صدع صوت صرخات عالية من إحدى الغرف في المصحة النفسية، جاء على أثرها كل من في المستشفى من أطباء وممرضين. كانت تصرخ بصوتها المبحوح وتمسك بيدها قطعة حادة من الزجاج وتهدد بها كل من يقترب منها في ذعر وخوف. صرخت بهم: –ابعدوا عني مش عايزة حد هنا! اطلعوا برا! اقترب منها أحد الأطباء وقال: –اهدي.. صدقيني محدش هيقرب منك بس ابعدي اللي أنتِ ماسكاه ده! قالت بغضب عارم: –مستحيل المرة دي محدش هيقدر ينقذني.. خلاص كل حاجة انتهت.
وفي تلك اللحظة جاء صوت من خلفهم يقول: –هيهون عليكِ تسبيني وتمشي؟ تغيرت نظراتها فجأة ونظرت نحو مصدر الصوت لتجده أمامها. ابتسمت بفرحة وأمل وتركت قطعة الزجاج من يدها ثم ركضت نحوه بسرعة وارتمت في أحضانه وكأن شيئاً لم يكن! قالت: –كويس إنك جيت.. خرجني من هنا خليني أمشي. –طبعاً.
ثم نظر إلى أحد الأطباء فجاء بسرعة وحقنها بحقنة مهدئ، فارختخت بين يديه ولكنها ظلت تنظر إليه بعيون غارقة بالدموع. حملها بين يديه ووضعها على سريرها وجلس بجوارها للحظات. لم تزاح عيونها عنه حتى همست له قبل أن تغمض عيونها: –عاصي. *** في مكان آخر، تململت في سريرها بملل وفتحت عيونها بعد محاولات كثيرة لتغط في النوم ولكن بدون فائدة. زفرت بضيق ثم نهضت من مكانها وجلست على سريرها للحظات.
ثم اتجهت إلى مرآتها ونظرت إلى انعكاسها لوهلة وتأملت ملامحها. عيونها الواسعة ذات اللون العسلي المائل للون الزيتون الأخضر والرموش الكثيفة وبشرتها البيضاء الصافية وأنفا الحاد الصغير وشفتيها الرقيقة والمميزة جداً للونها الوردي الطبيعي. كان وجهها ليس بالممتلئ أو الرفيع، كان رقيق كما يحوي به من ملامح ذات جمال هادئ. أطالت النظر إلى نفسها حتى قالت: –لازم أنفذ كل حاجة النهاردة!
ومع تلك الجملة ظهر إصرار كبير في نظراتها. خرجت من غرفتها بهدوء واتجهت إلى غرفة أختها وفتحتها بهدوء ثم اقتربت منها وهي نائمة. ظلت تطالعها للحظات حتى أخرجت عود كبريت من جيبها وأشعلته! تململت أختها في سريرها وفتحت عيونها لتجد هذا المشهد أمامها فانتفضت مكانها بخوف وقالت: –رحيل! أنتِ بتعملي إيه؟ –يا ترى النار دي لو وقعت على الأرض.. إيه اللي هيحصل؟ –أنتِ اتجننتي! اطفي الكبريت بسرعة قبل ما يقع على حاجة!
–ولو معملتش كده يا داليا؟ نظرت لها داليا بخوف وظلت تصرخ ببكاء وخوف حتى جاء على صوتها والدها ووالدتها. وعندما دلفوا إلى الغرفة وضغطوا على زر الضوء انتشر النور في المكان وظهر هذا المشهد ولكن على غير المتوقع. نظر الاثنان إليها بملل وتهكم. صرخت أختها: –واقفين كده ليه؟ حد يعمل حاجة! ابتسم الأب ابتسامة هادئة وقال: –مش هتبطلي المقالب بتاعتك دي.
نظرت له رحيل بجمود ثم شقت الابتسامة وجهها ولمعت عيونها بشدة وضحكت بصوت عالٍ وضحك معها والدها ووالدتها. قالت أمينة والدتها: –حرام عليكي كده يا رحيل تخوفي أختك بالشكل ده، أنتِ عارفة إنها مش بتحب المقالب بتاعتك. تحركت رحيل في الغرفة بمرح وقالت: –مهما تقولي هفضل أعمل مقالب فيها هي بالذات. صاحت بها داليا: –وهو ده اسمه مقلب برضه!! كنتِ هتولعي فيا وتقولي مقلب. –لما يجرالك حاجة أبقى اتكلمي. يلا أنا هروح أنام.
