
ساجده: بخجل.
عدنان: أكمل غير عابئا.. بخجلها خاطفا شفتاها بشفتيهبرقه..رفع رأسه ناظرا لعيناها المصدومه..مكملا غزله بها.
عدنان: وشفايفك كيف شهد الرمان.
ساجده. بخجل...استحي ياعدنان.
هبط لخصرها أزاح سترت فستانهاوتأوه مقبلا خصرها التي يحاوطه خلخالايصدر صوتا مع ارتعاش خصرها من قبلاته.
عدنان: أنت باسمه.
ساجده: انتفض حاملا..اياها....بشوق..كاتما همساتها بشفتاه..راجيا اياه..الرحمه..هامسا..بنشوه.. لها..ارحمي عدنان....، ياجلب عدنان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنتصف الليل..بين ذراعيها..هي..تحتضنه كطفلها...تغيرت الاحوال...أصبحت نكبتها..نكبته هو..يديها تعبث بشعره الحريري، الذي ينسدل علي وجههتهدهده كطفلها هي..صباحا احتضن ألامها..، والان حان دورها..دموعه تنزل في خزي..همس بها.
عابد: ياسمين..
ياسمين: قبلت رأسه...وهمست. نعم يا عابد.
عابد: أنا تعبان أوي ياياسمين..حاسس اني ظهري انكسر..أنا مش مصدق..أختي..أنا تعمل كدا.
أغمضت عينيها بحزن عليه..منذ وصلته تلك الرسائل علي هاتفه وهو بتلك الحاله.حزينا..ساهدا..هي تعلم من ارسله له انتقاما..ولكنها لن تخبره لن تزيد الامر عليه..لقد منعته من الخروج، وملاقاه اخته بصعوبه..بعدما كان يقسم أنه سيقتلها..فتوسلته..واستجاب لها كطفل صغير..ارتمي بأحضانها..يحكي لها وتسمعه.
ياسمين: عابد..اسمع ليها...هي غلطت وللاسف ملقتش حد يوجهها..أنا واثقه فيك ياعابد..عابد اللي قدر يحتويني ويفهم وجعي..مش قتال قتله..عابد..اختك محتجالك..تقف جنبها....متقساش عليها.
رفع رأسه..شاردا بها..هي..ابتسمت له وسألته.
ياسمين: بتبصلي ليه كدا...؟
تنهد وأجابها.
عابد: بعد دا كله.،.واللي عملوه في فريده.،.انتي اللي بتقولي كده.
ابتسمت بسخريه.
ياسمين: اومال عاوزني اقولك اقتلها..عارف فريده.كانت دايما تقولي ان امل صعبانه عليهاأوي..عارف ليه..عشان ملقتش حد يوجهها للصح والغلط..يمكن لو فريده مكنتش زاهده في الحياه عندكو كانت قدرت تحتوي امل وتنصحها..بس في المجمل..أمل ضحيه ياعابد..متختلفش عني وعن فريده.
اغمض عينه مستمتع بنبره صوتها ببحتها المثيره..تلك المراه تؤثر به..وبجسده تعبث به فسادا..مسيطره هي عليه منذ التقاها..استطاعت امتصاص غضبه بهمسها وابتسامتهاويدها التي تعبث به فساداتنهد مغمضا عينيه، لاول مره يذكر اسمها أمامهولم يؤثر به..لم تكن حبا اذن..أيسميها ماذا..؟استشعر أصابعها بين شعيراته، فابتسم براحه..من بين نكباته ونكباتها خلق عشقا..ومااجمل العشق الذي تخلقه النكبات..يبدو ان قلبه اللعين..له رأي أخر..دائمــــــاابتسم مستشعرا حلاوه اسمها بين شفتيه.
عابد: يااسميـــــن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالدوار..مساء..
صوت: ياكبير..ياكبير...الحج ياكبير ست سلمي وسي محمد رجعم ومعاهم واحده كيف الجمر.
ارتعشت يد الجالس بجانبه واسقط الكوب من يديه..فلمحه الجد بطرف عينه.. وابتسم..بسعاده.. وثقه.
الجد: افتح البوابه ليهم.
فهد: دا بجد ياجدي.
الجد: رجعم لوحدهم.
فهد: بسعاده يحاول اخفائها..سلمي رجعت.
دخلت الدوار لاول مره بحياتها دارت بعينيها المكان .. وهي مازالت بسيارتها التي اشتراها لها الراوي من مالهم الخاص التي تركته والدتهم لهم..ودار معها صراعها الداخلي..هنا رائحه والدها ووالدتها.،.تنهدت وقلبها يتأكلها علي أبنائها....لمحته قادما بهيبه تشبه هيبه الراوي وأكتر..وبجانبه شابا بجلباب صعيدي...همست سلمي بجانبها.
سلمي: فهد..فريده...هو دا فهد.
أومأت سلمي بتوتر وهو يرمقها بنظره مشتاقه..لم تخفي عليها...ولكنها استغربتها.
محمد: انزلي يافريده.
نزل محمد وتبعته سلمي..واقتربا بلهفه.
محمد: جدي.
الجد: بحزم..لا سلام بينا..ولا كلام..رفع يده مشيرا بيده لمن خلفه...فأتو مهرولين..آمرا اياهم..اقفلوا البوابه.. وهاتوهم.
انصدمت سلمي ومحمد، وصرخت فريده به.
فريده: فين ولادي...انا عاوزه ولادي.
التفت لها..بحسم.
الجد: انتي جيتي اهنه بمزاجك...يبجي تنفذي اللي اجولهوالا ملكيش ولد عندنا.
فريده: يعني ايه..هتحبسنا هنا...متقدرش.
الجد: زي ماجبتك اهنه..اجدر. يابت الغاليه...خدوها.
ـــــــــــــــــــ
يومان مرا عليهم محتجزا اياهم..أملي شروطه عليهم، وتركهم أخرج محمدوحبسهم هم.
سلمي: هنعمل ايه يافريده...هنفضل محبوسين كدا.
فريده: بشوق لابنائها...اشتاقت لهم قلبها يغلي عليهم..لا يا سلمي هنوافق..نادي علي حد ينادي علي جدك.
سلمي: بصدمه..موافقه تتجوزي حد متعرفيهوش.
فريده: بوجع..أومال يعني أسيب ولادي..اشوف ولادي بس وبعدين يحلها الحلال.
سلمي: بس انا استحاله أتجوز فهد..أنا بكرهه.
فريده: عشان خاطري ياسلمي..وافقي دلوقت وبعدين يحلها الحلال.
سلمي: بخوف..أنا خايفه..دا فهد بيكرهني اوي.
فريده: بحسم..نخرج بس من هنا..وأخد ولادي وبعدين يحلها الحلال ياسلمي.
وافقتها سلمي وندهت عليهم تخبرهم بقرارهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
كيان. بصدمه،.ايه اللي بتقوله دا ياجدي..انت عاوزني اتجوز بالطريقه دي.... انت نسيت اصلا اني متجوز.
الجد: بحسم..هتعصاني ياكيان...بنت عمتك انت اولي بيها..ولو مربطاش بيك هتعاود للراوي..أني تعبت من الفراج ياولدي..،طاوعني الله لا يسيئك.
التمعت عيناه بحزن..لثاني مره سيخونها ويرتبط اسمه بأخري...سيصبح زوجا لاثنتان وليست هي واحده منهم..لمعت عيناه بالدموع ومسحها مسرعا بكف يده..بعصبيه..مغلوب هو علي امره....كتلك المحتجزه..ليتزوجا..وبعدها يحلها معها هي..اهتدي تفكيره لذلك..وأطاعه بصمت.. لن يقدر علي عصيانه.
كيان: أمرك ياجدي.
التفت الجد، للجالس بسعاده، لم يستطع مداراتها فضحك عليه.
الجد: وااه يافهد كأنك سعيد مش مغصوب ياااك.
فهد: بلبكه..هاااا..لا..ياجدي ولا حاجه..أمرك.
الجد: طب يالا عاوز ليله من الف ليله وليله..اليوم فرح أحفاد راشد...الليله عيد.
فهد: بسعاده..أمرك ياجدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تدور بالغرفه ذهابا وايابا، يتأكلها الغيظ.الي ان دخل هو عليها.اندفعت عليه.
سلوي: كيان انت فعلا هتعمل، زي ماجدي بيقول..هتجوز بنت ناديه دي..طب وانا...هتجوز عليا.
نفض يدها..بحده..متذكرا فعلتها وما حدث بينهم...تذكره بدناءته.وببرود آجابها.
كيان: اه عندك مانع،..وبعدين مالك زعلانه ليه..تكونيش بتحبيني ولا حاجه.
سلوي: بصراخ..انت عارف ان الحب مش في قاموسي بس انا مبحبش حد، يشاركني حاجه بتاعتي.
التف بغيظ منها، ويده حطت علي وجهها بحده...صارخا بها.
كيان: انا مش بتاع حد...فاهمه..واوعي تفكري اني بدخولي عليكي،هيتغير حاجه.
سلوي: ببغل..اتجوز...بس بردو هيفضل قلبك محروق عليها هي..وبغل أكتر.،.عارف انا ببقي مبسوطه، وأنا شيفاك حزبن ومحروق قلبك كدا.. وانت لا طايل سما ولا ارض....ولو رجع بيا الزمن تاني كنت قتلتها قدامك وشفيت غليلي..سنين عايش علي ذكراها..كأنها محور الكون..وانت شهريار..اتجوز غيرها....المهم مش هيااا..المهم اشوفك متعذب كدا.
دفعها بيده..صارخا بها.
كيان: غووري انتي ايه شيطان... شيطان..أنا ازاي كنت معمي علي عيني وعملتك اختي وحكيتلك..غوري.
ــــــــــــــــــــــ
تقف بتلك الغرفه المظلمه..، تحاول وتحاول..لا تستطيع..خارت قوااها وارتعش جسدهاوفشلت في القاء تعويذاتها عليهم.
سعديه: بغل...هجتلكم ياولاد ناديه..هجتل نسلكم وسلسالك.
استمعت للطبل والزمر..معلنا بدء الاحتفال..وضرب النار...آتي من الخارج...وضعت يدها علي أذنيها صارخه بشيطنه...احضروا..احضروا..ارتعش جسدها من فرط المحاوله..وغابت عن الوعي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساء...بعدما رفضت فريده النزول للاحتفال..واجبرت سلمي علي النزول..تم كتب الكتاب، ووقعت هي ولم تلحظ علي ماذا وقعت..قلبها يؤلمها علي ابنائها، دموع عينيها غلبت عليها..ستقتلهم جميعا.ان حدث لهم شي...حتي حينما اخذهم والدهم منها، هناك لم يطول فراقهم هكذا لثلاثه أيام...بكت وبكت وسالت زينه عيناها..التي وضعوها لها جبرا..لم تلحظ أن صوت المزمار الاتي من الاسفل أغلق منذ فتره..أفكارها الشارده.،..البعيده،..بأبنايها فصلتها عمن حولها..هي هنا بغرفه أخر...يدعي زوجها..واين هم..لم تلحظ باب الغرفه الذي فتح وطل هو منه باحثا بعينيه عمن اصبحت زوجته..ابنه عمته التي وصته عليها مرارا وتكراراوجدها تجلس بجانب الفراش أرضا ترتدي الاسود وشعرها الاسود، كملابسها يغطيها ، تخفي راسها بين قدميها..تنحنح..فرفعت رأسها وياليتها مارفعت..جحظت عيناها..وكذلك فعل..ارتد بصدمه للخلف..مبتلعا حروف اسمها بجوفه..مرت دقائق ومعها اشتعلت حرب النظرات..أحدها مشتاقوأخري حاقده كارهه..اقترب منها لا يصدق عيناه التي تبصرها..هي.. هنا.. أمامه..دار بعينيه بجوانب الغرفه بصدمه...هي هنا بالفعل...عيناها الجاحظه الغارقه بدموعها..عيناها..واه من عيناها...هل يخطأها يوما...هي...فريده...فريدته هو..ابتلع ريقه.بصعوبه...بفرحه يملؤها الغصه..بعد تلك السنوات...وذلك الفراق...الطويل..عمرا طويلا...طويلا جدا...تيبست قدماه وصدمته هي...باندفاعها اليه..تهزه...بحده..تضربه بكل قوتها...تستقوي علي قلبه وتغرز به سباباتهاتصرخ به بأناتها وعذابها.
فريده: فين ولاااادي...ولاادي ياكيااان...هقتلك ياكيانلو مرجعتليش ولادي.
جحظت عيناه بصدمه بعدما ربط الخيوطأخيرا ببعضها...هي..فريده تلك... كفريده هذه...تلك التي التقفت سلاحها ببراعه من بين ثنايا ثيابها..تهدده به..حبيبته...الغائبه...وزوجته....رفعت يداااها وأصابت هدفها..بمهاااره..مهااره شديده.
ـــــــــــــــــــــــــ
ياغائبه..ياعائده..ياعمرا راحلا وعمرا آتيا..ياوهج من نار عاد لاهبا.اقسي..افتعلي بقلبي جرحا داميا.ان كان قتلي..بيديكي يرضيكي..فأنا ياعمري راضيا..راضيا
رواية رحماكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم أسما السيد
يقف ينظر لها بصدمة مما تفعله.
لقد أتى ليصطحبها بعدما انتهى الاحتفال.
دفعت يده بحدة وصعدت مهرولة.
لم تترك له مجالاً للحديث.
والآن يقف ينظر لما تفعله بصدمة.
أتلك سلمى الخجولة؟
خلعت برقع وجهها التي كانت تضعه بالأسفل أمام النسوة وألقته أرضاً.
وتبعته بحجابها.
والتفت صارخة به.
فرجع للخلف بصدمة.
سلمى بصراخ: "أوعي تفكر أنك كدا هتعمل راجل عليا وهسيبك تتمسخر وتقلل بيا. لا فوق. أنا اتجوزتك بس عشان خاطر فريدة ولادها يرجعولها. انت ولا شيء بالنسبة لي."
جز على أسنانه بغضب واقترب مغلقاً الباب خلفه بسرعة.
خلع عمامته وأخذ نفساً طويلاً يهدئ به نفسه.
لن يخذل جده مرة أخرى.
لقد وعده أن يكون صبوراً هيناً ليناً معها.
اغتاظت من سكوته ولا مبالاته.
اقتربت بغيظ منه، ضاربة إياه بقبضة يدها على ظهره الذي يعطيها لها ببرود.
"أنا بكرهك يا فهد، بكرهك."
"إلا... هنا وكفى."
استدار مسرعاً، مقلباً الأدوار، مختطفاً إياها بين ذراعيه.
متحدثاً من بين أسنانه، تقتله باعترافها بكرهه.
صرخت به: "سلمى! ابعد عني يا فهد. مش طايقاك."
فهد بغصة: "مش طايقاني يا سلمى؟ بتكرهيني؟"
سلمى بصراخ: "بكرهك. ابعد عني يا فهد. سيبني. أنت آخر واحد كنت أفكر أتجوزه."
كتم صراخها وهمسة ضائعة.
"وأنـتِ كل اللي اتمنيته يا سلمى."
سلمى بغيظ: "كـذاب. أنا مش هسمحلك تعملني خدامة لـ سمر بتاعتك. مش هسمحلك."
فهد بصدمة من فكرها: "أهكذا تراه؟ خدامة؟"
"أنتي مراتي يا سلمى. مرات فهد سويلم. أنتِ وبس... لا كان في قبلك ولا هيبقى في بعدك."
حاولت إفلات نفسها من قبضته ولم تستطع.
"ابعد عني يا فهد. ابعد."
تركها بوجع وقلبه يتمزق من كلماتها التي تغرس في قلبه جروحاً دامية.
أيلومها؟ هو من أوصلها لهنا لتلك المرحلة.
دارت حرب النظرات بينهم، نادم هو وكارهة هي.
قطعها عليهم فتح الباب بقوة، وطلت هي.
ارتعشت يداه وتيبست قدماه وهو ينظر لها.
هي! أمامه وهنا زوجته وحبيبته.
لم يتحدث هو وتركها لتخرج أناتها وعذاباتها من الدنيا به.
إن لم يتحملها هو ويتحمل صراعاتها، فمن سيتحمل؟
يداها التي ارتفعت ممسكة بسلاحها تصوب ناحية قلبه.
يدها التي قبلها مراراً، يخبرها بقبلاته أنها كل دنياه.
تريد قتله بها.
إذن، فل تصوبي برصاصة الرحمة يا كل دنياي.
فريدة: "هقتلك يا كيان."
كيان بوجع: "لو هترتاحي يا قلب كيان والحقد اللي شايفه في عيونك هيزول ويجي مكانه حنان الدنيا اللي كان في عيونك. اقتليني وأنا راضي."
فريدة بصياح: "سيبك من الأسطوانات اللي ضحكت عليا بيهم زمان. بطل كذب. بطل تتغنى بالحب، عشان كرهته وكرهت سيرته."
ابتلع غصته بحلقه ورفع كفه يحركها بعصبية على وجهه في محاولة بائسة منه لكبت دموع عينيه.
(ما أصعب أن تلتقي بمن تحب بعد فراق... بقلبك عشق العالم له... ويغرس بك هو سمومه وما فعلته به الأيام)
تنهد بوجع وهو يلمحها تعد العدة لتصيب هدفها.
فتح ذراعيه لها، يرحب برصاصتها.
هطلت دموعه ولم يعد يسيطر عليها.
لا داعي لإخفائها بعد الآن.
لطالما كان ضعيفاً بهواها وهي تعلم.
إذن.
أخرج صوته أخيراً.
"اقتليني يا فريدة."
اقترب منها ممسكاً بيدها بحدة، واضعاً سلاحها على صدره.
وبوجع أكمل: "اقتليني يا فريدة. يمكن ترتاحي كده يا قلب كيان ونارك تبرد. يلا اقتليني."
ابتلع غصته. وأكمل راجياً: "اقتليني وريحي قلبي يمكن يلاقي هناك الراحة."
صرخ بها مجدداً: "اقتليني."
أزاحته بيدها بغلظة وقوة.
ارتد على أثرها للخلف ورفعت سلاحها وصوبت بقوة وأصابته فأردته قتيلاً.
يقف مستنداً بجسده على غرفة المشفى، يجاوره أخيه.
بخزي كلاهما لا يتحدثان، شاردان بفضيحتهما الكبرى.
وحدها والدته النائبة من تصرخ بعلو صوتها.
لم يعد يحتمل.
التفت صارخاً بها: "اسكتي بقى كفاية صويت وقرف. فضحتـينا. أنتي السبب في كل ده."
صدمت أمه واصفر وجهها بخوف من نبرته.
هي لا تخشى أحداً حتى زوجها لم تخشاه يوماً.
وحده هو من تخشاه وتخشى حدته.
رجعت ومثلت البكاء.
"أنا يا عابد. أنا السبب في إيه يا ابني؟"
عابد بقرف: "بطلي تمثيل شوية. الدور دا معادش لايق عليكي. أيوه أنتي السبب خليتـك تبخي السم في ودن بنتك وادي النتيجة. بنتك كانت حامل وانتحرت وفضيحتنا بقت على كل لسان."
وبقرف أكمل: "أنتي إزاي مش مقدرة حجم المصيبة اللي إحنا فيها؟ بنتك الشباب بيشير فيديوهاتها وكأنها ممثلة بورنو. أنتِ إيه يا شيخة؟ أنتي إزاي كدا؟ ذنبه إيه أبويا في اللي جرى؟ مبسوطة دلوقتي؟ كان ممكن بدل ما تعلميها الشر وتغذيها بيه تنتبهي ليها شوية. دا حتى كنتي بتمنعيها تكلمني كأني عدوك مش ابنك. بلاش الشويتين دول يا أمي. أنتي ميهمكيش حاجة غير الفلوس وأنك تبقي فوق الكل."
لمعت عينيها بغل ونظرت لابنها الآخر.
نظر لها بكره جديد عليه وأدار وجهه.
خرج الطبيب.
فجرى عليه بلهفة.
أحمد بلهفة: "بابا عامل إيه يا دكتور؟"
نكس الطبيب رأسه بخزي متمتماً: "البقاء لله يا جماعة، مقدرناش ننقذه يا جماعة."
بالمزرعة.
"عدنان! يا عدنان! يا ويلك مني يا عدنان!"
عدنان وهو يرتدي ملابسه بسرعة: "يا وجعة مطينة بوكي مش ناوي يجبها البر يا ساجدة؟ معرفش ألم عليكي."
ساجدة بضحك: "بااه يا عدنان. هم افتح لأبوي لأحسن أنت خابره."
اقترب هامساً لها: "فوتي ايديـج. بوكي راح يضل قاعد الليل كله و معرفش ألم عليكي يا جلب عدنان."
ساجدة بخجل: "اتلم يا عدنان. وافتح."
اقترب أكثر محاوطاً إياها بذراعيه، ساحباً إياها لدوامته التي تعشقها هي.
فاندفع هو بالباب ممسكاً به بالخلف من ثيابه.
"وهدان! يا ويلك يا عدنان! عم تبوس بتي يا فجران!"
عدنان بصدمة: "بتك مرتي يا خالي والله مرتي."
وهدان: "غور جبر يلمك."
عدنان: "كسرت الباب يا خال."
"شكيتك للرب يمهل ولا يهمل."
وهدان: "بيتك خربان. همي يا بتي اليوم تونسي بيت بوكي العمران."
عدنان بصدمة: "ساااجده! لوين رايحة؟"
نظرت له بقلة حيلة.
فتمتم بغيظ: "منك لله يا خال."
دفعت الباب بحدة ودخلت عليهم.
كانت بالقاهرة ولم تستطع اللحاق به.
سمر بحدة: "اتجوزتها يا فهد؟ اتجوزت دي؟"
نظرت باتجاهها، ولمحت طلتها المهلكة بتلك الفستان الذي يفصل تفاصيلها ببزخ جسدها المرسوم بإغراء.
وعينيها المزينة، ويبدو أنها تخلت عن نظارتها الطبية بعدسات لاصقة.
شعرها الذي يهفف خلفها ووقفتها الواثقة تنظر لها بسخرية وانتصار جعلتها تهتز داخلياً خوفاً منها.
اقتربت سلمى منها ببطء، تتفحص هيئتها المتبرجة بسخرية.
"مالها دي يا حلوة؟"
مدت يدها وأمسكت بشعرها بقوة.
سمر بصراخ: "شعري يا غبية! أنتِ اتجننتي؟"
سلمى بغل: "اتجننت فعلاً لما سمحتلك السنين اللي فاتت تطولي عليا يا حشرة. لو انتي فاكرة إني سلمى الضعيفة بتاعت زمان فأنا بقولك أهو، إنسي."
نظرت له وهو يقف ينظر لها بصدمة وعين جاحظة.
وبسخرية أكملت: "زعلانة عشانه أوي؟"
دفعتها بيدها تجاهه فارتمت بين ذراعيه.
"خديه أهو. أنتي وهو لايقين على بعض. ميشرفنيش أبقى مراته. أنا مفرطالك بيه. يلا بره انتو الاتنين."
سيطر على صدمته وأزاح سمر بحدة، صارخاً بها: "سلمي! أنتِ اتجننتي؟ بتسلميني لغيري يا مجنونة؟"
صوت ضرب الرصاص جعلهما ينتفضون ذعراً.
أغمض عينيه بسعادة يستقبل رصاصتها بصدره.
فجأة دفـعته بيدها بحدة وأصابت هدفها، بعدما لمحته يقترب منه مسرعاً.
صدمت من هيئته، كان ثعباناً أسود يشبه ظلام الليل.
صرخ بها بصدمة: "فريده! حاسبي يا فريدة!"
ارتعشت يدها بعدما أصابت واحداً.
وانتبه هو للآخر الذي يقترب منها مسرعاً، وكأنه مسلط عليها.
حاوط خصرها مسرعاً وانتشلها بين ذراعيه.
وخطف سلاحها وبسرعة البرق كان أرداه قتيلاً.
مرت دقيقة عليهم بحالة صدمة وذهول.
إلى أن استشعر أين هي.
قربها من أحضانه مستنشقاً عبيرها الذي افتقده.
هامساً باسمها بـ لوعة: "فريدة."
انتبهت لوضعها وغصباً عنها استسلمت لدفء أحضانه.
هامسة بدموع: "عاوزة ولادي يا كـيان. أرجوك."
كيان بابتسامة حزينة وغصة بحلقه: "وحشتيني يا قلب كيان. وحشتيني أوي."
انهمرت دموعها.
بصمت.
ومرت ذكرياتها معه أمام عينيها.
ابتعدت مسرعة عنه بعدما اقتحم الجد بلهفة الغرفة وخلفه الجميع.
الجد بلهفة: "أنتم مناح؟ ليش ضرب النار ده؟"
دار بعينيه بالغرفة: "إيه فيه يا ولدي؟ طمن قلبي."
كيان: "أبدا يا جدي كنا بنموت ال..."
والتف يبحث عنهم.
لم يجد شيئاً.
كيان بذهول: "إيه دا؟ كانوا هنا."
فهد بعدما أتى مسرعاً وخلفه سلمي: "إيه يا كيان؟ ومين دول اللي كانوا هنا؟"
كيان بصدمة وهو ينظر لها: "كانوا هنا؟"
فريدة.
وهي تنتبه لما يقوله.
بحثت بعينها ولم تجد شيئاً حتى أثر الدماء.
لا يوجد شيئاً.
تأكد حدثها.
ونظرت لأختها التي اندفعت لها واحتضنتها بنظرة يعلمها جيداً.
دخلت هي وخلفها ابنتيها.
سلوي بسخرية: "إيه فيه هنا؟ ولا العروسة قتلت العريس؟"
رفعت نظرها ووقعت عينيها بعينها التي تنظر لها بسخرية.
فصدمت وارتدت للخلف، مرددة بصدمة: "فريده!"
سمر من خلفها: "أنتِ تعرفيها؟"
سويلم بحدة: "فضونا منها اللمة دي مادام مفيش حاجة هنا. يلا يا مرة منك ليها انجلعي من هنا."
اقتربت زينب من فريدة غير مهتمة بصياح زوجها.
زينب بفرحة: "أنتِ فريدة بت نادية؟ تعالي في حضني يا غالية يا بت الغالين. أني عمتك أخت بوكي."
انتشلها سويلم بحدة: "جولتلك يالا بلا دلع ماسخ. بلا جلة حيا."
الجد بحدة: "شيل يدك عن مرتك يا سويلم لا جطعهالك. أني لساتني عايش مموتش."
صاح بهم: "برا كلياتكم برا."
خرج الجميع وبقيا هما.
نظر الجد لسلمي بحدة: "ليش لساتك هنا يا سلمي؟ وفايته جوزك؟"
سلمي بغيظ: "لا معلش يا جدي. لحد هنا والتمثيلية دي انتهت. جواز واتجوزنا أظن آن الأوان ترجع سليم وسيليا."
الجد: "ومين جالك إنهم مرجعوش يا سلمي؟"
فريدة بلهفة: "تقصد إيه؟ ولادي فين؟"
الجد بحنية لم يستطع إخفاءها أكثر: "جربي يا فريدة. تعالي."
نظرت لأختها بتوتر، فأومأت سلمي لها.
اقتربت فسحبها مقبلاً رأسها بحب: "نورتي دارك يا بت الغالين. ولادك بالحفظ والصون."
فريدة بلهفة: "عاوزة أشوفهم. أرجوك."
الجد بابتسامة: "طب سندي جدك العجوز ده وتعالي ويااااي."
ابتسمت بسعادة وسارت بجانبه، بعدما رمقته بطرف عينيها ولمحت شروده.
جرت خلفهم، فاستدار بحـدة لها.
الجد: "على غرفة جوزك يا سلمي."
ضربت الأرض بقدمها بغيظ وتأفف.
الجد: "جولت عاودي يا سلمي."
بالأسفل.
"بوكر الشياطين."
بعيون دامية وصوت مخنوق: "جتلتيه يا جادرة."
ألقت تعاويذها ولم تفلح.
مرة. اثنتان.
أنهت تحضيرها واقتربت تضرب رأسها بالحائط بشيطنة.
"أني وياكي والزمن طويل يا بت نادية. بس أوصل للي عملكم النحزيطة دي وأخلص عليكم."
وصاحت بشيطنة: "عااااا."
انتهت الدفنة وواري جسد والده التراب.
انتهى اليوم وبقي هو وأخيه وأمه الصامتة الجامدة.
الأم: "هي الست المحروسة مراتك مجتش تاخد بخاطري ليه؟ ولا إحنا منشرفش."
عابد بسخرية: "إن جيتي للحق أنتو فعلاً متشرفوش."
روان بحدة: "الزم حدودك يا عابد واعرف بتكلم مين."
عابد وهو يستقيم: "لا وعلي إيه يا ست روان؟ أنا فيتـها بحالها. أشبعي بيها. اللي كان ليا هنا راح خلاص."
روان باستهزاء: "والورث ملكش فيه."
عابد بسخرية وهو يرمق أخاه بقرف: "فتـهولك الله الغني. سلام."
روان: "في داهية."
وفرته.
أحمد: "إيه اللي عملتيه دا؟"
روان: "عملت إيه؟ كوشتلك عالورث أهو."
الأم: "ورث إيه يا أم ورث؟ وأنتي إيه دخلك أنتي عشان تتكلمي عن الورث؟"
اندفع أحمد بقرف من مجلسهم وحديثهم وصوتهم التي بات يبغضه.
فاقتربت هي منها عابثة بهاتفها.
روان: "تعالي تعالي قربي متخافيش. هفرجك على حاجة إيه طازة."
الأم: "حاجة إيه؟"
وجهت هاتفها لها، ثواني وانصدمت مما ترى.
الأم: "إيه ده يانصيبتي. يانصيبتي."
روان بضحكة مستهزئة: "ها؟ إيه رأيك؟ أنتي وبنتك تبقوا فضيحة الموسم."
الأم بخوف ورعشة: "طلباتك؟"
روان: "شاطرة يا طنط."
الأم: "عاوزة كام؟"
روان: "النص."
ضربت صدرها بغل: "يلهوي! دا كتير."
روان: "مليش فيه نص منك ومن أمل ومن عابد. كل اللي هيطلع لكم يبقالي فيه النص. وإلا بقي أنتي عارفة."
جزت على أسنانها بشر، قائلة: "أوامرك."
خلعت ثياب المشفى بعدما أتى عابد ليطمئن عليها.
صمته يقتلها، عتاب عينيه يذبحها.
لقد جلبت لهم العار.
موت والدها غاضباً عليها يدمي قلبها.
لقد فقدت الجنين وانزاح حمل من عليها بعدما حاولت الانتحار.
ستذهب من هنا.
لن تستطيع.
غيرت ثيابها ببطء من وجع يدها التي قطعت شرايينها بها.
الدوار مازال يداهمها، ولكن لتتحامل قليلاً وتخرج من هنا.
هنا ماضيها الأسود.
انتهت ونظرت لصيغتها التي مازالت ترتديها وحمدت الله عليها.
وعلى بعض الأموال التي تركها عابد بحوذتها.
خرجت تمشي رويداً.
والحمد لله لم يكن أحد بالطرق.
زفرت براحة والهواء يلفح وجهها.
طريقها طويل بائس، ولكن إلى أين ستذهب؟
لمعت الدموع بعينيها وانطلقت لمحطة القطار.
انتصف الليل عليها هنا ولا أحد.
بعدما استقر القطار بمكان لا تعلمه.
لمحت بعض الشباب آتياً باتجاهها.
ارتعشت بخوف من منظرهم.
لمعت عيونهم بمكر كالثعالب أخافتها وعلمت فحواها.
جرت وجرت، ومازال دوارها يعوق حركتها.
لمحتهم خلفها.
فبكت وانهمرت دموعها، صائحة بوجع: "يــارب. أنا غلطت كتير بس والله مش وحشة. أنجدني يارب."
تسلل اليأس لقلبها وبعقلها تأكدت أن هذا عقاب الرب.
لتستسلم.
ومن بين دوامتها امتدت يد خفية لتنتشلها.
رفعت عينيها واصطدمت بعيون تشبه سواد الليل.
ارتعش جسدها وغامت عيناها.
راحلة.
لطريق لا تعلمه.
أخيراً استمعت لخطواته الصاعدة وصوت قفل الباب يفتح.
(هل سمعتم يوماً بأحد صوت قفل الباب عنده بالدنيا وما فيها؟)
هي إذن يسكن قلبها ويهدأ من صوت مفتاحه.
اقتربت بلهفة من الباب الذي فتح.
"عااابد."
فتح ذراعيه لها بحب وحنان.
هامساً بابتسامة: "قلب عابد."
ارتمت بداخل أحضانه بسعادة طفلة بثياب العيد.
شددت من احتضانه وفعل هو.
همست بأذنه: "وحشتيني أوي. اتأخرت عليا."
شدد من احتضانها وسار بها ناحية الأريكة.
أجلسها على قدميه مجيباً على همسها: "أنتِ وحشتيني أكتر."
رفعت وجهها بابتسامة ورفعت يدها تتحسس لحيته.
تهمس له بحزن لحزنه: "حزين؟"
أغمض عينيه مستشعراً دفء يداها، مجيباً بلا إرادة منه: "أوي. حزين أوي يا ياسمين."
انهمرت دموعها وأحكمت ذراعيها على رأسه وقربتها لأحضانها كما يحب هو.
كما أخبرها تلك الليلة أن تأخذه بأحضانها هكذا.
مقبلة رأسه وجبهته هامسة بحنان: "سلامتك من الحزن يا قلب ياسمين."
نائمان بعمق بسرير الجد.
اقتربت منهم وقبلتهم بحنان.
اقترب الجد منها، مطبطباً بيديه على ظهرها بحب.
"أظن أن الأوان يا بت الغالية تيجي في حضن جدك."
رفعت نظرها لها واندفعت محتضنة إياه بحب.
الجد بحب: "وحشتيني جووي يا جلب جدك. شبهـك الخالج الناطـج. كني شيفها جدامي."
ضحكت ودموعها تغرق وجهها: "قول بقي أنك اشتقتلها."
ضحك بسعادة وجلس وأجلسها بجواره.
يحكي لها وتحكيله.
مرت ساعة، اثنتان.
مر الوقت ولم يشعرا.
الجد: "يالا يا بتي روحي على أوضتك. وزي ما اتفقنا."
فريدة بتردد: "بس يا جدي."
الجد: "اعملي اللي جولتلك عليه يا فريدة. ريحي جلبي يا بتي."
وبغيرة أكمل: "وشوفي جدك العجوز أجوي ولا الراوي."
ضحكت على غيرته من الراوي واقتربت تحمل أطفالها.
الجد بلهفة: "لاه، لاه. من أهنه ورايح. مهيفرجونيش واصل. بعدي يدك عنيهم."
فريدة بغيظ: "ياسلام. دول ولادي بقـدرش يناموا بعيد عني. مش كفاية حرمتهم مني بقالهم 3 أيام."
الجد بغيرة: "بعدي يدك يا فريدة. ويالا انجلعي من هنا."
فريدة: "يا جدي بس."
الجد: "جولت انجلعي جبر يلمك."
وضربها بنبوته.
فرت من أمامه مسرعة.
ونظر هو لغنيمته النائمة: "جال تاخدكو مني جال. أنتو حبايب جدو. أنتو."
غيرت ثيابها بأخرى مهلكة مثلها.
ابتلع ريقه وهو يرمقها بشوق لقربها.
رفعت نظرها له ورمقته بأخرى ساخرة.
نفخت خدها وصاحت: "ممكن تقفل النور ده عشان ننام. ولا حرااام."
فهد بغيظ: "متعليش حسك يا سلمي. عليا."
سلمي بغيظ: "عاوزة أنام ممكن؟"
فهد بلامبالاة: "متنامي. أنا حايشك."
وخفض نظره لحاسوبه، يعمل بصمت.
وضعت الوسادة على رأسها بغيظ تستجدي النوم.
ضحك عليها وأغلق حاسوبه واستقام مغلقاً الإضاءة.
فرفعت صوتها بتنهيدة: "أخيراً."
أخرسها هو وهو يرمي بنفسه بجانبها على الفراش.
سلمي بصدمة: "إيه دا؟ أنت هتنام جنبي؟ ولا إيه؟"
حاوط خصرها بقوة هامساً لها من بين أسنانه: "نامي وانتي ساكتة أحسن أخليكي مراتي فعلاً... ودلوقتي."
سلمي بغيظ: "انخمد."
فهد بضحك: "شاطرة."
دخلت تلك الغرفة التي تركتها على أمل أن يكون ذهب لتلك وترتاح منه.
دخلت تبحث بعينيها عنه، فوجدته مازال هنا، جالساً مكانه على الفراش خافضاً رأسه للأسفل.
ابتلعت ريقها وهيأت نفسها لآلاف الأسئلة.
يبدو أنه قد أتى وقت الحساب.
رفع نظره لها بعين دامية.
لا يصدق عينيه.
دار برأسه آلاف الأسئلة والأسئلة.
وسؤال واحد بقي عالقاً: لماذا لم يرى بأنها متفاجئة؟
ماذا يحدث؟
ارتعش قلبه بشوق لها مجدداً وهو يراها أمامه.
ولمحات من ماضٍ وعمر فات تلفح ذاكرته.
تتعبه وتؤرقه.
نظرة منه ونظرة منها.
لم يستطع.
ليحتضنها الآن يشبع قلبه منها ويروي روحه.
ولاحقاً سيسألها وحتماً ستجيبه.
تخطته بقدمها ودخلت لقلب الغرفة.
هب مسرعاً يلبي نداء جسده الخائن.
مد يده، مديراً إياها له.
صدمت وجحظت عيناها وصاحت به: "كيـــــــــان! أنت اتجننت؟"
غرسها بأحضانه هامساً بأذنها بحدة: "اخرسي يا فريدة. واحضنيني. اخرســــــي."
ارتعش جسدها وهو يعصرها بذراعيه.
جسدها الخائن كجسده يحن إليه.
همس بحنين بأذنها: "فريده. وحشتينــي. أنتي هنـا بجد. ياقلب كيان."
غامت عيناها وتوقفت عليه.
وملكاً لغيرها.
هو خائــــــن.
لا شفقة ولا رحمة له.
هو باع هواها وكان لغيرها.
دفعته بحدة صائحة به: "خايــــــــــــن."
جحظت عيناه بصدمة.
ليست هي من تقف بجبروت.
ليست هي.
قلبه يصرخ به.
هي.
وعقله يتساءل: يا قلب حبيبتي أين ذهبت أنت؟ وأين ذهبت تلك الرحمة؟
يا من هواااه وجعاً فوق وجعي.
خائن أنت وللخائنين أنت علامة.
تقترب مني وتغمرني.
وبفكرك سأنسى أنا الإهانــــــة.
يا وجعـا فوق وجعي.
ارحم قلبي العاشق لا يقبــــل بالذل والمهاانـه.
رواية رحماكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم أسما السيد
انتصف الليل عليه هنا، وأخيراً انتهى من إعادة تلك السيارة من خِرقة بالية إلى أخرى تلمع كالعروس. استنزف كل طاقته بإصلاحها. هو مولع بإصلاح التالف، وإحيائه من جديد. أصبحت الأخرى بصنع يديه جديدة شكلاً ومضموناً. كم يشعر بالسعادة وهو يُحيي الآمال من جديد بقلوب أصحابها.
تنهد وهو يتخيل تلك الفرحة التي ستُطل من عين صاحبها العجوز بعدما يراها غداً. صاحبها رجل عجوز حصل ابنه أخيراً على درجة البكالوريوس بدرجة امتياز، وسيستلم تعيينه غداً، وأراد أن يهديها لابنه بدلاً من ركنتها، ولأنه حاله لا يسمح باقتناء الجديد، وضع كل ما يملك حتى استطاع أن يُحييها هكذا. تنهد وهو يحمد الله على أنه أتمها بالموعد المحدد. بقي فقط تجربتها.
التفت باحثاً عن ذلك الصبي المراهق بعمر السابعة عشر، وجده يغط في نوم عميق، متقوقعاً على نفسه. الإسكندرية ليلاً تصبح شديدة البرودة. اقترب منه ينادي عليه برفق حتى لا يخلع قلبه.
"دقدق.. يادقدق."
انتبه دقدق له. "أيوا ياشيخنا، أنا صاحي اهو."
ابتسم ابتسامة أنارت وجهه، وتحسس بيده لحيته النامية. ليست طويلة ولكنها مهذبة بشكل يليق به.
"قولتلك بلاش شيخنا دي."
دقدق بسعادة. "أحلى شيخ والله يابشمهندس. سيبك من الهندسة. والله المشيخة لايقة عليك. ما شاء الله كلامك بيشرح القلب وينوّر العتمة ياشيخ. دا الناس بتستنى يوم الجمعة وصلاة الجنازات عشان يستمعوا لخطبتك. كلامك بيخلّي الواحد يحس إن الدنيا بخير."
