استقل عاصي سيارته بسرعة وانطلق بها نحو المستشفى. وبعد فترة وصل إليها وتحرك بقلق بين ممراتها حتى رأى والدته أمام إحدى الغرف، فوقف مكانه واتجه إليها بسرعة. كانت تعطيه ظهرها، وعندما وضع يده على كتفها التفتت إليه ليرى عيونها الغارقة بالدموع. قال بقلق: –في إيه! ليلي مالها؟ كانت والدته تبكي بصمت. فكرر سؤاله: –ردي عليا، ليلي فيها إيه؟ –أهدى يا عاصي، مفيش حاجة تقلق، بس أنا بعيط من خضتي عليها. –حصل إيه برضه؟ فهميني.
–هي كانت بتلعب في الجنينة وأنا كنت معاها، بس انشغلت عنها لحظة، لقيتها وقعت على دماغها وعمالة تنزف. –إزاي تسبيها تغيب عن نظرك؟ ما أنتِ عارفة أنها شقيه جدًّا. –غصب عني والله، وارجوك أنا على أخري، مش عايزة أي كلمة. زفر عاصي بضيق، ثم دخل إلى الغرفة ليجدها نائمة في فراشها مثل الملائكة. وبجانبها إحدى الممرضات التي، بمجرد أن دخل عاصي إلى الغرفة، خرجت حتى تترك لهم بعض الخصوصية.
أقترب هو من تلك الفتاة ذات الشعر الذهبي اللامع النائمة بتعب وجلس أمامها. وبعد لحظات، وعندما شعرت به الفتاة الصغيرة ذات الخمسة أعوام، فتحت إحدى عينيها وتركت الأخرى مغلقة ونظرت له بخوف، ثم قالت: –هتزعق صح؟ نظر لها عاصي بغضب وظل صامتًا ويطالع رأسها المضمد. قالت ليلي بحروف غير واضحة: –خلاص، ليلي آسفة، مش هتعمل كده تاني. –أنتِ مش عارفه أن الحركة دي بتخوفني عليكِ ليه بتعملي فيا كده يا ليلي!
أنتِ بتخليني أندم إني وافقت إنك تخرجي شوية، كل مرة تعملي مصيبة كده. –صدقني المرة دي أنا مكنش قصدي. أنا كنت بس عايزة أشوف العصفورة الصغيرة اللي فوق الشجرة، وأما كنت هوصلها رجلي اتزحلقت ووقعت. قال عاصي بغضب خفيف: –يا ليلي مينفعش كده، لازم تاخدي بالك أكتر من كده. –حاضر، ليلي بتوعدك إنها مش هتتعور تاني خالص. نظر لها عاصي بطرف عينيه ثم نهض من مكانه بغضب، ولكنه قبل أن يتحرك مدت يدها الصغيرة وامسكت بيده وقالت:
–أنا آسفة خلاص بقى، هتمشي وتسيبني أنت كمان؟ نظر عاصي أمامه بصدمة من كلماتها تلك والتفت إليها بسرعة ونظر إليها ليجد الدموع قد ترقرقت في عيونها. جلس أمامها ثم مسح دموعها وقال بابتسامة: –أنا وعدتك قبل كده أني عمري ما هسيبك، ليه الكلام ده دلوقتي؟ –عشان أنت زعلان مني وكنت هتمشي دلوقتي. –أنا مش زعلان منك، أنا خايف عليكِ يا حبيبتي، أنتِ لو جرالك حاجة أنا مش هسامح نفسي. ابتسمت ليلي ثم أشارت بيدها له أن يقترب، وعندما اقترب
منها قبلته في وجنته وقالت: –ليلي مش هتعمل كده تاني، اطمني. ابتسم لها عاصي وبعد لحظات خرج من الغرفة وتركها حتى ترتاح قليلاً. بحث عن والدته للحظات حتى وجدها جالسة على إحدى المقاعد بجانب الغرفة، فذهب إليها وجلس بجوارها وصمت للحظات ثم قال: –أنا آسف عشان كلمتك بطريقة وحشة من شوية. ابتسمت حنان والدته وقالت: –حبيبي، أنا مش بزعل منك. –الحمد لله، ليلي كويسة، ربنا ستر المرة دي. نظرت له حنان بدموع وقالت: –عندك حق، الحمد لله.