قالت تلك الجملة بابتسامة ثم ذهبت إلى غرفتها والابتسامة لم تفارق وجهها. زفرت داليا بضيق وقالت: –كده بقى كتير بجد، نفسي أفهم أنتم ليه ساكتين لها على عمايلها دي؟ قال بدر والدها: –أنتِ عارفة إن رحيل مش قصدها حاجة جد، هي بتهزر. –بس الهزار له حدود مش بالشكل ده! قالت أمينة: –خلاص يا داليا، أنتِ عارفة إن بابا مش بيحب يزعل رحيل بالذات. معلش يا حبيبتي عدي المرة دي. نظرت لهم داليا بضيق ثم عادت إلى فراشها ونامت.
وعندما وصلت رحيل إلى غرفتها دلف إليها بابتسامة ونامت في فراشها براحة بعد أن أنهت تلك المهمة وغطت في نوم عميق لدرجة.. وفي اليوم التالي.. وخصوصاً على طاولة الفطور الذي كان يجلس عليها بدر وأمينة وكانوا في انتظار رحيل لأن داليا لا تستيقظ باكرًا. زفرت أمينة وقالت: –عاجبك عمايل رحيل دي. –أمينة بعد إذنك مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني. –لا لازم تتكلم فيه، مينفعش نظام حياتها ده. –شايفه إيه في إيدي ممكن أعمله؟
طيب لو الهزار والمقالب اللي بتعملها دي هتخليها مبسوطة خلاص مش مشكلة. –بس هي مبقتش صغيرة على كده، سابت إيه للمراهقين. –أنتِ أكتر واحدة عارفة رحيل مرت بإيه، بلاش تقسي عليها أنتِ كمان. تنهدت أمينة بحرارة وقالت: –عارفة يا بدر بس أنت كده بتأذيها مش بتفيدها، ده مش حل. –عارف إنه مش حل بس أنا كل اللي فارق معايا إنها تكون مبسوطة وبس. –أنا كمان كده، أنت عارف إن بحب رحيل جداً مع أنها مش بنتي!
بس لازم تغير طريقة حياتها، لازم تتحمل المسؤولية شوية. –عارف.. وأنا فكرت في الموضوع ده من فترة. نظرت له أمينة بعيون متسعة ثم قالت بسرعة: –بجد! ووصلت لحاجة؟ طيب. –أيوه متقلقيش. –هتعمل إيه طيب؟ –هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب.. كل اللي عايزك تعرفيه إن كلها فترة ورحيل هتتغير تمامًا، أنا واثق من كده! *** –تفتكر هينجح وهياخد الصفقة؟ كانت تلك الكلمات التي يتهامس بها الصحفيين خارج إحدى الشركات الهامة للاستثمارات.
قال أحد الصحفيين: –أفتكر؟ طبعاً. –ومتأكد ليه أوي كده؟ ما يمكن يفشل المرة دي. –مستحيل يفشل، مفيش حد يقدر يرفض عرض شراكة مع أستاذ عاصي، هو شاطر جداً في شغله. ولم تمر ثوانٍ حتى تحولت تلك الهمسات إلى أصوات عالية عندما هلّ عليهم سيد حديثهم هذا.. عاصي القاضي. قالت إحدى الصحفيات: –أستاذ عاصي هل شراكتك مع شركة الرحاب نجحت ولا لا؟ كان سيمضي في طريقه ولكنه توقف فجأة. ألتفت إليها ببطء وقال:
–أعتقد دي فرصة كويسة جداً وصعب أوي تيجي لأي حد، واللي عنده عقل وبيفكر صح أكيد مش هيضيعها. –تفتكر إيه سبب نجاحك؟ ثقتك الزايدة بنفسك ولا شركتك واسمها المعروف؟ نظر لها عاصي بملامح خاوية وعدم اهتمام ثم ارتدى نظارته الشمسية وتحرك من مكانه. وظلت هي تطالعه بصدمة من رد فعله هذا ورحل هو من المكان. قال أحد زملائها: –أنتِ محظوظة أنه رد عليكِ أصلاً.