ابتسم له برفق وهو يستمع لحديثه بلين.
"طيب ياخفيف، يالا قوم روح انت. معلش آخرتك.. بس خلاص تقدر تروح. وخد دول وأنا هعمل لفة كده بالعربية أجربها أتأكد منها."
دقدق بفرحة وهو ينظر لقيمة الورقة التي أعطاها له.
"بس دا كتير يابشمهندس، أنا يوميتي 100 بس."
قاسم بابتسامة. "دا عشان انت مجتهد يادقدق وبتتعلم بسرعة وكمان سهرتك معايا. يالا يا حبيبي خد حاجة حلوة وانت مروح، فرح بيها أخواتك. ومتقساش عليهم. الرسول قال: 'رفقاً بالقوارير'. هااا، مش عاوز أسمع إنك مديت إيدك على بنت فيهم."
دقدق بحزن. "غصب عني ياشيخ. العيشة صعبة وكل شوية هات هات. دول 3 بنات ياشيخ. وأبويا إيدك منه والارض، ربنا ينتقم منه بقي."
هز قاسم رأسه بتفهم.
"عارف يادقدق إن حمّلك تقيل ولسه صغير على إنك تتحمل. بس معلش دا قدر ومكتوب. أخواتك البنات دول اللي هيدخلوك الجنة. حبهم واحتويهم. بدل ما تقولهم: 'امشي غوري من وشي' ولا تمد إيدك على واحدة. خدها طبطب عليها وراضيها بكلمتين. منك تاخد ثواب ومنك تراعيها وتحافظ على الود بينكم. عشان تكبر وتلاقيها جنبك إيدك في إيدهم. فاهمني؟ أخواتك بيخافوا منك لأنك بتضربهم. انت تستاهل تتحب يادقدق. خليك قريب منهم وعاملهم بما يرضي الله. بلاش الناس تسمع بيكم كل يوم."
هز رأسه بخجل له.
"عندك حق يابشمهندس. أوعدك هتشوف دقدق تاني. أنا أساساً بضربهم وأرجع أحس بالندم، فبجري أصالحهم وبكلمة بيتراضوا."
ابتسم مربتاً على كتفه.
"شوفت إزاي.. أديك بتغني وترد على روحك. يبقى كان لازمة إيه من الأول. خليك حليم عليهم يادقدق. وقرب منهم عرفهم الصح من الغلط."
ودا وعد دقدق لقاسم. ابتسم دقدق من بين دموعه ومد يده يوثق وعدهما معه مردداً بحزن.
"أنا مش عارف أقولك إيه يابشمهندس غير ربنا يعمّر بيتك بالزوجة الصالحة ويوسعها في وشك، ويكرمك زي ما أكرمتني."
ابتسم له قاسم بوقار وطبطب على كتفه برفق.
"ربنا يكرمك يادقدق. يالا بقي أقفل وأنا هجرّب العربية وأروح أنا."
استدار راحلاً، فلحقه دقدق بتلك السترة التي تركها بجانبه.
"امسك يابشمهندس، البس دي. هوا الإسكندرية دلوقتي شديد. بعدين تاخد برد."
ابتسم له وأخذها من بين يديه بابتسامة وألقى السلام. واستقل السيارة ليتأكد منها.
***
مرت نصف ساعة عليها هنا، وهي تجري وهم خلفها، إلا أن أصبحت قدماها كهلام، ودموعها أغرقتها، وحجابها الذي غطت به شعرها وهي خارجة من المستشفى، سقط عنها.
سترتها انتزعها الهواء الشديد، ولم تعد تستطع الرقص. قلبها المرتعش وخوفها جعلها تصرخ متضرعة للخالق بحزن. ولوعة. وصوتها يشق سكون الليل مصدراً صدى صوتاً قوياً يدوي ويعود مرتداً داخل قلبها يعصره عصراً.
"يااارب أنا عصيتك كتير.. أنا غلطانة.. أنا زانية.. مستحقش العفو بس انت قلت: ادعوني استجب لكم.. يارب احميني.. عاوزة أبدأ حياة جديدة، نضيفة متغرزنيش في الوحل... يااارب... أنا مظلومة واتعاقبت واتفضحت. أبويا مات بحسرته غضبان عليا.. سامحيني ياارب.. أبعدهم عني واحميني..."
اشتد دوارها، ولم تعد تستطع. يبدو أنها لا تستحق العفو. يدها المربطة تنزف بشدة. تشعر وأن روحها تخرج منها. تبسمت بوجع على الأقل ستموت بمشيئة الرب وليست كافرة، يائسة من رحمة الله.
***
كان يجلس بمقعد السيارة، يشق الطريق بسلاسة وسعادة لإصلاحها وقد عادت سرعتها كما كانت. فجأة لمح تلك الراكضة على جانب الطريق وخلفها ثلاثة من الشباب. لم يأخذ منه الوقت في التفكير وعلم ما يريدون. أدار سيارته مسرعاً، وأحكم إغلاقها وانطلق يلبي نداء الشهامة.
استسلمت لدوارها وغرست قدمها بالأرض، وكادت تسقط. فجأة انتشلتها أيادي صلبة. استشعرت صلابتها على جسدها. حاولت فتح عينيها بصعوبة. ووقعت عيناها على عينين تشبه سواد الليل. همست بضعف تنشد الأمان من تلك العينين الغائمة.
"انقذني أرجوك."
***
يقف تحت شرفتها ليلاً ونهاراً عله يلمحها. قلبه العاشق يغلي عليها غلياً. يقسم مئات المرات يومياً أنها له وستبقى. وأن كان عليه أن يقتل نفسه، ويقتلها معه. لن تكون لأحد غيره. اشتعل قلبه وهو يتخيلها الآن بين ذراعيه.
خبط الحائط بقوة صارخاً.
"انتي بتاعتي يا ياسمين. بعد ما خسرت كل حاجة وعيلتي اتبرت مني، أخسر انتي كمان. أنا بحبك. انتي ليه كرهاني. ليه.. ليه..؟"
اقترب منه شخصاً جاراً، العابد وتربطهم صداقة.
"أمجد.. في حاجة يا عصام؟ واقف ليه كدا؟ أنا ملاحظ إنك بتقف هنا كتير. في حاجة ولا إيه؟"
لملم شتات نفسه واستدار.
"لا مفيش حاجة.. متقلقش يا أمجد. أنا كنت بس معدي من هنا وقفت أشرب سيجارة."
أمجد بعدم ارتياح.
"تمام يا عصام."
ابتعد عنه، وهمس أمجد بتوتر وقلق.
"ربنا يكفينا شر شيطانك يا أخي. أنا لازم أقول لعابد."
***
الوقت انتصف ولم تستطع النوم. منذ تلك الليلة وما حصل بينهم وما فعلته. يتأسف لها. ولم يعد ينام ليلاً بغرفتها، بعدما أحس أنها ندمت، وشعر أنها لحظة ضعف منها. وعدها أنه لن يكررها إلا إذا كانت راغبة به. وانفصلا بهدوء كل بغرفته، ولكن يبقى الود قائماً بلحظات ضعفه وضعفها يلجأ كل منهما لصدر الآخر. حرفياً منذ تلك الليلة والنوم يجافيها. هنا بداخل قلبها، لا تشعر بالطمأنينة إلا بين ذراعيه.
لما لا تستسلم وتذهب وتخبره، أنها لم تكن نادمة بل صدمت لأنها كانت به راغبة. شعرت بأنها فراشة تطير بأجنحة بين ذراعيه. إنها حلوى مغلفة صاحبها يريد أكلها ولا يريد لها أن تنتهي. تنهدت واستقامت من مجلسها تتأفف. استندت بيدها على خدها، تهمس بغيظ.
"أنا أكيد اتجننت. فجنان بجنان. بقي أنا حاسة إن فيه حاجة ناقصاني من غيره."
نظرت لفتحة الباب واستقامت، تبرر لنفسها علتها. ودار صراع بين قلبها وعقلها.
العقل: "هبص عليه بس.. مش هخسر حاجة.. يعني أنا عاوزة أطمئن إنه كويس."
القلب: "بطلي عبط انتي هتموتي وتروحي تنامي في حضنه....."
العقل: "هوه مش يحقلي.. بس انتي اللي وصلتي له بغبائك إنك مش عاوزاه. بقي بعد دا كله تخليه يحس إنه عالة عليكي. يا شيخة دا لولاه كان زمانك في خبر كان."
القلب بتصميم: "يبقى خلاص هصلح غلطي."
استقامت ولم تلقي بالاً لما ترتديه. اقتربت، وفتحت الباب وخرجت مصوبة نظرها بتصميم لباب غرفته الذي لم يغلقه كله. اقتربت ببطء ورعشة طفيفة بجسدها. كان ممدداً ناظراً للأعلى بشرود، يعيد على عقله ما حدث وما سيحدث. وفكره الشارد بتلك القابعة بغرفة أخرى، جسده اللعين يحن لها. من بين جموع النساء وبعمره الذي وصل لبداية الثلاثين وقع في هوى طفلة بعامها الثامن عشر. لو لم يلمح منها تلك الليلة خوفاً وتردداً، لكانت بين أحضانه ليلاً نهاراً. لن يبعدها عنه مهما حدث، ولكن قتلته بنظرتها المرتعشة الخائفة. أشعرته بها بأنه وغد. تنهد بحنين لها.
استدار ببصره للباب الذي يفتح ببطء. جحظت عيناه وهو يراها أمامه بطلتها تلك. ابتلع ريقه وهو ينظر لقميصها الذي اعتلى ركبتيها ولجسدها الظاهر مفاتنه بزخ. وجد صوته بصعوبة واستقام جالساً.
"ياسمين... مالك فيكي حاجة؟"
هزت رأسها بخجل. وهمست.
"عابد.. أنا..."
تلجلجت، فهتف بلهفة.
"انتي إيه يا ياسمين؟ مالك؟"
شجعت نفسها وأشارت ليمينه من الفراش.
"أنا عاوزة أنام جنبك أنا خايفة ومش جايلي نوم."
ابتسامته السعيدة التي تزين محياه وتبعث بجسدها السلام، ويده التي فتحها على مصراعيها لها، جعلتها تشعر بالحنين لتلك الذراعين الذي احتوتها يوماً. وانطلقت تلبي نداء قلبها اللعين. وهل عليها أن تشغل عقلها بقربه ليذهب العقل للجحيم.
***
ارتعش جسدها وهي تشعر بيديه التي يمدها وتتحسس خصرها من أسفل الغطاء. زفرت بتنهيدة من أفعاله الطفولية، التي يرتعش لها جسدها. مدت يدها بحدة تمسك يده وتبعدها عن خصرها.
سلمى بغيظ. "شيل إيدك دا، قطّع إيدك."
فهد بتلاعب. "وأبقى من غير إيد وأهون عليكي."
سلمى وهي تنظر يده التي مازالت تجول على خصرها.
"إيه التناحة دي يا أخي! الله.. هو بالعافية."
استقام بحدة وجذبها من ذراعها لصدره.
"عارفة لو صوتك علي عليا تاني، ياسلمي هقطعلك لسانك. أنا مش عشان ساكت ومتحمل وأنا عارف إن يحقلك يبقى خلاص تسوقي فيها. أنا جوزك ياست هانم وواجب عليكي تحترميني شوية."
سلمى بغيظ. "متقولش جوزي. انت وأنا عارفين إيه الغرض من الجوازة دي فمتسوقش فيها يافهد. وعشان نعرف نمشي الأمور كويس بينا وجدي مياخدش باله هنتفق اتفاق."
فهد بسخرية. "اتفيقي مع نفسك ياست سلمي هانم. حلول الروايات دي مبتأكلش معايا. وإن كنت سايبك النهارده بمزاجي، بكرة هتبقي مراتي غصب عنك."
سلمى بكرة وغل. "يعني إيه كلام روايات! انت عارف هقول إيه."
فهد بثقة. "طبعاً. هتقولي كل واحد في حاله ونعيش زي الأخوات. دا بعدك. إحنا هنا على الأرض. بصي حواليكي شوفي إحنا فين. أهلنا مين؟ إحنا صعيدة يا ماما. وكون إن سايبك براحتك دا لأن وعدت جدي. بس من هنا ورايح هتقومي بواجباتي الزوجية كلها. وخلي بالك من... كلها دي."
سلمى. "انت مجنون ودا بعينك."
فهد وهو يحك رأسه بحيرة منها.
"بصي ياسلمي، أظاهر إنك مش هتجيبيها البر. يا بنت الناس.. أنا بحبك."
اقترب أكثر هامساً أمام شفتيها يتلكأ باعترافه.
"ب.ح.ب.ك. فهمتي ولا أعيد تاني. ست سمر اللي حطاها في دماغك دي وبتنتقمي مني فيها... ولا حاجة بالنسبالي. وقسماً عظماً ياسلمي لو ما انعدلتي... لاتزوج عليكي سمر. وأقهر قلبك الغبي دا اللي مش عاوز يعترف إنه بيحبني."
نظرت له بسخرية وبثقة. اقتربت أكثر منه، ورفعت يدها تتحسس لحيته. وبهمس. أكملت.
"انت متأكد من كلامك دا؟"
ابتلع ريقه وهي تضغط بيدها على تفاحة آدم أسفل رقبته برقة. جعلته يهز رأسه بلا.
"مش متأكد ياسلمي."
"خلاص انبسطت؟"
عينيها المتلاعبه وثقتها جعلته يدرك أنها تتلاعب به. أغمض عينيه وهمس بسبابات مختلفة لنفسه. وخرج صوته يخبرها.
"انتي بتلعبي بالنار ياسلمي."
سلمى بتلاعب. "الله! أنا عملت إيه؟ أنا بس عاوزة أسألك سؤال وحيد. تقدر تتجوز عليا يافهد؟"
ألقت تعويذاتها وانتصرت. وهو يردد.
"مقدرش ياقلب فهد."
ضحكت بانتصار وتركته يغلي بنارها واستدارت عائدة لمكانها تنام بسلام. سابها بسره بغيظ. وبحدة، سحبها لاحتضانه صارخاً بها، قاطعاً اعتراضها.
"اخرسي بقي.. جننتيني."
***
خلعت ثيابها، وارتدت أخرى خفيفة. رمقته وهو يجلس بتلك الشرفة يدخن بشرود. الجو حار جداً هنا. ليست كأرض البدر الهواء الطلق يحاوطها مفتوحة من جميع الجوانب. لقد ألقت بنفسها تحت الماء البارد أكثر من نصف ساعة إلى أن استعادت طاقتها، وهدأت روحها. تعلم ما يفكر به الآن ويشغله، بعدما سألها مراراً وتكراراً لما ليست مفاجئة به. وكانها كانت تعلم. تنهدت ببطء وهي تقر لنفسها لم يحن الأوان بعد. لو لم تعلم أنه هو من ستتزوج، لكانت حاربت لآخر نفس بها. ولكنها كانت مطمئنة لأنها تعلم من ستتزوج. وجوده بجانبها يتنفس نفس الهواء يشعرها بالطمأنينة والسكينة. أغلقت الإضاءة، وشعرها المبلل مازال يقطر ماء. لترتاح قليلاً.
منذ ثلاث ليال وهي على حالها. لا تغمض عينها وتبتعد بفكرها قليلاً عن تلك الدنيا ومشاكلها. لتسرح بدنياً هو وهي بها فقط. أغمضت عينيها، وغصباً عنها اشتعلت النار بقلبها وهي تذكر نفسها بتلك التي ستشاركها به. سخرت من نفسها. وهي ما كانت دائماً ترفض التعدد، وترفض أن يشاركها أحداً به. اليوم هي هنا زوجة ثانية. وكأن الزمن لم يمر وكأن ما رفضته قديماً عاد ليسخر منها الآن. دموعها الساخنة أحرق وجهها، ولم تعد تدرك أهي دموعها أم حرارة الجو التي تلفحها وتكويها.
انتبه لغلق الإضاءة ونظر خلفه ولم يجدها. أطفأ سيجارته، التي عاد ليدخنها بشراهة بعدما تخلى عنها من قبل. وللتو لمح أنه ما زال بذلك الجلباب. تنهد واقترب من الخزانة أخذ أي شيء طالته يداه. لمحها تفترش الفراش كطفلة صغيرة بجسدها الذي أصبح أكثر إثارة. ألقى نظرة مشتاقة لها. ودخل ينعش جسده، الذي تفور دماؤه على وشك أن ينفجر من قوة الضغط. أنهى حمامه بدقائق قليلة واقترب مرتدياً سروالاً قصيراً وتشيرت خفيف، كعادته هنا بليالي الصعيد حيث الحر والسهاد والأرق. اقترب من الفراش، ومد جسده بهدوء. استدار مقابلاً لوجهها الذي يلمع مع ضوء القمر الآتي من الشرفة. لمح تلك الدمعة التي تسيل من جانب عينيها. وكأنها خنجراً مسموماً غرزت بقلبه. مد يده وأزاحها بهدوء، فانتفضت ناظرة له بذعر وخوف. ابتسم لها بتعب.
"دموعك غالية يا غالية. غالية أوي، يا فريدة."
ابتسمت بوجع له، وأدارت جسدها للجانب الآخر. تنهد وألقى بثقل جسده للجهة الأخرى. الطريق طويل. طويل للغاية. معها. وصداعه اللعين يأبى أن يتركه. حركة جسده المتوترة على الفراش أزعجتها ولكنها لن تتكلم. اشتد صراعه وكأنه على حلبة مصارعة. التفت تري مابه؟ وجدته انتفض جالساً يمسك رأسه بيديه. انتفضت جالسة تعلم ما يعانيه. غبية هي. تعلم أنه لا يتحمل الضغط والانفعال. هو مريض بالضغط العالي والسكري.
ارتعب قلبها وسألته بلهفة.
"كيان.. فيك إيه؟ مالك؟"
همس بتعب لها.
"فريدة. أنا تعبان...."
اقتربت منه مسرعة، وأضاءت الإضاءة فصدمت ببشرته المنتفخة المحمرة، وأنفه النازف من شدة ارتفاع الضغط. اهتزت وسألته بلهفة.
"فين علاجك؟"
أشار بيديه للدرج بجانبه. كسرت تلك الأنبوبة مسرعة ووضعتها على قطنة بيضاء وكتمت به أنفه دقيقة ووقف النزيف. وأخرى حقنته بها. أعطته دوائه وقاست ضغطه بالجهاز الذي وجدته. بالفعل مرتفعاً جداً. قاست سكره وكان معتدلاً نوعاً ما. أفاق لنفسه قليلاً. ورفع وجهه ينظر لمحياها القلق. بتلك النظرة القلقة عليه. تلك هي حبيبته. لم تغيرها السنوات والفراق. كاذبة هي وتتصنع البرود. ابتسم بحزن وأكمل راجياً.
"خديني على رجلك يافريدة. انتي عارفة دوايا مش في الحقن."
أغمضت عينيها بحزن. ولكنها لبت نداؤه. استدارت، واستلقت مسندة ظهرها على حافة الفراش وأخذته بأحضانها، كطفلها الصغير. ويديها عرفت طريقها إلى ما يريده. وهل نسته يوماً لشعره الكثيف. مغمضة عيناها. لتريحه اليوم وغداً لكل حادث حديث. لن تستطيع أن تراه هكذا وتتركه. مهما فعل. هو عشق صباها وروحها الضائعة. أغمض عينيه يصارع عينيه التي تسحبه لدوامة النوم. ولكن لا فائدة. همس وهو يستسلم ليديها الخبيرة.
"إيدك فيها سحر زي إيديها. أنا كنت بحبها أوي. زي ما بحبك."
ابتسمت بشرود. "عارفة."
أكمل بصوت متقطع. "طب عارفة إن أنا بعشقك."
ضحكت بسعادة عليه وهو يصارع لفتح عينيه. كطفل صغير. وأجابته بهمس بعدما قبلت جبينه بحنية.
"عارفة ياقلب فريدة. عارفة."
***
يجلس يتأكله الغيظ. انتصف الليل ولم تأتي له. بمنزل أبيها وبيته أصبح خراباً مدمراً بفعل قدم والدها. هم من مكانه بحماس. هو فارس والقتال للفرسان ولا مكان لليأس والاستسلام.
"ماشي يا خال. أنا وياك والزمن طويل."
اقترب من شرفة غرفتها بمنزل والدها بعدما خلد الجميع للنوم. ولم يبق غير العاشقين الصغار. التف بعينيه هنا وهنا ولم يجد أحداً غير أولئك الشباب، وهم ينظرون له ويشجعونه ليفعلها. أشار لهم بعلامة النصر وهو يزيح شباك الغرفة بيده. رفع جسدها وتسلقه بسهولة لقربه من الأرض. لمحها أمامه تنظر له بسعادة وكأنها كانت تنتظره. جرت عليه.
ساجدة. "عدنان.. كنت خابرة إنك هتيجيلي ياروح الروح."
عدنان وهو يغلق الشباك مشيراً لهؤلاء الشباب بالتحية. استدار لها بشوق.
"جلب عدنان... ما قدرتش. أغمض عيني وانتي ما إنك جاري يا جلب عدنان."
ارتمت بأحضانها تهمس له بشوقها له وماذا فعل أبوها بها. قبل جبينها بحب وهو يسحبها لفراشها. وناما ليلتها سعيداً مطمئناً بين أحضانها. يهمس لها بشوق.
"بجربك نومي يحلالي. في بعدك ينشغل بالي. لأنوم ولا راحة في بعدك عني يا غالي."
***
"بت انتي تعالي هنا، انتي تعرفي الزفتة أخت سلمي دي منين. انطقي."
سلوي بغل. "دا الماضي الأسود. سمر. أوعي تقولي إن دي البنت اللي انتي طفشتيها زمان من كيان. هي دي البنت اللي بيحبها؟"
سلوي. "آه هيا. ياريتني موتها بإيديا. ياريت يرجع بيا الزمن وأنا كنت خلصت عليها."
استدارت بغيظ يميناً ويساراً تفرك يدها.
"أنا إزاي ماخدتش بالي منها ومن نظرة عينيها لما سمعت السكرتيرة بتقول اسم كيان. بالكامل. كان واضح يوميها إنها خافت وانصدمت. إزاي.. إزاااااي؟"
سمر باستفهام. "تقصدي إيه ياسلوي؟ أنا مش فاهمة حاجة."
سلوي بصراخ وهي تزيح الفازة بجانبها بغل.
"مش فاهمة إيه! البت دي كانت عارفة إن كيان ابن خالها. لو شفتي منظرها اليوم اللي حكيتلك فيه اللي قلتهولها.. منصدمتش من كلامي قد ما انصدمت وهي بتردد اسمه بين شفايفها. بعدها جريت.. وهو خرج يجري وراها زي الأبلة."
سمر. "يعني فريدة مكنتش تعرف إنه ابن خالها إلا اليوم دا؟"
سلوي. "اليوم دا جريت وهو خرج ملهوف وراها. بعد ما سمعني وأنا بقولها إني مراته ومتجوزين وبنحب بعض. ملحقهاش ودور عليها كتير، بس هي انقطعت أخبارها. حتى البلد اللي متسجلة في بطاقتها ملقاهاش فيها. اختفت تماماً. يبقى إيه.. حتى صحبتها بعدت عنها، ومكنتش تعرف عنها حاجة."
سمر بسخرية. "ما يمكن كانت مأكدة على صحبتها متكلمش."
سلوي. "يمكن.. بس البت دي مش سهلة، لازم نخلص منها ياسمر. فاهمني؟ أنا مستحيل أفرط في كيان."
سمر وهي ترمي بجانبها بلا مبالاة.
"متقلقيش يختي كدا، ستك سعدية شيطانها هيقوم بالواجب. مفيش حد في الدنيا بيكرههم قد أمك وسعدية."
سلوي. "يبقى لازم أتكلم مع ستي وأفهمها."
دخلت سعدية عليهم. بعدما استمعت لحديثهم.
"وأنا موافقة، أجده تبجي بت بتي ونور عيني."
سلوي برضا. "أنا من إيدك دي لدي، ياستي."
سعدية بشيطنة. "عفارم عليكي يابت ياسلوي. طالعة لستك."
***
حملها إلى ذلك الشاليه الذي يملكه بعيداً عن الضوضاء بهيئتها تلك ويديها المربطة. علم مابها. لن يستطع أن يذهب بها للمستشفى. ستر جسدها بسترتها وبقي شعرها. بحث بعينيه عن شيئاً يستره بها. وجد تلك الملاءة بخزانته. شقها نصفين وصنع منها حجاباً ساتراً. غض بصره واستغفر، وأسندها بذراعه وستر شعرها. وضعها بهدوء. وسحب الصندوق الخاص ببعض الاحتياجات للإسعافات الأولية. نائمة بتعب وجسدها يرتعش. تأوه ببضع كلمات غير مفهومة. حالتها البائسة جعلت شيئاً هنا بداخل قلبه يرتعش ويشفق لحالتها. غريزة فطرية وجدت بقلبه تجاهها. بالحماية حينما أدرك ما تصارعه. مد يده وأمسك بيدها الضعيفة الدامية وفك رباطها الذي شبع من الدماء. فكه عنها وصدم بكم الغرز به. ألتلك الدرجة كان كارهة للحياة. يائسة لتفعل بنفسها ذلك وتخسر دنياها وآخرتها. أغمض عينيه ودعا لها بقلب حزين.
(اللهم إليك أشكو ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربّي وربها، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا، إن لم يكن بك علينا غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لنا.)
أنهى دعاءه وضمد جراحها. وأسندها أعطاها خافضاً لحرارة جسدها. جسدها الهش يشبه طفلة صغيرة ضائعة. لمح تلك الشنطة الصغيرة التي كانت بحوزتها. نظر لها ولكنه آثر أن يتركها كما هي. لن يفتحها إلا بإذنها. وإن لم تأذن لا بأس. استغفر وهو يعلم أن بقاءه معها ليس بالصحيح. تذكر في تلك اللحظة والده العجوز الذي ينتظره بالمنزل. لابد وأنه قلق عليه. أخرج هاتفه وتذكر الخالة ماجدة التي تسكن الشقة التي تسبق شقته. سيدة تخطت نصف الأربعين وحيدة سباقة بالخير. سيهاتفها لتبقى بجانبها. لن تتأخر. هاتفها واستجابت مسرعة له. استثقلت عربتها القديمة نوعاً ما وأتت مهرولة. بعدما انتظرها ببداية الطريق.
ماجدة وهي تدخل مسرعة. "فين البنت اللي قلتلي عليها ياقاسم؟"
أشار لها بالداخل. خبطت صدرها بخوف وهي تلمحها.
"يا كبد أمك يابنتي. دي متبهدلة ياقاسم يابني."
خفض رأسه وأومأ لها.
"فعلاً متبهدلة خالص. أنا مش هينفع يا خالة أفضل هنا. دا حرام وخلوه. خليكي جارها الليلة لحد ما تفوق ونفهم إيه الحكاية."
أومأت بتفهم له ولحنيته ولشهامته.
"ربنا يوقف لك أولاد الحلال ياقاسم، زي ما دافعت عنها وأويتها. دي شكلها واقعة في مصيبة يا كبد أمها. روح يا حبيبي أنا مش هنتقل من هنا إلا لما تفوق ونعرف إيه الحكاية."
أومأ لها، ورفع نظره يسترق لمحة من وجهها الذي زادته حبات الغرق اصفراراً مغرياً. استغفر ربه وذهب وفي قلبه ألف غصة وغصة. وبعقله ألف سؤال. وأدرك أن تلك الراقده بلا حراك. حركت شيئاً خامداً بقلبه منذ سنوات. لم تستطع أخرى فعلها.
***
يديها التي تحاوط صدره، ويده التي تلمس كتفها العاري تقربها لأحضانه، ورأسها المستكينة المغروسة بعنقه. أعادته لذكرى تلك الليلة وما حدث بها. تغريه بهمستها البريئة ولمسة يديها الرقيقة وتحسبه قديساً. ابتلع ريقه وأغمض عينيه يستجدي نوماً زائفاً. رفعت رأسها له، تهمس بتوتر.
"عابد..."
انتبه لهمسها وابتسم برضا.
"ياسمينه..."
ابتسمت مرددة وراءه.
"ياسمينه..."
عابد بابتسامة. "ياسمينه الجميلة. ياسمينه نبتت وكبرت في قلبي وروحي."
ياسمين بهمس. "أنا كل دا؟"
أومأ لها بابتسامة. "انتي الدنيا كلها في عيوني يا ياسمينه."
ابتسمت وهمست بتوتر.
"عابد أنا مكنش قصدي اللي فهمته الليلة إياها."
انتبه لهمسها وفي قلبه نَمى أمل جديد.
"كملي..."
توترت ولكنها أصرت أن تكمل حديثها. أخذت نفسها، ويده التي انتقلت لتلمس جانب وجهها بهدوء جعلتها كما لو كانت بإحدى جلسات العلاج النفسي. تتحدث دون وعي.
"أنا مكنتش مصدومة، قد ما كنت مبسوطة بين إيديك. أنا في حاجة هنا" وأشارت لقلبها "في حاجة هنا بترتاح بين إيديك. أنا مش عارفة بس..."
جحظت عيناه وهو يستمع لاعترافها. رفعت عينيها تستجديه أن يتفهم عليها. همس بصدمة.
"ياسمين... عارفة كلامك دا معناه إيه؟"
مدت شفتيها بطفولة.
"مش عارفة. أنا كل اللي أعرفه إن أنا مش عاوزاك تبعد عني. أنا من غيرك بحس بالنقص. بفتكر مأساتي واللي جرالي. في حاجة جوايا بتكمل بيك. عابد... خليني في حضنك."
ضحك بسعادة عليها، وبه تناسى أوجاعه. فعبست بوجهه.
"بتضحك ليه؟"
ابتلع ضحكته واقترب منها، يحتويها بين ذراعيه كطفلة صغيرة.
"عشان اللي بتقوليه دا ملوش غير معنى واحد."
"ياسمين..."
"إيه هو؟"
لمعت عينيه وهو يميل بها يعيدها لتلك الليلة. مقتنصاً من الحياة فرصة أخرى، مقتطفاً بعض وردات جميلة من بساتين العمر التي ترحل ولن تعود. تلك هي حياتنا راحلة لن تعود أبداً. لن تعود ولن نعود نحن معها. تأخذنا بين أجنحتها لترنا أشكالاً وألواناً من التجارب والأشخاص. بعضهم يؤثر بنا ونؤثر نحن به. وآخرون يمرون مرور الكرام، لا صلة لنا بهم، ولا صلة لهم بنا. تلك الحياة أشبه برحلة قصيرة. على أجنحتها نتعلق وكأنها آخر أمانينا. تلك الدنيا زائلة وإن كنا بجميع حالاتها راحلون. إذن لنقتنص منها ما يريحنا ويريح أجسادنا. من خلق على مقاساتنا نشبه ويشبهها. شعر بأحضانها بتلك النشوة التي تجعله بأعالي السماء. أعاد على مسامعها كم يعشق قربها. يخبرها مراراً وتكراراً أنها عاشقة. تعشقه هو. فتثور يهدأها بأنه أيضاً غارق بها فتنتشي.
***
يا امرأة بين يديها سكني وملاذي. اهدأي ولا تتعصبي. عاشق أنا لك ولا أبالي. إن كان عشقك يا امرأة يضعفك. فعشقي سيجعلك في الأعالي. اضعفي. افتري على قلبي وتجبّري. فأنا بعشقك لا أبالي. بين ذراعيك أنا طفلاً صغيراً. تهديني بسمة فأهديكي أحضاني. غالية أنتِ. متكبرة. ثائرة وجامحة. لا تعترفي. انكري. وبعشقي لا تبالي. أخفي بقلبك عشقي أنا. وسأصرخ أنا بعشقك كال أحمق ولا أبالي. يا امـــــــــرأة.
رواية رحماكي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم أسما السيد
صراخ وعويل داخل أروقة المشفى.
ودموع غزيرة، تدعي بدموع التماسيح أمام أبنائها الواقفان بجسد متوتر.
ويزيدهم بكائها المصطنع، وهم يعلمون توتراً واشمئزازاً.
لقد أتت صباحاً لابنتها، ولم تجدها.
بحثت بكل مكان ولم تجدها، إلى أن فقدت الأمل.
واضطرت بالاتصال على أشقائها.
"اخرسي بقي شوية، اكتمي بقك ده، خلينا نشوف إيه اللي حصل."
"بتشخط فيا يا أحمد، هيا حصلت؟"
"قلت آخرسي، آخرسي بقي!"
ازداد صراخها، وأوشك أن يفقد أعصابه عليها.
لولا تدخله هو.
"اهدي، خلينا نعرف نتصرف وامسك نفسك شوية، كفايانا فضايح لحد كده. مش عاوزين حد ياخد باله."
"كفاية اللي الناس بتقوله علينا."
"كفاية، حرام عليكو، انتوا إيه؟ شياطين."
هدأ من روعه، ورفع نظره لأخيه بكسرة وخزي من نفسه وحالهم.
وما فعله بشقيقه.
"ظاين تدان."
هذا كل ما يدور بذهنه.
"تعالى نشوف كاميرات المستشفى."
أومأ له بصمت وتبعه.
"أحمد، ارجع ملقيكيش هنا، أما نعرف حاجة هبقى أبلغك."
"طب يابني، اللي تشوفه، بقوا طمنوني، أنا همشي أنا بقي."
هرولت، وهو ينظر لها بسخرية، وهو يعلم ما تفكر به.
انتهت مسرحيتها، ونصيب لأخرى من الميراث أصبح لها.
استدار راحلاً خلف أخيه، وفي باله شيء واحد، أن يعتذر من عابد.
وإن لم يغفر له، يكفي أن يعترف أمامه بأنه أخطأ بحقه، وحقها.
بحقها.
بحق زوجته السابقة.
تنهد، وهو يأمل بالوصول لها يوماً والاعتذار لها.
يعلم أنها لن تغفر، ولكن ليخلي ضميره.
بعدما علم بأنه على وشك النهاية.
ليرحل من الدنيا بلا ذنوب.
بعد ساعة.
على أريكة بجانب المشفى، جلسا هو وأخيه.
"يعني مشيت بمزاجها، هربت، ليها حق والله."
"طبعاً مبسوط، ماهي سبتلكوا ورثها، يالا تتهنوا بيه."
"انت فاكر إن ده اللي هممني؟ أنا أقصد إن إحنا اللي جنينا عليها، بإهمالنا ودلعنا ليها. سبناها لأمك تملي دماغها بقالنا، كان لازم نقرب منها ونوعيها."
"وهي أمك كانت بتخلينا نقرب منها؟ المشكلة إن أنا عارف إن أمل ساذجة وبتنضحك عليها، مش عارف إيه قلّب حالها. دي كانت زي الوردة، مينسمعلهاش صوت ولا حس."
"أنا مش زعلان منها، أنا كنت هاخدها عندي، نبدأ صفحة جديدة سوا. كنت مستنيها تفوق وتخرج وأسمعها. ليه بس استعجلت؟ وهربت؟ أمل متستحقش كدا أبداً. ويا عالم فين دلوقتي ومع مين."
"بس غلطت، وكان لازم تتعاقب."
"كلنا بنغلط، كلنا مذنبين، مش هي لوحدها. مينعينش نفسنا قاضي وجلاد. يمكن هي أحسن مننا. أمل جواها طيب وتستحق فرصة تانية. ربنا عالم بحالها وإزاي وقعت تحت اللي وصلها لكده. كل اللي عملته أمك السبب فيه، ومراتك كمان. الصحبة السيئة، حسبي الله ونعم الوكيل."
نكس رأسه بخزي، وأخوه يجلده بكلماته ونظرات عيونه اللائمة.
لاحظ شروده وكسرته.
"تفتكر مين اللي عمل كدا؟ أنا كنت مستني تفوق من اللي هي فيه وأسألها؟"
"للأسف موصلتلوش، بس أنا هفضل وراه لحد ما أعرف مين. أنا كلمت مهندس كمبيوتر شغال في الداخلية، وقدر يوصل لأصل الفيديوهات ومسحها."
"الحمد لله. طب وصاحبك ده معرفش مين اللي شيرها؟"
"لا مقدرش يوصل، اللي بعت الفيديوهات ذكي ومأمن نفسه. بس هو أكدلي إن الفيديوهات اتمحت."
أومأ عابد وتردد أحمد بالكلام.
ولكنه شجع نفسه.
"أنا عاوز أقولك حاجة بس."
"في إيه يا أحمد؟ انت تعرف حاجة ومخبيها؟ انت عارف هو مين؟ قولي مين؟"
"لا مش كدا. أنا بس كنت عاوزك... عاوزك تسامحني يا عابد. أنا افتريت عليك وعلى فريدة. أنا كنت زي المغيب، معرفتش بعمل إيه."
"بقولك إيه يا أحمد، بطل تمثيل بقي. الله يرضي عليك ومتفتحش السيرة دي تاني. وبعدين ببساطة كدا، أسامحك؟ طب أسامحك على إيه ولا إيه؟ طب فرضنا إني هسامحك أنا، فريدة وولادك اللي رميتهم ومش عارف مصيرهم إيه، ذنبهم إيه؟ قولي إزاي قدرت تثق وتِرمي ولادك وكأنك لاقيهم في كيس شيبسي. بص يا أحمد، اللي كانت ممكن تربطني بيكم من تاني، هيا أمل. وأهي أمل كمان راحت، زي كل حاجة في حياتنا كانت تربطنا راحت. حتى أبوك مات غضبان عليا بسبب كدبك وافتراك عليا. أنا خلاص بعت اللي حيلتي هنا، وهنتقل القاهرة. أنا مش هقدر أعيش هنا تاني. أما بقى ورثي من أبويا، حلال عليك. اشبع بيه، بس ياكش تلاقي فيه الراحة والسعادة."
استقام راحلاً.
أوقفه نداء أحمد المختنق.
"عابد، وحياة أبوك تسامحني. وخلي فريدة تسامحني. أنا عارف إنك عارف مكانها، وإنكم على تواصل ببعض. خلي فريدة تسامحني، وخلي بالك من ولادي."
أغمض عينيه، وهو يشعر ببوادر فراق.
صوت أخيه قلبه الحنون، طغى على تفكيره، فاستدار مبتسماً بحزن له.
"مسامحك يا أحمد، عشان خاطر بابا مسامحك. بس نصيحة مني.. استرجل شوية. اعمل الصح، قبل ما الوقت يفوت. فوق لنفسك والحق اللي جاي من عمرك. الرجولة أفعال مش كلام. فوق لنفسك، واذكر ربنا وصلي وادعيله بالهداية. الدنيا منفاته، النهارده معاك، بكرة عليك."
اقترب أحمد منه ليودعه.
لربما تكون تلك المرة الأخيرة.
ربت على كتفه بشوق، يذكره بطفولة غائبة وأخوة اندثرت بينهم بجرابات النسيان.
"طب إيه، مفيش حتى حضن يا أخي. نسيت كنت بتعمل فيا إيه لما تكون مسافر، وأزعل وأعيط."
"لسه فاكر. فكرتك نسيت، زي ما نسيت حاجات كتير."
وهو يرتمي بأحضان أخيه.
"أنا عمري مانسيت يا عابد. أنا كنت مغيب. صدقني ما أعرفش أنا عملت كدا إزاي. أنا غلطان وربنا عاقبني وأنا راضي."
"مالك يا أحمد؟ عاقبك بإيه؟"
وهو يمسح عينيه.
"متشغلش بالك يا عابد. وبعدين فراقنا عن بعض وعيلتنا اللي اتفرقت، بالنسبالي أكبر عقاب. يا أخي بعدي عن ولادي وحرماني منهم أكبر عقاب. حتى أمل، رغم اللي عملته بعدها وهروبها، سكاكين بتقطع في قلبي."
"عندك حق. بس أنا واثق إن ربنا رحيم وهيبعتلها اللي يقف جنبها."
رفع يده بالدعاء.
"يارب أنت عالم بحالها ومعدنها، احفظها وين ما تكون."
آمن خلفه.
"يااارب. هتوحشني يا شق. ابقى افتكرني وادعيلي أنا كمان."
وهو يربت على ظهره.
"انت أخويا الصغير يالا. هتفضل صغير وهفضل أنا الكبير. مهما عملت، مكنتش بعرف أكرهك، ولا أقسى عليك."
"ربنا يخليك ليا."
سكت قليلاً.
وناداه.
التف عابد له باستفهام.
"دور على أمل. قولها أحمد بيحبك، مش زعلان منك."
أومأ عابد له وأجابه.
"هترجع، واثق إنها هترجع. أمل جديدة. أنا هفضل أدعيلها بالهداية، وإن ربنا يخصص لها اللي ينشلها ويداوي جروحها. أبوك كان طيب وياما داوي جروح وساعد فقرا ومساكين، بحق اللي عمله ربنا هيراضيه فيها، متقلقش. اللي فات كان ذنبك، واللي جاي ثواب الطيبين."