أمسك عاصي يدها وقال: –في إيه؟ بتعيطي ليه دلوقتي؟ قالت حنان بألم: –افتكرت مامتها، افتكرت أختك مريم يا عاصي. أحس عاصي بوخزة في قلبه من ذكر اسمها أمامه وصمت. فأكملت حنان: –نفس الموقف ده برضه حصل مع مريم وهي في سن ليلي، قلبي واجعني عليها أوي يا عاصي، مهما مرت سنين وأيام عمري ما هداوي قلبي من فراقها. –ده أحسن ليها، هي دلوقتي مرتاحة. –مرتاحة وهي بعيدة عننا كده؟ مرتاحة وهي حتى متعرفش أخبار بنتها إيه؟
عمري ما تخيلت إني هخلف بنت بالقساوة دي. –مريم غلطت وكان لازم تتعاقب يا أمي. –مش مريم بس اللي غلطت، لكن هي بس اللي اتعاقبت. صمت عاصي وظل يستمع إليها فأكملت:
–عمري ما كنت أتخيل أن الحفرة اللي أنا وقعت فيها بنتي كمان هتقع فيها، مش عارفه ليه حصل كده، كل حاجة ادمرت، كل حاجة بنيتها وصلحتها رجعت انهارت. بعد اللي أبوك عمله معايا وأنا خليت كل حياتي ليكم، بس واضح أنه مكنش كفاية برضه. أنا مش قادرة أسامح نفسي، أنا السبب في اللي حصل لمريم، هي طلعت ضعيفة زيي.
–بلاش الكلام ده، أنتِ مش غلطانه. كل واحد كبير وعارف هو بيعمل إيه كويس. مريم قبل ما تقع في الحفرة دي أنا حذرتها مليون مرة ووصلت أني كنت هقطع علاقتي بيها وهي مدتش كل ده أي اهتمام وعملت اللي في دماغها، يبقى لازم تتعاقب. مسحت حنان دموعها وقالت: –هي مبسوطة عند خالتها طيب؟ –أيوة، أنا بطمن عليها باستمرار. هتفضل هناك في كندا فترة لحد ما تتحسن وتعرف قيمتنا أكتر، ساعتها هسمح لها أنها ترجع وسطنا تاني!
نظرت له حنان للحظات وظلت تطالعه كثيرًا حتى قال: –بتبصيلي كده ليه؟ –أنت جبت القساوة دي كلها منين؟ –من جوزك، اللي هو أبويا! –أنا عارفه أني غلطت في اختياري وأنكم أنتم اللي دفعتوا التمن، بس أنت إزاي وصلت للقساوة دي؟ فين عاصي أبني اللي قلبه أبيض وحنين مع كل الناس؟
كل يوم بتصدم فيك أكتر وبتصدم بلي وصلتله. حتى مريم بقت قاسية زيك واستكترت عليا بس إني أشوفها وأطمن عليها، حتى بنتها اللي ملهاش ذنب في حاجة رفضتها وخرجتها من حياتها. ده ذنب مين اللي بيحصل فيا ده. بكت حنان بضيق وندم هو على كلماته تلك. أمسك يدها وقال: –أنا آسف لو كلامي كان قاسي شوية واسف لو بجرحك بدون قصدي، سامحيني.
–الموضوع مش موضوع زعل يا عاصي، أنا مامتك يا حبيبي يعني مستحيل أزعل منك، بس أنا مش عاجبني حالك وأنت كده. أنا لو جرالي حاجة مش هبقى مرتاحة وأنا عيالي كد. قاطعها عاصي وقال: –بلاش السيرة دي، بعد الشر عليكِ. –ده قدر ومكتوب ومحدش بيهرب من قدره، ريح قلبي عشان خاطري. زفر عاصي بضيق ثم قال: –إيه اللي يريحك طب وأنا هعمله. –صلح كل حاجة، أرجع أبني اللي أعرفه وجمّعنا كلنا تاني. صمت عاصي للحظات ثم نهض مكانه وقال:
–لأول مرة مش هقدر أنفذ حاجة أنتِ عايزاها. ابنك اللي أنتِ عايزاه أنتِ اللي قتلتيه بأيدك لما اختارتي أن أبوه يكون شخص أناني ومعندهوش ضمير. أنا مرتاح كده وأتمنى منتكلمش في الموضوع ده تاني.