استقل الآخر سيارته ثم تحرك بها إلى شركته. وعندما وصل إليها رأى تجمع كبير من الموظفين وسمع العديد من المباركات لإتمام تلك الصفقة ولكنه لم يهتم ودلف إلى مكتبه. ثم اتجه إلى الحمام المرفق به وغسل وجهه. ثم نظر إلى انعكاسه في المرآة. كان حاد الملامح نوعاً ما ولكن يوجد شيء بعيونه يبعث الأمان. كان يمتلك بشرة قمحاوية مميزة مع لحية خفيفة وشعر ناعم بني اللون يميل للسواد. كانت ملامحه هادئة وعادية وكانت تخفي ما يجول في رأسه بمهارة كبيرة. وقد تلونت عيونه باللون العسلي لتكمل جماله الهادئ.
خرج من الحمام وجلس على مكتبه. وفي تلك اللحظة دلف إليه رامي مساعده الشخصي الذي قال: –أنا آسف جداً إني بزعج حضرتك بس في حاجة مهمة. –في إيه؟ –أستاذ بدر وافق على مشروع المول. قال عاصي بعدم تركيز: –أستاذ بدر مين؟ –صاحب سلسلة مطاعم البدر للحلويات.. طبعاً حضرتك عارف إن له اسم واسع في السوق. فكون إنك تشتري اسمه التجاري وتحطه في المول اللي حضرتك هتفتتحه ده هيبقى خطوة مهمة في نجاحه. –آه افتكرت. تمام، حدد معاه مقابلة.
–حددت يا فندم وهو بكرة هيبعت بنت… ولم يكمل جملته لأن هاتف عاصي صدع رنيناً. أمسك هاتفه ورد على المتصل وعيونه لم تزاح عن الأوراق أمامه. ولكنه بعد لحظات وعندما سمع كلمات المتصل نظر أمامه بعيون متسعة وانتفض من مكانه بفزع! حاول رامي أن يفهم منه أي شيء فركض خلفه وقال: –في إيه حضرتك؟ خير؟!! قال عاصي: –ليلى في المستشفى. شهق رامي وتوقف مكانه. واستقل عاصي سيارته بسرعة وانطلق بها نحو المستشفى. ***
خرجت رحيل من غرفتها واتجهت إليهم بابتسامتها المعتادة التي لا تفارق وجهها. قالت: –صباح الخير. قالت أمينة بابتسامة: –صباح النور، يلا اقعدي افطري عشان بابا عايزك في موضوع مهم. قالت رحيل بتساؤل: –موضوع مهم؟ إيه هو؟ قال بدر: –هتعرفي كل حاجة كمان شوية، كلي دلوقتي. وعندما أنهى جملته تلك تناولت رحيل طعامها بسرعة وشربت بعض المياه. ولم تمر بضع دقائق حتى انتهت ووقفت مكانها بسرعة ثم قالت: –أكلت أهو، موضوع إيه بقى؟
ابتسم بدر بهدوء ثم قال: –طيب روحي المكتب استنيني هناك. ذهبت رحيل إلى مكتبه وجلست به حتى جاء إليها بعد لحظات. جلس أمامها وظلت هي تطالعه بفضول. وعندما طال الصمت قالت: –سمعاك قول. –بصي يا رحيل، طبعاً أنتِ عارفة إني بحبك جداً وإن محدش يقدر ياخد مكانك جوه قلبي، صح؟ ابتسمت رحيل وقالت: –أكيد عارفة. –مش عايزك تزعلي من كلامي بس أنا شايف إنك لازم تغيري نظام حياتك شوية. نظرت له رحيل بتساؤل وقالت: –أغيره إزاي؟ مش فاهمه؟
أنا حياتي كويسة. –مش قصدي يا بنتي بس أنتِ لازم تتحملي المسؤولية شوية أكتر من كده، الحياة مش كلها هزار وضحك ولا أنتِ إيه رأيك؟ –أنتم ليه واخدين فكرة عني إني مش بعرف أشيل المسؤولية؟ بابا، أنت أكتر واحد المفروض ميقولش الكلام ده لأنك عارف أنا مريت بإيه. –وعشان كده أنا مستغرب يا بنتي، حد تاني مكانك كان هيبقى غير كده.