افترقا على وعد باللقاء قد يقصر، وقد يطول كثيراً، وإلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظا معاً فزعين، على خبط الباب.
"افتحي يا ساجدة، لساتك نايمة يا جلب أبوكي. جومي جهزتلك الفطور، فطور ملوكي. مين اللي خبراه يا جلب أبوكي؟"
"جومي قبل ما خايب الرجا، ابن خيتي يعاود."
"شايفه أبوكي؟ ماشي يا خال."
خبطت على صدرها بخوف.
"ياويلك يا عدنان، بوي عم يدج."
ارتدي جلبابه بثقة، وعينيه تلمع بالمكر.
"لا تخافي يا جلب عدنان، إحنا مابنعمل حاجة شينة، انتي مرتي."
استمع لحديثه من الخارج وجن جنونه.
"عدنان، إيش جابك على داري يا حزين؟"
"افتحي يا ساجدة، هجتلك يا ابن خيتي."
ساجدة وهي تلطم خديها.
"رحت في خبر كان يا عدنان، بوي عم يعمر طبنجته."
اقترب منها وحبسها بين ذراعيه.
"فوتك مني، خليه يدج، خليني أشبع منك يا ساجدة."
صرخات وهدان العالية، جعلته يتأفف صارخاً به.
"وااه يا خال، راجل ومرته، ليه عم تجعر أجده؟"
وهدان، وهو يدفع الباب بكتفه.
"بجعر يا بجَم، إني بجعر. ياويلك مني، افتحي يا ساجدة. أجده يا بتي، هونت عليكي يا ساجدة؟"
لمعت عين ساجدة، وهي تنظر للشباك الذي دخل منه عدنان أمس.
"هم يا عدنان، خلينا نمشي من اهنه."
"جولتي نمشي، يعني هتيجي معايا يا جلبي؟"
"بسرعة. لو مجيتش معاك، هيخلص علينا بوي وأنا خابراه. يالا يا عدنان."
هم بسرعة.
قفز بسرعة ومد يده وأخرجها مسرعاً.
"يا جلب عدنان، يا فرحة جلبك يا عدنان."
كسر الباب ولمحه يسحب ابنته.
"حجتلك يا عدنان، تعي اهنه يا ساجدة."
"على عيني يا بوي، اليوم لعدنان وبكرة ليك يا بوي."
عدنان وهو يمتطي فرسه ويسحبها أمامه.
"هادم اللذات أنت يا خال، بنتك مرتي. وإذا بتهوب ناحية داري بشكيك للراوي."
قفز وهدان وجرى وراءه.
"بتهددني يا ابن خيتي؟ وبتاخد بتي مني؟ ياويلك مني."
شق الفرس طريقه مبتعداً.
ووقف هو يتوعده بنفسه.
"ماشي يا عدنان الكلب."
استدار لمحها تضحك من ورائه بسعادة.
"عزيزة، امرأة بالاربعين من عمرها، أرملة، لم تنجب الأطفال، جارتهم. واه عليك يا وهدان، لساتك هتغار من عدنان. يا حزين."
"عدنان جوز بتك، وابن خيتك."
وهدان بحزن.
"أعمل إيش يا عزيزة، مالي غيرها. خايف تنساني، وغصب عني بغار. من يوم ما ماتت أمها وهي كل دنياي."
"لازمك ونس يا وهدان. فوت بنتك تفرح يا حزنان، يا قبل ما يجيك بالحفيد يا خرفان."
لمعت عنه بسعادة.
"على قولك، لازمني ونيس يا عزيزة، ليش مابتكوني سلواي؟"
عزيزة بخجل.
"اتحشم يا وهدان، ال سلواي ال."
وهدان.
"هطلبك من الراوي، وحيدة كيف حالي."
عزيزة، وهي ترحل.
"خرفان."
وهدان.
"لع... عشقان."
حك رأسه بعدما رمقته بقرف.
"والله شكلها عشجاني. وليش لا؟ بتونسني، وراضية بحالي."
تذكر ابنته، وهمس بغل.
"ياويلك مني يا عدنان، هاكل أنا لحالي، بعدك يا ساجدة، لا ونيس ولا أكل يحلالي."
استدارت ناظرة لعينيه التي يشع منها الانتصار.
"يا جليب، عدنان أنتِ."
ساجدة بدلع.
"خلينا نجضوا اليوم عند النبع."
عدنان وهو يستدير باتجاه النبع.
"باخر المزرعة... جلب عدنان تأمر وأنا أنفذ."
ابتسمت بسعادة وحرر يده وأحاط خصرها بسعادة.
هامساً لها.
"اشتقت لك يا جلب عدنان. اليوم لا عزول ولا عزال."
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
صوت العراك الآتي من الأسفل.
والطلقات النارية المتتالية، كتلك في الأعراس.
جعلتها تنتفض وهي بالمرحاض بخضة، خوفاً.
لربما أصاب أحد أبنائها شيئاً منهم، وهم يطلقونها بعشوائية.
بأرض البدو كانت مطمئنة عليهم وسط الوشوش الطيبة.
أما هنا، منذ أتت وهي مرتعبه مما قد يحدث لهم.
"ربنا يستر."
ارتدت ملابسها مسرعة، وخرجت لترى ما يحدث.
تفاجأت به يرتدي ثيابه، هو الآخر على عجل.
جلبابه الصعيدي الذي يرتديه، جعله أكثر وسامة.
ابتسم بحب له، وشعور بالفخر تملكها.
هذا الوسيم، زوجها.
لقد تركته نائماً بعمق، يبدو أنه فزع هو الآخر من الصراخ.
ارتفع العراك والتمتمات فيما بينهم.
فتحت الباب مسرعة، وشعرها الحر، منسدلاً على جلبابها المطرز كملكات الإغريق، يتطاير خلفها.
شعرها الذي ازداد طوله طولاً، من اعتناء الخالة سليمة به.
احتد عينيه وغيرته، وهو يلمحها لا تعيره انتباها أبداً.
وماذا كان يتوقع منها؟
تلك العنيدة الأبية.
أكان يتوقع أن يصحو على قبلاتها وهمساتها؟
اقترب منها مسرعاً يلحق بها، قبل أن تهبط الدرج.
أمسكها من ذراعها بحده.
فاستدارت له بغيظ.
"إيه؟ في إيه؟ أنت ماسكني كدا ليه؟"
جز على أسنانه وهمس لها.
"ادخلي جوا نتكلم."
"لا أقول هنا."
"كيان بغيظ. لينا أوضة نتكلم فيها، مش ضروري الكل يسمع اللي بنقوله يا دكتورة. ولا أقول يا مدام كيان."
"نعم، هو إيه دا؟ أنت عاوز إيه؟"
أغلق الباب وأدخلها، مشيراً لها.
"إيه دا...؟"
وهي تنظر لما يشير إليه.
"إيه؟ في إيه؟"
تنهد واستغفر بسره.
"هتنزلي بشعرك كدا؟"
انتبهت له ووضعت يدها تتأكد منه.
"ماله شعري؟ ماهو حلو أهو. أنا بقالي ساعة بسرح فيه."
نظر لها بغيظ، وتحدث من بين أسنانه.
"مهو المصيبة إنه حلو، وبقى أحلى من الأول كمان."
تركته يتحدث بهمس، وانطلقت ناحية الباب.
"بقولك عن إذنك، أنا نازلة أطمن على الولاد."
سحبها بحدة صارخاً بها.
"فريدة، متجنننيش، مفيش خروج بشعرك كدا. البسي طرحة."
"أنا مش محجبة أصلاً، عشان ألبس طرحة. واوعى لو سمحت."
"لا، ماهو من هنا ورايح مفيش خروج من غير طرحة. ودا أمر مش مجال للنقاش."
"نعم، أنت اتجننت؟"
اقترب منها يتلمس شعرها بهدوء.
هي لا تأتي بالعند والانفعال، وهو يعلم.
لن يأتي معها نتيجة.
ستزداد عناداً.
أخذ نفساً، وبهدوء حدثها.
"فريدة، البسي طرحة على شعرك، مينفعش تخرجي هنا كدا. عيب وحرام. هنا غير أي مكان يا فريدة. عشان خاطري اسمعي الكلام. وبعدين نسيتي وعدك ليا، لما نتجوز يا كيان هلبس حجاب."
استدارت بحزن.
"كان وعد وراح، زي ما غيره راح."
"مفيش حاجة راحت يا فريدة، أنا زي ما أنا. وأنتِ قدامي زي ما انتي. والسنين اللي فاتت لسه حسابها متفتحتش. أنتي دلوقتي مراتي، ومن واجبي تطيعيني. عشان خاطري داري شعرك."
نبرة صوته الحانية، أخرستها.
هي تعلم أن حديثه صحيح.
بارض البدو كانت ترتديه، ليس كاملاً، ولكن كان ساتراً.
هنا العادات مختلفة، وغير العادات هي تود أن ترتديه.
كان عليها ارتداءه منذ زمن.
تنهدت واستدارت تبحث في حقيبة ملابسها التي جلبتها معها على حجاباً يليق بجلبابها.
وجدت واحداً، ولفته بعشوائية، وهو واقفاً ينظر لها بحب.
وفي نفسه: "متغيرتيش يا فريدة. لسه بتيجي بالحنية والهدوء. لو عملتي إيه، هتفضلي فريدة، اللي حبيتها."
نظرت له بنفاذ صبر، فانتبه لها.
"خلاص ارتحت."
أخذ نفساً، وحدثها بهدوء.
"لمي شعرك كله يا فريدة. كدا مينفعش."
جزت على أسنانها بغيظ، وعدلت حجابها.
"خلاص كدا."
اقترب منها ممسكاً بيدها، مبتسماً بسعادة.
"خلاص يا قلبي، يالا بينا."
نطرت يده بحدة.
"أنا أعرف أنزل لوحدي، اوعى كده."
ضحك بتعب.
"طب لاحظي إني تعبان، مش حملك يا ست فريدة."
أغمضت عينها بلوم، ونظرت له بقلق، والعراك يرن بأذنها.
"أسفة."
"طب تعالي، أقيسلك الضغط الأول."
هز رأسه بالنفي.
"لا خلينا ننزل نشوف إيه، وبعدين نفطر وابقي آجي آخد العلاج."
أطاعته وتقدمته، وهو خلفها، ينظر لها غير مصدق للعبة الأيام التي تلعبها معهم.
بالأمس كان يُساق للزواج، وكأنه داخل للقبر.
لو يعلم أن زوجته ستكون هي، من بين جموع النساء، لرقص للصباح فرحاً بين أصدقائه.
ولم يجلس بينهم كخائب الرجا، كما أخبروه.
ضحك بصوته كله.
نظرت خلفها تسأله بدهشة.
"بتضحك على إيه؟"
أمسك يدها بين يديه بقوة وجذبها لجانبه، مبتسماً.
"تعالي جنبي وأنا أقولك."
نظرت له بقلة حيلة وسارت بجانبه مرغمة.
بعدما لمحت بعينيها جمعهن، وسلوي تنظر لها بغل.
صوت صراخ سمر العالي وبكائها، أوقفهم.
"حرام عليك يا جدي، أنا مش عاوزة أتجوزه، ليه بتعمل كده؟"
اقترب سليم مسرعاً من والدته حينما لمحها تنزل الدرج، تاركة حضن الجد.
"يا ماما."
أفتلتت يدها من يده، وحملت طفلها بسعادة.
"قلب ماما، وحشتيني أوووووي، وكده تقعدي دا كله متسألش على ماما."
"لع، إني كنت مع وجدي، وذئاب الجبل."
"ذئاب الجبل إيه دا؟ وبعدين أنت قلبت كدا ليه؟"
وهو يصارع يدها التي تحاوط خصره.
"جدي راشد قالي سيبك من لهجة المصاروة المدلعة ولهجة البدو، واتكلم صعيدي كيف جدك راشد."
"نعم؟"
"وانت وافقت."
"بعدي يدك يا أماي عني."
"ياماااي، هي حصلت."
كيان بضحكة مجلجلة.
"عليها. فوتي يدك عنه يا مرة."
نظرت له بحده، تجاهلها وسحب سليم من بين يديها.
"طب خلاص، اوعي كده، متزعليش. أما أتعرف على سليم بيه، ممكن؟"
تركته من يديها ببسمة على حديثه أخفتها ببراعة.
انتبهوا لصراخ عمته سحر الحاد عليهم.
"وجت مرجع ده انت وياها، متشوف جدك عاوز يعمل ببنتي إيه."
نظر لها كيان بحدة.
خافت منها، وأمسك بيد فريدة وبالأخرى حاملاً طفلها.
"تعالي يا فريدة."
أجلسها وجلس بجانبها ولم يعيرهم انتباهاً.
حمل طفلتها سيلي، وهو يحمل هو سليم.
"شايفه يا ستي، من أولها كدا."
"اتجلّي، مهتاخدش وجت كتير. نوخلص من موضوع خيتك ده، وافضالها بت المحروجة دي."
"وانتي هتسيبيها تتجوز راضي ده؟"
"من مصلحتنا نوخلص من سمر، ونبجي إحنا نفضالهم."
وهي ترمق فريدة بكره.
"عندك حق يا ستي."
"يابتي اللي انت بتعمليه ده، ماممنوش فايدة. ال بت في عرفنا لابن عمها. راضي شاب زين، وكل البنت تتمناه. إني عطيت جدها كلمة مجدرش أرجع فيها. الفرح الخميس الجاي، وحاجة بتك هتاجي كلها بيومين."
سلمي بسعادة وهي تجلس بجانبه.
"في داهية. المركب اللي تودي."
فهد بضحك.
همس لها.
"سمعتك على فكرة."
نظرت له بغيظ.
"وانت رامي ودنك ليه؟"
فهد بغيظ.
"لمي نفسك يا سلمي، أحسن انتي عارفاني شهم ودم حامي. أقوم أطوع وأنقذ سمر من راضي وأتجوزها."
"اتجوزها يا خفيف. انتو لايقين على بعض."
فهد بتراجع.
"لا، مانا مليش مزاج بقى الناس تاكل وشي. يالا مرة تانية."
"لا ياراجل؟"
"سلمي."
سكتت ونظرت لأختها وغمزت لها.
انتبهت لها فريدة ابتسمت بخبث.
الجد بحدة وزهق من توسلاتهم وبكاء سمر.
ضرب بنبوته الأرض وعلا صوته.
"خلاص خلصنا، إني اديت الراجل كلمة. انتهينا. من اليوم لليوم الخميس تكون كل حاجة ناقصاكي كملت."
"عجبك اكده."
"غبيه يا خيتي. هو يعني راضي شوية ولا إيه؟ راضي ده كبير عيلته، بعد بوه وجده. عنده شي وشويات، وراجل كلمته كيف السيف."
وهي تديرها برأسها.
"أنا إزاي مفكرتش في كدا قبل سابج."
"عشان انتي غبية يا خيتي. بنتِك عندها شوية هبل أجده، مش في دماغها كيف سلوي. هوائية، وميغركيش إنها بتقول رايدة فهد والكلام ده. بصي أكده بجي، دي واحدة في دماغها فهد ولا جنس راجل. بنتِك كيف مابيجولوا متحررة وعاوزة راجل يشكمها. فوتيها راضي تجي ونجش وراها، ماهياش هتعرف تفيدنا اهنه. خليها ترضي براضي."
"عندك حج يا أخوي. سمر بتي خيبانة وبتخاف من أي شي، مش كيف سلوي."
رفعت رأسها بمكر.
"خلص يا بوي، اللي تشوفه، مهنكسرش كلمتك. واهو راضي ابن عمها وهيصونها برديك."
بقهر وصراخ.
"يعني إيه؟ هتسبيني أتجوز راضي الفلاح ده؟"
"يعني هو ده اعتراضك عليه يا سمر؟ عشان فلاح."
"بلجلجة. يا جدي، أنا بخاف منه، مبحبوش، وبعدين هو أكبر مني بكتير، وغير إنه كان متجوز قبل كدا ومطلق."
"وماله يا بتي؟ بيضل راجل، مابيعيبه شي."
نظرت له بقهر، وقد علمت أنه اتخذ قراره وانتهى الأمر.
نظرت لسلمي الشامته بها، وتنظر لها بشماتة.
واسودت الدنيا بعينها.
"هاوريهم كلكم. ماشي يا جدي، خلاص. اللي شايفينه اعملوه."
صعدت مسرعة لغرفتها، وأغلقت على نفسها، تفكر.
"ماشي يا جدي، إن ما ورّيتكم مبقاش أنا."
لملمت بعضاً من ثيابها ووضعت كل ما تملك بها لتهرب من هنا، غير واعية لما سيصيبها من جنانها.
ــــــــــــــــــــــــــ
"ليلى، ها يا خالة ماجدة فاقت."
"أبدا يا ابني، الحمى بهدلاها. واتصلت بدكتورة معرفة جت كشفت عليها، وقالت دي من الحمى، وجرح إيديها، ووو."
وتلجلجت.
"وإيه يا خالة؟ أنتِ مخبية عني حاجة؟"
"نسيتني يا ابني، منحكمش عليها إلا لما تفوق وتحكيلنا. شكلها وقعت في مصيبة. الدكتورة قالت إن غيبوبتها دي نفسية، وكمان الحمى مقصرة عليها."
بتفهم ودعاء لها.
"ربنا يشفيها."
"بيقولوا القرآن دوا للعليل، ماتخش تقرا لها آيات الشفاء، يمكن ربنا يشفيها على إيدك. بصوتك اللي زي الكروان ده، بيريح القلب."
أومأ برأسه.
"ماشي يا خالة. بس هقرأ لها من هنا، مش هدخل تاني عليها."
"واني هعملك لقمة تاكلها على ما تخلص، يا روح خالتك. ربنا يزيدك من نعيمه يا قاسم يا ابني."
أومأ لها، وجلس يقرأ لها بنية الشفاء.
مرت نصف ساعة، وفتحت عينيها، وبأذنها يرن صوته بخشوع.
ودعاء لها.
انشرح لها قلبها، ونزلت دموعها، بتأنيب وخزي مما فعلته بنفسها.
حالتها النفسية جعلتها بحالة استكانة.
لم تعِ أين هي، ولا ماذا حدث، فقط تشعر بسكينة، هدوء، راحة بقلبها.
وكأنها عادت تلك الطفلة الصغيرة تجري وتلعب خلف أشقائها.
لا ضغينة ولا حقد ولا كره من أحد.
ابتسمت برضا، وغامت عيناها مرة أخرى براحة أكبر على صوت ترتيله للقرآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
"مش عارف يا عابد إيه."
"عصام، بلمحة كتير تحت البيت، هنا، بيحوم حواليه. الواد ده أنا مش مرتاحله."
"بقولك يا أمجد، أول ما تلمحه رن عليا، بس من غير ما تعرفه ولا تخليه ياخد باله منك."
"تمام يا صاحبي."
"أنا طالع دلوقتي، ومتنساش اللي قولتلك عليه."
"حاضر يا صاحبي، مع إنك هتقطع فيا. هشوفي لك حد للمحل، إن شاء الله."
"إن شاء الله، بس بسرعة الله يرضي عليك."
صعد لشقته، يبحث عنها هنا وهنا.
"ياسمينة، انتي فين؟"
استغرب عليها، كانت تجري لاحتضانه حينما يفتح الباب، تتعلق به كطفلة تنتظر حلواها.
وضع يده على جيب بنطاله يتأكد بأنه جلبها لها، وإلا سيضطر أن يهبط مرة أخرى من أجلها.
ابتسم مردداً.
"طفلة والله."
دب القلق قلبه، وهو يبحث عنها هنا وهنا.
تجلس بالمرحاض تبكي بسعادة.
إلى أن استمعت لدقاته عليها.
"ياسمين، انتي جوا."
"ياسمينة، اخرجي."
عدلت ثيابها، وفتحت له بسعادة ممزوجة بدموعها البريئة.
"عابد، انت جيت."
تلقفها بيديه، بخضة من منظرها الباكي.
"مالك يا ياسمينة؟ بتعيطي ليه؟"
شدت على ذراعيها التي تحاوط رقبته، وبكت أكثر.
"أصلي فرحانة."
استنكر عليها.
"فرحانة وبتعيطي؟ إزاي؟ فهمني. إيه، مالك يا ياسمين؟"
همست له بأذنه بسبب فرحتها خجلاً.
"ودي حاجة بسيطة لكِ يعني، إنّي هانحرم منك خمسة أيام بحالهم."
وهي تلعب بأزرار قميصه بخجل.
وهي تبرر له.
"أصل كنت خايفة أوي يا عابد."
"خايفة من إيه يا عيون عابد؟ تعالي كده نقعد، وفهميني بالراحة."
جلس وأجلسها على قدمه، بهدوء.
"في إيه بقى، احكيلي بالراحة."
فركت يدها بتوتر، وجمعت كلماتها أخيراً.
"عابد، كنت خايفة أكون يعني... أكون حامل من..."
لم تستطع أن تكمل ودموعها سبقتها.
تنهد وقد فهم عليها، مد يده مسح دموعها بحنان.
"يا قلب عابد، اليوم إياه اللي ربنا ما يعوده أبداً. في المستشفى خليت الدكتور يعملك تنظيف رحم عشان حاجة زي كده. كنت خايف عليكي وخصوصاً إني عارف إن أبوكي كالعادة هيتخاذل، وهيسكت عن حق بنته."
"طب ليه مقولتليش؟ أنا كنت خايفة أوي يا عابد."
سحبها أكثر لاحتضانه، مقبلاً رأساً.
"حقك عليا يا ياسمينة، محبتش أفكرك باللي فات وأنا شايفاكِ نفسيتك أحسن. معرفش إنك بتفكري في كدا."
تمتمت بالحمد لله، بسرها.
"أنا كده ارتحت. ربنا يخليك ليا يا عابد."
"عابد، أنا كنت عاوزة أقولك على حاجة."
ناولها الشيكولاتة الخاصة بها وأخذتها بسعادة، وهمس لها وهو يطعمها بيده.
"قولي يا ياسمينة."
ابتسمت وهما يتشاركان قطعة الشيكولاتة، وقالت له.
"أنا عاوزة نمشي من هنا، أنا حاسة إني مخنوقة، مش مرتاحة. كل حاجة هنا بتفكرني باللي حصل، ارجوك يا عابد."
ابتسم بوجع لها، ومسح فهمها بيده.
وعدلها ونام هو على قدمها.
"أنا فكرت فعلاً في كدا. عرضت المحل للبيع، وليا شقة في القاهرة، هننقل ليها إن شاء الله على أول الأسبوع، هيكون الترم التاني بتاعك بدأ. إن شاء الله."
بفرحة.
"بجد يا عابد؟"
قبل يدها التي تمسد لحيته، متمتماً.
"بجد يا روح عابد. صفحة وقفلناها، ومن النهارده، لا هسمحلك ولا هسمح لنفسي بفتحها تاني، فاهمة؟"
وهي تميل تقبل لحيته بسعادة.
"فاهمة يا أحلى حاجة في حياة ياسمين."
"هو أنا قلتلك إن أنا بحبك."
"لا يا أختي مقولتيش."
بقهقه.
"طب أنا بحبك، وأوي."
وهو يخطف رحيقاً من عسلها.
"وأنا أثير عيون ياسمينة."
ــــــــــــــــــــــــــ
"خلاص يا دكتور، أنا موافق أبدأ بالعلاج."
"يا أحمد يا ابني، أنت في مرحلة متقدمة، بس طبعاً إن شاء الله فيه أمل. أهم حاجة النفسية والثقة في الله."
بكسرة.
"إن شاء الله يا دكتور. بس ممكن ناجل لأول الشهر، على ما أجهز أوراق السفر وإعلان الوراثة بتاع والدي."
"مع إن كل يوم بيعدي، بيبقى من عمرك، بس خلاص زي ما تحب، وإن شاء الله هناك في أمريكا نسب الشفاء هناك أكتر."
"العمر واحد يا دكتور، وأنا مبقاش عندي حاجة أخسرها خلاص."
"مانا قولتلك يا ابني الحل في إيدك، وأنت مش عاوز تعمله. هي عينة نخاع من ابنك، وإن شاء الله تخف، وتبقى زي الفل."
بكسرة.
"وهو فين ابني ده، بعد ما عملت كل دا فيه، تفتكر بسهولة كدا أرجع أقولها وأعترف بابني، عشان مصلحتي؟ وتفتكر هي هتوافق أصلاً؟ يادكتور سلمها لله، اللي بيحصل جزاء أعمالي والحمد لله، أنا راضي."
بفهم وحزن عليه.
"ربنا ييسرلك الأمر يا أحمد يا ابني. أنا هكلم صاحب المستشفى، وإن شاء الله يقدم لك اللي فيه الخير."
ــــــــــــــــــــــ
استغلت انشغال الجميع ليلاً بركوب الأحصنة، وجمعتهم العائلية المزيفة.
ودفعت بحقيبتها من شباك غرفتها المطل على الطريق الخلفي.
ابتسمت بانتصار وهي ترمي بالحبل الذي عقدته ببعض من ثيابها.
لن ينتصروا عليها أبداً.
هي لا يهمها شيئاً، لا هم، ولا فهد نفسه.
تريد الحرية.
لقد سأمت مخططاتهم، وشيطنة سعدية.
إن كانت تطيعهم، فهو اتقاء لشر والدتها وجدتها.
غير ذلك، لا تهتم لأمرهم.
ابتسمت بعدما وصلت بسلام للأرض، وبانتصار.
"أنا هوريكم. ابقوا اتجوزوه انتو بقى؟ ال راضي ال، دانا أشوف العما ولا أشوفشي. يالهوووي، دا عامل زي التنين المجنح."
حطت قدمها أخيراً، لخارج الدوار من الخلف.
هرولت باتجاه الطريق العمومي.
يقف متكئاً على شجرة، بجانب الطريق ينظر لها ولـهروبها.
كان متوقعاً ذلك منها، يعلم عندها وقدرتها على الهرب، وكان يتوقع ذلك.
ابتسم بخبث وهو يخرج من خلف الأشجار، ينظر لها ولـهروبها كالفأر المذعور.
"ابن عمك، تحتاج لتهذيب. سيريها إذن."
ضحك بقهقهة عليها.
اختفت، واقترب من سيارته المركونة بجانب الطريق، ولم تلمحها الغبية.
"ماشي يا سمر، أنا وياكِ والزمن طويل. إن ما ورّيتك مبقاش أنا راضي."
تجري على الطريق السريع، ولم تلمح أي سيارة لتركب بها.
تعبت من الجري، فمالت على ركبتيها، تتنفس سريعاً لترتاح قليلاً.
أغمضت عينيها، وهي تستمع لسيارة تقترب منها أخيراً.
اقترب منها بسيارته.
نظرت لتلك السيارة ليست بغريبة عليها، ولكنها لم تتذكرها.
اقتربت لتدق عليها طلباً للمساعدة.
انتظر قليلاً، وخفض الزجاج، وعلى صوته، وعلى ملامحه بسمة ساخرة منتصرة.
"توصيلة يا بنت عمي."
شهقت وعادت للخلف بفزع، مرددة باسمه بخوف وذهول.
"راضـــــــي."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يا هاربة، اهربي.
لتبقي أنتِ البادئة.
أعشق غرورك وتعبيراتك الثائرة.
ابتعدي، اهربي، ومن مصيرك، أين هاربة؟
عليك أحكمت حصاري.
وبكل شيء كوني البادئة.
لا بهمني كرهك واعتراضك.
أقسم، سأعيدك نادمة تائبة.
رواية رحماكي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم أسما السيد
لا ظالم، ولا مظلوم، كلنا مذنبون.
تجري أمامه، وهو يقف بمكانه ينظر لها ببرود.
من خلف زجاج سيارته، إلى أن ابتعدت من أمام عينيه. ينظر لها كفهد يتربص بفريسته. ينظر لما تفعله بنفسها وبنظره مرجوعها له.
ابتسم على جنانها، ونزل يتبعها بهدوء.
وجدت نفسها بإحدى مزارع النخيل على جانب الطريق. وقفت تأخذ أنفاسها بتعب.
وحدثت نفسها بحزن على حالها، وما فعلته بنفسها.
"يامرك ياسمر.. أكيد مش هيسبني، منك لله ياسلوي انتي وأمك.. وستك الشيطانه.."
تذكرت ستها، وشهقت بخوف.
"لالالا.. يجعل كلامنا خفيف عليها.. أنا اسفه ياستي.. أنا هبلة، انتي عارفه."
دارت بعينيها بالمكان، لتلمح شيئاً، لا أحد.
انهمرت دموعها بخوف.
"لقد تركته على الطريق العمومي.. وهرولت من أمامه مسرعة.. نظره الثابت عليها، جعل جسدها وقدميها تتيبسا مكانهما...."
مرت دقائق، ولكنها تمالكت نفسها، وفرت من أمامه مسرعة.
تذكرت فعلتها، وندبت حظها.
"لالا.. لا يمكن يكون دا مصيري.. يعني أخلص من ستي وأختي وأمي يكون دا مصيري.. عااااا.. منك لله يافهد اش حال، ما اترجيتك تتجوزني وتخلصني منه.. ومنهم.. آه يارب.. انت عالم بحالي."
نظرت للسماء، وبكت بخوف. وعويل الذئاب مع نباح الكلاب يرن بأذنيها، جعلها تنتفض كالقطة المذعورة.
"يارب انت عارف، أنا مليش في السكك بتاعتهم دي.. أنا كنت بهاودهم بس.. ليأذوني.. دول شياطين.. وحياة حبيبك النبي، متعاقبني براضي. لملك البرود والجليد ده.."
تذكرت جدها.
"عااااااا.. يلهوي.. أنا عارفة إن جدي هيقتلني بس الموت أهون من جبل الجليد دا.. عامل زي هوجان.. هوجان إيه.. دا هوجان بيضحك عنه.. دا عامل زي عشماوي.."
كان يجلس خلف الشجرة التي تجلس هي بجانبها. هي من الأمام وهو من الخلف، يسمع لدعواتها التي تدعيها بحرقة. يبتسم بداخله عليها. يعلم أنها تخافه، رغم هروبها ومشاكلها التي لا تنتهي ولا ينفك يلملم خلفها. تحسبه لا يعلم عنها شيئاً وهو من كرس حياته لمراقبتها وتلبية متطلباتها من بعيد. لولا تدخله لكان جده قتلها منذ زمن. تحسبه يكرها، وهو متيم بها. تلك الغبية، لو تنظر أمامها، كم افتعلت من مشكلات، وصار خلفها يلملمها، وكأن شيئاً لم يكن. دلعها وآه من دلعها. ابنته عمه، تحتاج لتهذيب وسيعيد تربيتها. قلبه اللعين يشفق عليها، ويعطيها الأسباب دائماً. لطالما كان جافاً معها، ولكنها طبيعته، لقد تربى بين الخيول والمزارع والأعمال الشاقة. لقد عشقها منذ كانت طفلة صغيرة. يعلم ما تفكر به. فرق السن والتعليم يكبره باثنتي عشر عاماً، وتعليمه المتوسط لا يشفع له عندها. ولكن، ودوناً عن نساء الكون، يعشقها هي. خاف من تملكه تجاهها، وخاف أن يؤذيها بغيرته وتملكه، فتركها وتزوج أخرى. عاش شهران مع الأخرى بعذاب يتخيلها هي، ويهمس باسمها ليلاً. حتى بأوقاته الحميمية كان يشرد ويتخيلها هي، ينادي باسمها. علم أنه لن يصلح لغيرها، هي له وانتهى الأمر. انتهى بهما الحال بالطلاق. لم يعرف كيف يعشق غيرها. هي داؤه ودواؤه. ببساطة، كل مكان بجسده يأن مطالباً بقربها.
استدار فزعاً، على صرختها.
"عااااا.. شيطان.. شيطان يالهووووي.."
كانت تجلس تتمتم بدعاء صامت، تدعو الله أن ينقذها. وجدت زوجاً من العيون تقترب منها تلمع بالظلام.
"إيه دا.. إيه.. لا لا لا.. شيطان يالهووووي.."
استدارت فوجدته بوجهها، وغصباً عنها تمسكت به.
"هو أمانها مهما حدث."
"راضي الحقني، شيطان.. شيطان.. الحقني والنبي.."
نظر ليديها التي تحاوط صدره، واستغفر بسره. ابتلع ريقه وكالعادة لم يتحدث.
صرخت به، ومدت يدها تضرب صدره.
"اتكلم يابارد.. ياتلم.. إيه البرود دا.. أنا بخاف من الكلاب.. عندي فوبيا.."
جز على أسنانه وأخرج سلاحه من داخل جلبابه وصوبه عليها.
أغمضت عينيها، وفتحتها على منظر الكلب الدامي. صرخت بهلع وخوف.
نظر يدها بحدة، واستدار راحلاً. لمحته يرحل ويتركها ببرود كأن شيئاً لم يكن.
"إيه دا.. انت مش ممكن.. بارد ياأخي، برود يقتل.."
التف لها ناظراً لها بسخرية، وأكمل طريقه.
"لا.. استنى.. ياراضي.. أنا خايفة.. استنى.. دانا بنت عمك بردو.."
ابتسم واستدار جاذباً يدها بيده. أطاعته بصمت. الدفء التي تسلل ليديها عبر يديه جعلها لدبحالة استكانة، هدوء. تذكرت كلمة جدها راشد ذات يوم.
"الدم بيحن للي منه، تلف مهما تلف وما يصونك غير لحمك ودمك.."
تنهدت بصمت وبسرها همست.
"عندك حق ياجدو."
مقت ذلك البارد بجانبها وجزت على أسنانها، متمتمة بغيظ.
وقفت أمامه بمنتصف الطريق.
"راضي.. هو انت مش بتكلم ليه.. انت ازاي كدا.."
لا رد. حكت رأسها بيدها.
"أنا كنت هربانة، ها أهرب تاني على فكرة."
لا رد. نفخت واعتدلت وأمسكت بيده بحده وغيظ.
"تمام ماشاء الله.. بارد.."
ابتسم وخبأ ابتسامته عنها ومشت بصمت بجانبه. إلى أن وصلا للسيارة. فتحها وجلس بمكانه، ولمحها مترددة بالدخول. أعطاها وقتها. وقفت أمام السيارة مترددة. إلى أين ستهرب الآن؟
لمعت عينيها بمكر، لتعود الآن معه، وتجرب غداً. أمامها أسبوعاً بكامله لتعيد الكرة مرة أخرى. تعلم أنه لن يخبر جدها مهما فعلت. تعلم أنه لا يخبر أحداً، وهذا ما يريحها. راضي بنظرها رجلاً نادراً، ولكن صمته وبروده يقتلها.
نظر لعينيها التي تقطر مكراً، وهي تجلس بجواره. ابتسم بسخرية، وهو يعلم ما تفكر به.
بعد نصف ساعة كان يدخل لدوار راشد. أوقفته بلهفة.
"لالا.. استني.. لف من ورا.. لف من ورا.. أرجوك.."
رفع حاجبه لها، وأطاعها بصمت وبرود. جعلها تحدثه بغيظ.
"شوف ياراضي يابن عمي.. برودك دا يقتل.. انت طايق نفسك، ازاي كدا.."
لم يرد.
"اف منك ياخي.. لعلمك أنا لا يمكن أرضي بالامر الواقع.. أبداً، وقلتلك قبل كدا ودي تاني مرة. وهفضل أهرب كدا.. ههه وهتشوف.. خليك بقي لبرودك دا.."
أوقف سيارته خلف المنزل بهدوء. انتظر خروجها، ولم تخرج. استدار لها متسائلاً بعينيه، رافعاً حاجبه لها. توترت، وهي تنظر للحبل الذي هبطت من عليه.
"الهبوط سهل ولكن الصعود صعب.."
مدت شفتيها كالاطفال.
"مهو.. أنا يعني.. بص بقي.. مش هعرف اطلع زي مانزلت.. ممكن تساعدي.. ياراضي عشان خاطري.. جدي هيقتلني لو شافني.."
لا رد. أغمضت عينيها ببراءة.
"طب عشان خاطري ياراضي.. أنا لا يمكن أهون عليك صح.. ساعدني أرجوك.."
نزل بهدوء، وفي نفسه يكبت ضحكه عليها. تلك المجنونة. تنهد وهمس بسره.
"خاطرك غالي جووي يابت عمي.."
دخلت خلفه تتسلل ببطء، إلى أن وصلا لمكان الحبل. بسط يده وشبكها ببعضها، لتتسلق عليها. نظرت له بتوتر وحذرته بإصبعها.
"أوعى توقعني.."
نفخ بزهق. فخافت.
"حاضر حاضر.. ياباي.. كتلة جليد ماشية على الأرض.. أنا عارفة انت طايق نفسك ازاي.."
صعدت على يديه، إلى أن صعدت بأمان. قرب الشرفة من الأرض إلى حد ما، استطاعت الدخول بأمان. نظرت له بابتسامة سعيدة، وأشارت له.
"تشكر يابطل.. نجيبك في هروبه تانية.."
ضحك عليها.
"مجنونة.. جال هروبه تانية.. جال أنا هوريكي ياسمر.. عشان تبجي تعرفي تهربي زين."
ــــــــــــــــــــــــــ
صعدت مسرعة لغرفتها وحزن العالم بقلبها. غصباً عنها تشعر بالغيرة، بالغيظ، بأنه لها وحدها. ما كان عليه أن يخون عهدها. استغفرت الله بسرها، وهي تعلم أنها على خطأ.
استمعت لندائه خلفها.
"فريده... استني يافريده.."
لم تستطع أن تحجم قهرها وغيظها منه أكثر.
"قلتلك ابعد عني، سيبني في حالي بقي.."
اقترب منها بهدوء وقلب ملتاع لحزنها.
"يافريده بالله عليكي، اسمعيني.. أنا هفهمك ياقلب كيان، أنا...."
سكت بخزي. ماذا سيبرر لها، وكيف؟ هو نفسه خجله من نفسه. لقد انساق وراء شهوته تلك الليلة واقترب من سلوي وجعلها زوجته. ماذا سيخبرها؟ لم يكن واعياً. لا، لقد كان واعياً لما يفعله وأراده بشدة. ولكن، كان يتخيلها هي. لا يعلم كيف، ولكن كان يصرخ باسمها هي. ما فاق من غيبوبته علم ما حدث. بما أخبرته تلك الساقطة لما وضعته له بانتصار، وعين جريئة. لم يتوقع ذلك منها يوماً، ولكن الآن بات يتوقع كل منهما.
انتبه لصراخها عليه.
"فريده بصراخ.. اسكت اسكت.. انت بتبررلي ايه.. أنا مش عاوزة تبريرات.. أنا وانت طريقنا معدش واحد.. ولا هيكون أبداً."
نظر لها بحدة.
"يعني إيه مش واحد.. انتي مراتي.. اخرسي وكلميني كويس.. مش هسمحلك يافريده فاهمه.. انتي اخترتي الوضع دا من الأول، وقبلتي بيه."
نطرت يده بحدة.
"أنا عارفة إني أنا اللي وافقت مش محتاج تفكرني.. بس انت عارف ليه.. لولا إن جدي خطف ولادي وجبرني اتجوزك، كنت خليتك طول عمرك في مكانك.. ابن خالي وبس.. وعمرك ما اتقدمت منه.. اسمع ياكيان.. من انهارده متعتبش ناحية الأوضة دي.. انت راجل متجوز.. ومراتك حامل.. ابعد عني وروح لها.. وإلا أقسم بالله آخد عيالي وأمشي.."
نظر لها بحزن لحزنها. منذ فجرت سلوي قنبلتها بالأسفل وهي تبتعد عنه. يعلم مغزى سلوي وماذا تريد من كل ذلك. لعن نفسه وحظه. لقد صان عهدها لسنين وأضاعه بغلطة، ليست مقصودة. أغمض عينيه، وتذكر أنها كانت ملكاً لغيره ولديها طفلان. احتدت نظرته وصرخ بها.
"بتعاقبيني على إيه.. كنتي عايزاني أعمل إيه.. من حقي بعد ما سبتيني بالطريقة دي.. يكون لي بيت وعيلة.. كنت عاوزاني أعيش راهب.. يعني."
نظرت له بألم وذكري السنوات وما حدث عاد بذهنها. ابتسمت بسخرية له وبهدوء أجابته.
"أنا مش قديسة، ولا أنت قديس، ومش بلومك ولا الكلام دا في دماغي أصلاً.. أنت راجل، وهي مراتك الأولى.. وهي أولى بيك طبعاً.. أما أنا وولادي.. معلش استحملنا هنا فترة.. لحد ما جدي دماغه تلين.. أو هطلب الحماية من الراوي.. وننتهي من الموضوع دا. أنا وانت طريقنا مش واحد، يابن خالي.. لا أنا فريدة بتاعت زمان، ولا أنت كيان اللي حبيته.. مراتك حامل، أو لا شيء لا يعنيني.. أتمنالك السعادة.. طبعاً.."
استدارت مبتعدة عنه، وشعر هو بمدى حقارة ما قاله. وعلم أن الأمور لن تعود لنصابها أبداً، وخصوصاً بعدما رمت عمته سحر سهامها وطالبته بالعدل بينهم. أغمض عينيه، وهو يعلم أن اليوم يجب أن يكون بغرفة سلوي كما أمره جده.
لمحها تستدير لجهة الباب مرة أخرى. سألها مسرعاً.
"رايحة فين يافريده..؟"
نظرت له بسخرية.
"هروح فين.. عند ولادي طبعاً.. لازم أطمن عليهم.."
رد عليها بتلقائية.
"ما إحنا لسه سيبنهم مع جدي نايمين.. متقلقيش عليهم."
رمقته بسخرية.
"بكرة لما تبقي أب، هتعرف يعني إيه غلاوة الضنى.. ولادي كل حياتي.. روحي اللي ماشية على الأرض.. لو في حاجة في الدنيا تستاهل إن أضحي عشانها.. هيبقوا هما ياكيان.. مقدرش أنام، ولا يغمضلي عين إلا لما أطمن عليهم.. عن إذنك.. معلش مش عاوزة أعطلك... تقدر تروح لمراتك، ومن الليلة أنت مش مرحب بيك هنا.. ويا ريت تحترم قراري. وفي أول فرصة ياريت تطلقني.. لأني عمري ما هبقى لك.. زوجة ثانية مهما حصل ولا هسمحلك تقرب مني.. فيا ريت نقضي اليومين دول مع بعض زي الأخوات.."
تركته وخرجت، يردد خلفها باستنكار.
"أخوات.."
تنهد بحزن ويبدو أنهم لن يجتمعوا يوماً. إن كان يمني نفسه بقربها، الآن وبعدما حدث، لن يحدث أبداً.
ــــــــــــــــــــــــــ
نزلت الدرج بهدوء، وجميع الإضاءة أغلقت ما عدا ضوء بسيطاً ينير الطرقة. الجميع نيام.
كانت تنظر لها وهي تسير بعين حمراء وشرار يطل من عينيها. همست بهم بشيطنة وغل.
"احضروا.. احضروا.. للي عليها العين والنيه."
أغلقت الإضاءة فجأة، ولمحت فريدة عينين تنظران لها بحدة من وسط الظلام. ارتاع جسدها وارتعش. وهي تتذكر تلك الليلة. ورددت.
"سلام قولا من رب رحيم.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
تماسكت وهي تمسك بيدها ذلك الحجاب الذي أعطاه لها الراوي. هلك جسد الأخرى وهي تصارع تلك الطاقة بجسدها. وهي تردد الآيات القرآنية التي تحفظها.
قفزت عيون ملونة من وسط الظلام عليها، فصرخت بخوف.
"عااااااااا.."
وقعت على الأرض، واختفت هي. دخل لغرفتها ينظر لها بغل، وهي ترمقه بانتصار. اندفع لها يهزها بعنف، صارخاً بها.
"عملتي اللي في دماغك ياسلوي.. فاكرة التمثيلية السخيفة اللي عملتيها هتخش عليا.."
نظر لها بسخرية قائلاً.
"حامل.. طب كويس.. ياكشي تعرفي تبقي أم عدلة، ماتورثيهوش الحقد والغل.. ويبقي نسخة جديدة من وساختك وغلك.. أقسم بالله، وإنتم عارفين لما بحلف، لو قربتي من فريدة، أو ضايقتيها بكلمة لعمل فيكي إيه.. وإنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه.. وبلاش حتت الشرف دي، لأن واحدة زيك عديمة الشرف، بلاش تتكلم عنه.."
ابتلعت ريقها من تهديده المبطن لها، ونطرت يده بحدة.
"تقصد إيه.. زم حدودك ياكيان.. واعرف بتكلم مين.. وإيه أنا حامل ولا نسيت الليلة أياها.."
وبانتصار أكملت.
"وهبقى أم الواد.. بس مالك كدا.. واكل ودنك.. هي المدام كرشتك، ولا إيه.. ولا معدتش فريدة بتاع زمان.. ماهو بصراحة، الواحدة بتفقد روحها وجمالها بعد الجواز.. وليك حق بصراحة.. إزاي هيبقي غيرك.. لمسها وخلف منه، ويجيلك نفس ليها.. مش دا كلامك برده.."
أغمض عينيه وهي ترميه بتلك الكم من الحقائق وتذكره بأن غيره امتلكها قبله. لم يحتمل. رفع يده وحط بحدة على خدها.
"اخرررسي.. انتي شيطانة.. فكرة إن كل الناس وسخة زيك.. فريدة كانت متجوزة، على سنة الله ورسوله، مش زيك.. وأظن انتي فاهمة أنا أقصد إيه.. ولولايا كنتي هتبقي إيه.. فبلاش دور الشرف دا.. فريدة هتفضل فريدة.. بتاعتي أنا وبس.. وإن كانت انجبرت على غيري، فدا انتي السبب فيه.. وبقت أم.. آه بقت أم.. أحلى أم في الدنيا.. مش هسمحلك بعد كدا فاهمة.. إلا فريدة، وإنتي عارفة فريدة لكيان إيه..!"
بصق عليها ودفعها بيده، وانتفض وهو يستمع لصرختها الآتية من الأسفل. تركها من يده، وهرول باتجاه صراخها، منادياً عليها.
"فريدة..!"
لمحها أسفل الدرج تئن بوجع.
"فريدة.. مالك يافريدة..!"
احتضنها بأحضان.
"حبيبتي انتي كويسة..؟"
نظرت له بقلب مرتاعب.
"كيان.. كان هنا.."
نظر حوله، لم يرى شيئاً. سألها بخوف عليها.
"هو مين ياقلب كيان..؟"
أجابته بخوف.
"القط الأسود... كان هنا.."
شرد بذهنه لتلك الليلة وما جرى. ومد يده بلطف لها.
"تعالي يافريده، قومي مفيش حاجة هنا.. تعالي ياقلبي.."
"فريده، بوجع.. دراعي انكسر ياكيان.."
وقفت هي أعلى الدرج، تنظر لهم بغيظ. وهو يهمس لها. وبجانبها جدتها سلوي.
"كنتي خلصتي عليها، وخلصتي.."
"سعديه... بشر.. مجدرتش برجبتها.. حجاب حصين ومحصنها.. لازم ناخدو منها.."
"سلوي.. بغل ستي، أنا عاوزة أتعلم.."
"سعديه.. بدهشة.. تتعلمي إيه...."
"احضروا الأسياد.."
نظرت لها سعديه بفرحة مستترة.
"بس لازم تقدمي، فروض الولاء والطاعة.."
"سلوي.. أمرك.. زي ما انتي عاوزة.."
"سعديه... تولدي بالسلامة ونشوف أوامرهم.."
"سلوي بغيظ.. لسه هستنى لما أولد.."
"سعديه بخبث.. أومال.. يكون أحلى وأحسن.."
اصطحبها للخارج ليقلها للمشفى. نظر لها وجدها شاردة.
"فريده.. انتي كويسة.. احكيلي شوفتي إيه..؟"
نظرت له، وهو يقود ويسترق النظر لها. وحكت له مارأته بالتفصيل.
"ردد.. غريبة..؟"
"رددت خلفه.. هي إيه اللي غريبة..؟"
أجابها.
"اللي حصل دا واللي حصل الليلة أياها..؛"
أغمضت عينيها وهي تستعيد ما أخبرها به الراوي على لسان راجي، والمخطوط التي تركته والدتها بذلك الصندوق، ووجدت لسانها يردد بتعب.
"معرفش.. معرفش ياكيان.."
ــــــــــــــــــــــــــ
"انتي بتعملي إيه..؟"
"هعمل إيه يعني.. زي ما انت شايف.."
"أيوا بتكلمي مين دلوقتي..؟ رسائل.. في رسائل.. في إيه..؟"
تلجلجت.
"هااا .. لا.. ولا حاجة.. أنا هقوم آخد دش.. حرانة.. أوي.."
نظر لها ولتوترها الظاهر.
"على كلامك بوضوح، ولاصطحابها للهاتف معها.."
"انتي هتاخدي التليفون معاكي كمان..؟"
نظرت له بتوتر.
"هاا.. لا.. نسيت أهو.. سيبته..!"
تركته ودخلت للمرحاض، وتأكد هو أنها بالداخل، واقترب يبحث به. ماذا به؟ لحسن حظه لم يقفل بعد. لمح كم هائل من الرسائل من شخص يدعى فادي. لهجته تبدو من البدو، يبدو عاشقا. وتلك الغبية تحادثه ببساطة. جلس يأكله الغيظ، ينتظرها لتخرج ويريها.
خرجت بعد نصف ساعة. لمحت هاتفه بيده وينظر لها بشر. رفع يده لها.
"إيه دا..؟"
تلجلجت.
"إيه دا..؟ مين سمحلك تمسك تليفوني..!"
صرخ بها.
"سلمي.. متغيريش الموضوع.. مين فادي دا..؟"
أخذت هاتفه بحدة منه، وهي تجيبه بثقة.
"فادي دا البوي فريند بتاعي.."
شهق بصدمة. واقترب منها.
"إيه.. بوي إيه..؟ سمعيني تاني كدا..!"
هرولت من أمامه.
"البوي فريند.. إيه مبتسمعش.. إحنا كنا متفقين عالجواز.. وانت جيت خطفتني منه.."
استغفر بسره وصدره يعلو ويهبط. وسألها.
"دا بدوي دا صح..؟"
أومات بفخر.
"أه.."
"يتغفر.. ومد يده لها.. تعالي بس انزلي.. بهدوء متخليش سمر تشمت فيا وفيكي..؟ تعالي.."
نظرت له بعند.
"لا.. انت شراني.. وأنا عرفاك.. طلقني عشان أتجوز فادي.. هو طيب وبيفهمني.."
إلى هنا ولم يستطع.
"وأنا اللي شرير في حكايتك يعني.. طب تعالي بقي.. أنا صابر من الصبح.. وقلت عيلة.. لكن لا.. مادام واخده بالك أنك مراتي.. وعايزة تتطلقي.. يبقى تديني حقي الأول.."
سلمي وهي تفر منه.
"يعني إيه..؟"
"احكم حصاره عليا.. يعني هنتفق اتفاق.. يا حلوة.."
"سلمي.. ابعد عني يافهد أنا بكرهك.. طلقني ياأخي.."
"فهد بحده.. اخرسي.. اخرسي بقي.."
"سلمي بعند.. لا بكرهك.. بكررررهك.."
حط يده على خدها بصفعة مدوية. لقد ضغطت عليه بما يكفي. لن تصبح لغيره مهما كان. نظرت ليده بصدمة.
"انت بتضربني يافهد..؟"
استدار لها بحدة صارخاً بها.
"قولت اخرسي.. انتي اللي وصلتيني لكدا.. انت مراتي وهتفضلي مراتي.. وأمور العيال دي تبطليها.. بره الأوضة دي تحترميني.. وعالله شوفي عالله ياسلمي.. أشوفك بتتكلمي مع جنس راجل.. وادي التليفون..!"
ألقاه أرضاً فتهشم قطعاً.
"ابقي وريني بقي هتكلمي سي زفت إزاي..!"
التقط الشريحة وشقها نصفين. أزاحها بيده فسقطت على الفراش وصرخ بها.
"وإن كان على حقي، فأنا زاهدة.. ميلزمنيش.. مش فهد سويلم اللي مرة تذله وتهينه.."
هطلت دموعها بحزن على نفسه ونفسها. تركها وخرج، وهو يلعن عنادها الذي أوصلهم لهنا. قلبه يأن بندم لصراخه بها وضربه لها. لملمت شتات نفسها، وأغلقت الإضاءة، وتقوقعت على نفسها تبكي بصمت. وعلى لسانها.
"بكرهك يافهد.. بكرهك.. عمرك ما هتتغير.. أبداً."
ــــــــــــــــــــــــــ
كانت تود أن تخرج لتري والدتها. رغم خذلانهم لها، إلا أنها اشتاقتهم. ارتدت ملابسها، ولأول مرة قدمها ستخرج للشارع بعد زواجها منه. هاتفته وأصر عليها أن لا تخرج إلا معه. ولكنها ستخرج. تريد أن تراهم وبعدها ستخبره. هو يماطل معها، لا تعلم لماذا.
حطت قدمها لخارج المنزل، وارتعشت قدمها بخوف. تذكرت تهديده لها، ورحلت ذاكرتها لتلك الليلة. دخلت مسرعة، وأغلقت بابها. لن تخرج، لن تخذله أبداً. تذكرت توسله لها أن لا تؤذيه بها. ارتعدت بخوف وهي تتأسف له في نفسها.
"أنا إيه اللي كنت هعمله دا...؟ عابد وثق فيا وصدقني... لا يمكن أخذله أبداً.. أنا اتجننت.. إزاي كنت هعمل كدا.."
غيرت ملابسها بسرعة، وجلست تنتظره كما أخبرها، ليذهبا معاً. الحياة بوجوده لها طعماً آخر. هو عالمها الجديد، كيانها، وكينونتها، وكم تعشق عالمها الجديد هذا، وكم تعشقه هو.
عابد.
ــــــــــــــــــــــــــ
جالسا بالخارج، يستمع لحديثها الباكي واعترافاتها للخالة ماجدة، وصراحتها وما حدث لها. أغمض عينيه بخزي مما يسمعه. استغفر بسره آلاف المرات. احترم صراحتها وكثيراً. كانت من الممكن أن تخفي بداخلها من هي، وتدعي أي شيء آخر، وتتركهم ينخدعون بها بأذنه.
تتردد كلمتها.
"أنا ندمانة.. ونفسي ربنا يسامحني.."
همس بوجع.
"ليه بس كدا.. فرطتي في نفسك.. يارب رحمتك بيها وباللي زيها.. بس أنا مين عشان أعاقبك ياصغيرة.. انتي اتعاقبتي بأقسى طريقة.. الفضيحة.. والشرف.. وكفاية موت أبوكي.. كفاية الدنيا كلها عليكي.. يارب دلني على طريق صحيح.. أهديها ليه.."
أغمض عينيه وبرأسه تردد بضع كلمات. لطالما خطب بها.
"الله غفور رحيم.. لو بلغت ذنوبنا عنان السماء، واستغفرنا الله سيغفر لنا.. إن كان الله غفوراً رحيماً، فمن هم ليجلددوها.."
استقام مسرعاً، وتنحنح.
"سيحدثها.."
سمعت الخالة ماجدة صوته. كانت تحتضن أمل بحب وحزن على حالها ووحدتها.
"متخافيش يا حبيبتي، دا قاسم اللي أنقذك الليلة أياها... امسحي دموعك دي.. انتي ضحية.. معملتيش حاجة.. وأنا مش هسيبك حتى لو الدنيا بحالها سابتك.."
ابتسمت أمل بحزن لها، وهمست لها.
"ربنا يخليكي ليا.."
قبلت رأسها بحزن، وعدلت لها حجابها.
"استني أشوفه عايز إيه..؟"
خرجت له.
"أيوا ياقاسم بابني.. في حاجة.؟"
قاسم بخجل.
"أيوا ياخالة.. كنت عاوز أتكلم معاها شوية.. إذا أمكن..؟"
الخالة ماجدة بتوتر.
"بس يابني.. أصل.."
قاسم بهدوء.
"أنا سمعت كل حاجة غصب عني.. صوتكم عالي.. متقلقيش ياخالة.. سيبيني أتكلم معاها.. ممكن..؟"
"ماشي يابني اتفضل.. بس بالله عليك، متبقاش انت والزمن عليها.. دي عيلة زي ماانت شايف.. واتضحك عليها باسم حب.. أمها أهملتها.. وسابتها فريسة سهلة ليهم.."
أومأ لها موافقاً.
"عندك حق، متقلقيش.. اللي فيه الخير يقدمه ربنا.."
دخل متمتماً.
"السلام عليكم.."
رفعت رأسها له، والتقت عيناها بعينيه لأول مرة منذ التقتها تلك الليلة، بذراعيه. رددت السلام بخجل، وهي تزيح عينها من عينه. دخل وجلس على كرسي بجانبها. أغمض عينيه بحزن. عليها، لا يعلم كيف يبدأ؟ ومن أين؟ هو مضطر أن يسألها كل ذلك. أجلى حنجرته.
"أعرفك الأول بنفسي.. أنا ياستي، قاسم رضوان.. أنقذتك الليلة أياها، من اللي كانوا بيجروا وراكي.."
أمل بحزن وامتنان.
"شكراً ياشيخ.. طنط ماجدة حكت لي كل حاجة.."
قاسم بهدوء، مردداً.
"شيخ.. أظاهر إن الخالة ماجدة.. مسبتش حاجة مقلتهاش.."
ابتسمت بحزن ابتسامة زينت محياها الذي تشعر به يشع خزياً ودناءة.
"أه بصراحة.. طول الوقت مالهاش سيرة غيرك.. كان نفسي أسمع حكاويها، في وقت وظرف غير دا.. بس النصيب.. بقي.."
نكت رأسها بخزي وسكت. هو لا يعرف من أي مكان يبدأ.
"طب أنا آسف، أنا سمعت كلامك مع خالة ماجدة وكنت عاوز أسألك كام سؤال كدا.. ممكن..؟"
نظرت له بتوتر وخوف طل من عينيها. نظرتها الضائعة أوجعت قلبه، وغصباً عنه تغاضى عن كثيراً مما كان سيقوله. أكمل وسألها.
"انتي عندك كام سنة..؟"
ردت بخجل.
"19.."
صدم من سنها.
"19.."
لاحظ هو صدمتها لملامح وجهه المصدومة، ونكس رأسه سريعاً. لا يعرف مما يبدأ، فوفرت عليه هي الكلام، وبدأت هي.
"أنت واضح سمعت كل حاجة.. ياشيخ.. أنا عارفة إني غلطت.. بس صدقني أنا ندمانة.. أنا هربت.. لأني كنت عاوزة أفتح صفحة جديدة.. أنا خسرت كل حاجة.. أنا كنت هرجع مع أهلي، وهيقدروا يلموا الموضوع.. مش هتعاقب.. بل بالعكس ماما هتدلعني أكتر.. أنا أستحق العقاب.. أستحق البعد.. إن أبعد عن كل حاجة بحبها.. عشان كدا.. سبت كل حاجة ورايا.. وأملكتها وهربت.. بابا ساب لي ورث كتير جداً.. فلوس لو قعدت عمري كله أصرف فيها مش هتخلص.. بس يفيد بايه كتر المال وهو مش موجود.. مات غضبان عليا.. عارف.. نظرة عين عابد أخويا ليا، كانت بتدبحني.. عارفه إنه مكنش هيقسى عليا.. بس أنا أستحق العقاب دا.. أنا غضبت ربنا كتير.. واستحق كدا.."
هز رأسه بالرفض، مقاطعاً لها.
"استني بس... أنا مش هعين نفسي قاضي وأحكم عليكي وأجلدك.. أنا خايف عليكي.. انتي لسه صغيرة ووحيدة زي ما أنا شايف.. انتي هربتي وصلحتي غلط بغلط أكبر.. لازم ترجعي لأهلك.. أنا هوْديكي بنفسي.."
هزت رأسها بالرفض.
"لالاا مش هرجع.. أنا عارفة إن تقلت عليكو.. أنا همشي من هنا وشكراً ليكو.. إنما رجوع لا.. لو سمحت دا قراري.."
قاسم بصبر وحلم عليها.
"ليه.. فهميني براحة..."
نكت رأسها ووجدت نفسها تخبره بكل شيء بقلبها. عيناه السوداء التي يشع منها نظرة طمأنينة سحبتها بهدوء للكلام. استمع لها بصبر، ناقشها وحاورها كطفل تستمع لشرح مدرسها. علم ما تفعله والدتها وزوجة أخيها وضغطها عليه في كل مرة تقرر الابتعاد عنه، ولكنها غصباً عنها خبأت بعض الأشياء خزياً منها ومن أفعالها. لا تعلم كيف فعلتها. نبرتها الندامة ودموعها جعلته يدرك كم طفلة هي وتحتاج للاحتواء. أوجعه قلبه عليها، وهي تحكي له كيف مات أبيها خزياً. اشتعل قلبه بالانتقام، وآه لو يلمح ذلك القذر الذي حطمها ودمرها. أنهت كلامها ونظرت له.
"عرفت بقي ليه مش عاوزة أرجع.. أرجوك متضغطش عليا.."
وجد لسانه يردد. لا يعرف لما يود أن يسألها ذلك من البداية. أرجعها لخوفه عليها.
"ورقة الجواز العرفي فين..؟"
ابتلعت ريقها ونكت رأسها.
"عصام قطعها آخر مرة في وشي، ورمي عليا يمين الطلاق.."
وجد نفسه يردد بغيظ.
"متجيبيش سيرة الوسخ دا على لسانك تاني.. فاهمه..؟"
أومأت بخوف من حدته معها، وصمت. ارتاح قلبه. وتمتم بالحمد لله.
"بصي، أنا زي ماقلتلك مش جلاد، ومش هصعبها عليكي، ولا هضغط عليكي أبداً.. ودينا مش عسر وأنا مش ربنا عشان أحاسبك.. وكلنا بنغلط.. ومادام باب التوبة مفتوح مانقفلوش.. يبقى يحق لك فرصة ثانية.."
رفعت رأسها بدموع تريد سؤاله.
"تفتكري ربنا هيسامحني..؟"
قاسم بابتسامة هادئة.
"ربك رب قلوب.. بيحكم على اللي في قلبك.. على جواكي مش براكي.. عشان كدا.. أنا واثق إن من رحمة ربنا إنه بعتني ليكي في اليوم ده عشان أنقذك من سكة.. الله أعلم كانت هتوصلك لأيه.."
رفعت رأسها له بدموع. وغصباً عنها وجدت لسانها يردد.
"أنا خايفة.. خايفة أوي.. خايفة أموت.. وربنا غضبان عليا.."
ود لو يخطفها يطمأنها بين ذراعيه. استغفر بسره، وأغمض عينيه بحزن عليها، وعلى ضياعها. طفلة هي، وما أحوج الأطفال للحب والاهتمام. نبته جميلة، نمت بحقل شياطين وارتوت بحقدهم وكرههم، فصارت كما صارت. والآن المعدن الأصيل أصبح يطفو، بعدما علمت أن الدنيا زائلة، لا تساوي جناح بعوضة.
رفع رأسه لها بابتسامة وحنان.
"متخافيش.. إحنا جنبك.. مش هنسيبك.. أوعديني إن اللي فات ننساه.. وتبدأي صفحة جديدة.."
أومأت بفرحة.
"أوعدك.. مع إن صعب.. صعب أوي.. أنسي.. وخايفة ربنا ميغفرليش.."
ابتسم لها ورد عليها بآية قرآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) صدق الله العظيم.
"احمدي ربنا.. واستغفريه.. وإن شاء الله.. يتقبل منك.."
أومأت بالدعاء وراءه.
"يارب.. متشكره أوي.. على كل حاجة.."
رفع رأسه الذي ينكسه منذ دخل احتراماً. وابتسم لها ابتسامة راضية.
"هتبقي أحسن.. صدقيني.. لو احتجتي أي حاجة.. هتلاقيني جنبك.. دايمـــــا.."
دخلت الخالة ماجدة بفرحة.
"ينصر دينك يا قاسم.. كنت عارفة إنك قلبك كبير.. من اليوم أمل هتسكن معايا.. وتساعدني في شغلي.. هيا قالت لي إنها بتعرف تصمم ملابس وتخيطها.. نفس شغلي.. صح يا أمل..؟"
ابتسمت لها.
"صح يا طنط.."
نبرة صوتها الرقيقة تذيبه. يجب أن يبتعد عنها. تؤثر به وبشدة. استغفر الله بسره وأغمض عينيه، وخرج لينتظرهم بالخارج ليقلهم معه.
ــــــــــــــــــ
خرجا من المشفى بعدما جبست ذراعها، ويبدو عليها التعب. نظر لها بقلق.
"فريده.. انتي كويسة..؟"
"فريده.. بتعب.. أه كويسة.. أنا بس دايخة شوية.."
مد يده وعدل شعرها وأدخله بحجابها.
"سلامتك ياقلب كيان.. حقك عليا.. معرفتش ألحقك.."
فتحت عينها تنظر له فوجأت بما أمامهم. فصرخت بحدة.
"كيـان.. حاسب ياكيــان..!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مين فينا معصوم؟
مغلطش.
يوم.. تمنينا الوقت يرجع.
نادم على اللي عمله.
يوم.. كلنا مذنبون.
لا ظالم ولا مظلوم.
ياللي شايف إنك من الغلط معصوم.
ارجع لدينك، لأحاديث الرسول.
طول ما باب التوبة لسه موارب..
قول يارب، ويلبي على طول.
يبقى تيأس ليه؟
يا مرحب بالصلاة والصوم.
قول يارب.
وادعي بقلبك المكلوم.
قادر ينصفك.
وزي ما انت مذنب..
كلنا مذنبون.
مذنب أنت وكلنا مذنبون.
محدش من الغلط معصوم.
رواية رحماكي الفصل السادس عشر 16 - بقلم أسما السيد
يقود بصمت، يصارع قلبه وعينيه للنظر إليها، طوال الطريق، يستغفر بصمت. قلبه يؤلمه عليها.
نظرتها الشاردة الضائعة، كالطفلة الضائعة، تجعله يشعر بالبؤس عليها.
انتبه للخالة ماجدة،
"استني يا قاسم يا ابني، اقف هنا. عند المحل دا، ه ننزل نجيب حاجة من هنا."
نظر لوجه المحل، وجده ملابس يخجل أن ينظر لها، تشبه لملابس الرجال. استغفر في سره ومسح وجهه بعصبية.
انتبهت عليه الخالة ماجدة،
"مالك يا قاسم يا ابني؟ انت تعبان؟ خلاص مش مهم، يلا بينا، هبقى انزل أنا وأمل في يوم تاني."
نظر لها من مرآة السيارة، وجدها شاردة لم تنتبه لكلامهم من الأساس. لن يجعلها تعود لتلك الملابس.
أدار السيارة ولم ينتظر. وصلا إلى تلك الحارة، شعبية إلى حد ما، ولكن أهلها جميعاً طيبون.
صف سيارته، بجانب العمارة التي يسكنون بها. هبطت من السيارة ودارت بعينيها للمكان. أحاطتها ماجدة بذراعيها بحنان.
"آه لو تعرفي مبسوطة قد إيه إنك هتسكنى معايا يا أمل، دا أنا خلاص الوحدة كانت هتخلص عليا."
ابتسمت لها واستدارت فوجدته مسند رأسه على دريكسيون السيارة وكأنه يصارع شيئاً ما. نظرت للخالة ماجدة باستغراب.
"هو ماله الشيخ قاسم؟"
ألقت ماجدة نظرة عليه، وابتسمت، تلمح بعينيه ما يخفيه.
"مفيش يا حبيبتي، دا تلاقيه يا حبيبي تعبان من شغل الورشة طول النهار، يلا نطلع إحنا."
كادت أن تقع بسبب جلباب ماجدة الواسع. ضحكت ماجدة عليها.
"معلش بقى مكنتش أعرف إنك ضعيفة كدا، بس متقلقيش، دا أنا هفصلك شوية هدوم."
"إيه، عنب."
قاد سيارته لوجهه ما، لا يعلم لما يفعل ذلك، ولكن سيفعله.
بعد ساعتين، كان يدق باب الخالة ماجدة على استحياء. فتحت الخالة ماجدة الباب، ووجدته هو.
"قاسم، اتفضل يا حبيبي."
لمحت ما يحمله بيده.
"إيه دا يا قاسم؟"
تردد وابتلع ريقه، ومد يده لها.
"دي حاجة بسيطة، اديها لأمل، أتمنى يعجبوها."
ماجدة بسعادة،
"تسلم يا قاسم يا ابني، أكيد هيعجبوها مادام منك."
ابتسم لها.
"طب استأذن أنا بقى."
"إذنك معاك يا ابني، ربنا يراضي قلبك يا قاسم يا ابني."
تنهدت ودخلت بالحقائب بفرحة، وهمست،
"ربنا يجمع مابينكم، أنا عارفة إنك طيب يا قاسم وهتعرف تحتوي الغلبانة دي."
"يارب، يجمع مابينهم على رضاك وطاعتك، يارب."
تنهدت، وهي تدعو وتدعو أن لا ترى أمل ما رأته هي. ستساعدها بكل ما تملك، لن تجعلها ماجدة أخرى.
أغمضت عينيها ومسحت دمعتها التي نزلت تكوي خدها. تذكرها بما مضى وابتسمت ودخلت لها.
جلست تفترش الفراش، تنظر لما أتى لها به، برضا. توزع نظرها بينهم وما بين يديها بتوتر. رفعت يدها، تنظر لما سطرته يداه. أخذت نفساً وأمعنت به.
(إلى تلك الجديدة، أمل. هناك كلام، كنت أود أن أقوله لك وجهاً لوجه، ولم أستطع، ولكني أتمنى يوماً، أن ألقيه على مسامعك وجهاً لوجه. أعلم تنظرين لتلك الملابس الآن شاردة، ولكنها ستجعلك بعيني ملكة متوجة. لا تترددي وخذي مما فات عبرة وعظة. أريدك أن تغلقي على تلك الصفحة، وتطويها. لا صلة لها منذ الآن بنا. اخلعي كل ما يربطك بالماضي واقذفيه. لا تقسي على نفسك وتجلديها، من فينا قديس عفيف. لست متشدداً فلا تناديني شيخاً، ولست جلاداً لتتوترى أمامي، وتخجلي. أؤمن أن كل شيء يحدث في حياتنا لسبب، وربما كنتِ إحدى أسبابي، لا أعلم. سأنتظر تحت شرفتك، لتخلعي كل ما يعلقك بالماضي ولتتبعي من الآن ما أمرنا به الهادي. إمضاء: قاسم)
ابتسمت وفتحت تلك العلبة وصدمت مما بها، وجدت ورقة أخرى.
(ليس جبراً، ولا فرضاً، ولكني أراه عليك أجمل.)
ابتسمت واقتربت من المرآة، ارتدت واحدة من الجلاليب التي أهداهم لها، وارتدت النقاب عليه. نظرت لنفسها في المرآة. شعرت بتلك الراحة تسير بأوردتها، كأنها ملكة متوجة، معه حق.
لملمت ثيابها القديمة بأحد الأكياس واتجهت للشرفة بغرفتها. وجدته يقف مستنداً على إحدى عواميد الإنارة. ابتسمت من تحت نقابها له، ولأول مرة تتمعن بملامح رجل صلب بملامح مصرية، جميلة. شعرت بأنها خلقت على يديه.
رفع نظره للشرفة، لقد تأخرت، والقلق ينهش بقلبه. وجدها تقف كأميرة بجلبابها ونقابها. انفرجت أساريره وهو ينظر لها، تعلقت عيونه بعينها لدقيقة.
رفعت يدها بذلك الكيس وألقته بكل قوتها. ابتسم بسعادة ورفع إصبعه بعلامة الانتصار لها. ابتسمت من بين جروحها، ومن هنا تسلل الأمل لقلبها. هي ليست بذلك السوء، تستحق أن تحب نفسها.
التقط الكيس بسعادة، واقترب من باسكت القمامة، وألقاه بها.
***
"أبين زين، وأضرب الودع، أبين زين أبين."
نظرت له ببراءة، تتوسله بعينيها. الليل حل عليه.
هنا عند النبع، مكان بآخر المزرعة، خصصه الراوي للعشاق. قطعة من الجنة، يحاوطها الخضرة وعلى ضفافها بحيرة صغيرة صناعية تشبه حمام السباحة ولكن على أوسع وأرضيتها صنعت من الحصاوي. الراوي نفسه يأتي هنا بزوجته، طلباً للراحة، والهدوء والهروب من أعباء الحياة. تسرح الخيول وراءهم هنا، صانعة لوحة فنية جميلة، يجاورها الخيام. كل زوجين يأتون هنا، ينصبون خيمة لهم. نصبها هو صباحاً، ويجلسان أمام النبع بعيداً عن اللمة والجمع.
نظر لها بابتسامة وهز رأسه بالرفض.
"لأ يا ساجدة، جلتلك جبل سابج لأ، ده حرام، ما هندخلش في مشيئة الرب."
حزنت وأدارت وجهها له.
"خلص ما أنا عايزة شيت."
تنهد وهز رأسه.
"يعني هترتاحي كده يا جل عدنان لما الولية الخرفانة دي، تضحك عليكي بكلمتين."
نظرت له بحزن وأجابته،
"لأ يا عدنان، ما بتضحك علي، صادقة، صادقة."
رفع حاجبه لها بدهشة.
"صادقة؟ كيف ده؟ جنيتي يا ساجدة؟ اسمه شرك، رب العباد بس اللي بيعلم الغيب."
اقتربت سميحة ضرابة الودع، كما تشتهر بمزرعتهم، تتحدث بخبث.
"أبين زين يا زين، أبين زين يا ساجدة."
عدنان بسخرية،
"فوتينا يا سميحة الله يكفينا شرك وشركك."
سميحة بسماجة،
"من إيش خايف يا عدنان؟ لتكون مخبي شي وخايف بالودع يبان."
نظر لها بغيظ، وحطت عينه على عين ساجدة التي تنظر له بحزن، فقالت له.
"مخبي شي عني يا عدنان؟ لأجل كده خايف بالودع إنه يبان."
جحظت عينه وجز على أسنانه، وخطف يدها مسرعاً مستقيماً بها، ونظر للأخرى بغيظ.
"فوتنا لك المكان يا ضاربة الودع ومفرقة الأحباب، ما أنا خايف من شي، بس هادا شرك بالله. من اليوم إذا بلمحك بالجرب من ساجدة بخلص عليكي، وبالأصل الكل بيرتاح."
خافت سميحة من لهجته، واندفعت تلملم حاجاتها بعدما كانت افترشت بها على الرمل.
"بش وجك يا عدنان، بس ما ترجع ندمان، واني وياك مهما العمر طاااال."
نظر لها بدهشة.
" بتهدديني يا ولية يا خرفانة انتي."
تركته ورحلت، متمتمة،
"احسبها على هواك. فوتكم بعافية. يا عشاج."
"ساجدة، ليش أجده يا عدنان؟ دي ولية سو، خاف تأذيك، وعليك ترمي بلاها."
نظر لها بثقة.
"ما تخافي يا ساجدة، اللي مع الرب لا بيأذي ولا ينهان. واليوم راح عديها إذا بشوفك بتخطلطي بيها، يبجي إني من طريق وإنتي من طريق."
شهقت بخوف.
"هنت عليك يا عدنان."
عدنان بحده،
"بتهويني يا ساجدة إذا بطريق الشرك بتمشي خطاي."
"خلاص يا عدنان، من اليوم ما بسمع لحدا سواك."
ابتسم لها ومد يده ساحباً إياها لخيمتهم.
"ما بتهوني علي أبداً يا جل عدنان."
ضحك محياها واقتربت تحاوط عنقه.
"والله لو قالوا لي عدنان ما بيحبك بكذب الدنيا وبصدق عيناك."
ابتسم لها وقبل خدها.
"ولو قالوا لي ساجدة صدقت فيك وما بدها ياك. بخطفك خطف وما تكوني لغيري يا حلوة."
***
"كيااان، حاسب يا كيان."
حاول كبح الفرامل، ويتنحى جانباً بعدما لمح، ما يقف أمامه، بذعر.
صرخت أكثر،
"حاسب، حاسب هتخبط فيها."
"ضغط فرامل يا كيان."
"مفيش فرامل يا فريدة، ااااه."
سريعاً اصطدم بالرجل العجوز الذي ظهر فجأة أمامها.
أخذت السيارة بالاندفاع إلى أن اصطدمت. صرخ عليها وهو يرى انحراف السيارة قبل أن تصطدم.
"وطي راسك يا فريدة، انزلي بسرعة."
لم تستطع الحراك، فاندفع هو وحاوطها بذراعيه وانخفضا أسفل السيارة. سكنت الحركة، وسكن المكان حولهم، إلا من صوت أنفاسهم العالية.
رفع رأسه بهدوء.
"تحطم الزجاج وكسر عليهم."
"حاسبي يا فريدة، براحة."
جابته بخوف،
"أنا كويسة، انت كويس؟"
أومأ بالإيجاب، وهناك بجسده شيء يؤلمه.
"آه، كويس."
نظرت لذراعه بصدمة.
"إيه دا...؟"
جز على أسنانه، والوجع يزداد.
"مش عارف."
"كيان في إزازة في دراعك، شكلها كبيرة أوي."
كيان بوجع.
" اااه، فريدة أنا قتلت الراجل."
ابتلعت ريقها، وهي تتذكر ما حدث. أغمضت عينها وهي تجزم أنها إحدى حيل سعدية.
"خلينا فيك الأول، وريني دراعك، كدا... إحنا لازم نرجع المستشفى."
أغمض عينيه وأشار لهاتفه.
"امسكي تليفوني اتصلي بفهد. يجيب عربية ويجي."
فعلت مثلما أمرها.
***
كان يجلس يؤنب بنفسه على أنه انساق وراء عنادها ومد يده لها، يتآكله الغيظ، مما تفعله. وجدها آتيه من الأعلى مندفعة عليه. نظر لها بغيظ، وهو يعلم ماذا ستخبره.
"منك لله يا فهد، منك لله. لبستني في الحيط، الله يسامحك."
نظر لها بغيظ وأدار وجهه عنها.
"بقولك إيه يا سمر، سيبيني في حالي الله لا يسيئك، كفاية اللي سلمى عملاه في أمي."
نظرت له بغيظ ورفعت يدها تدعي بحرقة.
"إلهي وأنت جاهي يارب ينوبك من اللي هيحصلي نصيب. بقي أنا أتجوز راضي البارد، حرام عليك."
نفخ بغيظ.
"انتي تطولي أصلاً، احمدي ربنا، إنك هتخرجي من بيت العقارب ده."
سمر بغيظ.
"لأ سيبك من الكلام ده، انت هتهربني."
نظر لها بصدمة.
"نعم يختي؟ انتي اتجننتي؟ ده أنا كنت قتلتك، عايزة تفضحينا يا سمر؟ إيه الجنان ده."
ضربت قدمها بالأرض بقهر وغيظ منه. ورفعت كفها تدعي بحرقة أكبر.
"منكو لله، منكو لله."
جز على أسنانه، وصرخ عليها.
"سمر."
"اخرسي بقى أنا مش فايقلك."
رفع نظره للأعلى، فوجدها تنظر لهم بسخرية. تلك النظرة التي تقتله. إلى هذا الحد زاهدة به. كان سيصعد ويتوسلها حتى ترضى ويتأسف لها. أما الآن علم أنها لن ترضى عنه يوماً. تريدها أخوه، إذن فأهلاً لها.
اقترب من أذن سمر هامساً لها، عله يرى لمحة غيرة، أو غيظ، شيئاً من هذا القبيل.
نظرت له سمر بشك.
"إيه يا فهد عايز إيه؟ مش مطمنالك."
جز على أسنانه، وهمس لها.
"اخرسي يازبالة، قربي واسكتي."
رفعت نظرها لما ينظر له، ووجدتها تنظر لهم. وجدتها فرصة لتنتصر عليها. رغم كل شيء هي وسلمى أعداء، رغم أنها لا تحمل بقلبها ضغينة لها، ولكنها تغيظها وحسب.
سمر بتسلية،
"قرب، قرب دي بينها هتحلو."
جز على أسنانه لتلميحها.
"سافلة."
"والله تستاهلي راضي، وبالقوي كمان."
رفع نظره مرة أخرى، فوجدها على حالها، ودخلت بلا مبالاة وأغلقت شرفتها، وكأن شيئاً لم يكن. دفعته سمر بيدها.
"أوعي بقى يا فهد الفهود، الشو انتهى والموزة، أدتك الصابونة."
نظر لها بقهر وغيظ.
"صابونة؟ والله يا سمر أنا كنت ناوي أساعدك بس بعد كلامك البيئة ده، مبروك عليكي راضي، وعال فكرة، راضي كلم جدك، وقاله إنك هربتي وهو رجعك. مبروك عليكي اللي جدك هيعمله فيكي ياقطة."
سمر بصدمة.
"فهد انت بتتكلم جد؟"
"أه يا راضي يابن الوانا اللي فكراه مش هيقول."
ضحك فهد عليها وتركها.