–أنا قد المسؤولية في أي حاجة.. بس أنا مش عارفة ليه حظي كده، كل حاجة بحاول أعملها صح بتبوظ.. كل ما بمشي خطوة بعمل مصيبة. ثم زفرت بضيق وقالت: –حظي هو اللي وحش، لكن أنا.. أنا كويسة. ضحك بدر وقال: –أنا عارف إنك كويسة يا حبيبتي بس لازم تتغيري. أنتِ عايزة تقنعيني يعني إن قرار التغيير ده مش في إيدك؟ –لا في إيدي.. بس أنا مش عايزة أفكر في بكرة، أنا عايزة أعيش النهاردة وبس.
–عايزة تعيشي النهاردة وبس ولا بتحاولي تنسي اللي حصل في الماضي؟ نظرت له رحيل وقد تكونت بعض الدموع في عيونها وقالت: –أنا مش هقدر أهرب من الماضي لأن خيوطه بتربط الواقع اللي أنا عايشه فيه.. أنا بس خايفة يجي يوم وتزهق مني وتمشي أنت كمان. تفاجأ بدر من كلماتها تلك فأمسك يدها وقال بحنان: –إيه الكلام ده؟ أنا وعدتك من زمان إني عمري ما همشي، أنتِ بنتي يا رحيل. –لا.. أنا مش بنتك!
وأنا مش قادرة أنسى الفكرة دي، عايشة في رعب إني هرجع للعالم اللي كنت عايشة فيه قبل عشر سنين. –أنتِ من دمي وربنا يعلم إني مش بفرق بينك وبين داليا.. هتفرق يعني ولاد عم من أخوات؟ –بنسبالي هتفرق. وصمتت للحظات ثم قالت بحرج: –خصوصاً اللي بابا عمله قبل ما يتوفى. قال بدر:
–مش وقت الكلام ده.. أنا عايزك تنسي كل ده، أنتِ بنتي يا رحيل ودي عيلتك الوحيدة. أوعي تفكري بس إنك مالكيش مكان بينا ومش عايزك تاخدي أي نصيحة مني ليكي إني كده بعاقبك أو قصدي إني أجرحك. ابتسمت رحيل وقالت: –أنا أسفة. ابتسم بدر وقال: –شوفتي خليتي الكلام ياخدنا ونسيت أقولك على الموضوع اللي عايزك فيه. اعتدلت رحيل في جلستها وقالت: –موضوع إيه؟
–بصي يا ستي.. طبعاً أنتِ عارفة إن الحمد لله أحنا لينا اسم كويس جداً في السوق ولينا فروع في كل مكان في مصر. –طبعاً الحمد لله. –في خطوة مهمة جداً في شغلنا الفترة اللي جاية وأنا هعتمد عليكي فيها. –خطوة إيه؟ –شركة القاضي قررت إنها تبني مول تجاري جديد وهيضم أسماء تجارية وماركات عالمية كتير. وطبعاً بسبب مجالنا الواسع في الحلويات عموماً واسمنا المعروف شركة القاضي عرضت علينا شراكة. –بجد! طب ده كويس جداً.
–بالظبط.. أنا مش هقولك قد إيه المشروع ده مهم بنسبالي وعشان أنا بثق فيكي قررت إنك أنتِ اللي هتروحي بكرة وتتممي الصفقة دي. –أنا!! اشمعنى أنا؟ –طبعاً مش عايزة تشيلي هم خالص، سيب الموضوع ده عليا. –متأكدة؟ أقدر أعتمد عليكي يعني؟ لوحت رحيل بيدها وقالت بثقة كاذبة: –طبعاً، اعتبري إن الصفقة دي تمت خلاص. تنهد بدر براحة وقال: –إذا كان كده ماشي، هسيبك ترتبي حياتك لبكرة. ثم ابتسم لها وخرج من المكتب. وظلت رحيل بمفردها. وضعت إصبعها
تحت أسنانها وقالت بخوف: –خلاص، متخافيش من حاجة.. دي صفقة صغيرة يعني أنتِ قدها.. يارب بكرة بالذات حظي يكون حلو لأني مع كل خطوة بعمل مصيبة، مش عايزة بكرة يحصل أي حاجة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!