"سي يوو ياقطة، جدك كان طالعلك لولا كيان حاشه عنك، أحسن لك تدفني نفسك قبل الصبح، أحسن جدك محضرلك مفاجأة. إيه، عنب."
افترشت الأرض تولول على ماصابها، تسب راضي بأبشع السباب. صعد درجتين وسمع صوت هاتفه، اتصالاً من كيان، استغرب اتصاله، وهم من الأساس ببيت واحد. رد عليه وصدم مما قاله، وهبط مسرعاً ليلحق بهم.
"لمحته يهبط مسرعاً."
"مالك يا فهد، في إيه؟"
"سمر أو عي كدا، مشوار مهم."
تركها وغادر. واستدارت لتصعد وجدتها بوجهه. نظرت لها بغيظ فتجاهلتها. وصعدت.
"تسلمي، بغيظ، وشماتة."
"مبروك الجواز يا سمر مشوفتكيش طول النهار عشان أباركلك."
استدارت لها سمر تجز على أسنانها.
"يبارك فيكي يا أختي، أصيلة. والله."
سلمى بشماتة.
"سمعت إن جدي محضر لك مفاجأة الصبح بمناسبة هروبك، ورجوعك."
سبته بسرها، ونظرت لها بغيظ ودخلت لغرفتها مسرعة. بحثت عن هاتفها وفي بالها شيء واحد، ستفش قهرها وغلها منه الآن. بحثت عن رقمه بهاتفها، مرة، اثنتان، فتح الهاتف ولا رد. شتمته بسرها، بارد مستخسر يقول ألو.
يجلس بشرفة غرفته يدخن سيجارته شارداً بها، وماذا فعل الجد بها. خاف أن تحاول الهرب مرة أخرى، اضطر لإخبار الجد عنها. يعلم أنها مجنونة، وكانت تتوقع ألا يخبر الجد كمثل عادته. ابتسم متخيلاً منظرها، حينما تعلم ما خطط له مع الجد غداً.
استمع لرنين هاتفه، مد يده وأخرجه من جيب بنطاله. لمح اسمها وضحك بصوته كله. تركها ترن أول مرة، وثاني مرة، وهو يضحك عليها. قلبه رق لها وفتح الخط وانتظر سماع صوتها.
صرخت بعلو صوتها.
"انت يا جبل الثلج انت مستكتر تقول ألو، هي دي الشهامة؟ دي الجدعنة؟ أومال لو مكنتش بنت عمك، منكو لله، مترد يابجم انت."
جز على أسنانه وحاول كبت ضحكاته على سبابها.
"لا رد."
صرخت بصوتها كله، بأذنه.
"عااااااابعد."
أبعد الهاتف عن أذنه، بصدمة.
"يابت المجنونة، أنا كنت هرد عليكي، دلوقتي منيش رادد، جبر يلمك يا سمر."
أغلق الهاتف وتركها تغلي. نظرت للهاتف ووجدت أنه بالفعل أغلق بوجهها.
"إيه دا، ده قفل في وشي، بجد؟ قفل في وشي، فعلا."
تركت هاتفها بصدمة، وأمسكت وسادتها تعض بها بقهر.
"مفيش حل، مفيش حل، أعمل إيه؟ أقتل نفسي وأموت كافرة، ولا أعمل إيه بس."
"استغفر الله العظيم، هو حلو، وأمور بس جلف وبارد، لوح ثلج، لو بس ينطق بلسانه، بدل عينيه اللي مليان مكر زي الثعالب. آه يا رب، أظاهر إن راضي قدري ونصيبي، وتكفير لذنوبي، يافرحة سلمى فيا، ياحوستي السودة، طب هغيظ وأقهر مين بعد كدة."
لمعت عينها بانتصار وهي تتذكر جدتها حليمة، وجدها أسعد والد والدها، لا يطيق البنات، وكذلك جدتها. ستشن حربها الجديدة عليهم، إلا أن يتركها راضي. ويمل منها.
"هييييه، هو ده، استعنا عالشقي بالله."
***
اقترب منهم بسيارته وصل لهم بدقائق لقربهم من المكان.
"كيان، في إيه، انت كويس؟ انتي كويسة يا فريدة."
"إيه اللي كسر دراعك؟"
فريدة، بتعب.
"مش وقته يا فهد، يلا ساعد كيان، شكله نزف جامد."
ساعد أخيه، ونظر ليده.
"جرح مش غويط، بس بينزف جامد، أوعي كدا أشدهالك ونكتمها."
فريدة،
"لأ هنروح المستشفى، كيان مريض سكر وغلط عليه."
كيان،
"أنا كويس يا فريدة متقلقيش خلينا ننهي الليلة دي بقى، أنا تعبت."
أومأت له وسحب فهد الزجاجة من يده وحاوطها بشال عباءته.
"خليها كدا لحد ما نروح. يلا."
جلسا بالسيارة بتعب وحكى له كيان ما حدث.
فهد بدهشة.
"بس أنا مشفتش أي حد عالطريق ولا حوادث ولا حاجة."
كيان، بصدمة.
"إزاي؟ أنا دوست الراجل أنا متأكد. ارجع خلينا نشوفه يمكن نلحقه."
فهد يابني مفيش حاجة ولا حتى أي أثر بس تمام، تعالي نرجع عشان ترتاح.
رجع فهد بسيارته للخلف. لا أثر. نظر لها وابتلع ريقه، قائلاً.
"كان هنا."
أغمضت عينها تلعن سعدية بسرها، شيطانة مجندة شياطين مثلها. ابتسمت له بهدوء، وهمست بشفاهها له.
"همس فهمه عليها، انسي."
أغمض عينيه وأراح رأسه للخلف يشعر ببوادر إغماء. ما يحدث لهم، زاد عن حده، يجب التفكير به.
***
تقف تتربص لها أعلى الدرج، منذ يومان وهي تخطط لها. يجب أن تتخلص منها بأسرع وقت. تعلم أنها هي الأخرى تفكر بالخلاص منها، إذن لتكن هي البادئة، وتنهي الأمر.
راقبتها تخرج متلصصة يميناً ويساراً. أحمد ليس هنا، والطريق خالٍ لها.
رفعت هاتفها واتصلت به.
"ها عملت اللي اتفقنا عليه يا مجاهد؟"
رد عليها بتأكيد.
"علم وينفذ يا ست الكل."
"اتصلت بيها وهي جاية في الطريق، هددها زي ما اتفقنا واطلب منها المبلغ اللي قولتيلي عليه."
روان بخبث.
"تمام يا مجاهد، ومتخافش مكافأتك هتوصلك لحد عندك."
أغلقت هاتفها بانتصار.
"فاكريني هبلة؟ لا والله لوريكي، وأخلص منكم انتوا الاتنين. عشان تبقي تفكري تخلصي مني كويس."
***
"ها يا متر، خلصت زي ما اتفقنا."
نظر له رضوان المحامي، رجل تخطى الخمسين من عمره، كان صديقاً لوالده.
"ي ابني انت متأكد من اللي بتعمله ده؟ تتنازل عن كل حاجة كده لأخوك."
تنهد أحمد بتعب.
"يا متر ريحني انت عارف إن أبويا الله يرحمه غلط لما كتب لي كل حاجة، وأنا غلطت لما افتريت على عابد، وعابد هيقدر يشيل عني، أنا هسافر ومش عارف هرجع امتى وواثق إن عابد مش هياكل حق حد فينا. أخويا عابد أمين وانت عارف، وكمان عشان أبويا يرتاح في رقدته، أنا ظلمت عابد كتير."
رضوان بتفهم.
"خلاص يا أحمد اللي تشوفه. ي ابني. عموماً أنا جهزت كل حاجة، زي ما اتفقنا. مفضلش غير إمضتك."
"طب تمام، هات أمضي."
"كده تمام، تقدر تتفضل وأنا بنفسي إن شاء الله هوصل الأوراق لصاحبها."
سكت قليلاً وهناك سؤال يؤرق فكره منذ زمن. لقد استمع للقصة بالصدفة، ويريد أن يتأكد منها.
"بقولك إيه يا متر، أنا عارف إنك صديق لوالدي من زمان أوي. وكنت عايز أسألك على حاجة كدا، بس ياريت متكدبش عليا."
رضوان بانتباه.
"طبعاً يا أحمد انت عارف أنا مبخافش ومبخبيش حاجة."
أحمد.
"عارف عشان كده هسألك إيه سبب العداوة بين أمي وأهل فريدة؟ ليه بتكرههم بالطريقة دي؟ أنا سمعت طراطيش كلام كدا، وعايز أتأكد."
تنهد رضوان بحزن وعاد بظهره للخلف.
"ياااه يا أحمد، ده عمر فات يا ابني، من أيام ما كنا شباب، مع بعض في جامعة واحدة، بس أبوك ساب المحاماة واشتغل في التجارة، بس إيه اللي فكرك بالموضوع ده."
أحمد.
"ريحني الله لا يسيئك يا عم رضوان."
تنهد رضوان وبحزن.
"هقولك مع إن اللي فات معدش له لازمة يا ابني. أنا وأبوك كنا أصحاب من زمان دخلنا كلية واحدة، في جامعة المنصورة، أول يوم دخلنا الجامعة أبوك وقعت عينه على بنت سبحان الله جميلة، فوق ما تتخيل، ومع الأيام حبها وحبته، في الوقت ده أمك كانت بنت عمه، وزي ما تقول زي عادة الفلاحين البت لابن عمها، أبوك اعترض وحصلت مشاكل، وانطرد من البيت، البنت دي كان ليها، قرايب هنا في المنصورة، هي أصلاً مكنتش من المنصورة نفسها، بس كانت على قد حالها. أمك متعرفش عرفت منين، بيها، المهم، أبوك كان متهور شوية لما عرف إن البنت هنا عند قرايبها، مستناش جري عشان يشوفها، وأمك مكدبتش خبر والخبر انتشر، وطلعت البنت بفضيحة من البلد، وقالت إنها استغفر الله العظيم، كانوا مع بعض، أبوها طبعاً كان هيقتلها، ومنعها تكمل تعليمها وجدك الله لا يرحمه أمر أبوك إنه يجوز أمك وضيق عليه الخناق، انقطعت أخبار البنت عن أبوك، دور في كل حتة، هنا وهنا، بس اختفت. فجأة ظهرت بعد سنين وجت تسكن في البلد، وعرفنا إن ابن عمها كان بيحبها هي كمان، واتجوزها عشان يمنع أذى أبوها من إنه يقتلها."
أحمد بدهشة.
"الست دي أم فريدة؟"
ابتسم رضوان بسخرية.
"صح. أم فريدة اللي انت وأمك جنيتو عليها. وعملت في بنتها نفس اللي عملته أمك زمان، وكنت حارمها تكمل تعليمها، بس أم فريدة بقى لقت اللي أبوك معرفش يلاقيه، حب أبو فريدة ليها، واحتواؤه ليها، صحيح راجل بسيط وعلى قد حاله، بس كان بالنسبة لها الدنيا وما فيها. أما أبوك عاش طول عمره ندمان، حتى لما جوزك فريدة، كان فاكر إنك هتحبها وتحافظ عليها، وتعوض اللي حصل لأمها بسببه، بس للأسف كان كل يوم بيحس بالذنب أكتر، وانت بتتفنن في عذاب فريدة، كان دايماً يجي يقول لي بلمح في عين شريفة نظرة خيبة، فيا وفي ولادي."
أحمد بحزن.
"للدرجة دي بابا كان بيتعذب."
راضي بحزن.
"أبوك كان جبل، مفيش أقسى عالراجل العاشق إن يشوف حبيبته مبسوطة وسعيدة مع غيره، حتى لو كان الراجل ده ميملكش حتى قوت يومه. شريفة اتخطت أبوك ونسيته، وهو فضل واقف مكانه. متحمل قرف وجبروت أمك."
تنهد بحزن وخرج شارداً، حزيناً، على نفسه وعلى والده. وفي كل مرة، يتأكد بأن أمه شيطانة تمشي على قدمين.
***
"انتي غبية يا بت، في حد يعمل كدا في نفسه. الله بقى يا فريدة، اللي حصل، أهو كلني قلم، كسر خدي."
فريدة بصدمة.
"تستاهلي والله. وفين الزفت التاني، اللي من ساعة ما جينا ومش عارفة أتلم عليه."
"معرفش كان بره مع صحابه."
ضحكت فريدة بتعب.
"والله مجانين، بقي في حد يسمي أخوه عالتليفون فادي؟ لأ والله انتوا متخلفين رسمي."
سلمى.
"يووه يا فريدة بقى، قلت لك هو اللي قالي سميني فادي عالتليفون. أنا زودتها بقى وحبيت أغظه وأقوله دا البوي فريند بتاعي، وأخوكي الأهبل ظاظا في الرسايل، لأ وبيتكلم بدوي بضمير."
نظرت لها بصدمة.
"سلمى انتي بجد تستاهلي اللي جرى لك. قلت لك ميت مرة فهد بيحبك وانتي بتحبيه، عيشي حياتك وانسيني أنا، متفكريش فيا. أنا مش هبقى مبسوطة وأنا شايفة حياتك بتهديها عشان انتقام ملوش معنى. وأظن دي كانت وصية ماما، منفكرش في الانتقام. فبلاش تخسري فهد بجنانك ده."
سلمى، بغيظ.
"بس أنا مبحبوش."
فريدة.
"بتحبيه متكدبيش، أومال وشك قلب ليه وعمالة رايحة جاية من ساعة مشوفتيه مع سمر."
سلمى.
"العمر اللي بيروح منه مبيرجعش، فهد غلط لما سخر منك، وأذى مشاعرك، بس هو كان معذور أي حد يعيش مع شياطين الإنس دول، لازم ينقلب حاله. ده إحنا بقالنا يومين، وجرالنا كل ده. ما بالك بقى هما، وخصوصاً أبوه سويلم ده، شخص مش مريح، بحسه مش سوي ووراه مصيبة."
سلمى بحزن.
"طب أعمل إيه دلوقتي أنا بحبه ومش عايزاه يزعل مني. وكمان عايزة أخاصمه عشان ضربني."
نظرت لها وكأنها براسين. وهزت رأسها بتعب.
"اليوم ده مش عايز يخلص ليه. أنا هنام هنا، مش هطلع فوق، قومي روحي لجوزك يا سلمى، وصالحيه."
سلمى.
"طب وانتي، هتسبيهولها كدا؟ مش دا كيان؟ حب حياتك."
تنهدت بحزن.
"نصيبنا يا سلمى إحنا مش لبعض، هبقى أنانية لو دخلت حرب وأنا عارفة إني هكسب فيها على حساب طفل صغير لسه ميعرفلوش رب، كيان مسؤول عن عيلة وطفل. بلاش أحرمه منهم، فراق الأب وحش أوي، وأنا مجرباه، مش عايزة حد يدوقه. ميغركيش إن سليم وسيليا بيلعبوا وبيتطنطنوا كدا، لاء، مع أول فرصة بيفتكر سليم فيها أبوه، بيسألني عن أحمد. ببقى مش عارفة أقوله إيه؟ بلاش أحرم ابن كيان من أبوه. أنا هنا عشان مهمة معينة أخلصها، وكل واحد يروح لحاله. أنا أرض البدو وحشتني، كل حاجة هناك وحشتني، هناك حياة حلوة وناس طيبة، هستقر هناك، أنا والولاد."
دخل محمد مسرعاً بعدما استمع لكلامها.
"آه والنبي يا فريدة، هناك وحشني أوي، أنا كمان هاجي معاكي."
سلمى بغيظ.
"شرفت يا سي فادي."
محمد، بفخر.
"أيوه يا ست سلمى."
نظرت لهم فريدة بغيظ منهم.
"مجانين والله."
محمد.
"طيب يلا كل واحدة على أوضتها، قاعدين هنا ليه، عايز أنخمد، يلا قوموا."
فريدة.
"أنا هنام هنا."
سلمى.
"وانا..."
محمد.
"دا إيه دا، مين كسر دراعك كدا يا فريدة."
فريدة.
"لسه فاكر، وقعت من عالسلم، أوعى بقى خليني أنام."
محمد.
"لأ استنوا هحكيلكو حاجة ضروري."
سلمى وفريدة.
"قول."
محمد.
"إيه رأيكو مادام انتوا ماشاء الله اتجوزتوا ومتجوزتوش، قاعدين في أربيزي يعني؟ نلم كلنا ونفتح بيت بابا. هناك أحسن وخصوصاً بعد ما جدي هدّه وبناه من جديد. بقي أحسن من الأول."
فريدة.
"والله فكرة. أنا كمان، كنت هقولكو كدا."
سلمى.
"طب وفهد مش هيرضى."
محمد.
"وإحنا مالنا بيكي، اسأليه الأول."
فريدة.
"الصبح هكلم جدي. ونشوف."
محمد.
"قشطة. كفك. كفك يا خويا. كفك يا أختي."
***
يجلس على الأريكة بمكتبهم بالدور الذي خصصه لهم الجد. غير له فهد على جرحه.
فهد.
"مالك يا كيان سرحان في إيه؟"
كيان.
"فهد في حاجة غريبة بتحصل هنا. أنا شاكك من زمان، بس دلوقتي اتأكدت."
فهد.
"بانتباه. في إيه يا كيان."
كيان.
"اقفل الباب دا وتعالى مش عايز حد يسمعنا."
بعد دقائق.
"كيان انت متأكد من اللي بتقوله ده؟ الكلام ده خطير."
كيان.
"مش متأكد، أنا واثق. اعمل بس اللي قلتلك عليه. في حاجة بتدور هنا، ولازم نعرفها، لازم نعرف مين قتل عمك مراد وعمتك نادية. في حاجة مش طبيعية بتحصل."
فهد.
"عندك حق، اعتبر اللي انت عايزه حصل."
كيان.
"فهد اوعى تتكلم مع أي حد في الموضوع ده، فاهمني، عايزة في سرية تامة. انت مهندس وده شغلتك مش صعبة يعني."
فهد بتأكيد.
"متقلقش يا كيان."
***
لمحت زينب جمعتهم من خلف باب غرفة محمد. ابتسمت بفرحة لرؤياهم، ذكرتها بجمعتها مع مراد ونادية. سالت دموعها وهي تشبع عينها منهم. كان أخوها يحلم ليلاً نهاراً، بكيف سيكون شكل ابنته الغائبة. دموع عيونها سالت على خديها، خائفة عليها وبشدة، خصوصاً وهي تعلم أن هناك شياطين هنا تتربص بها.
"آه يا ياخوي لو طال عمرك وشفت بتك، حلوة كيف الجمر، وآه يا نادية على حرجة جلبك، منهم لله اللي كانوا السبب."
مسحت دموعها وخطت خطواتها تجاه الغرفة. لمحتها فريدة وابتسمت لها بحنين.
"سلمى، تعالي يا عمتي. تعالي شوفي ابنك عمل فيا إيه."
ابتسمت وابتلعت غصتها واقتربت تشاركهم جمعتهم. بعد دقائق حكت لها سلمى ما حدث. نظرت لها عمتها بصدمة.
"واه يا مخبلة انتي، حد يجول ويعمل اجده، والله جليل كف عليكي، إني لو مكانه كنت كالتك ميت كف."
يقف يتسمع على حديثها مع أمه، صدم مما يسمعه.
"آه يا بت المجنونة، فادي يبقى محمد، ماشي يا سلمى إن موريتك."
استدار لكي يصعد، فاصطدم به كيان.
"مالك يا ابني، مش طايق نفسك ليه."
فهد.
"سيبني الله يستر أحسن على أخرى. أوعى."
نظر له كيان بصدمة، واستمع لضحكاتهم الآتية من غرفة محمد. وقف بجانب الباب ناظراً لهم ولأمه وسطهم. ذكرته بعمته، كانت تجلس نفس الجلسة معهم. أغمض عينيه بحنين لها.
رفعت عينها ووجدته واقفاً ينظر لهم.
"وااه، مالك يا جل أمك. تعالي يا ولدي. فووت."
دخل وجلس بجانبها هي، وأمه تحكي لهم حكايات وقصص من عمر فات. يستمعان لها بلهفة. لمح شرودها، كانت تتكأ بجسدها على الحائط. غرفة محمد جميع فراشها أرضاً كما يحبه هو. وسائد على الأرض كالمجلس العربي، وفراشه يجاورها. فكرها بمكان آخر. استغل شرودها، وقدمها المربعة. ووضع رأسه على قدمها.
شهقت بكسوف.
"كيان انت بتعمل إيه؟"
سمعتها زينب وابتسمت بخبث.
"واه يا بتي مشي يدك على راسه، هو بيحب كده."
صدمت وابتلعت ريقها بخجل، فامسك يدها ووضعها بشعره. نظرت لوجهه العابس فغمز لها.
"زينب، طول عمره أجدّه، كانت أمك تفضل طول الليل تمسد على شعره أجده لحد ما يروح في النوم."
كيان، بلهجة صعيدي.
"جوليلها يا أمه، جاسية انتي يا فريدة."
رددت بخجل.
"كيان، اتلم."
علت ضحكاتهم وضربت زينب سلمى بكوعها.
"وانتي يا خايبة يانايبة، جومي لجوزك مش كفاية كده."
سلمى وهي تتحسس موضع كفه.
"ها، لاء أنا هنام هنا."
فتحت فمها لتوبخها، ولكنها صمتت وهي تستمع لصراخ ولدها عليها.
"سلمـــــــــــي."
سلمى بخوف.
"يا غمك يا سلمى، الحقيني يا عمتي."
زينب.
"واني مالي، تستاهلي. جومي فزي."
نظرت لأخيها الراحل في نوم عميق ويصدر أصواته. لا فايدة منه. انتقلت بنظرها لفريدة، وجدتها هائمة مع كيان يتبادلان نظرات عاشقة، ويديها تمسد على شعره كطفل ضائع. يسرقان لحظات من الزمن معاً. وكأنها آخر لحظاتهم معاً. عبست بشفتيها فضربتها عمتها على رأسها.
"جومي يا هبلة متبقيش عزول. جومي لجوزك، وحاوطيه، لغيرك تاخده منك، وبدل ما يبقى اتنين متعوسين، يبقوا أربعة. جومي."
***
نظرت لهم بعدما صعدت سلمى، ودعت لهم بصلاح الحال. تيقنت أن تلك فريدة هي تلك من حكى لها عنها ابنها ذات يوم. هناك شيء مستتر بينهم. ابنها المبتسم بسعادة منذ رآها، سعادته تشرح قلبها. تسللت. بهدوء وأغلقت الباب خلفها.
انتبه ليدها التي توقفت على شعره.
نادته بهمس.
"فريدة."
ردت همسه.
"ممممم."
"أنا مقبرتلهاش غير مرة واحدة، اتخيلتها انتي، معرفش إيه اللي حصل بس كنت برد اسمك انتي."
وضعت يدها على فمه تصمته.
"شششكيان اسكت، مش عايزة أعرف، أرجوك."
استقام جالساً.
"مش هسكت. من حقي أعرف، إيه اللي حصل، ليه سبتيني كده، ليه اتجوزتي غيري، ليه يا فريدة."
ردت بلوعة.
"اسكت، يا كيان اسكت."
لم يصمت.
"انتي كنتي تعرفي أنا مين، صح. قولي الحقيقة ريحيني."
نظرت له بحزن.
"عايز تعرف إيه؟ آه كنت عارفة. وآه هربت منك عشان كده. ارتحت."
كيان بجنون وهو يحاول كبت غضبه.
"ازاي فهميني، ازاااي؟"
سكتت وسكت هو. نظر لها بوجع، وسالت دموعها.
"لم يستطع."
"خلاص متعيطيش."
مسح دموعها بيده.
"طب اوعديني، إنك تحكي لي."
رفعت نظرها له.
"أوعدك. وقت ما أحس إن عايزة أحكي، هحكيلك."
ابتسم بحزن، وهو يمني نفسه بقرب الحديث.
"طب إيه."
نظرت له باستفسار.
"إيه؟ مش هنام، أنا تعبان وعايز أنام."
فريدة بغيظ.
"اطلع لمراتك."
رفع حاجبه بغيظ وجذبها جبراً لاحضانه.
"واطلع ليه، ما انتي أهو."
شهقت بخضة وهو يحاوط خصرها بيده.
"كيان."
فريدة.
"نامي وسيبني أنام، بقالي سنين مشبعتش نوم."
ابتسمت بحزن عليه، وهمست.
"مجنون."
ردت همسها بشفتيه التي تعلقت بخاصتها وهو يدير وجهها له بيده.
"بيكيمجنون بيكي يا وجعـــــي."
♥
***
طالت سهرتهم هنا مع أهلها. مال عليها. يهمس بأذنها.
"مش يلا بقى ياياسمينة، نروح، ولا ناوية تباتي هنا، وتسيبيني، الوقت اتأخر."
أجابته بهمس.
"لأ طبعاً، يلا، انت أساساً وحشتني أوي."
ابتسم لها بشوق.
"متلعبيش بالنار ياياسمينة."
ضحكت عليه.
"الله وأنا مالي يا لمبي."
بعد دقائق، استأذنوا منهم ورحلا. وضع يده على كتفها، يقربها لاحضانه. لا أحد هنا، وسط حارة ضيقة، والجميع نيام. همس بأذنه.
"مبسوطة يا أحلى ياسمينة."
لفت ذراعها حول خصره، واقتربت قبلت صدره. بسعادة.
"أوي أوي. ربنا يخليك ليا. يابودي."
جز على أسنانه وهمس لها.
"يامجنونة في الشارع كده. قولتلك متلعبيش بالنار ياصغننة. عشان متهورش وأبوسك في الشارع. وبعدين إيه بودي ده."
ضحكت ولمعت عيناها بسعادة.
"بودي دلع عابد، بودي وياسمينة."
لم يلمحا ذلك الذي ينظر لهم بغيظ، وحسرة منذ خرجا من شقتهم، وهو يتبعهم. انتظر وانتظر وأخيراً هما هنا أمامه. اقتربا من سيارته المصفوفة على رأس الشارع. ليقلاها لشقتهم البعيدة نوعاً ما.
أخرج عصام سلاحه، وصوبه عليه، باتجاه صدره، تملكه شياطينه، ليخلص منه. وتبقى له هو، بعده لن يبقى لها غيره.
هتدي تفكيره لهذا، لمحته هي، وجحظت عيناها بصدمة وهي تراه يصوب عليه هو. انتهى كل شيء بلحظة، وفي لحظة كان يصرخ عليها.
"اااااا، يااااسميـــــــــــــن..."
رواية رحماكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم أسما السيد
صرخ بعلو صوته عليها وهي تقف أمامه تفديه:
"ياسمين.. ابعدي ياياسمين، ليه ياياسمين؟ ابعدي انتي بتاعتي أنا."
انهمرت دموعها وهي تقف تفديه بروحها:
"لا اقتلني أنااا. اقتلني أنا ياعصام."
أزاحها عابد من أمامه بحده:
"اوعي ياياسمين، شيفاني مش راجل قدامك؟ هخاف منه؟ ابعدي دا تاري، وأنا اللي هخلص عليه بإيدي. ابعدي."
انهارت وهرولت خلفه واحتضنته بقوه كطفلة ضائعة. تركها والدها:
"لا ياعابد، أرجوك متسبنيش. عابد لا.. مش هسمحلك تأذي نفسك، عشان واحد وسخ زي دا. أرجوك.. أرجوك وحياتي عندك متخليهوش يستفزك، متسبنيش ياعابد."
اشتعلت عين الواقف، العاشق بجنون، وصرخ عليه بجنون:
"هقتلك ياعابد، انت خدت مني كل حاجة حلوة اتمنيتها. أنا متمنتش غير ياسمين، هقتلك وأخدها ليا. بعد موتك، هتجوزها."
حاول إبعادها ولم يستطع، تكبله بذراعيها. صرخ بها:
"ابعدي ياياسمين، ابعدي."
هزت رأسها بخوف:
"لا، اقتلني أنا ياعصام، اقتلني أرجوك بس متأذنيش فيه."
صرخ بها عابد:
"ياسمين اخرسي، اخرسي ياياسمين."
وجه كلماته بغل له:
"واجهني راجل لراجل ياجبان، متقفش تستخبي ورا حتة حديدة."
كان يترنح شمالا ويمينا من أثر تعاطيه المخدرات، لم يعِ مايقوله:
"أنا راجل منك ياعابد، أنا خدتها قبلك، أنا علمت عليك."
صرخ به عابد وهو يزيحها بعنف أكبر:
"اخرس ياوسخ، اخرس."
هرول باتجاهه وفي نيته أن ينهيه بيديه. اقتربت منه وانحنت تمسك قدميه تعركل حركته، تمنعه. لن تسمح له أن يتركها وحيدة، لا أهل لها ولا سند من بعده.
"مش هسيبك أبدا."
غصبا عنه رق قلبه لها وجز على أسنانه:
"اوعي ياياسمين. اوعي ياقلب عابد، متعمليش كدا."
هزت رأسها برفض. وفي لحظة كان صوت الرصاص يشق سكون الليل. صرخ بها بخوف عليها:
"ياسمين."
كان يمشي هائما، بلا وجهه ولا مكان ليذهب إليه، ولا صدراً حنوناً ليرمي حموله بين ذراعيه. استمع لصراخ آتٍ بالقرب من مكان سيرها. اقترب وهو يكذب أذنيه:
"هذا صوت أخيه."
وقف بعيداً ينظر لما يحدث بذهول وهو يرى مايحدث.
"ماذا بين عصام وأخيه؟"
ليقفا هكذا أمام بعضهما. لمح عصام يهلوس بتلك الخرافات، ابتلع ريقه بصدمة وهو يجمع الخيوط برأسه. توسلات ياسمين ورجاءاته. لمح ذلك المترنح يعمر سلاحه ليطلق النار على أخيه. لم ينتظر. انطلق ممسكاً بذراع عصام، وانطلقت الرصاصة في الهواء بدلاً منه.
صرخ أحمد به:
"بترفع سلاحك على أخويه ياوسخ."
تأكد عابد من أنها بخير، أزاحها بحده بعدما تلقفها بأحضانة من الأرض:
"اوعي بقي."
واقترب يشارك أخيه. كال له أحمد لكمات لا حصر لها وهو فقط مستقبل بلا حراك، لا طاقة لديه. اقترب عابد وخطفه من يد أخيه:
"اوعي ياأحمد، التار دا تاري، وأنا اللي هخلص عليه."
أصبح كالجثة بيديهم من شدة اللكمات. لمحت ذلك السلاح واقعاً على الأرض، نفس السلاح الذي كان يهددهم بها. اقتربت وحملته بيدها، وبشجاعة أخذته ورفعته مصوبة عليه. لمحها هو من بين دورانه وهمس:
"عاوزة تقتليني ياياسمين؟"
انتبهوا عليها وتركه عابد مسرعاً:
"ياسمين، سيبي البتاع دا من إيدك. بتعملي إيه؟ أنتي اتجننتي."
انهمرت دموعها خزياً، قهراً، ظلماً:
"التار مش تار حد فيكم، دا تاري أنا، أنا اللي سرق روحي وحطمها."
اقترب عابد منها بهدوء:
"ياسمين ياحبيبة عابد، سيبي المسدس من إيدك، عشان خاطري. عاوزة تسيبيني بعد ما لقيتك؟ أهون عليكي ياياسمينة."
هزت رأسها بلا:
"لا، متهونش. بس أنا بضحك وفي قلبي وجع محدش عارفه. سيبني ياعابد، يمكن ناري تبرد."
فتح عينيه بصعوبة وأحمد مازال ممسكاً به يكتفه:
"سيبها تقتلني. اقتليني ياياسمين، الموت على إيديكي هيبقي أرحم حاجة ليا، أنا بعدك عايش ميت. يلا ياقلب عصام اقتليني."
لاحظ ارتعاش يدها، وفي لحظة كان خطفه منها وارتدت الطلقة واحتضنته هو. صرخت صرخة شقت حنجرتها ودماؤه أغرقت كفها:
"عاااابد."
شدد من احتضانها وهمس بتعب:
"متخفيش، أنا كويس يا أحلى حاجة حصلت لعابد. بحبك ياياسمينة، بحبك. عرفت إن أول مرة حب، لا قبلك يُحسب عليا ولا هيبقي بعدك حد يملي عنيا."
أغمض عينيه برضا، مستسلماً لغيومته التي تسحبه. صرخت باسمه:
"عابــــــــد."
صرخ اجتمع عليها الجميع.
***
صعدت الدرج، قدماها تخبط في بعضهما من التوتر والخوف. اقتربت من الغرفة وأخذت نفساً، شجعت به نفسها. ودخلت، وجدته يجلس واضعاً قدماً فوق الأخرى بسماجة، ينظر لها. خلع ثيابه وبقي بتيشيرت وشورت قصير. بلعت ريقها ورمقته بغيظ:
"خير، بتنادي ليه؟"
"ياسي فهد."
رفع حاجبه ونظر في ساعته:
"كنتي فين ياهانم لدلوقتي؟ أنا مش سايبك في الأوضة."
توترت:
"ها، كنت مع فريدة ومحمد. اخلص يافهد عاوز إيه؟"
ابتلع ضحكاته عليها وعلى توترها وأكمل بما جعلها تنظر له وكأنه برأسين:
"بس انهارده المفروض ليلة دخلتنا. أنا سيبتك امبارح ترتاحي ونفذت وعد جدك، يبقى المفروض انهاردا إيه بقي؟"
جحظت عيناها وتشنج جسدها وهي تردد خلفه:
"إيه بقي؟"
اقترب منها وبلا مبالاة أكمل:
"يبقى انهارده ليلة دخلتنا، ياسلومة."
بذهول، ردت:
"نعم. دخلت إيه وخارجة إيه؟ أنا مبطيقكش، مبحبكش. البعيد مبيفهمش."
جز على أسنانه، كان سيهدها فقط. إذن ليربيها الآن. صرخ بها:
"سلمي."
"عشر دقايق تخشي تلبسي أسدال وتتوضي وتيجي علشان نصلي سوا، وإلا؟"
هزت رأسها بالرفض خوفاً منه:
"ولا إلا، ولا بتاع. هروح في ثانية أهو."
وركت مسرعة من أمامه وخرجت ضحكاته المجلجلة عليها:
"جبانة."
انتهى من الصلاة بها وقرأ عليها دعاء الزواج. ارتعدت هي وهي تظن أن لا مفر. قامت مسرعة بخوف:
"أنا عاوزة أنام. تصبح على خير."
نامت بأسدالها. رفع حاجبه بدهشة وخلع جلبابه واستلقى بجانبها:
"نامي يختي، نامي."
فتحت عينها بدهشة:
"بجد.؟"
استدار لوجهها وبخبث سألها:
"هو إيه اللي بجد..؟ هو إنتي كنتي عاوزة حاجة ولا إيه؟"
"سلمي."
"لا ولا حاجة."
عبست بشفتيها بعدما تذكرت ضربه لها. رفع حاجبه وسألها بشماتة:
"هي الهانم مبوزة ليه؟ تكونشي زعلانة ولا حاجة.؟"
جزت على أسنانها ومدت يدها تتحسس مكان ضربه لها وردت بغل:
"أبدأ."
مد يده يتحسس خدها وسألها بهمس:
"بتوجعك.؟"
نظرت له بحدة:
"يعني مش شايف صوابعك اللي تنقطع معلمة على خدي إزاي..؟"
رد عليها بصدمة:
"بتدعي عليا ياسلمي..؟ طب انخمدي بقي. كنت هصالحك، بس تستاهلي."
صدمت وجحظت عيناها:
"هااهتصالحني؟ لا والنبي صالحني وقولي أنا آسف وأنا هصالحك علطول."
اقتربت تتمسح به. أزاحها بعيداً عنه:
"ابعدي ياسلمي، يابتاع فادي إنتي. ابقي خلي فادي ينفعك."
"ال فادي ال.."
ابتلعت ريقها ووضعت الوسادة على رأسها ونامت حزينة، مقهورة، تتوعده.
***
صباحاً، استيقظ الجميع على صوت المزمار والطبل والطلقات النارية.
"أفاقت سمر بخضتها."
"دا، إيه اللي بيحصل هنا دا؟"
فتحت زينب الأنوار عليها مبتسمة بسعادة:
"ياصباح الهنا والسعادة على أحلى عروسة. النهاردة ليلتك، قومي ياقلب عمتك لسه قدامنا حاجات كتير نعملها."
رددت:
"عروسة، عروسة إيه ياعمتي؟"
ضحكت زينب وهي تخبرها:
"اليوم فرحك، ماهو بسبب النصيبة اللي سويتها امبارح جدك أمر الليلة يكون ليلتك، دخلتك ياحزينة. جومي، جومي عشان نفطر كلنا سوا، إنتي خابرة جدك لازم الكل يكون على الفطار."
لطمت خديها وهي تتذكر ما قاله لها فهد. إذن، تلك هي المفاجأة. انتبهت لصوت الرسالة القادمة من هاتفها. فتحتها مسرعة وجحظت عيناها وهي تقرأ ما بعثه لها:
"(صباح الخير يابت عمي، يا عروستي. أتمنى تكون مفاجأتي عجبتك. الليلة ليلتك ياعروسة، مع خالص تمنياتي ليكي بالفرحة. اقفلي بقك ده، إمضاء، جبل التلج)."
وضعت يدها على فمها المفتوح ببلاهة:
"منين علم؟"
نظرت للرسالة بقهر ورمت هاتفها على الفراش ودفنت رأسها بالوسادة تصرخ بحزن وقهر:
"آه ياجبل التلج كويس إنك عارف نفسك، وآه مفاجأة منيلة بنيلة."
استمعت لضرب النار وولولت أكثر:
"منك لله ياراضي."
"منكو لل.."
دخلت سلوي عليها تنظر لها ولما تفعله:
"مالك ياسمر، فيكي إيه؟"
رمقتها سمر بغل وآثرت الصمت. أسعد شيء بالأمر بالنسبة لها هو خروجها من بيت العقارب كما أخبرها فهد. تركتها ودخلت للمرحاض ولم تعرها اهتماماً. دخلت والدتهم ترى ما يحدث:
"وجفه أكده ليه هنا، ياسلوي؟"
"أبدا ياماما، كنت بشوف سمر."
خرجت لهم بعد دقائق ورمقتهم بكرة ولفت حجابها بعشوائية.
"سحر، واه يابتي مالك أكده؟ لا سلام ولا كلام."
صرخت بهم:
"من النهارده ملكوش صلة بيا فاهمين؟ إنتو اتخليتو عني وكل واحدة شافت مصلحتها، يبقى من دلوقتي، مش عاوزة حد منكم يدخل في حياتي، وإلا إنتو عارفين أنا ممكن أعمل إيه."
ضربتها سحر قلماً بقوة على خدها:
"اخرسي جبر يلمك."
اقتربت ومسكت شعرها:
"بتهدديني ياخايبة؟ يانايبة؟ بس اسمعي، يوم ما تفكري تفتحي بوجك بكلمة إنتي خابرة، هعمل فيكي إيه، إني بيدي هسلمك لسعدية وسويلم يخلصوا عليكي، وساعتها لا راضي ولا غيره هيقدر يلحجكك مني."
دفعته بحده، وقعت على الفراش. اقتربت سلوي منها:
"بعثرت شعرها الذي سقط عنه الحجاب."
"متلعبيش بالنار ياشاطرة احسن تنحرقي بيها."
تركوها وجلست هي تبكي بحزن على حالها. استمعت هي لبكائها وهي تمر لتدخل غرفتها، بعدما فاقت على صوت المزمار ووجدت نفسها بين أحضانه. اقتربت أكثر تستمع لصوت البكاء. فتحت الباب الموارب قليلاً ووجدتها بتلك الحال. رق قلبها لها ودخلت بهدوء إلى أن جلست بجانبها. مدت يدها السليمة تمسد شعرها بحنية. انصدمت سمر ورفعت رأسها هامسة:
"إنتي..؟"
"فريدة."
بهدوء:
"آسفة، سمعت صوتك بتعيطي، مقدرتش أمنع نفسي إني أدخل. ممكن أعرف بتعيطي ليه..؟"
عبست بشفتيها وهي تنظر للباب المفتوح، غصباً عنها خافت أن يستمع لها أحد. فهمت عليها فريدة واستقامت وأغلقت الباب خلفها:
"وباغتتها بالكلام. مالك بقي، مغصوبة عالجواز، صح..؟"
سكتت سمر وأومأت برأسها وقالت لها:
"على فكرة أنا مبكرهكيش ولا كنت بكره سلمي."
ابتسمت فريدة بهدوء وأجابتها:
"عارفة."
رفعت رأسها بصدمة لها:
"بجد.؟"
أومأت فريدة لها بهدوء:
"آه عارفة. أنا عندي قدرة أفهم اللي قدامي كويس وعارفة إنك مش بتكرهينا، بس إيه سبب تصرفاتك؟ الله أعلم."
نكست سمر رأسها بحزن وصمتت. ابتسمت فريدة بحزن على صمتها وخوفها:
"أخرى ضائعة هنا، في أروقة الدوار كما يسمونه."
"طب خلاص، متزعليش. انهارده المفروض يومك ياعروسة."
ردت بهجوم:
"متقوليش عروسة ديالهي وإنت جاهي تلهفك عرسه ياراضي."
جحظت عين فريدة مما تسمعه. نظرت لها سمر ببراءة:
"ماتستغربيش، هو كدا، دعيت وخلاص."
ضحكت عليها فريدة:
"مجنونة، والله."
صمتت سمر تنظر لها وفي جعبتها شيء يؤرقها، لربما لم يلتقيا يوماً. نظرت لها فريدة تقرأ ما بين عينيها:
"عاوزة تقولي إيه ياسمر..؟"
تنهدت واستجمعت نفسها:
"أنا مديونة لك باعتذار يافريدة، أتمنى يكون صدرك واسع وتقبليه."
"اعتذار إيه، وعلي إيه..؟"
تلجلجت وقالت:
"أنا اللي ساعدت سلوي، وخططت معاها إنها تبعدك عن كيان. أنا كنت فاكرة إنها بتحبه بجد، وكأي واحدة كانت اختي صعبانة عليا، ساعتها بكل قوتي ساعتها. لحد ما فوجئت من كام يوم إن كل اللي عملته كان ولا حاجة، وإن اختي نسخة تانية من أمي وستي. أنا آسفة يافريدة، لولا مساعدتي كان زمانك في حضن كيان من زمان."
ابتسمت لها ولصراحتها بهدوء واستقامت لترحل. وفي طريقها للخروج:
"متتأسفيش، اللي حصل ليا ولكيان مقدر ومكتوب. اختك كانت سبب بس، وإنتي ملكيش دخل فيه، سواء كنتي ساعدتيها ولا لا. أكيد كانت هتفرق بينا. وفي الحالتين، هتكسب."
تنهدت وهي تمسك باب الغرفة بيدها لتخرج. وقفت واستدارت لها:
"بس نصيحة من واحدة قاسيت كتير، وشافت أكتر. لو راضي بيحبك بجد، اتمسكي بيه. المكانة الاجتماعية، والفلوس، والتعليم مش كل حاجة، أهم حاجة إنك تبصي في عينه وتلاقي عينه مش شايفة غيرك. أقصى طموحه زي ما بيقولوا. امبارح قلتي على راضي فلاح، إيه اللي يعيب الفلاح؟ هدومه، لهجته كلها حاجات تافهة، ملهاش قيمة. أنا عشت مع أمي كانت متعلمة، وأبويا كان راجل بسيط، بس كانت دايماً تقولي، أبوكي بريحة عرقه وشقاه وتعبُه، حضنه عندي بالدنيا وما فيها. المتعلمين واللي معاهم شهادات معرفوش يحبوني زي ما هو حبني. إنتي حاسة إنك مجبورة، بس الصراحة أنا شايفه في عنيكي فرحة مستخبية، مش عارفة إن كان تخميني صح أو غلط، بس إنتي جواكي حاجة مستخبية، وأنا واثقة إنها هتظهر قريب."
تركتها وخرجت. تركتها لشرودها. رفعت هاتفها وعبثت به قليلاً إلا أن أوقفته على صورته، تلك الصورة التي التقطتها له خفية بفرحة منذ سنوات. لا تعلم لما التقطتها ولما احتفظت بها كل تلك السنوات. همست بذهول:
"مش معقول. معقول يكون في حاجة هنا ليك، وأنا زي الهبلة مش عارفة؟ بس برضو بارد، وأنا وانت والزمن طويل."
***
على مائدتهم المعتادة يجلسون جميعاً أرضاً أمامهم منضدة منخفضة طويلة (الطبلية) مستطيلة.
"الجد، باااه وينهم فريدة وكيان؟"
"ردت سلوي بغيظ: أكيد فوق، ماهو بايت في حضنها من امبارح."
"الجد، كيف ده؟ إني جيله يعدل بيناتكم."
"أخرستها زينب: كيان كان بايت مع محمد ياعمي، لا بات اهنه ولا اهنه."
نظر الجد لمحمد الذي يجلس يلعب بهاتفه:
"صح يامحمد؟"
"محمد: أيوه ياجدي، صحيت الصبح لقيته جاريني."
نظرت لهم سلوي بغيظ بعدما أهمل الجد حديثها.
"الجد، وينها جلابة المصايب بتك ياسحر؟"
"سحر بربكة: نازلة يابوي أهها."
اقتربت سمر بغيظ بعدما استمعت لحديث جدها، رمت السلام وجلست أرضاً بجانب فهد الشارد بتلك التي تجلس بصمت قاتل بجانبه. صمتها يقلقه.
"الجد، بتريقة: أهلاً أهلاً بعروستنا."
جزت على أسنانها بغيظ وردت:
"أهلاً بيك ياجدي."
"الجد، أتمنى مفاجأتنا تكون عجبتك يابت بتي."
"سمر بغيظ: طبعاً أحلى مفاجأة دي ياجدي."
"الجد، عال عال، ربنا يهديكي وتريحينا من جنانك، وراضي يجدر عليكي."
اقتربت سمر من فهد بغيظ:
"هو جدك ماله فرحان إن هتجوز كدا ليه؟ هو أنا عالة عليكو أوي كده؟"
رد فهد عليها همساً:
"بصراحة هنرتاح واوي كمان، دانتي حملة، الله يكون في عونه راضي."
"قلبي عنده."
همست بغل:
"مابلاش إنت يانحنوح."
لاحط همسهم ومدت يدها خلسة من الخلف وقرصت ظهره. صرخ بوجع وجحظت عيناه وهي ترمقه بتلاعب:
"مالك يافهد، فيك إيه ياحبيبي؟"
ابتلع ريقه وجز على أسنانه:
"ولا حاجة، ظهري طرقع بس."
بعدما رمقه جده بحده أن يعتدل. اقتربت منه وهمست:
"احترم بقي نفسك، عشان مسودش عيشتك، وخلي جدك يربيك."
***
لم تستطع ارتداء ثيابها، حاولت خلع تلك العباءة التي ترتديها ولم تستطع. صرخت بوجع:
"مازال ذراعها يؤلمها."
استمع لصرختها من داخل المرحاض، خرج مسرعاً:
"مالك يافريدة، في إيه؟"
صدمت وجحظت عيناها وأدارت وجهها بخجل:
"مفيش ياكيان، ناديلي على سلمي لو سمحت."
نظر لما يرتديه، كان سروالاً فقط. ابتسم واقترب منها وجلس أمامها وكأن شيئاً لم يكن:
"عاوزة إيه من سلمي..؟"
لاحظ ما كانت تفعله، اقترب ليساعدها. صرخت معترضة:
"لالا، سلمي هتساعدني، نادي بس عليها."
جز على أسنانه بغيظ:
"فريدة اخلصي، إنتي مراتي وقسماً عظماً ماحد هيساعدك غيري."
جحظت عيناها ولاحظت قربه منها. شعره الذي يتساقط منه الماء أغرق وجهها. همست:
"طب ابعد، أنا هفطر الأول، وابقي أطلع أغير."
جز على أسنانه وهمس:
"فريدة، أنا لو عاوز آخد حقي منك وقتي، مش هتقدري تعترضي."
همست:
"نعما."
"اعتلاها مسرعاً. تحبي أثبتلك؟"
فزعت من أفعاله وهزت رأسها:
"صادق من غير إثبات. اوعي بقي."
ضحك عليها وعلى توترها وقبل خدها وأخذ بيدها وبهدوء استسلمت لمساعدته لها. انتهيا معاً ودق الباب عليهم يستدعونهم للإفطار. شابك يدها مع يده لينزلا الدرج. بأعلى الدرج وقفت ونظرت له بجلبابه الصعيدي، وابتسمت.
"لاحظ بسمتها الهادئة."
"بتضحكي على إيه؟"
"شكلك حلو في الجلابية."
ابتسم ابتسامة زادته وسامة:
"بس مش أحلى منك. العباية، زي ما أكون هاكل من عليكي حتة."
خجلت وسبقته مسرعة:
"هشوف الولاد."
حك رأسه بسعادة:
"لسه بتكسف، مجنونة."
جلس بجانب جده بمكانه المخصص ينتظرها. دخلت هي وبجانبها سليم وعلي يدها سيليا بعدما ذهبت للبحث عنهم. ألقت السلام عليهم ودخلت. اقتربت سلوي مسرعة وجلست بجانب كيان ورمقتها بغل.
"الجد، سلامة يدك يابتي، مش تخلي بالك."
"فريدة بغصة ابتلعتها سريعاً: حصل خير ياجدي."
جاءت لتجلس بجانب محمد، فصاح الجد عليها:
"لا تعالي جاري اهنه."
وأشار للجانب الآخر الذي يجاوره به سويلم. جز سويلم على أسنانه هامساً بسره:
"جبر يلمك."
"فريدة، سوري ياجدي هقعد هنا عشان أعرف آكل سيليا وسليم."
جلست بهدوء وسعادة رغم غصتها، تطعم أبناءها بيد واحدة. كان يرمقها طوال الوقت بحنان ممزوج بغيرة، وهي تطعم أبناءه. تمنى لو يعطيه بعضاً من حنانه. نظراته الفاضحة لها لاحظها الجميع.
"سلوي بغيظ."
"رمقت سعدية بغل إن تفعل شيئاً."
احمرت عين سعدية، وفي لحظة كان كوب الشاي الساخن يقع على فريدة يحرق قدميها. صرخت بألم. استقام مسرعاً يصرخ باسمها:
"فريده، مالك يافريده؟ انتي كويسة؟"
حملها مسرعاً صاعداً بها للأعلى. أدخلها للمرحاض مسرعاً وغسل موضع الحرق لها.
"فريده، إنتي كويسة؟"
أجابته بألم:
"آه كويسة، متقلقش."
اقتربت سلمي تدق الباب. فتح هو ووقف أمامها يسد الباب عليها:
"عاوزة أشوف اختي."
هز رأسه وأغلق مسرعاً بوجهه:
"أختك كويسة."
نظرت للباب بصدمة ورفعت يدها لتدق مرة أخرى. وجده يسحبها من يدها:
"إيه معندكيش دم؟ قالك كويسة. متبقيش زي العزول كدا، لا بترحمي ولا بتسيبي الرحمة تنزل."
جزت على أسنانها وضربت الأرض بقدمها وتركته وذهبت متمتمة بكلمات غير مفهومة. نظر لها بصدمة وهمس:
"مجنونة، وعاوزة تتربي."
***
مساءً، انتهى كل شيء سريعاً، وهي تجلس الآن بين النسوة بمنزله هو، ترمقها جدتها بغيظ وغل بين الحين والآخر، وكأنها سرقت منها شيئاً. تجلس فريدة بجانبها بسعادة ترتدي ثوباً مطرزاً جعلها كالأميرات. وبالجانب الآخر سلمي، وترمقها بين الحين والآخر بشماتة. وسلوي التي ترمق فريدة بغيظ وغل من جمالها وزينتها وحليها التي ألبسها إياها كيان جبراً. وبجوارها سعدية.
اقتربت فريدة من أذن سمر:
"بقولك إيه ياسمر، هو أنا ليه حاسة إن سِتّك دي عاوزة تقوم تقتلك؟"
ابتلعت سمر ريقها ورمقت جدتها بغيظ وتوتر:
"أصلها بعيد عنك كده مبتحبنيش، بتكره البنات."
نظرت لها فريدة بصدمة، فأومأت لها سمر ببراءة:
"آه، محدش بيحبني هنا خالص. ربنا يستر بقي، أطلع من بيت العقارب، أخش جحر الثعابين."
لم تستطع فريدة أن تكبت ضحكاتها. ضحكت بعلو صوتها، انتبه لها الجميع. جزت سمر على أسنانها بغيظ:
"اضحكي يختي."
اقتربت إحداهن منها تهمس لها بشيء. توترت قليلاً، وبعد قليل اصطحبتها الفتاة لمكان ما.
"فريدة، وهي تمشي خلف الفتاة."
"استني إنتي متأكدة إن دا الطريق؟"
"البنت، أيوه ياجمر، هو. تعالي بس."
أشارت البنت الصغيرة بيدها لها:
"هو، اللي جالي أنده لك."
رفعت نظرها وجدته هو بجلبابه الصعيدي التي ارتداه أمامها. ووقف يغمز لها أمام المرآة وهو يلف عمامته. اقتربت منه بذهول وهو يجلس بفخر وبجواره حصانه.
"إيه الجنان دا ياكيان، الناس تقول إيه؟ عاوز إيه، دلوقتي؟"
اقترب منها وهمس:
"هتركبي بالذوق ولا أركبك بالعافية."
نظرت له بصدمة:
"إنت اتجننت. اوعي كدا."
أومأ ببراءة وقال:
"خلاص، يبقى الذوق مش جاي معاكي. استعيني عالشقا بالله."
حملها بخفة وساعدها على الجلوس. رمقته بصدمة وفرحة مخفية:
"إيه دا، لا دا إحنا مبقيناش نخاف أهو."
رمقته بغيظ واعتدلت لتهبط، فقفز مسرعاً خلفها:
"رايحة فين ياديدا؟ هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه."
شق الفرس طريقه لوجهه يعلمها جيداً. فجأة وجدت نفسها هنا بذلك المكان التي تركته منذ سنوات، كما هو على حاله. ابتلعت ريقها وذكرياتهم معاً تكبلها، تعصر قلبها عصراً، دموعها تهدد بالانهمار. دارت حول نفسها، لا تعلم ماذا تريد حقاً. فتح باب الكوخ ومد يده وسحب جبراً. دارت عينها بشوق في المكان ونظرت بشوق لصاحب المكان، ذلك الشاب الذي التقته من سنوات، صدفة من أحلى الصدف. لم تعد تستطع أن تبقى أكثر ستحن. استدارت راحلة في محاولة بائسة منها للهروب من عينيه الواثقة ومن يديه التي تعرف كيف تجعلها تحن للمساته وهمساته وكأن الزمن لم يمض. وعادت ابنة 22 والعشرون بين يديه. هنا بهذا المكان التي جرها إليه جبراً، يكمن أجمل ذكراها وآخرها قبل الفراق. بين يديه ترتعش، تهتز، بحنين له، تريد إطفاء الشوق المشتعل بداخلها باحتضانه، تريد أن تزيح تلك القوة المصطنعة أمامه عنها وترتمي بين ذراعيه، تريد أن ترمي حمولها على كتفيه ولتعود تلك الصغيرة التي عشقته يوماً وياليت الماضي يعود يوماً. اشتعل عقلها مردداً يذكرها بضعفها:
"أين تلك القوة التي اكتسبتها؟ لابد لها أن تهرب والآن. لن تضعف أمامه مهما حدث."
أدارها له بقوة، بحدة وغيظ اكتسبهم من برودها.
"تلك المرأة القوية التي تتصنع برود المشاعر، توتره وتؤرق منامه."
صرخ بها وبصوته مرّ العالم أجمع:
"بصي في عيني وقولي مبحبكش. قولي نسيتك. قولي إن هنا، المكان ده مخلاش قلبك القاسي ده يحن."
أغمضت عينيه بوجع، تحاول اصطناع قوة واهية. وفي نفسها ردت:
"امسكي نفسك يافريدة، متضعفيش، متضعفيش. هو خانك، باعك، هو كان بيلعب بيكي، محبكيش."
انتفضت على همساته لها ويديه التي ارتفعت تلمس وجهها:
"قولي أي حاجة يا فريدة. افتحي عينك اللي اشتقتلها وهي بتضحكلي. افتحي قلبك لقلبي وحاوطيه، متسبنيش ضايع كدا. مدي إيدك وامسكي إيدي واوعديني متفرقنيش."
صمتها وسكونها بين يديه شجعه ليقترب أكثر منها. يتحسس بأنفه وجهها، يستنشق رائحتها التي اشتاقها. مد يده وسحب حجابها التي جبرها جبراً على ارتدائه وأزاحه عنها ليعيدها كما كانت يوماً، حبيبته الغائبة، فراشته المذعورة كما كان يسميها. شعرها التي انطلق كستار يغطي وجههم كان إشارة له بأن تلك الجميلة بين يديه هي حبيبته كما كانت يوماً ومازالت.
دفعته عنها بحده وصرخت به:
"أنا وانت منفعتش لبعض. قلت لك أنت دلوقتي مسؤول عن بيت وعيلة. هبقى أنانية لو فكرت في نفسي على حسابهم. أرجوك افهم."
تركته واقتربت من الحصان لترحل، لتنهي ذلك العذاب وإلى الأبد. إذا بقيت أكثر من ذلك ستحن، إن ناداها ستهرول لأحضانه، تشتاقه حد الجحيم.
"فريدة."
ناداها بغصة، بشوق. تيبست قدماها وما عادت قادرة لا على المضي وتركه ولا تجاهل توسلاته لها. قلبها يأن شوقاً لقربه. لم تزدها القرب إلا شوقاً. استدارت ودموعها غصباً عنها أغرقت محياها. ابتلع غصته وأكمل راجياً إياها:
"مش عاوزة تقبليني زي ما أنا، مش قادرة تضحي عشان حبنا. شرحت لك كتير، استنفذت طاقتي كلها. روحي بتتألم وإنتي القريبة البعيدة، ليه يافريدة."
أغمضت عينها بحزن واستجمعت قواها:
"عشان منفعتش."
ضرب الحائط بيده بعنف:
"متقوليش منفعتش. زمان كنتي حبيبتي وكان ينفع. ودلوقتي إنتي مراتي وبعشقك، لا مش بعشقك أنا اتخطيت العشق، يافريدة. قولي ليه منفعتش."
"عشان اتجوزت، مراتي حامل. إنتي أنانية أوي يافريدة."
سالت دموعها وهي تستمع له وحزن العالم بقلبها:
"أنانية، آه أنانية. ما إنت اتجوزت وخلفْت، حياتك مشيت، موقفتش. ليه معملتش زيك؟ أنا قبلتك زي ما إنتي. مش شايف غير إن إنتي قدامي فريدة بتاعت زمان، حبيبتي اللي قبلتها صدفة وعشت معاها أحلى أيام. وإنتي جايه ببساطة تحاسبيني وبتعاقبيني على غلطة بسيطة. مقصدتهاش، والله مقصدتها. إنتي أنانية أوي يافريدة."
اشتعلت نار قلبها وغيرتها. اقتربت منه إلى أن أصبحت أمامه، يداها شقت طريقه لصدره تضربه على صدره بحدة:
"أيوا أنانية. أنا أنانية فيك إنت. ارتحت؟ أنا أنانية في حبك انت. تعرف إيه إنت عن حياتي، عن عيشتي اللي كنت عايشاها؟ شفت إيه؟ اتجوزت إزاي؟ إنت متعرفش، يبقى متحكمش."
أخرسها بحزن ودموع سالت مع دموعها هي:
"عارف."
صمتت بصدمة ودموعها أصبحت كالشلال. وهمست بعدها:
"عارف."
أجابها:
"عارف يافريدة. اضربيني يافريدة، يمكن يرتاح قلبك. اضربي قوي، يمكن قلبك القاسي ده يحن عليا. اضربيني وخلصي طارك من الدنيا بحالها، بس متبعديش كدا. عاملة مش عارفاني يافريدة، بصي في عيني، أنا هو هو، كيان حبيبك، كيان بتاع فريدة بس. قربي، خدي حقك مني، يمكن دا يشفعلي عندك ياقلبي وروحي ياكل عمري. لما شفتك انهارده بتأكلي سليم وسيليا، غصب عني غيرت منهم، غيرت من ولادك يافريدة. عارف هتقولي مجنون، مش سوي عشان غيرت من أطفال صغيرة، بس حتى لو كانو ولادي ومنك، كنت هغير منهم بردو. فريدة، أنا جنبك ببقى طفل صغير، عقلي بيصغر وبتوتر وبرجع زي سليم الصغير. قربي مني، متسبنيش ضايع كدا. افتحي لي جزء بسيط جوه قلبك وأنا راضي، بس متبعديش. بعدك نار، بتكوي فيا، بعدك ظلام ملوش آخر."
أسندت رأسها على صدره بتعب، بوجع، بحنين له، تعشقه، تعشق كل شيء به. وبكت، بكت وصوت شهقاتها ارتفعت لعنان السماء، مصدره صوتاً حزيناً كصدى ناي حزين يعذب قلبه. حاوطها بذراعيه وقربها لصدره هامساً لها:
"ابكي يا قلب كيان."
حاوطت عنقه بذراعيها واشتد العناق. همست له من وسط بكائها وشهقاتها:
"بحبك. بحبك ومش قادرة أشوفك مع غيري. آه أنانية، أنانية فيك إنت. إنت حقي أنا، بتاعي ياكيان. لما بشوفها جنبك بحس إن روحي بتطلع، ببقى عاوزة أصرخ وأقول إنك ملكي. إنت كنت حلم جميل بهرب بيه بعز تعبي وسواد أيامي. يوم ما جيت لك الشركة كنت جايالك عشان أقولك إن جايلي عريس وبابا مصمم عليه. قبلتني سلوي وقالت لي إنك جوزها، مصدقتهاش، والله مصدقتها. كنت مستنياك تخرج عشان أسمعك، ماهو مش معقول قلبي هيغلط ومش هيحس بحبك. بس فجأة أسودت الدنيا في وشي لما سمعت السكرتيرة بتاعتك بترد على اتصال وبتقول اسمك بالكامل. حسيت إني وقعت من الدور العاشر على جدور رقبتي. محستش بنفسي ولا سمعت سلوي بتقول إيه. حسيت إنك عملت لي فخ وأنا زي الهبلة وقعت فيه. جريت وجريت، وفي بالي إنك زيهم، إنك ضحكت عليا."
ابتلع غصته وهو يستمع لاعترافاتها وردد بصدمة:
"مكنتش أعرف إن انتي. والله ماكنت أعرف."
"مصدقتكش، بعدت وغصب عني قطعت صلتي بكل اللي يقربني منك. كنت قادرة أثور وأعترض إن أحمد يقعدني من الجامعة، بس استسلمت عشان كنت عارفة إنها أول حاجة هتعرف توصلك ليا. وتنازلات ورا تنازلات لحد ما فاض بي واتهموني بشرفي."
صمتت وفي بالها يكفي اعترافات. أومأ لها بهدوء بصبر:
"كملي، يافريدة. سكتي ليه، مخبية إيه تاني؟"
هزت رأسها بالرفض وابتسمت له:
"كفاية كدا، أرجوك. هنقضي الليلة في الحكاوي."
تنهد وفهم أنها تتهرب منه، ليصمت الآن ويسرق معها بضع لحظات من الزمن، لربما لن يمروا بها مرة أخرى. اقترب منها ويديه تتحسس وجهها، بخوف سألها:
"بتحبيني؟ لسه في مكان بقلبك ليا؟"
ابتسمت وأجابته بشوق:
"لسه مكانك زي ما هو، محدش قدر يملأه ياكيان."
أبعدها بيده قليلاً ينظر لعيناها، هو لا يصدق إلا عيناها. ابتلع ريقه، لا يصدق ما تقوله هي. سألها برعشة بصوته مرة أخرى:
"قولتي إيه يافريدة؟ قولي تاني."
"كذا."
ابتسمت بحزن لحاله وأجابته:
"قولت بحبك ياغبي، بحبك أووي."
دار يميناً ويساراً خلف نفسه، لا يصدق. وعاد لها:
"فريدة الكلام دا بجد، بتحبيني؟ آآآه يارب، بتحبيني؟ الحمد لله."
حملها ودار بها يميناً ويساراً:
"أنا بتاعك إنتي بس، بس يافريدة، عمري ما كنت ولا هكون إلا ليكي. بحبك يا ديدا، بحبــــــــك."
ضحكت على جنانه وصرخت به:
"كيان هقع."
أنزلها ببطء وأمسك يدها السليمة وسحبها خلفه:
"يلا تعالي."
نظرت له بصدمة:
"كيان استني، هنروح فين بس؟"
استدار لها قائلاً:
"شششش، مش عاوز ولا كلمة. هنعيش يومين لينا بس، لفريدة وكيان."
ابتسمت واستسلمت ليديه التي تجذبها لعالمه هو:
"تعالي."
نظرت بصدمة له وتوتر:
"بس، هنروح فين دلوقتي يامجنون؟"
استمعت لصوت لم تنساه يوماً، ولكنها تناسته جبراً. نظرت لتلك التي تهبط من السماء إلى أن أصبحت أمامهم. جحظت عيناها وتذكرت:
"كيان بس الولاد."
سحبها قائلاً:
"مبسش، جدك قايم بالواجب. إنسي الدنيا، متفكريش غير في كيان، ولا خايفة؟ حبيبتي لسه جبانة."
دفعت يده التي تسحبها وردت بثقة:
"مش جبانة، وهتشوف. بس المرة دي أنا اللي هقولك على فين هنروح."
ضحك ومد يده باسطاً إياها أمامها:
"شبيك لبيك كيانك ملك إيديك."
لمعت عيناها بسعادة:
"خلاص وديني أرض البدو، عند الراوي."
حملها بين يديه صاعداً بها درج الطائرة وقرب فمه من أذنها هامساً لها:
"علم وينفذ يافندم."
***
تعالي يا عمري نخطف من الزمان لحظات
نُوثق فيها عشقي وعشقك
ونسرق من ماضينا الذكريات
فيها كنت أنا العاشق ولكي كنت أنا المعشوق
نطير في السماء وأصرخ أنا وأقول
بعدك لا عاشق يا عمري ولا معشوق
بعدك فراغ، بعدك مرار، سهاد وفراق
عايش ومش عايش، قاتلني الشوق.
رواية رحماكي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم أسما السيد
لمست إيديه إيديها برفق، فارتعشت وتراجعت إلى آخر الفراش.
"انت اتجننت؟ هتعمل إيه؟ أوعي تسمع كلامها يا راضي."
نفخ بضيق، "خلصتي كلامك؟"
فتحت فاها بصدمة، "مانت بتنطق أهو، اومال مصدرلي الوش الخشب ليه؟"
خلع عمامته وألقاها بجوارها.
"اجفلي بجك ده ياسمر."
ابتلعت ريقها وسكتت تنظر لما يفعله بصمت.
اقترب، وأخذ منديلًا من جوارها. اقترب من أحد الأدراج وأخرج عبوة ما، أفرغ ما بها على المنديل. يبدو كالمطهر الأحمر.
اقترب من الباب وفتحه، وجد جدته مازالت تقف تتلصص على الباب. ابتعدت مسرعة.
"ها يا ولدي، أجول مبروك."
أراها المنديل.
"هاهو اطمن جلبك أجده."
قربت يدها لتأخذه منه. خطفه مسرعًا.
"لا ياستي، دي حاجة تخصني. أنا ومرتي لحد أجده، وبكفياكي فضايح. ومن أهنه ورايح سمر خط أحمر، وانتِ خابراني، ما أعيدش كلامي."
نظرت له بحدة.
"أكده يا ولدي، بتاجي على ستك عشان بت الجادره دي؟"
جحظت عينه وصاح بها.
"ستي، خلاص. إياكي. فوتينا على أجده، ويالا، زغرتي."
نظرت له بغل وصاحت حنجرتها بزرغوطة مغتاظة. تبعها إطلاق نار من الأسفل.
وضعت يدها على صدرها براحة، ونظرت له وهو يقف أمام المرآة يخلع ساعته.
قفزت من على السرير ووقفت أمامه تنظر له بانبهار.
"هو انت قدرت على ستك إزاي؟ دي عاملة زي أمنا الغولة، قولي الطريقة."
جز على أسنانه ورمقها بغيظ.
"انتي يازفتة انتي، في حد يقول على ستة كده؟"
رفرفت بعينيها بصدمة.
"بتتكلم أهو، وزينا كمان، زي بتوع المدينة، اومال عاملي فيها رفيع بيه ليه؟"
أزاحها بيده.
"اللهم طولك ياروح، ابعدي أجده ياسمر وروحي غيري خلجاتك، وامسحي الهباب اللي على خلجتك ده، أحسن شكلك كيف أمنا الغولة."
شهقت بصدمة وهي تنظر لنفسها بالمرآة وصرخت بخوف من منظرها.
"عااااااي... ماما."
الكحل قد ساح من دموع عينيها.
دخلت المرحاض، وخلعت ثياب العرس التي تخنقها، ووقفت أمام المرآة تتذكر ما حدث منذ قليل.
بعدما انفض الفرح وذهب أهلها غير عابئين لخوفها، اقترب راضي منها ليصعدا للأعلى معًا.
وقفتهم جدتها بحدة.
"استني أهنه، ياراضي."
نظر لها راضي بهدوء.
"في إيه ياستي؟ خير؟"
الجده بشماتة، وهي ترمق سمر.
"كل خير يا ولدي، احنا بس عاوزين الدخلة تكون بلدي."
ارتعشت يدها التي يمسك راضي بها، ونظرت له بخوف.
ضغط على يدها ليطمئنها، ولكن خانتها دموعها وانسالت. شعرت بالوحدة وأنها بالفعل لا تنتمي لهنا، ولا لأي مكان. وحيدة لا دار ولا أهل.
صاح هو بجدته.
"إيه اللي بتجوليه ده ياستي؟ اتجننتي ياك؟"
الجده بحدة.
"هو أجده، طول عمرها عايشة في البندر، حجنا نطمنو إنها لسه بنت بنوت."
ارتعشت بين يديه وجدتها ترمقها بغل.
نظر لها بنظرة حنونة، ضاغطًا على كلماته التي يلقيها على جدته وجده الواقف بلا رد فعل، وكأنه يتفق مع زوجته.
"مرتي، أنا واثق فيها، وما أخليش حد واصل يمد إيده عليها مهما كان مين هو."
"خلصنا، امشي يامرة من أهنه."
انطلقت الداية للخارج مسرعة خوفًا من صوته وحدته. هي تعلم أنه لا يرحم.
رمقهم بنظرة واثقة. استدار، سحبها من يدها للأعلى، وحدث ما حدث.
انتهت من مسح زينتها بالكامل، وارتدت بجامتها. وخرجت.
وجدت جدته يجلس ببجامة رياضية، سارحًا بشيء ما.
انصدمت من وسامته وخصوصًا بشعره وشاربه، مشكلاً لوحة فنية.
ابتلعت صدمتها وجلست بجانبه.
همست.
"راضي."
نظر لها، وبتلقائية، رفع يده وأزاح شعرها المبلل من على وجهها.
رفعت نظرها وقابلت نظرتها الخجلة بنظرته الحنونة. وهمست له.
"شكرًا."
ابتسم لها وسحبها من يدها بحنان.
"تعالي ناكل. أنا عارف إنك ما أكلتيش من الصبح."
جلست أرضًا بجواره، وبفرحة.
"فعلاً أنا كنت جعانة جدًا. وخوفت أقول قدام ستك لتآكلني بدل ما تأكلني."
ضحك عليها، ومد يده بقطعة لحم، وقربها من فمه.
نظرت له باستغراب.
ابتسم بهدوء لها.
"كليها من يدي أهو يجيني من وراكي شيء، صدقه يعني."
نظرت له بغيظ وتمتمت.
"جبل التلج."
ضحك عليها، واقترب دافسًا الطعام بفمه.
"مجنونة، سمعتك."
"على فكرة..."
"آه يا دكتور، عابد فاق."
"الحمد لله، فاق. تقدروا تدخلوا له. الرصاصة الحمد لله ما أثرتش على كتفه. البوليس بيحقق معاه... وتدخلوا له."
اقترب أحمد من ياسمين التي ارتجفت من اسم البوليس.
"ما تخافيش ياياسمين، كده. الحمد لله إنه بخير."
رفعت نظرها له بخوف.
"أنا كنت هقتل عابد، كنت هقتله لولا ستر ربنا."
أحمد بابتسامة.
"يا بت، متخافيش. كده، حصل خير. وأهو الحمد لله خلصنا من عصام والجيران قاموا معاه بالواجب. ودلوقتي مشرف في التخشيبة."
ابتسمت بحزن.
"شكرًا يا أحمد."
تنهد بحزن.
"لا شكر على واجبي."
"ياسمين، أوعديني متجيبيش سيرة للي عرفتيه النهارده، لحد."
"ليه يا أحمد؟ انت مش وحش، تستحق فرصة تانية. متأكدة إن فريدة عمرها ما هتتأخر عنك."
أحمد بخزي.
"عارف، بس أنا أستاهل. المهم أوعديني وخلاص."
أومأت وفي فكرها ستخبر أخيه.
"ماشي."
"أحمد، يالا. الشرطة خرجت، أهي."
"آلو، الشرطة؟ عاوزة أبلغ عن..."
أنهت اتصالها بسعادة وفرحة.
بعدما جرجرمجاهد حماتها للرزيلة، والآن في موعد غرامي معه. قررت أن تخلص منهم الاثنان بضربة قاضية.
"روان، يالا في داهية."
ضحكت بخباثة وهي تتمنى أن كل شيء أصبح لها.
هاتفه الذي يرن بإصرار، جعل عابد يقلق.
"عابد بتعب، في إيه يا أحمد؟"
"ماترد."
"أحمد، مش عارف، استنى كدا ثواني."
وقع الهاتف من يده، ودارت الأرض به بعدما استمع لما قاله الشرطي.
أسرعت ياسمين تسنده.
"مالك يا أحمد؟ في إيه؟ انت كويس؟"
رفع عابد جسده المتعب.
"في إيه يا أحمد؟ أمل جرالها حاجة؟"
ابتلع ريقه، وحكى له ما حدث.
"أمك امسكت في بيت واحد اسمه مجاهد الدجال."
خارت قواه ورجع بجسده للخلف بتعبه.
"ما شاء الله. ارحمنا بقى."
لم يصمد أحمد أكثر من ذلك وسالت دماؤه من أنفه، ووقع في عالم آخر.
"أحمـــــــــد!"
أسبوعًا مر عليهم هنا، بأرض البدو. عاشقان ولدا هنا من جديد.
الراوي: شخص جميل، يستحق التقدير. حاز كيان على إعجابه منذ حطت قدمه إلى هنا. نشأت صداقة بين عدنان وكيان. والليل بأخر ليلة لهم هنا قبل العودة. ولكنها ليلة مميزة.
بحث بعينيه عنها، تختفي كثيرًا هنا، ولكنه يعلم إلى أين تذهب ويعذرها. ولكن تأتي لتراضيه، فيرضى في ثواني.
وصلت أخيرًا لذلك البيت البعيد بآخر المزرعة.
اقتربت مسرعة منها قائلة.
"وحشتيني أوي."
أخذتها بين ذراعيها.
"يا بت يابكاشة، بقي أنا بردو هوحشك؟ وسي كيان في حضنك عليا أنا."
ضحكت بسعادة، واقتربت تنام على قدمها.
"محدش يغنيني عنك، أبدًا أبدًا."
ابتسمت وهي تمشط لها شعرها الطويل بيدها.
"ماشي، هصدقك. قوليلي كيان فين؟"
"مع عدنان، بيجهزوا لليلة بتاع وهدان."
"أنا قلقانة على سليم وسيليا."
"هي، متخافيش. طول ما هم مع جدك، محدش يقدر يهوب ناحيتهم. السنين دي كلها مقدرتش على جدك، هتقدر دلوقتي، متخافيش. جدك واعي، وخلاص فات الكثير ما بقي إلا القليل."
"فريدة، عندك حق."
همست لها.
"فريده."
نظرت لها بحب.
"عيون فريده."
ضحكت عليها.
"عيشي حياتك. متخليش حد ياخد حبك منك. دافعي متهربيش. أوعي يافريده."
أومأت لها.
"أوعدك. فريدة الضعيفة ماتت من زمان، واندفنت."
"أه انتو هنا بقي، وسيبني أنا ألف عليكو."
ضحكا عليه واقترب مزيحًا إياها.
"أوعي كدا دا مكاني هي، بس متتخنقوش، انتو مش بتشبعوا أبدًا."
جزت فريدة على أسنانها، وابتعدت عنه.
"اشبع بيها يا أخويا، أنا هروح لساجدة. أحسن هتقتلني هي وعزيزة. الليلة ليلة عم وهدان."
غمز لها بعينه، قائلًا.
"يا بختك يا عم وهدان."
رمقته بغيظ ورحلت، متمتمة.
"سافل."
رفع نظرها لها، وهو نائمًا على قدميها.
"مبسوطة؟"
تنهدت بسعادة.
"انت رديتلي روحي. ربنا يحميك."
قبل يدها.
"هانت، متقلقيش."
"يا هلا، لو كان بتسكن جنبنا."
على صوت عدنان، ورقص الفرسان انطلقت ليلة من ليالي البدو الغناء، بليلة عرس وهدان وعزيزة.
يجلس ويجلسها أمامه، ينظران للجمع بسعادة، ويجاورهم الراوي وزوجته. وأمامهم ساجدة، تنظر لفريدة بغلب من تحكمات أبيها أن تجلس بينه وبين عزيزة. كلما سحبها عدنان من يدها لتجاورها، رمقه وهدان بغل ودفع يده.
همس لها بأذنها، مرددًا وراء عدنان، كلمات الأغنية.
"كيف الغزال بمشيتها، تمشي على خطوتها، الله على بسمتها، بسمة تداوي جرحنا."
سكن جسدها بأحضان، وهي تستمع له بفرحة.
همس لها بحب.
"عجبتك المفاجأة؟"
استدارت، وأشارت على وجهها.
"انت شايف إيه؟"
"أنا أسعد واحدة في الدنيا. أنا بحبك أوي، أوي."
قام مسرعًا وجذب يدها.
"لا، بعد أوي أوي، دي لازم إثبات."
ضحكت بخجل عليه.
"كيان استنى، عيب كدا."
ضحكات سليمة والراوي، شجعتها لتطلق قدمها للريح خجلًا منهما.
استمعا لصوت عدنان القادم بساجدة خلفهم.
"آه، خودونا معاكو، وهدان هيقتلني."
استدارا لعدنان، ولكن صوت الرصاص القادم من سلاح وهدان، الذي يجري خلف عدنان جعلهم يطيرون.
"كيان، هنموت يا عدنان."
"يخربيتك، انت طايق الراجل دا إزاي؟"
عدنان بغيظ وصوت يخرج غصبًا عنه من الرقد.
"جدري، منك لله يا خال. أجري يا ساجدة ابجي جابليني لو بوكي شرفنا الليلة."
"هيفص من كتر الجري."
افترش كيان الأرض الرملية ضحكًا عليه. وجاورته فريدة. وارتمت ساجدة وعدنان بجوارهم.
"راجل سوو."
"جطع خلفيك."
"كيان، كفاية مش قادر، حرام عليك."
"تسلم إيدك يا أمل، إيه دا؟ انتي طلعتي فنانة بجد. دا البنات اللي شافوا الحاجة اللي عملتيها كانوا هيتجننوا، ما شاء الله عليكي."
ابتسمت أمل بحزن.
"الحمد لله من فضل ربنا وتشجيعك ليا."
احتضنتها ماجدة بحب.
"انتي طيبة يا أمل عشان كده ربنا وقفلك الطيبين. وخصوصًا بقي الشيخ قاسم، في الطلعة والنازلة يسألني عليكي. مش هتحني بقي وتنزلّي معايا نشوف الشارع؟"
"مليش نفس يا خالة، سيبيني براحتي."
"لا هسيبك، بس انهارده. الشيخ قاسم قدملك على قرص تصميم في معهد جنبنا وأكد عليا أقولك، مفيش كسل."
أمل بخوف.
"بس هو قدملي إزاي من غير بطاقة وشهادة ميلاد؟"
الخالة ماجدة.
"ماهو طلبهم مني من يومين تلاتة كده، لما سألتك عليهم وأديتهمله. وكمان بعتلك الشنطة دي."
نظرت لها بخجل.
"إيه دي؟"
ماجدة.
"ههههه، وأنا أش عرفني، شوفيها بنفسك. هسيبك بقي أنا وأخش أكمل الشغل."
نظرت لما بين يديها، بتوتر. فتحت الشنطة بأيد مرتعشة. ووجدته تليفون ليس برخيص أبدًا. ابتلعت ريقها وهي ترى مخطوطًا آخر مع الهاتف. فتحته بأيد مرتعشة.
"حتى تستطيعي التواصل بسهولة، إذا حن قلبك لأحدهم، أتمنى أن لا تشغلي عقلك كثيرًا، وتسعديني بتطوير مهنتك وذاتك. لا تتعبي عقلك كثيرًا بكيف، ومتى، ولكن اشغليه بتوسيع آفاقه. قاسم."
ابتسمت بفرحة، وفتحت العلبة الأخرى، وضحكت بدموع. وفي عقلها، ماذا فعلت جيد بحياتها لتلقي شخصًا مثله. تذكرت فعلتها وما فعلته بنفسها وبكت بخوف.
"يجب أن لا أحلم كثيرًا، هو الشرق بقيمه ودينه، وهي الغرب بعاهاته وعاره."
ابتلعت غصتها وحطت عينها على كلماته التي خطتها على ورقة ألصقها على لوح الشيكولاتة.
"يقولون عليها، سر السعادة، لا أعلم، ولكني سأجلب لكِ منذ اليوم لوحًا، لكِ وحدكِ، لا تتركيه، ولا تحتفظي به. التهميه كاملًا، حتى حين يأتي اليوم الموعود سأسألك، هل نفعت معكِ، أم خابت معتقداتي. قاسم."
انهمرت دموعها والتهمته كاملًا، لم يتبق منه شيء.
اقتربت من الشرفة المطلة على ورشته. رفع وجهه كمراهق، طوال الوقت يرمق شرفتها عله يلمحها. وجدها تنظر له من تحت نقابها، وطوت غلاف الشيكولاتة، وقذفته أمامه.
حك رأسه بسعادة كطفل صغير، وتنهد مستغفرًا.
"هانت، ربنا يقرب البعيد."
اقترب من تلك الورقة المعلقة على الحائط، وشطب يومًا آخر، يعدهم بصبر.
استمع لصوت هاتفه، رأى الاسم، ورد متلهفًا.
"قاسم، ازيك يا صاحبي؟ كنت لسه هكلمك."
استمع قليلاً له، ورد عليه بثقة.
"متقلقش كله تمام، أنا وعدتك. إن شاء الله، في أمان الله يا صاحبي."
أغلق معه، ونظر لتلك الرسالة التي وصلته حينما كان يتحدث. فتحها ووجدها هي، اسمها يزين شاشته، ذات النقاب.
ابتسم ونظر لما خطته يداها. كلمة وحيدة.
"شكرًا."
زفر بصبر، مرددًا.
"العفو."
أغلق هاتفه براحة، ودخل على أخيه الراقد بلا حراك يصارع الموت والمرض.
صدم بعدما علم ما به. وزادت صدمته مما حدث لأمه بعدما تم القبض عليها.
"استغفر الله."
مرارًا وتكرارًا. والدته. وآه من أفعالها. أمه كانت تعاشر مجاهد ومسكوها بالجرم المشهود. لم يستطع أخيه تحمل الصدمة من بضع كلمات، إذن ماذا لو علم أن والدته اعترفت على زوجته الموقرة، ومجاهد أيضًا. ثبتت التهمة عليهم، وباتت مؤكدة بشرائط الفيديو واعتراف عصام ومجاهد عليهم.
اقتربت منه وحطت بيدها على كتفه.
"حبيبي ارتاح شوية، انت لسه تعبان."
أغمض عينه بتعب.
"متقلقيش، أنا كويس. المهم كل حاجة جهزت. الإسعاف هينقل أحمد الليلة القاهرة، واحنا هنروح وراه."
"ياسمين، أه يا عابد. كله تمام، معدش في حاجة هنا."
قبل رأسها.
"انتي كويسة؟"
ابتسمت وابتلعت غصتها. منذ ذلك اليوم وما حدث ولم يرتح يومًا. استجوابات واستدعاءات، إلى أن انتهى أخيرًا مرض أحمد ورقدته هكذا تحزنهم جميعًا. اندست بأحضان تطلب الراحة، الطمأنينة، ولو قليلًا منه.
"أنا كويسة، طول ما انت كويس."
أحكم بيديها عليها.
"أنا كويس، يا ياسمينة. عارف إني مقصر معاكي، بس غصب عني. اللي حصل دخلني في دوامة، ملهاش آخر."
قبلت صدره بهدوء.
"عارفة ياقلب ياسمينه، ومقدرة. أنا جنبك، هنعديها مع بعض. أنا واثقة في ربنا، وواثقة إن فريدة مش هتتأخر عن أحمد."
ابتسم بحزن ورمق أخيه الذي يصارع الموت منذ أسبوع.
"تفتكري، حتى لو رفضت تعرض ابنها للخطر معاها حق؟ أي واحدة مكانها وشافت اللي شافته، مش هتوافق؟"
ابتسمت بحنين.
"يبقي متعرفش فريدة."
عابد بسخرية على حاله.
"عندك حق، كنت فاكر إن أعرفها، بس طلعت أعرفك انتي. ومن زمان أوي."
نظرت له باستعجاب، فابتسم وجلبها من يدها للخارج.
"متشغليش بالك انتي، حاجات مجنونة، عقلي كان بيصورها لي. وعلي يدك، راحت لحالها، وبقيتي انتي كل حالي."
"انتي مجنونة صح؟ إيه اللي هببتيه ده؟"
"إيه؟ أنا عملت إيه؟"
دفع يدها عنه.
"سلوى، متجننينيش. اللي في بطنك ده ميخصنيش. انتي بقي عاوزة تلبسيه لكيان؟ ماشي. أما تقولي إنه ابنك مش هسمحلك تضيعي اللي عملته."
سلوى بغيظ.
"بقولك إيه يا حسام، إحنا دفنينه سوا، وأنا مش طالبة منك تعترف بالبيبي ولا زفت اللي في بطني. هيبقي ابن كيان."
ابتسم بخبث لها.
"فهمت؟ مش تفهميني يا شيخة؟ كده تمام، ونتكلم في الجد بقي."
سلوى.
"أخلص، جايبني على ملي وشي ليه؟ كيان مش في البلد وممكن يوصل في أي لحظة هو والسنورة بتاعته."
حسام.
"ماشي، يعجبني دماغك السم دي. عمومًا ياحلوة، انتي عارفة إن الواد اللي في بطنك ده تمنه غالي أوي."
سلوى بغل.
"انت بتهددني ياحسام؟"
حسام.
"تؤتؤ، لا براحة كده. مكالمة صغيرة لكيان، وانتي عارفة، بيثق فيا إزاي."
جزت على أسنانها بغل.
"كام؟"
حسام.
"مش كتير، مليونين."
شهقت بصدمة.
"كام؟ انت اتجننت؟ أجيب المبلغ ده كله منين؟ أنا قاعدة على بنك."
حسام بسخرية أكثر.
"انتي قاعدة على نص مقابر الصعيد. انتي فهماني طبعًا."
ابتلعت ريقها، وتوترت.
"تقصد إيه؟"
قهقه عليها.
"أقصد إيه؟ انتي عارفة. إنما هبسطهالك، كلمي خالك سويلم، يزودلك المدد، عشان تلحقوا تخلصوا. واقترب هامسًا بأذنها، وتطلعوا اللي تحت الدوار، أصل سمعت إنه معبد كبير، كبير أوي."
جحظت عيناها وابتلعت ريقها بخوف.
"انت كده بتلعب بالنار ياحسام، وهتتحرق بيها."
أطفأ سيجارته، وسحبها من يدها.
"بقولك إيه، ماتيجي، أصلك وحشاني أوي، وأهو بالمرة أمسي على ابني."
جحظت عيناها ووضعت يدها على فمها مما سمعته. دارت الأرض بها ونزلت الدرج مسرعًا. لحسن حظها أنها أتت بهذا الوقت ولكشف ستره، تركا الباب مفتوحًا. انكشفت الغمة من على عينيها وأخيرًا. كانت تحسبه عشقًا. سالت دموعها، لولا دعوات والدتها لها، لكانت وقعت في فخه. ذلك الحاوي الذي يتشكل على كل الألوان. كيف صدقته؟ كيف؟ "هوريك ياحسام، إن ما وريتك، مبقاش أنا. ديما، خاين."
بعد نصف ساعة.
استقام من عليها بصدمة.
"إيه دا؟ سلوى، إيه الدم ده؟"
صرخت بوجع.
"الجنين هينزل، قولتك بلاش، أدي اللي خططله راح. آآآه."
ارتدى ملابسه بقرف منها.
"قومي خليني أوديك المستشفى، نلحق المصيبة دي."
رأتهم هي وهي مازالت تجلس بسيارتها، لتراقبهم. يهرولون بسرعة.
بعد ساعة.
"منك لله ياحسام، قولتك إن الموضوع ده غلط عليه."
الطبيبة بعملية.
"حصل خير، ربنا يعوضكم إن شاء الله. الجنين كان ضعيف مستحملش، مثبتش، عشان كده مش محتاجة عملية تنظيف. امشي بس على العلاج ده والرحم هينضف لوحده. عن إذنكم."
اقتربت ديما من الطبيبة.
"لو سمحتي؟"
"أنا دكتورة ديما."
الطبيبة بعملية.
"أهلاً بحضرتك، أقدر أخدمك بإيه؟"
ديما.
"ممكن بس نكلم جوا مكتبك، الموضوع مهم."
"اتفضلي."
بعد دقائق.
"يانهار أسود، اللي بتقوليه ده خطير. لا لازم أبلغ عنهم فورًا. أنا بحسبه جوزها."
ديما.
"اهدي حضرتك وساعديني إنك تطلعي تقرير إن فعلًا الجنين مات، وإن هي حاليًا مش حامل، وإن الجنين عمره شهرين."
الطبيبة.
"تمام يا دكتور."
أخذت منها التقارير، متمتمة بغل.
"نهايتك قربت أوي ياحسام انت وسلوى. وحياة دموعي ودموع فريدة، لأخليكم تتمنوا الموت وماتطلّوه."
"مالك يا فريدة؟ سرحانة في إيه؟"
"فريده بانتباه، هااا، ولا حاجة."
مد يده وجذبها بحب لأحضان وشفتيه غزت كل ما طالته أمامه.
"طب عيني في عينك كده، حبيبي بيفكر في إيه؟"
"مش قلنا منفكرش ونتعب دماغنا الحلوة دي."
"كيان ابعد كده، انت مبتشبعش."
رفع حاجبه لها، وجذبها بغيظ.
"لا."
ضحكت عليه هي، وسكتت شهرزاد.
"انتي يامجصوفة الرقبة تعالي أهنه."
"استهدي بالله ياستي، أنا معملتش حاجة."
"الجده، معملتيش، ياللي تشكي في جلبك. طب خدي."
صرخت بوجع بعدما قذفتها ستها بمعلقة الطعام.
"سمر، آآآه ياراسي."
سالت دماؤها، ولم تتنازل الجدة.
الجده بحدة.
"فاكراني هسكتلك يابت المركوبة انتي؟ أمك كانت كيف العجربة، وانتي شكليها، حية بت حية."
سالت دموعها بقهر، ولم تعد تفرق الصواب من الخطأ. والدتها بشعة وهي تعلم، ما ذنبها هي.
اقتربت والدة راضي منها.
"فاطمة، بخوف، ليه أكده يا أمي؟ وهي سمر إيش ذنبها بس؟ جالتلك ما أعرفش أطبخ، واني جلتلك هعلمها، إني. ليه أكده؟ تعالي يا حبيبتي، تعالي."
اقتربت الجدة وأزاحت فاطمة بحدة عنها.
"جلتلك فوتيها، جليلة الرباية والشرف دي."
صوته الحاد جعلها تنتفض بعيدًا عنها.
"ستي."
بعدما أنهى جولته من الإشراف على أرضه ومزارعه، دخل للدوار واستمع كالعادة لصراخ جدته، وبالطبع سيكون عليها هي. جز على أسنانه وهو يعلم أن جدته تختلق لها المشاكل، وتتحجج لها بأي شيء لتهينها.
صدم حينما رأى منظر وجه سمر الذي تغرقه الدماء واقترب مسرعًا صارخًا بستة التي تهم بضربها أيضًا.
"ستي، هي حصلت تمدي إيدك عليها كمان؟"
رفعت وجهها له بحزن ودموع عينيها امتزجت بدمائها.
همست باسمه وهو يمد يده يمسح بشاله الذي خلعه مسرعًا دمائها.
"راضي."
همس بحزن بأذنها، همسًا لم يسمعه إلا هي، وهو يرفعها كالريشة بين يديه.
"حجك عليا يا جلب راضي."
"انتي اتجننتي؟ أنا استحالة أخليكي ترجعي ليه برجلك. استحالة."
اقتربت منه بهدوء.
"بس دا عمل إنساني. ارجوك يا كيان."
"قلتلك لا، استحالة. أنا لو شفته قدامي، هقتله بإيدي، مش هخلي حتة فيه سليمة، وانتي تقولي له انقذ حياته؟ انتي بتفكري إزاي؟"
صرخ بها وأزاح بيده كل شيء أمامه.
"انتي تنسي الموضوع ده، شيليه من دماغك. مش هسمحلك ترجعي المكان ده تاني."
"فريده، بس دا ابنه يا كيان، أنا مقدرش أشوفه بيموت. تفتكر سليم بعد كده مش هيعاتبني؟ أنا مش هقدر أسامح نفسي لو مسعدتوش، ارجوك افهم."
أمسكها من ذراعها بحدة.
"افهم من كدا إنك سامحتيه؟"
وبحزن.
"بسهولة كده؟"
هزت رأسها.
"لا، أنا عمري ما هسامحه في حقي."
"بس ولاده مهما كان من حقه."
صرخ بها.
"كفاية، كفاية. فكراني إيه حجر؟ ولاده ولاده؟ خايفة على الكل، وأنا إيه؟ أنا فين من حياتك؟ أنا فين؟ كان ناقص أبوس إيدك عشان تسامحيني."
فريدة بصبر.
"وسامحتك، مقدرتش وسامحتك. كيان افهمني عشان خاطري، أنا قبل ما أكون مراتك أنا طبيبة، وعارفة يعني إيه مريض بيتعلق بقشاية، ارجوك افهمني."
نظر لها بحزن.
"يبقي اخترتي يافريدة، ياخسارة."
فريدة بصدمة.
"يعني إيه؟"
نظر لها بحزن.
"يعني أنا، وتنسي اللي قولتي ده، يا إما اعملي اللي انتي عاوزاه وكل واحد في طريق."
صدمت قائلة.
"انت بتقول إيه؟"
صرخ بها.
"بقول الحقيقة. لو كنتي جيتي من سنين وحكيتيلي، فتحتيلي قلبك، مكنش وصلنا لكدا. مكنتيش سبتي نفسك لواحد وسخ زي دا يعمل فيكي كده. لو كنتي واثقة فيا وإني أقدر أحميكي، مكنش وصلنا لكده."
فريدة بغصة.
"ياااه، انت شايل كل ده في قلبك."
ابتلع ريقه ومسح وجهه بعصبية وخرج مسرعًا من المنزل.
بعد قليل، سحبت حجابها، ورحلت.
اقتربت مسرعة لاحضانها، بكت كثيرًا حتى هدأت جراحها.
مسحت على ظهرها بحنان.
"هدّيتي؟"
أومأت براسها لها، بصمت.
"احكيلي اللي حصل."
حكت لها بهدوء ما حدث.
"بصي يافريدة، انتي الوحيدة اللي في إيدك القرار. وأنا واثقة إنك هتعملي الصح. الموت والحياة بتاع ربنا يافريدة، بس ربنا بيسبب الأسباب. تعددت الأسباب والموت واحد. مين قال إن العفو والتسامح ضعف؟ لا، العفو عاوز قوة، محدش يقدر عليه. والسماح عاوز قلب طيب، لسه بشوكته زي ما بيقولوا. وإحنا مش ربنا يافريدة. ومتفكريش إني بوجهك لوجهة معينة. لا، أنا واثقة فيكي، وإنك واعية وفاهمة، طريقك كويس."
قبلت يدها بحب.
"عندك حق، أنا لازم أعمل الصح. عن إذنك."
أنهى مسح وجهها وضمد جرحها، وهي مستسلمة ليده بلا رد فعل.
أخرج لها ثيابًا غير تلك التي تلوثت من دمائها. وجذبها للمرحاض.
"غيري هدومك يا سمر."
أخذت ثيابها وأغلقت الباب خلفها.
غير ثيابه الغارقة وانتظرها بالقرب من الباب.
خرجت ورفعت نظرها ووجدته أمامها، بطوله ورشاقته.
عبست بشفتيها ولم تعد تستطع، تريد البكاء.
ارتمت بأحضان، وتعلقت بعنقه تبكي بشدة.
"ششش، اهدى، ياسمر، حقك عليا."
هزت رأسها.
"أنا مش ببكي عشان كده."
راضي بحزن عليها.
"أومال إيه؟"
"أنا ببكي عشان حاجة تانية."
أبعدها عنه قليلًا. وباستغراب سألها.
"بتبكي عشان إيه؟ حد أهنه زعلك غير ستي؟ جوليلي ياسمر وأنا أخلصلك عليه. ما عاش ولا كان اللي يزعلك."
عبست.
"أنا زعلانة من نفسي."
راضي باستغراب وصبر.
"إزاي ده؟ سمر يا جلبي، هي الحالة اشتغلت ولا إيه؟"
بكت.
"عاااااا، انت بتتريق عليا ياراضي."
"أنا زعلانة من نفسي عشان شكلي نفسي دي، بحبك ومش عارفة أقولك إزاي."
جحظت عيناه، وهو يسمع اعترافها المجنون مثلها.
جذبها من يدها بهدوء، وأجلسها على الفراش. جلس أمامها على قدميه القرفصاء.
"ها، قولي تاني كدا."
نظرت له بغيظ.
"أقول إيه يا جبل التلج انت؟ ماناش قولته مرة."
ضحك عليها.
"طب معلش عشان خاطر جبل التلج ده. جولي تاني."
نفخت بغيظ.
"بقولك كلمني عادي كدا، هاودها."
"طب خلاص، أهدى. أهو، بكلم عادي أهو. قولي بقي تاني."
عبست شفتيها، وقالت بدموع.
"أنا أظاهر كدا ياراضي يابارد انت، بحبك."
بص في عينيا كدا، هو باين إن بحبك فعلًا زي ما فريدة بتقول."
قهقه عليها، وعلى جنانها.
"لا، ما يبانش بالعيون."
نظرت له بصدمة.
"أومال بيبان في إيه؟"
انتفض خاطفًا إياها بين ذراعيه هامسًا بالقرب من شفتيها، قبل أن يخطفها لعالم آخر.
"جولك بيبان في إيه يا جلب راضي."
بيقولوا الحب بالعيون بيبان.
وأنا بقول العشق أفعال لا أقوال.
إيه يفيد الحب من غير احتواء وأمان.
الحب عندي احترام، كلمة حلوة وقت الزعل بتبان.
لقمة حلوة بعد يوم شقي من إيد اللي حبيتها.
إيد تطبطب وبين إيديها الدنيا دي أنا نسيتها.
الحب روح حلوة، وقت الفرح والحزن مجتمعة.
الحب انتي والدنيا انتي اللي أنا اتمنيتها.
رواية رحماكي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم أسما السيد
لملمت متعلقاتها هنا، لن تستطع حمل ذنب أحمد على عاتقها، هي طبيبة قبل أن تكون يومًا زوجة له، تغلب مهنيتها عليها. تعلم الأعمار بيد الله، ولكنها أسباب يقدرها الخلاق، لن تكن سببًا في أذى أحدهم. تعلم أن كيان الذي ثار وغار وألقى على مسامعها كل تلك الترهات، ليس حبيبها الحنون، الذي يفعل أي شيء لإرضائها، هو يغار عليها.
تنهدت وهي ترمق الباب الذي خرج منه، منذ ساعتين، ولم يعد.
نظرت حولها، ذلك المنزل الحجري به أجمل ذكرياتها معه، كل ركن، كل شيء هنا، له ذكرى خاصة بهم. رفعت نظرها للباب، تأمل أن يكون عاد، وصاب رجائها. وجدته يقف صامتًا على الباب، يرمقها بهدوء قاتل. عيناه انتقلت لتلك الحقيبة الذي جلبها لها هو بنفسه حينما فاجأها ذلك اليوم بالطائرة، إذن لقد حسمت أمرها.
اقترب منها بهدوء وجلس بجانبها على الفراش. يده امتدت ليدها السليمة، رفعها لفمه، قبلها بهدوء. غصبًا عنها سالت دموع عينيها، لم تكن تتوقع ثورته وكلامه القاتل لها.
همست، بحزن: "أسفة، أنا عارفة إني كنت جبانة زمان، بس أنا كنت خايفة، أنا.. كنت صغيرة مش فاهمة حاجة، أنا..."
وضع إصبعه على شفتيها بحنان: "ششش، أنا اللي آسف.. أنا أناني، أنا عارف. واحدة شافت اللي شوفتيه في حياتك دي كلها، لازم تكون خايفة. أنا آسف يا فريدة. أنا كل ما بسمع اسم الوسخ ده، وأفتكر اللي عمله فيكي، بحس بنار قايدة جوايا. فريدة، انتي حاجة غالية عندي أوي، لو خيروني بينك وبين كنوز الدنيا وبينك هختارك انتي. ألف مرة زمان، كنت بستغرب القوة الكيميا الرهيبة اللي ربطتني بيكي من أول يوم، كنت دايما أقول مانا ياما بقابل ناس كتير في حياتي، ليه انتي اللي ربطت عمري وحياتي عليها، ليه انتي بالذات اللي حبيتها. كان في شيء بيربطني بيكي، كنت بستغرب إيه هو، شيء من أول ما فتحت عيني الليلة اياها ولمحت خوفك وسمعتك وانتي بتتكلمي، وأنا حاسس إنك تخصيني. عارفة أنا بعترف إني أغبي واحد في الدنيا، لو كنت أتمعنت شوية، فكرت وشغلت عقلي، كنت عرفت إنك فريدة بنت عمتي، عمتي، اللي فضلت طول عمرها قلبها محروق عليها. كان فيكي كتير منها، كنت كل إجازة أنزلها، أحكيلها عنك، وهي تفضل تسألني بلهفة عليكي. كانت بتحبك من قبل ما تشوفك. أنا غبي، لوو كنت فكرت شوية ومشيت ورا إحساسي إن في حاجة غلط بتحصل في الدوار كنت قدرت أوصل للحقيقة، ومكنش اتغدر بعمي مراد."
اقتربت منه، ومدت يدها تمحي دموع عينيه وهمست: "كيان، انسى الماضي، متسبنيش لوحدي أرجوك، خليك جنبي متبعدش، متعذبش نفسك، وتجلدها، انت ملكش ذنب. كل الغلط اللي فات، هيتصلح، المهم إحنا أخيرًا مع بعض. آه أنا خسرت كتير، تعبت، اتهنت، شفت مرار، بس بنظرة من عينك ليا بتخليني طايرة في السما. أنا بحبك انت يا كيان، محدش قدر ياخد مكانك في قلبي. كل حاجة أحمد خدها مني كانت بالغصب، عارف. أحمد كان دايما يقولي حبيني، بإيدك تغيريني، دافعي عن بيتنا، وعيالنا، بس أنا كنت زهداه. يمكن لو كنت حاولت بضمير كنت حبيت أحمد، بس أنا حبي ليك كان عاميني. كيان محدش يقدر يبعدني عنك، مساعدتي لأحمد عمل إنساني، مهني. أنا مديونة لعابد بكثير قوي، اعتبره دين من ديون عابد وهسدده."
اقترب بوجهه منها وقبل رأسها بهدوء، بابتسامة تبعتها دموع غزيرة سالت من عينها.
ارتمت بين أحضانه تطلب الراحة، الأمان، الدعم، أن يقول شيئًا يطمئن به قلبها اليائس.
فاجأها، بهمسة: "بحبك يا فريدة، بحبك. كل اللي تقولي عليه ماشي، ماهو أنا مش هقدر بعد ما لمست السما بإيديا بين ايديكي، أرجع تاني للارض. مش هقدر أبعد عنك يا فريدة، ولا هقدر أرفضلك طلب، ولا هقدر أرميكي بإيديا للنار. انتي قبل ما تكوني عشقي انتي أمانة، دمي ولحمي، مقدرش أفرط فيكي."
ضحكت من بين دموعها ويديها شددت على عنقه. انتقلت بشفتيها تقبل عنقه بحب، براحة، عشق أصبح فاضحًا، جعله يدخل لدوامتها.
همس لها: "فريدة، انتي.. اد الكلام دا."
ابتسمت، بمكر: "كلام إيه؟"
"كده، طب تعالي بقي أقولك كلام إيه؟"
نسي الدنيا ومن عليها بين يديها، نسي نفسه، محنته، دموع عينيه، ومصائبه التي تتوالي شيئًا فشيئًا. وفي عقله شيء وحيد، هي له، بين يديه، لن يتركها. لقد أخذ الفراق منهم عمرًا، لن يتركها للفراق يضيعها ويضيع خطواتها من أمام عينيه. مرة أخرى. لقد أقسم لعمته، أن يفديها بروحه، وهي اطمأنت، لن يخذلها ويخذل عمته، التي تنحت عن الثأر وتركته له، بإرادتها.
***
على الفراش، تستند بيدها على صدره، رأسها مرفوعة تنظر له بصدمة.
ضحك عليها وبعثر شعرها بيده: "مالك يامجنونة انتي؟ بتبصيلي أجدة ليه؟"
نفخت خديها بزهق: "مانت كنت ماشي حلو، عوجت لسانك ليه تاني؟ راضي أنا شاكة فيك، مش عارفة ليه."
جز على أسنانه من ألفاظها: "سمر يا جلبي، متأكدة إنك متعلمة؟ متعرفيش يعني إن الألفاظ سعد؟"
رفعت حاجبها، تسأله ببراءة: "سعد مين يا جبل الجليد انت؟"
"شكك في إيه؟ يا مخبلة انتي."
وضعت إصبعها على عقلها، بتفكير: "هو حاجات كتير أوي."
"حاجات كتير، أوي. طب جولي يا جدي، اللي نفسك تعرفيه، وشاكة فيه."
"بص أولاً، لهجتك اللي بتتغير كل شوية دي، شكل لهجة المخبرين، مش عارفة."
"تاني حاجة، لبسك اللي مرطرط في الدولاب ده شكل رجال الأعمال."
"تالت حاجة بقي، هو انت دخلت الجيش؟ أصل في شنطة تحت السرير فيها لبس زي بتوع الجيش."
"توتر؟" سألها بغيظ: "بأه يومين، جلبتي الجوضة ياسمر؟"
"طبعاً، أنا عندي داء أي حتة أخوشها، لازم أقلبها، ومتوهش الكلام، أنا لسه مخلصتش شكوكاتي."
"راضي؟" باستغراب: "شكوكاتي؟ إيه اللغة الجديدة دي؟"
زفرت بزهق: "لسه مخلصتش."
"جولي، يا مخبلة."
"ماشي هعديهالك، بس أنا كنت بشوفك كتير، في الجامعة عندي، ومتقولليشي محصلش، عشان أنا متأكدة."
"طب لما شوفتيني ومتأكدة، ليه مجتيش وسألتيني، بتعمل إيه ياراضي؟"
"ما أنا ساعتها مش كنت بطيقك، فماسألتش."
جز على أسنانه بغيظ، ودفعها عنه: "طب انزاحي أكده عني وانتي كيف البجرة."
رفرفت بأهدابها بعدما دفعها بيده، وتركها على الفراش.
دارت بنظرها على جسدها، متمتمة: "أنا كيف البجرة، أنا، ولا انت اللي شكل هوجان؟ كداكتك قرف وانت عندك عضلات شكل بتوع الصاعقة كدا. إف، أنا بايني اتجننت ولا إيه. منك لله يا جبل التلج انت، كنت بعقلي، عاااا."
بعد ساعة، وقفت ترتدي ملابسها على عجل، من استعجاله لها.
تأففت، وهي تنظر لنفسها بعدم رضا: "إف، هنروح فين بس؟ مترد عليا يا جبل التلج انت."
رفع حاجبه بمكر، وغمز لها بعينه: "لساتك بتجولي جبل التلج؟ من كل وعيك بتجوليها."
ضربته على ظهره بخجل، وهو يقف يعدل من وضع عمامته أمام المرآه: "سافل عليا النعمة."
استدار خاطفًا إياها بذراعه، هامسًا بغزل: "وانتي جمر عليا النعمة، وانتي مبوزة أجده."
مدت يدها، تتلمس لحيته: "طب لما أنا جمر، وانت عسل وحلو كده، قولي هنروح فين؟"
تركها من يده: "باه ياسمر، مستعجلة ليه؟ هو انتي مش عاوزة تخرجي من أهنه يعني؟ عجباكي الجعدة مع ستك؟"
"كردت بلهفة: "لالاا، عاوزه أخرج، يلا، يلا بينا، بسرعة."
ضحك عليها، وسار بجانبها: "طب امشي جاري لستك تلمحك تحدفك المرة دي، بالسكينة تخلص عليكي."
"خافت واقتربت تختبئ به: "عندك حق، خبيني ياراضي."
ضحك وخبأها تحت عباءته.
"تعالي يا جلب راضي."
***
"وبعدين يا أماي، بجالنا كتير هنحفر ولحد الآن موصلناش لشيء. أكده هنخسر كتير. وخايف أبوي ياخد باله، أنا حاسس إنه عارف شيء ومخبي. انتي خابراه بحر غويط، والناس اللي موعدينهم بالبضاعة، دي يطير فيها رجاب. والواد كيان ابني ده موش سهل، وكمان الظابط المتخبي ده اللي منعرفلوش فصل من أصل ده، عم ينخب ورانا. أموت وأعرف مين ده، كنت خلصت عليه. واضح أكده إن عفاريتك يا أماي معدش يجي منهم."
لمعت عيناها بشرار: "عم تكدبني ياسويلم؟ من ميتا وعم بكذب عليك، ولا أسيادي بيكذبوا عليك؟ لسه، لسه كتير على مانوصلو للباب، الغنيمة المرة دي كتير."
"سويلم، يا أماي، خايف الكبير يحس بشيء، إحنا مهما كانو بنحفر بجلب الدوار."
"باه جلتلك مستعجلش، بجالنا يومين، بس، لسه اصبر. المهم المعدات كلياتها تكون موجودة، وكمان الجوضة أهنه، كاتمة للصوت ألا سياد محوطينها، استحالة حد يجدر يهوب ناحية أهنه. هم انت وشهل بس."
"كله موجود يا أماي."
"سرعينا انتي وعفاريتك دي الله يرضي عنيكي."
"متجلجش ياواد، المرة دي هنجش بالواد."
***
"مالك يابت مصفره أكده ليه؟ هاااا؟ لا مفيش أنا كويسة، مفيش.. حاجة."
شكت بأمرها، بعدما لمحت بعضًا من الدماء على الفراش، واقتربت ممسكة بشعرها: "كنتي فين يابت عائشة طول النهار؟ انطوجي، أوعي تكوني روحتيله يا وسخة، ليكون جبرك تسقطي الواد، جولي يافاجرة، دا احنا مصدجنا عيل يربطك بكيان ونزيح بت نادية بيه."
صرخت بتعب ووجع، ونزيفها يزداد: "هناك شيء خاطئ بها، سيبي شعري يا أمه، أنا هجولك، غصب عني الواد نزل، يا أمه، بس أنا عندي الحل، والله حسام هيحلها."
"حل إيه، حل إيه، أنا أقولك إن الحل، إني أقتلك وأخلص منك ومن عارك. هقتلك يافاجرة." يديها طالت كل شيء بها، إلا أن انقطعت أنفاسها، بين يديها.
نظرت لها وكأن شيطان تلبسها، ارتعبت وهي أمامها بلا حراك.
"جومي يابت، بت يا سلوي، جومي."
دخلت سعدية عليها: "في إيه يابت بتصرخي ليه؟ أجده."
ابتلعت ريقها، وهي تنظر لابنة ابنتها الراقده بلا حراك، الدماء تسيل من جميع الجهات من جسدها.
"وااه جتلتيها!" اقتربت تهزها: "بت يا سلوي، بت.. جومي ياروح ستك، بت يا سلوي جومي يا سلوي، يانصيبتك السودة ياسعدية، يا فضيحتك ياسعدية، ليه أجده يا سحر، الأسياد هيغضبو علينا ياسحر، دول كانو طالبينها بالاسم، ليه أجده.. يابتي، يا خرابك ياسعدية."
"ولولت سحر: "يانصيبتي ماتت، ماتت البت." لطمت خديها، وعلى صوتها.
اقتربت منها سعدية، وضربتها على وجهها: "اخرسي يابت انتي السبب في اللي حصل واللي لساته هيحصل. إني جندت سلوي من يومين بدل مني لتحضير الأسياد واليوم بغبائك خسرتينا كل شيء. اللعنة اللي هتحط علينا، بسببك انتي، اكتمي، خلينا نعرف نستفاد من موتها، ولا هيبجي موت وخراب ديار."
ابتلعت سحر ريقها: "نتصرف إزاي يا أماي؟ سلوي ماتت يا أماي واني اللي جتلته، إني..."
"يلهووي، يلهووي."
أمسكتها من شعرها، وكتمت فمها: "جولتلك اخرسي، اخرسي واعملي اللي هجولك عليه بالحرف، فاهمة."
نزلت دموعها: "فاهمة يا أماي، فاهمة.. آه يابتي، آه يا ضنايا، إني اللي جتلته وجنيت عليكي."
***
بالطائرة، للقاهرة.
كيان بحنان: "مالك يافريدة، في إيه؟"
"مش عارفة، حاسة إن قلبي مقبوض كدا."
أضمها لأحضانه، وقبل رأسها: "مفيش حاجة متقلقيش. قولي إنك لسه بتخافي من ركوب الطيارة."
رمقته بعتاب: "أنا بردو؟ أخص عليك يا كيان. وبعدين طول ما انت جنبي بطمن."
ابتسم ليبدد خوفها وقلقها: "وحياتك، بتخافي؟ بصي شوفي ولادك عاملين إزاي؟ رايحين جايين كأنهم في جنينة، وانتي في حضني بتتنفضي يا قلب كيان."
رمقته بحدة واستدارت للجهة الأخرى، غصبًا عنها. هنا بقلبها شيئًا يؤرقها، وكأن هناك شيئًا سيحدث. نظرت لمحمد الذي يجاور أولادها، لقد أصرت أن تصطحبه معها، وتركت سلمى باطمئنان بجانب فهد. هم أمانة والدتها، وقد وعدتها بالحفاظ عليهم والدتها، وأه منها ومن جمال المفاجأة التي أهداها إياه والدتها ما زالت حية. والأغرب أن كيان وجدتها التي كانت تحسبه لا يعلم شيئًا، ملمًا بالتفاصيل وبأكملها ومنذ القدم. لقد استطاع بمساعدة الشرطة إقناعهم تلك الليلة بوفاة والدتها وهربها لمعالجتها بالخارج، حتى راجي التي بكت وانتحبت لظلمه ما زال حيًا. كل ذلك من تخطيط الجهات الأمنية. تنهدت وحمل كبير كان على عاتقها واندثر. الآن تشعر بأنها أنثى حقيقية، هناك من يحمل عنها همومها. كم بكت والدتها وتمنت قربها يومًا، وكان الله مجيبًا لدعائها واستجاب لها. قضت أسبوعًا بأحضانها، من الجنة والدتها جميلة، حنونة، كما حكت لها سلمى وحكى لها الجالس بجوارها. كان اللقاء بينها وبين والدتها حارًا، لطالما سخرت من دموع الفرح، وسألت بسخرية كيف تأتي. بعد لقائها بوالدتها ذلك اليوم بالطائرة، علمت ماهي، وأن دموع الفرح أغلى وأقيم من دموع الحزن. دموع الفرح قليلة، مؤثرة ولا تمحي بسهولة.
تمهدت براحة واقترب بظهرها من صدره وشددت بيدها على ذراعيه المحاوطة لها، هامسة له: "بحبك.. بحبك يا أحلى حاجة في حياتي."
ابتسم وقبلها من رأسها: "وأنا بعشق أمك، يا فريدة."
ترددت وهمست بوجع ازداد بقلبها: "لا بجد يا كيان، في حاجة مش مظبوطة. أنا، قلبي مقبوض أوي."
تنهد ومسح على رأسها: "حبيبتي، استغفري الله، كل حاجة هتبقى تمام."
***
بعد نصف ساعة، بمطار القاهرة.
اقترب حسام بغل يداريه بمكر كالحية: "ياااه، أخيرًا عشت وشوفتكو تاني مع بعض."
"فريدة، بحذر: "أهلاً ياحسام، أخبارك إيه؟"
"حسام: "ازيك يافريدة، أنا تمام."
كيان، بغضب مكبوت: "طب يلا، عشان ورانا ميعاد مهم، مش فاضين للترحاب ده."
حسام، بحذر: "مالك يا كيان، في حاجة؟"
كيان: "أبدا، تعب السفر، بس."
حسام: "طب هات الحلوة دي عنك، أشيلها."
كيان، بعداء مستتر: "لا سيبها، نايمة، مش واخده عليك، هتصحى مخضوضة."
أومأ حسام بحذر له: "تمام.. يلا بينا."
اقتربت فريدة وفي يدها سليم.
كيان: "حاول تهدي مش كدا."
كيان، بغيظ: "مش قادر، عاوز أقتله، عاوز أخنقه."
فريدة: "عشان خاطري يا كيان، اهدي، فات الكتير يا حبيبي، خليها تعدي على خير."
تنهد بزهق: "حاضر يا فريدة، حاضر."
***
"بجولك ياسلمي."
التفتت سلمى لها: "إيه ياعمتي، خير."
"معلش يابتي خدي كوباية الحليب دي، وديها لسلوي، أحسن مرضانه، ومجدرشي تجوم، واني زي مانك خابرة، رجلي وجعاني، وعمتك زينب مش أهنه."
نفخت سلمى بضيق، وأخذتها من يدها بحدة: "مع إنني مابطيقش سلوي، بس أمري لله هاتيها، أنا كده كده طالعة." وبهمس: "ياكشي يكون آخر شربها."
نصف ساعة، وكانت تقف بذعر، بخوف، توتر، قلة حيلة، تنفض رأسها يمينًا ويسارًا، وصوت سعدية وسحر، يرن بالدوار. أتى الجميع على صراخها.
"سحر: "جتلتي بتي، منك لله، جتلتيها، ليه..؟"
"سلمي: "والله ما قتلتها، أنا دخلت لقيتها كده."
"سعدية، لفهد الواقف ينظر للأمام بصدمة: "مرتك جتلت بت عمتك، جتلته يافهد."
رفعت سلمي عينها المنهارة من البكاء، له. قابلتها نظرته الحنونة التي تحولت لها سريعًا، مد يده وجذبها لأحضانِهِ. ارتعتش بأحضانِهِ بخوف: "مقتلتهاش يافهد، والله أنا دخلت لقيتها كده."
"سويلم، بحدة: "ابجي جولي الكلام ده بالنيابة، إني اتصلت بيهم، وفري البكا المزيف ده لبعدين."
"فهد، بحده: "إيه اللي بتقوله ده يابوي؟ سلمي لا يمكن تقتل سلوي، بوليس إيه اللي بتجول عليه؟ ده إني لا يمكن أسيب مراتي يبهدلوه."
"سعدية: "مرتك تطلقها يافهد، جَتّالة الجتلة دي."
"فهد بحده: "اخرسوا، واه اتصلوا بالنيابة، خلي كل فار يخش جحره بقي، خلينا نخلص."
"سويلم بتوتر: "تجصد ده يا ولدي."
"فهد: "مجصدش."
***
بعد ساعتين، بالمشفى.
اندفعت جريًا لأحضانها: "فريــــــــــده، وحشتيني أوي، كنت متأكدة إنك هتيجي، قولت لعابد كدا."
"فريدة: "هتيجي، وأنا متأكدة."
"وحشتيني أوي ياياسمين، مصدقتش نفسي لما عرفت إنك اتجوزتي عابد، ألف مبروك ياقلبي."
"وأنا مصدقتش نفسي لما عرفت إنك اتجوزتي كيان، وأخيرًا."
"فريدة بسعادة: "طب تعالي بقي أما أعرفك عليه."
كيان من خلفها: "مش مستاهلة تعرفيني عليها، أنا أعرفها لوحدي."
"أحلى ياسمين في الدنيا."
عينيه من خلفها اتقدت غيرة لدلعه الواضح لزوجته. مسد وجهه بعصبية وجز على أسنانه يكبت غيرته. الآن فقط تأكد أنه وقع صريعها لهواها، هوى طفلة، وأن ما فات قد مات على يديها، والدليل فريدة الآن أمامه بجانب رجل آخر ولا يفكر إلا بتلك المجنونة الصغيرة التي تضحك لزوج أختها ببلاهة، غير عابئة به ولا بغيرته عليها.
همس: "ماشي ياياسمين، هربيكي."
"فريدة باستغراب: "إزاي؟"
كيان بابتسامة: "عشان ياسمين وأنا نعرف بعض من فترة، هي مش كتير، بس من فترة قدرت أوصلها وهي اللي حكتلي على اللي حصل معاكي، وللأسف رفضت تقولي انتي فين؟"
"ينفع كدا ياياسمين؟"
عابد من ورائها بغيره مستترة، ويتوعد لها: "دا بجد الكلام ده، يا ياسمينة؟"
"ياسمين، ببراءة: "اه، أتمنى متزعليش يافريدة، بس انتي عارفة كنت خايفة عليكي، ولما اتأكدت إن ده كيان، حكيتله، ولو كان ضغط عليا بصراحة كمان شوية، كنت هقوله إنك في أرض البدو."
ضربتها على رأسها، بخفة: "لا ناصحة يابت. طب واتأكدتي منين إن ده كيان؟ أنا عمري ما وريتهولك."
أخرج كيان من رقبتها، سلسالها: "من دي."
ابتسمت له، بحب.
"ياسمين: "عرفته من سلسلتك اللي في رقبته، دي. نسيتي إن أنا وانتي اشتريناها مع بعض."
عابد، وهو يحتضن ياسمين بغيره يحاول إخفاءها: "حبيبتي الناصحة."
"فرصة سعيدة يابشمهندس كيان."
"أنا أسعد يا عابد، مبسوط إني اتعرفت عليك. فريدة حكتلي على اللي عملته معاها. بجد شكراً."
عابد بود حقيقي: "اللي عملته الواجب، أي حد مكاني كان هيعمل كدا."
اقتربت هي من وقفتهم، بزي المشفي، بسعادة لرؤيتهم. وبفرحة: "فريدة."
تبادلا عناقًا حارًا، كلل بالدموع. همست فريدة بأذنها: "أنا قولت لكيان كل حاجة، كيان عارف أكتر مني ومنك، اتصرفي عادي، وقت الحساب قرب أوي."
همست لها: "ديما، أنا قدمت كل اللي أعرفه للنيابة."
"فريدة: "تمام، اهدي، النهاية قربت، وأوي."
***
بعد ساعتين، بالمركز، يجلس الجد، وبجانبه سويلم، وفهد.
"سويلم: "فين أخوه، ييجي يدفن مرته."
"فهد: "مفيش دفنة ولا كلام من ده، إلا لما الجثة تتشرح ونعرف سبب الوفاة."
"سويلم بتوتر: "كيف ده، ده لا يمكن يحصل أبدا، من ميتا واحنا بنشرحوا جثث حبايبنا."
"فهد: "ومن ميتا واحنا بنبهدل اللي منا بالأقسام يابوي، مرتي بريئة، وإني هعرف أثبت إنها بريئة."
خرج المحامي، اندفع فهد عليه: "طمني يامتر."
المحامي: "اهدي يافهد يابني، أنا طلبت تشريح الجثة."
"سويلم باعتراض: "لا لا يمكن يحصل."
الجد بحده بعدما خرج من سكاته، وصمته، وحزنه على سلوي بالاخير هي حفيدته: "اللي جاله فهد، هو اللي هيحصل. مدام معملينش قيمة لكبيركم، وعاوزينها جانوني، يبقي جانوني ياسويلم. اللي فات كوم واللي جاي كوم، وانتو عجلتوا بالحساب المركون بجاله سنين. يبقي اتحملوا."
***
"إيه اللي بتقوله ده يافهد."
"فهد: "اللي حصل يا كيان. لازم ترجع."
"ياريت متعرفش فريدة حاجة، الجد بيقولك اوعي فريدة تعرف، خليها بعيد بولادها على مالحساب يخلص."
كيان بتوتر: "عندك حق. ديما قدمت التقارير اللي معاها للنيابة، وأظن ده هيفيد في موقف سلمي."
"فهد: "متقلقش يا كيان، كل اللي بيحصل لسلمي، تحصيل حاصل، أنا فهمتها كل حاجة، متقلقش. كمان الكاميرات اللي زرعناها في الدوار، والتسجيلات بتاعتهم، دلوقتي مع الحكومة. كمان شهادة عمتك نادية وراجي، متوثقة في النيابة من زمان. قربنا ننضف متقلقش. وكمان."
"أكدلي إنهم بدأوا حفر في الدوار، من يومين."
"المهم، اوعي عمتك أو فريدة تعرف حاجة، أحسن عمتك تتهور، وترجع وساعتها، اللي خططنا له باظ."
كيان: "تمام يافهد. هطمن على سليم، وأسيبهم وأجي."
"فهد: "صحيح عملتو إيه في العملية."
كيان: "التحاليل بتاعت سليم تطابقت مع أبوه، دلوقتي في العمليات."
"فريدة متوترة ومرعوبة: "هطمن عليها وعلى سليم وأكون عندك متقلقش."
"ديما بتقول إن نسبة نجاحها 90 في المية."
"فهد: "الحمدلله، ديما دي جتلنا نجدة من السما."
كيان: "فعلاً.. الحمدلله."
***
"إيه دا ياراضي، إيه الجمال ده، ده بيتنا بجد."
راضي بابتسامة: "اه بيتك وملكك ياقلب راضي."
جحظت عيناها وهي تردد بدهشة: "جلب راضي؟ قول كده تاني. انت قولت أنا قلبي.. صح؟ سمعت صح؟"
راضي وهو يجذبها لجانبه على الأرجوحة: "أيوه جولت، إنتي جلبي وروحي، وعمري. بحبك من زمان يابت عمي، بحبك ومهشوفش غيرك أبدا."
أسكتته بيدها، بصدمة: "استني كدا، استني كدا."
"باه، أسكت ليه، سيبيني أتحدث عشان متجوليش جبل التلج ده."
هزت رأسها برفض: "لالالالا، أنا عاوزاك تبدأ من الأول، فلاش باك بقي."
قهقه عليها: "لع، إني هجوله مرة واحدة، إني بحبك ياسمر، كل شيء أهنه ملكك انتي، ملك لسمر، كل ركن فيه، اخترته كيف ماكنتي تحبيه."
عبست: "بس أنا كنت فاكراك بتسألني عشان تتجوز فيه.. كنت بقعد أشتم فيك وفي اللي هتتجوزها، كل شوية، اللون ده حلو يابت عمي، طب الركنة دي حلوة، لحد ما كنت هطق، وخلتني اختار كل حاجة وحشة."
ضحك عليها وعلت ضحكاته: "طب ماني خابر إنك كنتي بتختاري الوحش بس. عشان أجده اللي كنت بخيرك عليه وتختاري الوحش فيهم، كنت أرجع أختار الحلو، على طول، خابرك مجنونة ولاسعة."
"كنت عاوز أصرخ وأجولك باه، يامجنونة، ماني هتجوزك انتي فيه، انتي يا جلب راضي."
ابتلعت ريقها: "يعني انت، بتحبني بجد ياراضي؟"
نظر لها بسخط: "باه، بعشقك يا بجرة، إني جولت إنك ميمشيش معاكي تعليم والكلام ده، انتي بجرة."
تأففت: "إف منك، فصيل."
ارتمت بأحضانِهِ، وحمد الله: "الحمد لله، أصل لو كنت جبت اللي اخترته كان ممكن يجيلي جلطة قلبية."
"هههههه، سلامتك يا جلب راضي، إن شاء الله اللي يكرهوكي."
قبلته بهدوء، شرود، وشيء بقلبها يخبرها أن هناك شيئًا ليس على ما يرام. تريد أن تخبره، لربما منعت جدتها من أذية أحدهم. سكتت كثيرًا، لاحظ صمتها. نظر لها باهتمام، وقلق.
"مالك ياسمر، فيكي إيه؟"
ترددت، قليلاً، وهمست: "راضي.. في حاجة خطيرة أوي، عاوزة أحكيهالك، بس أنا خايفة."
راضي باهتمام: "خايفة من إيه يا جلب راضي؟ احكيلي متخافيش."
ابتلعت ريقها، وحسمت أمرها: "هحكيلك."
***
"متخافيش، طول مانتي في حضني متخافيش."
"طول ما إيدي لمسة إيدك متخافيش."
"طول ما عشقك ساكن فؤادي متخافيش."
"من الدنيا وشرورها، متخافيش."
"قربي، احضني قلبي اللي من غيرك وحيد."
"احكي، ثوري، وعلى أكتافي ارمي حملك العنيد."
"طول ما جوا الروح انتي ساكنة، ثوري، اعترضي."
"متخافيش."
"اصرخي وقولي، طول ما هو جمب مني، مش خايفة."
"أصله عيونه طمنتني، وقالتلي، متخافيش."
رواية رحماكي الفصل العشرون 20 - بقلم أسما السيد
بعد شهران،
بصلاة الجمعة، بجامعهم القريب، الناس يتهافتون لسماع حلو كلامه، صوته العذب بالقرآن يجذبهم، ينسيهم آلامهم، ويعينهم بحياتهم ومشكلاتهم. كل جمعة يختار إحدى مشكلات أهل الحي، التي يرددونها على مسامعه. هو ليس طبيباً نفسياً لهم، ولكنه يجعل من كلام الله عز وجل طبيباً لجروحهم، يوجههم بكلماته الرحيمة، لتنفيذ حكم الله بمشكلاتهم. هم ضحايا مجتمع اخترع التقليد، وجعله شعاراً لأيامه، يقلدون كل شيء، بلا خبرة، بلا فهم.
واليوم اختار موضوع خطبته، يوجه فحواه لها هي، لعلها تشعر بقلبه وتقبل أسفه. هو مقتنع أن ما فعله هو الصح، وهي لم تعاتبه، ولكن علمه من الخالة ماجدة حزنها، وخيبتها به. لقد فكر بها وبأهلها، لذلك بحث عن أخيها، حتى وجده وطمأنه عنها، وأنها بأمان معهم. لا تربطه به أي صلة غير ذلك الهاتف الذي يجري بينهم كل يومين. رفض كل تدخل من أخيها وطمأنه عنها، هي أمانة ألقاها الله بطريقه ومسؤول عنها. ليس من العدل بحق أهلها، أن تبتعد هكذا وتجلب لهم العار. لقد فكر بهم وبها. أخوها متفهم، شرح له حالتها ووافقه على ما فعله ويفعله معها. هي تستحق الأفضل، يريدها ملكه متوجة، لا هاربة، ضائعة، لا أهل لها. لو كانت بلا أهل لأصبحت أهله كلهم وأصبح بالمثل لها، لا ينقصها شيء. ولكنه لا يريد أن يغضب الله بها.
واليوم سيلقي كل كلمة لها، سيرميها بها، حتى تشعر بأنها كنزه الثمين، ولا تقلل من قدر نفسها أبداً. هي ملكته المتوجة، وما فات لا يعنيه بشيء. يريد أن تقترب المسافات بينهم، لا أن تتباعد هكذا. كل يوم ترمقه بنظرة معاتبة وهي ذاهبة لمعهدها، وهي ترمي غلاف الشيكولاتة التي يجلبها لها. ما يطمئن قلبه أنها تلتهما كلها، كما تخبره برسائلها له. ولكن نظرتها المعاتبة، تلك النظرة تؤلمه.
وصل أخيراً، واستغفر الله، وبدأ الخطبة كعادته، باسم الله. دخل مباشرة بموضوعها، وأنصت الجميع له.
"كلنا خاطئون.. كلنا مذنبون.. في رواية أحدهم.. كلنا نستحق فرصة أخرى."
ارتعش جسدها وهي تجلس باهتمام، تستمع لنبرته ببحة، التي تصل للقلب سريعاً، تؤثر بها وتبعث بقلبها الأمن والأمل. صوته الآتي من منبر الجامع القريب، مردداً تلك العبارة بقوة. ارتعدت وهي تستشعر أن خطبته التي يلقيها اليوم موجهة لها هي.
هي تحبه، تعشقه، ولكنها تشعر أنها موشومة بالعار، لا تستحق شخصاً كقاسم. عتابها عليه أنه بحث عن أخيها وطمأنه، مازال قائماً. لقد علمت من عابد أن قاسم رفض أن يأتي لها ليراها، ويظهر أمامها. وعابد احترم رغبته، وشجعها بطريقها الجديد. عابد أخبرها أنه يثق به، لن يظهر بحياتها إلا حينما تتصل به وتخبره أنها تحتاجه. هي ممتنة لقاسم، بأنه طمأن عابد، وأخذ تلك الخطوة عنها. كل يوم تشعر بأنها لا شيء بدونه، كل ما حولها هنا له بصمة فيه.
علمت ما حدث لوالدتها وأخيها، ولم تحزن عليهم أبداً. تفهم عابد لموقفها وعدم تقريعه لها أسعد قلبها.
اقتربت ماجدة، تلك السيدة الأربعينية الجميلة التي رحبت بها ببيتها، واحتضنتها بحب. فارتمت بأحضانها تبكي بندم. تركتها تخرج ما بقلبها، لعلها تهدأ وتستكين. إلى أن هدأت أخيراً.
"بقيتي أحسن."
هزت رأسها بالإيجاب. فابتسمت ماجدة لها بحب.
"كل حاجة هتبقى تمام صدقيني."
تمتمت بالدعاء خلفها. "يا رب."
انتهت الخطبة، وجلست بشرود بتلك الشرفة التي تطل على الشارع. ومن بين شرودها رفعت عينها وصدمت بعيناه الشاردة بها.
انتهى من خطبته التي يلقيها كل جمعة بالمسجد القريب وخرج لعمله. فتح ورشته ووقف يصارع رغبته بالنظر لشرفتها. كل كلمة أخرجها اليوم وجهها لها. هي لم تكذب عليه، أخبرته منذ فتحت عيناها ذلك اليوم بعد أيام. خبرته بالنفوس جعلته يدرك كم هي صافية بداخلها، جميلة كجمالها العربي ببشرتها القمحية وعيونها البنية التي تلمع كالعسل الصافي بضوء الشمس. وقعت فريسة سهلة لشيطان الإنس، ولكنه لن يكون جلادها. يكفي ما تشعر به. احترم صراحتها وحزنها. هو ليس ذلك المتدين المتزمت ليجلدها ويعاقبها. لقد أصر أن يوجه كلماته تلك اليوم بخطبته لها وهو يعلم أنها تستمع.
"كلنا خاطئون.. وقلبه يسامح."
استغفر الله بقلبه، ولم يستطع. يريد لمحها وسيستغفر طيلة اليوم. رفع بصره لعله يلمحها. فاصطدمت عيناه الخجلة، مما يفعله بعينيها الشاردة الحزينة. ابتسم لها وبقلبه كبرت بذرة الحب بداخله لها. وبادلته أخرى حزينة نادمة وكأنها تخبره: "ليتني رأيتك قبلًا... وياليتني لم أفعل ما فعلت."
تناسى ذلك واستفاق أخيراً لهيئتها. أين النقاب؟ انطلقت شرارات عينيه، وأخرج هاتفه، كتب على عجل لها.
"أين النقاب؟"
أخرجت الهاتف الذي أهداه لها، وفتحتها على رسالته، وجحظت عيناها، ومدت يدها بتلقائية لوجهها، وشهقت ودخلت للداخل. لمحها تهرول للداخل، وبعد دقائق وصلته رسالتها.
"نسيته، حقك عليا."
حك رأسه بحزن، وكتب لها.
"هطلبك من أخوكي، أتجوزيني يا أمل. عدتك خلصت، مفيش أعذار."
صدمت من محتوى رسالته، وحطت بيدها على فمها بصدمة. أخذت وقتاً كثيراً لتهدأ وكتبت له.
"كلي أخطاء، تملؤني الخطيئة. ليس من العدل أن يقترن اسمك الذي يتغنى به الجميع باسمي."
وأخيراً وصلته رسالتها. ابتسم وكتب لها.
"جاوبتك اليوم، وسأجيبك دائماً. كلنا مذنبون، من منا بلا خطيئة. أقبل بك، فلا تزايدين على نفسك، ولا تقللي من قدرك."
أدمعت عيناها وهي تقرأ أحرف رسالته لها. وكتبت له برعشة بيدها.
"خائفة."
رد عليها، وسألها.
"مما؟"
أجابته.
"أن يأتي عليك يوم، وتعيرني بما كنت يوماً. أن ترميني بكلمات قاتلة، وتفتح جروحي بعدما التأمت قليلاً."
ابتسم بحزن وأجابها.
"جروحك الملتأمة حديثاً، تخصني. معاً سأعمل على أن نمحيها، حتى تصبح لا أثر لها. فهل توافقين بي؟ هل تقبلين بقلبي، ليكون خاصتك؟"
علت شهقاتها، ودموعها أغرقت محياها، ورددت. "الحمد لله. الحمد لله يا رب."
وأجابته.
"موافقة، وكل يقين أن بك ستلتأم جروحي. وهل أستطيع أن أرفض من أهدت على يديه الروح؟"
حك لحيته وابتسم بسعادة، مردداً. "اللهم اجمع بيننا في خير."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شهران كاملان، منذ صدر قرار الإعدام بحق والدتها، وتم تنفيذه وهي ببيت جدها. منذ تفاجأت ذلك اليوم بوقفته ببدلته الميري أمامها، آتياً لتنفيذ حكم القبض على والدتها، وجحظت عيناها بصدمة، وهي ترفض مقابلته. لا ترد على هاتفها، وحينما يذهب لها، ترفض مقابلته. حظهم عاسر، وهو تعيس بهواها.
اقترب فهد منه، بسخرية لحاله.
"مالك يا حظابط؟"
جز راضي على أسنانه، ورمقه بغيظ.
"مالي، ما أنا كويس أهو."
"أوعى حل عنيفهد."
بتنهيدة. "بقولك إيه، بطل قرك ده. ما الحال من بعضه يا خويا. سلمى مش راضية تسامحني، وعمتي نادية مقومها في دماغها الـ إيه مفيش جواز إلا لما سلمى تخلص ثانوية عامة."
نفخ راضي سيجارته بغيظ، بتلك البرجولة بآخر أراضيهم حيث كانوا يجتمعون صغاراً، وفرقتهم الدنيا كباراً، ولكن بكل مناسبة يأتون ويجتمعون بها. مجموعة من شباب البلدة بأعمار متقاربة، أكبرهم هو عز الدين وكيان وراضي، يليهم فهد، وآخرون. فرقتهم الدنيا هنا وهنا.
"بقولك إيه يا راضي."
التفت راضي لكيان الجالس بقرب عز الدين البائس، الذي يرسم بيديه على الأرض اسمها (ڤيرولين). تنهد ونقل بصره لكيان، باستفسار.
"راضي، تفتكر سعدية وسويلم راحوا فين؟ من ساعة تشريح الجثة ما ظهر وهما اختفوا. مخبيش عليك، أنا خايف ومتوتر، أنت عارف إنهم كتلة شر ماشية على الأرض."
راضي بشرود. "هيظهروا متقلقش، خصوصاً بعد ما المعبد اللي كانوا بينقبوا عنه جدك قرر يسلمه لهيئة الآثار."
خرج عز الدين أخيراً من شروده، بلهجته الضائعة، بعضاً من المصرية على بعضاً من الألمانية.
نفخ فهد. "الله يخليك يا عز، حدد موقفك. يا ألماني، يا مصري."
رمقه عز بحدة. "يا أخي وأنا أعمل لكم إيه، ما أنا بقالي سنين بكلم ألماني. سيبني آخد عاللغة واحدة واحدة."
كيان. "سيبك منه يا عز، قول كنت بتقول إيه."
أومأ وأكمل. "عاوز أقول إن المعبد ده هيبقى مش سهل فتحه، لازم حد عليم، ولازم انتو تبعدوا من المكان."
كيان. "إحنا فعلاً هننتقل للدوار الجديد في آخر البلد. هو بقى تمام."
عز الدين. "تمام، كدا. سويلم وسعدية، كدا هيطمنوا أكتر، وهيحاولوا بكل الطرق إنهم يوصلوا للمعبد وياخدوا الزئبق الأحمر."
فهد. "اشمعنا، وإيه الزئبق الأحمر ده يا عز؟"
عز الدين بهدوء. "هقولك ليه. الزئبق الأحمر ده، مادة سحرية، تقدر تسخر بيها والعياذ بالله الجن. ومن اللي انتو بتقولوه، واللي سعدية قالته لسحر وسجلته الكاميرات، إن سعدية جندت اللي معاها لسلوي، عشان كده هي دلوقتي واقعة تحت لعنتهم. فلازم الزئبق الأحمر عشان تعرف تجندهم ليها. فهمتوا."
"سعدية كدا كدا، هتظهر، ومش بعيد تكون في مكان قريب مننا ومش واخدين بالنا."
كيان. "برافو عليك يا عز، طول عمرك بتبهرني بدماغك، أنت المفروض يا ابني نعمل لك تمثال."
راضي. "سويلم وراه راس كبيرة أوي، وهي اللي بتحركه، بس مين، الله أعلم. ده اللي مش قادرين نوصله."
فهد. "على كلامكم ده، إحنا لسه في خطر."
راضي. "للأسف إحنا فعلاً في خطر. وخصوصاً كيان وفريدة، وعيلة عمتك نادية. سعدية، حطهم في دماغها، وبينهم عداء قديم."
ردد كيان بخوف. "ربنا يستر يا صاحبي."
انتبه كيان لعز الدين الشارد بوجع، ولنقشه المستمر باسمها. تنهد وربت على كتفه.
"وحشتك..؟"
أغمض عينيه بوجع. "أوي."
"متقلقش، فريدة شفتها، وبتقول كويسة."
نظر له بضياع، وسأله بوجع. "بجد كويسة؟"
كيان. "متقلقش، كله هيبقى تمام."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يا ماما، يا ماما."
ردت نادية عليها. "مالك يا سلمى في إيه؟"
سلمى بتافف. "عجبك كده، فهد مجاش وأنا عاوزة أروح أشتري حاجة، وبكلمه بيقولي مش فاضي."
ابتسمت نادية على جنان ابنتها وأخذتها من يدها وأجلستها بجانبها.
"سلمى.. انتي بتحبي فهد فعلاً..؟"
رفعت سلمى حاجبها لوالدتها بغيظ، وأشارت بيدها على وجهها. "شايفة إيه؟ آه بتزفت بحبه."
نادية. "طب لما انتي بتحبيه، رافضة إنكم ترجعوا تعيشوا مع بعض ليه وليه بدالي هنا؟"
سلمى بحزن. "خايفة يا ماما، خايفة أعيش وأستقر والحياة تبقى بمبي، وفي لحظة أخسر كل حاجة. أنا نفسي نخلص من العقارب اللي حوالينا دول، وساعتها أنا اللي هجري وأقوله بحبك."
نادية. "وافترضي من مسكوش وفضلوا هربانين، هتفضلي موقفة حياتك يا سلمى؟ أنا وافقتك بس على جنانك على ما تخلص امتحانات الثانوية، لأن فهد متيور وأنا عارفة إنه هيعطلك. بعد كده، مالكيش مكان هنا، مكانك في حضن جوزك. فاهمة."
ابتسمت بسعادة، وقبلتها بلهفة. "فاهمة، يا أحلى ماما."
جرت وعبثت بشعر تلك الشاردة الحزينة، وخرجت لها لسانها وجرت مسرعة. تردد بغيظ لسمر.
"سمر يا أتمه، خليكي قاعدالنا كده."
ضحكت نادية على نقارهم معا، وابتسمت سمر بهدوء وأدارت وجهها للطريق الظاهر أمامها من الشباك. لمحته آتياً بصحبة كيان وعز الدين وفهد، يتسامرون كعادتهم القديمة ويركلون الحصاوي أمامهم. رفع عينيه، فوقعت على عيناها الشاردة الحزينة. همس بشفتيه لها، همسة فهمتها ودخلت لقلبها.
"بحبك.. وحشتيني."
كتمت بسمتها وشوقها له. أربعة بجلابيب يصعب التفريق أن هؤلاء مهندسين ورجال أعمال وظباط. ابتسمت بنفسها وسخرت من حالها، وهل استطاعت التفريق بين راضي جبل الجليد وراضي التي تفاجأت به تلك الليلة وهو آتياً للقبض على والدتها.
أدارت وجهها، فحطت على خالتها نادية، الجالسة بجانبها. ارتمت سريعاً بأحضانها. تنهدت نادية.
"لحد امتى يا قلب خالتك، هااا."
بكت بغلب. "بحبه يا خالته، أنا مش زعلانة إنه قبض على أمي. أمي وأختي يستاهلوا اللي جرالهم. أنا زعلانة من نفسي إني كنت فريسة سهلة للكل يضحك عليا، حتى راضي ضحك عليا، واستغل طيبتي، وخاف يقولي إنه ظابط."
نادية. "متعذبيش نفسك يا سمر، كلنا ما كناش نعرف إن راضي اتخلى عن دور الصعيدي، وكمل تعليمه. مفيش غير كيان وجدك وفهد اللي كانوا يعرفوا، وأنتي كنتي بعيدة عنه. مضيعيش عمرك يا سمر، انسي يا قلب خالتك وعيشي حياتك، اسمعيله، حسسيه إنك باقية عليه."
مدت يدها تربت على بطنها، فرحيه باللي جاي. "إنتوا تستاهلوا تعيشوا مع بعض. آه لو تعرفي بتمنى لمحة من عينين عمك مراد، لحظة واحدة تجمعنا كلنا على ترابيزة واحدة، ونفرح فيها سوا بولادنا وجمعتهم. مضيعيش عمرك يا سمر، راضي قبلك قبل كده، زي ما أنتي وهو عارف أمك إيه، وأختك إيه. فاقبليه وارفعي راسك بفخر ليه. وشاوري وقولي، ده جوزي."
عبست بفمها بطفولية. "لا يتأدب الأول. يا خالته."
ضربتها على رأسها بخفة. "مفيش فايدة فيكي. قومي يا أختي لمي حاجتك عشان هننقل الدوار الجديد الليلة. الحكومة هتستلم الدوار ده بكرة."
"مجنونة. والله. ده راضي ليه الجنة."
ضربت الأرض بقدمها. "اف منكم. أدارت رأسها وجدته مازال واقفاً ينظر لها. همست بدموع. "راضي."
وكأنه استمع لندائها، فصرخ عليها. "عيون راضي."
لمعت عيناها بالدموع ودخلت مسرعة.
ــــــــــــــــــــــــ
نظر لها باستغراب لما تفعله، تدور وتدور خلف نفسها وبيدها ذلك الكتاب اللعين، يقسم أنها لا تفقه به شيئاً. ظالم من أدخلها ثانوية عامة. ابتسم على جنانها، وسألها.
"مالك يا ياسمين، عمالة راحة جاية كده ليه؟"
نطرت الكتاب خلفها، واقتربت منه، تهمس بوداع. "بودي."
رفع حاجبه لها بمكر. "مادام فيها بودي والكلام ده، يبقى نصيبه. عملتي إيه يا مرات بودي."
حملت حاسوبه من على قدميه وأبعدته عنه.
"إيه ده بقى؟"
نظرت له بعداء، وكأنه أخذ إحدى ممتلكاتها، وقالت. "مكاني."
سألها بسخط. "مكان مين، يا أختي؟"
أشارت بيدها على قدميه. "ده مكاني. أنكر قول مش مكاني. من يوم ما فتحت الشركة دي، واللاب ده واكل حقي، وساكتة. فاض بيا، اف."
قهقه عليها، وهمس لها. "يا شيخة، الكلام ده بجد. ده أنا هفلس بسببك. هو انتي بتهننيني على شغل ولا على قاعدة."
أكلت شفتيها بأسنانها غيظاً. "اف بقي، أنا عاوزاك ليا لوحدي. مليش فيه."
حرر شفتيها بإصبعه، وهمس لها. "طيب ما أنا ليكي لوحدك، من يوم ما عرفتك، وأنتي قاعدة ومتربعة في قلبي لوحدك. ليه الطمع ليه؟ ها. أوليه تبوظي منظر شفايفك كده. قلت لك ميت مرة ملكيش دعوة بممتلكاتي يا ياسمين، وارحمي أمي. أنا مبقتش عارف أركز في حاجة خالص، غير فيكي."
اقتربت بمكر وقبلت لحيته قبلات تعلم مدي تأثيرها عليه. همس بضعف. "ياسمينة، أنتي مجرمة."
وبجرأة اعتادها منها، جرأة علمها لها، وتعلمتها وأتقنتها. كانت هي البادئة بكل شيء، هي البادئة. همس لها. "ياسمينة."
فأجابته بإجابتها التي تشعره بالفخر لترديدها كلماته. "كتلميذة نجيبة. عيون ياسمينة."
تاه بها وتاهت به. بعد ساعة بأحضانه، مازالت متوترة. لاحظ توترها، ومد يده وأخذ لوح الشيكولاتة الموجود بجانبه، فتحه بهدوء وأطعمها منه، تشاركا به كالعادة حتى أنهماها معاً. همس بجانب فمها، وهو يمسح الباقي بشفتيه.
"شبيك، لبيك، عابد سامعك وملك إيديك."
وضعت إصبعها تحت أسنانها تعض عليهم بتوتر. وهمست. "عابد."
ابتسم، وخبأ ضحكاته المجلجلة عليها. هو يعلم ما تود قوله، لقد رآه بالمرحاض. يعلم أنها خائفة منه، لقد حذرها، وهي كالعادة، أطاحت بتحذيراته ورمتها عرض الحائط. تمتم. "ممممم، قولى يا قلب عابد، عاوزة تقولي إيه."
أخذت نفساً عميقاً، وابتسمت بخوف. "عابد أظاهر كده، والله أعلم، وربنا يكذب ظني، إني يعني.. إني يعني.."
رفع حاجبه لها. "علقِتِ يا ياسمين."
"انتي إيه يا قلب عابد؟"
"إني حامل."
سكت وسكتت وهي تنتظر أي رد فعل. يكبت ضحكاته عليها. الغبية تحسبه لا يريد أطفالاً منها، ولكنها كان يريدها تنهي امتحاناتها أولاً. والآن ماذا سيريد أكثر؟ يشعر بأن الدنيا لا تسعه من الفرحة، ولكن ليربيها أولاً. نظف حنجرته، وسألها.
"هسألك سؤال وحيد."
ردت بخوف. "إيه هو؟"
"كنت بتاخدي الحبوب اللي جبتهالك يازفتة؟"
هزت رأسها بالرفض. "لا."
جز على أسنانه، كان يعلم. "ليه؟"
"عشان خفت أتخن وأفشل، شكل ما قريت البنات عالجروب. ماهي كتبه، فرميتها."
جحظت عيناه من إجابتها الصريحة. "نعم. بنات وجروب. إيه ده؟"
"ده جروب نسائي يا بودي، بنتبادل فيه الخبرات، متخدش في بالك أنت."
جز على أسنانه. "مخدش في بالي، إيه ياهبلة أنتِ، هو في حد بياخد خبرات من النت والجروبات، ولا في ست بتنصح ست أساساً بضمير. مش كفاية الأكلات اللي هريتي معدتنا بيها، واللي إيه من عالنت. منك لله يا ياسمين."
عبست. "اف بقي يا عابد، اهو اللي حصل."
زفر بتعب منها. "مجنونة والله، يا قلب عابد ينفع كده، هتروحي امتحاناتك إزاي دلوقتي؟ شهور الحمل الأولى عايزة دماغ مصحصح، وأنا أقول دماغك راحت فين، أشرح وأهري في نفسي، وأنتي ولا أنتي هنا."
عبست. "اف، الله بقي يا عابد، ما أنا بصراحة عاوزة أنام على طول. أنا بحس إن في سحابة بتسحبني للنوم، وأنا بصراحة ضعيفة وبستسلم ليها."
قهقه عليها، وأخذها بأحضانه، قبل رأسها. "خديها، كل شيء طالته شفتيه، وتمتم بعتب. عجبك كده، ينفع كده. أربيكي ولا أربي عيالك؟"
حاوطت عنقه. "لا مليش دعوة بعيالي، ربيني أنا."
ضحك عليها. "أنتي فعلاً يا ياسمين عاوزة تربية، عشان مش بتسمعي الكلام."
ابتسمت وهمست بأذنه. "على فكرة أنا روحت مع ديما عملت سونار، طلعوا توأم."
ابتلع ريقه، ونظر لها بسعادة ممزوجة بالخوف عليها، والقلق من مسؤولية جديدة عليه. وهمس بعدم تصديق. "بجد.. بتكلمي جد يا ياسمينة."
مدت يدها وسحبتها ووضعتها على بطنها. "هنا في روحين، حتة منك. عارف نفسي ياخدوا رجولتك وجدعنتك، شعرك السايح وقلبك الطيب، حنيتك، بشرتك، شفايفك، إيديك. عاوزاهم أنت. أنا بحبك أوي يا بودي."
ابتلع ريقه، وبلع غصته. أخذها بحضنه بيده اليسرى ومد يده اليمنى يتحسس بطنها المسطحة بها امتلاء قليلاً بحنان. "وأنا بعشقك يا قلب بودي."
همست له بحب. "مبسوط."
"طاير من الفرح، مش مبسوط بس."
ابتسمت وقربت فمها من أذنه بتلك الأغنية التي تعشق غنائها له. همست له بأذنه بتلك الأغنية التي تغنيها له دائماً، يصحي على كلماتها، وترتمي بأحضانه بسعادة وتشجعه بها له دائماً.
"أنا أنا كلي ملكك
أنا كل حاجة حبيبي فيه بتناديك
أنا أنا مش بحبك
الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك
فرحة جت لعندي بعد عمر من التعب
في السعادة اللي بعيشها يا حبيبي انت السبب
ضحكتك عقلك جنونك والحنان اللي في عيونك
أوصف إيه وأحكيلك إيه معاك بضحك وبفرح
مبقتش خايفة إزاي هخاف، وأنا بين إيديك
ساعات بخيالي بسرح قبل ما بحلم كل حاجة ألقيها فيك
والسنين هتفوت وتمشي منك أنت أنا مش همل
بعدك يا حبيبي عمري شوقي ليك لا في يوم هيقل
بقى فرحك وقت حزنك في التعب تلاقيني حضنك
كل يوم من عمري ليك."
انتهت، وهمست له. "بحبك."
"وأنا بعشقك يا أحلى نصيب، أنتي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي يا ياسمينة، بحبك يا مجنونة أنتِ."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى التي تعمل بها كطبيبة أطفال، بسوهاج. دخل يتسحب على أطراف قدميه، واختطفها بيديه. صرخت. "عاااااخص عليك يا كيان، خضتني."
رفع حاجبه لها. "خضتني يا كيان، بقي في واحدة تستقبل جوزها كده؟ عموماً، وحشتيني يا قلب كيان أنتِ. إيه مخلصتيش؟ عاوزين نروح."
"لا خلصت يا قلبي، ده آخر كشف، بس هنروح نطمن عالبيبي قبل ما نمشي."
"ايوا بقي، أوعى كده عاوز أمسي على حبيبة باباه."
هبط لبطنها وقبلها. "إزيك يا قلب بابا، أنا زعلان منك، عشان أنتِ فرقتيني بسرعة عن ماما، وأنا ملحقتش أشبع منها."
ضربته على رأسه بخجل. "سافل والله."
اقتنص قبلة منها، وهمس. "عيون السافل أنتِ."
ـــــــــــــــــــــــــــ
"إيه اللي بتجوليه دا، يا بتاعة الودع. عدنان لا يمكن يخوني. ابعدي من أهنه."
لملمت ودعها، بعدما ألقت بأذنها السموم، وفي عقلها. "ليلة سعيدة عليك يا عدنان، عشان تبجي تفضلها على، إني عشت رحاله بين الجبايل، من وين ما تروح أروح وراك، وبرديك مافيش في جلبك إلا ساجدة. وحياتي لخليها تفوتك وتجي تسترجاني إني."
نظرت لها بخبث. "بشوجك يا ساجدة، إني جلتلك الودع إيش بيجول، جوزك بيخونك مع مالكة الغزية، ولو مش مصدجة الودع، اليوم روحي شوفي بعيونك بفرح بن الهوارة، فوتك بعافية."
تركتها ورحلت تبتسم بخبث. "هانت جوي يا عدنان."
اقتربت عزيزة منها، زوجة وهدان. "اوعاكي تصدقيها، بتخربي بيتك، وبتهدميه يا ساجدة. الودع ده بدعة وضرابة الودع، بت مش سالمة، شكلها هتجرجرك لنصيبه."
ساجدة بحيرة. "خايفة يا عزيزة."
ضربتها عزيزة على رأسها. "انتي غبية يا بت، خايف من إيش. عدنان، اللي ما همه حدا، واتغزل بيكي بوسط الجبيلة والجبائل، بيخونك، والله إنك بجرة. وأني بنفسي هروح للراوي وأشكيله. البت دي وراها نصيبة ولازم نخلصوا منها."
ساجدة. "لاه، خلص، إني مهروحش. إني مصدجة عدنان، بس لازم أحكيله اللي صار."
عزيزة. "عفارم عليكي يا ساجدة، يلا همي روحي اعملي الوكل لجوزك، زمنيته راجع هلكان. جوزك ما بيستحق البطران، بكفياه اللي بيشوفه على إيد وهدان."
ساجدة بابتسامة. "مانتي اللي مش مسيطرة يا عزيزة، جُلنا هتلميه، صار أعند من الأول."
عزيزة. "فوتيني يا ساجدة، الله لا يسيئك، متفكريني ببوكي، بيعند كيف البغال. كان يوم مطين يوم ما اتجوزته."
ضحكت عليها، وتركتها ورحلت. تتمتم. "ربنا يهديك يا بوي. ويعمي عينك عن ابن الخال."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طرق الباب بهدوء. قلبها يرقص طرباً لرؤيته. استندت على الباب حتى فتح لها. هنا بالعماره التي يسكنون بها، عابد وياسمين بالأعلى، وهو أسفلهم، وهي أسفل منه هي ووالدتها وأختها. فتح لها بهدوء. وجدها هي. ابتسم بسعادة لها وهمست بخجل.
"أزيك النهارده يا أحمد."
همس بهدوء وفرحة. "تمام، ازيك انتي يا دينا؟" (دينا شقيقة ديما الصغرى، بكلية آداب. عشقت أحمد منذ التقطه ذلك اليوم بعد عودته من المشفى. تعلم قصته كاملة ولأنها تدرس علم النفس تعذره. أحبته، وعشق فاضح. الجميع يعلم به).
"أنا كويس، معلش مش هينفع أقولك اتفضلي."
ابتسمت بهدوء، ومدت يدها له بطبق من الكيك الذي يحبه.
"تفضل أنا عملاه مخصوص عشان أنت بتحبه."
ابتسم لها ومد يده وأخذه منها. "تعبتي نفسك يا دينا، مع إن بصراحة أنا بعشقه من إيدك. وياسمين الحمد لله فاشلة مبتعرفش تعمل حاجة."
قهقهت عليه. "فعلاً ياسمين اللي قالتلي أعملهولك. هي بصراحة حاولت، وكانت هتحرق البيت. فعابد حلف ماهو معمول في البيت تاني."
ضحك وهو يتناول إحدى القطع، ويمضغها باستمتاع وسعادة. "تسلم إيدك يا دينا. الكيك تحفة."
"بالهنا والشفا يا أحمد. عن إذنك بقى."
نظر لها وهي تهبط بحب، وبفكرة ستستدير الآن.
"١٢٣."
استدارت له. وهمست. "أحمد، أوعى تنسى علاجك."
ابتسم بحنان لها. "مش هنسى يا دينا."
مدت إصبعها بتحذير له. "أوعدني."
ضحك ولمعت عيناها. "أوعدك يا دينا."
دخلت فالتقطتها أختها، تقلدها. "أوعدني يا أحمد."
نطقت والدتها. "تماشي أختها. "أوعدك يا دينا."
ضربت الأرض بقدميها، وتمتمت بغيظ. "اف منكم. قلت لكم متتسنطوش عليا."
رفعت يدها للأعلى. "يا رب قرب البعيد بقي. ويشفيك يا أحمد يارب."
ديما بسعادة. "احنا واقعين، واقعين."
دينا. "أووووي أوووي. بحبه يا ديما، قوليله بحبه."
ديما بحب. "أحمد إنسان جميل من جوه، ربنا يسعدكم يا دينا. مبسوطة إنه لقي الحب الحقيقي. بس نخف هااا، مبنعرفش ننام بالليل من تكتكت التليفون والرسايل."
رفعت يدها للأعلى بلهفة. "ياااااارب، ريحني منهم بقي، وجوزني احمد."
قذفتها أمها بأحدي المعالق. "واقعة. يا بت اتقلي، قرفتينااااااه. اف منكم، حرام عليكم بجد."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
"يا بعيد، بدعي من قلبي، تفضل هنا جنبي. تقرب المسافات وتنتهي المتاهات. العمر بيعدي، أفضل هنا جنبي. العمر زي القطر، بيفوت ويجري. قرب، الوقت بيعدي، بناديك ما تسمعني. يا بعيد، قرب بشوق ضمني، انسى اللي فات حسني. أنا وانت روحنا في بعض. قرب ننسى اللي فات والبعد. نصرخ نقول للدنيا، يا حبيبي أنا وانت لبعض."