قال عاصي تلك الجملة ثم تحرك من مكانه وتركها تبكي في صمت بقلب يحترق من الندم. تندم على اختيارها لهذا الزوج يومًا عن يوم، مع أنه قد ترك الحياة منذ أعوام إلا أن لعنته تلك لازالت تلاحقها حتى الآن. كيف تخبرهم أن أبيهم لم يكن بهذا السوء أو من الممكن هذا الذي كانت تواسي نفسها به. جلست مكانها بدموع ثم حدثت نفسها بصوت مسموع:
–اتحديت عيلتي وكل الناس عشانك. مركزتش لأي فروقات كانت بينا، شوفت الحب وبس. حاولت ابعدك عن حياتي عشان متتجرحش وتحس إنك أقل مني في حاجة. ناس كتير حذرتني بس أنا كنت واثقة فيك أكتر من نفسي. كل حاجة كانت كويسة لكن فجأة كل حاجة ادمرت. لحد دلوقتي مخي مش مستوعب اللي أنت عملته فيا قبل ما تموت. كل اللي بنيته طول السنين دي اتهد. عملت إيه في حياتك عشان حياة عيالك الاتنين تدمر كده.
وبكت بقهرة بعدها. كان عاصي يقف على مسافة قريبة منها وعندما سمع كلماتها تلك ترقرقت بعض الدموع في عينيه وقد تذكر كل شيء عن حياتهم الماضية. قد يبدو لك شخصًا عاديًا ولكن بداخله كم كبير من الذكريات والكدمات التي دمرت قلبه. لقد رأى الكثير في سن صغير وكان هذا كافياً لقتل كل معاني الحياة بقلبه لدرجة أنه قد نسى كيف هو شعور الفرحة والأمان. حقًا أنه لا يتذكر حتى آخر مرة ضحك فيها.
وبعدها أنهى عاصي أوراق المستشفى واصطحب ليلي ووالدته إلى البيت. ومر اليوم عليه بصعوبة بسبب كم الذكريات جاءت إلى رأسه دفعة واحدة. *** في اليوم التالي، استيقظ من نومه بشعور سيء وجهز نفسه حتى يذهب إلى شركته. وعندما كان يمشط شعره جاءه اتصال من رامي. رد عليه: –الو، في حاجة حصلت؟ –لا يا فندم، أنا بفكر حضرتك أن النهاردة عندنا اجتماع مهم جدًّا مع الشركة الكورية وبعدها عندك معاد مع صاحب سلسلة محلات البدر للحلويات.
–تمام فاكر، أهم حاجة ظبطت كل حاجة للفوج الكوري؟ ونسقت مع الفندق والمطار كل ده. –طبعًا مش عايز حضرتك تقلق، هما دلوقتي على وصول خلاص. –تمام، النهاردة بالذات مش عايز ولا غلطة، مفهوم؟ أنت عارف الفوج ده مهم أد إيه للشركة. –طبعًا يا فندم ومش عايز حضرتك تقلق خالص، كل حاجة هتمشي زي ما حضرتك عايز. *** عند رحيل.
كانت تقف أمام مرآتها تضيف بعض اللمسات الأخيرة إلى مظهرها. كانت ترتدي فستان كشميري ذو تصميم خاص ومميز، كان فضفاض ومريح وفي نفس الوقت يعطيها مظهر أنثوي رقيق. ولملمت جزء من شعرها واطلقت الباقي للعنان ووضعت به ربطة بنفس لون الفستان. لم تكن بحاجة إلى مستحضرات التجميل لأنها تمتلك جمال هادئ مميز. زفرت بقلق وحدثت نفسها بصوت مسموع: –أنتِ قدها، صدقيني مش محتاجة كل الخوف والقلق ده، كل حاجة النهاردة هتمشي كويسة.
قالت تلك الجملة ثم نظرت إلى انعكاسها في المرأة وخرجت من غرفتها فوجدت بدر وأمينة وداليا على طاولة الفطور. قالت: –أنا خارجه يا ماما. قالت أمينة: –لا استني لما تفطري الأول. –لا مش عايزة. –قولت مفيش خروج، كلي أي حاجة عشان تاخدي الأدوية بتاعتك. –طب ما أنا كويسة أهو. نظر لها بدر وقال:
–حبيبتي أنتِ عارفه أنك ضعيفة جدًّا ولازم الأدوية دي عشان تقدري تقفي على رجلك، يعني حتى لو كويسة قدامي دلوقتي لازم تاكلي وتاخدي علاجك عشان تفضلي كويسة كده. أنتِ نسيتي أخر مرة نشفتي دماغك فيها وماخدتيش العلاج إيه اللي حصل. قالت داليا بجمود: –يومها تعبت وفقدت الوعي وفضلتوا جنبها طول الليل. أكمل بدر الكلام بطريقة عادية ولم يلاحظ نبرة الحقد التي تكلمت بها داليا في تلك اللحظة، قال:
–الله ينور عليكِ، أنا مش مستعد اليوم ده يتكرر تاني.
ابتسمت رحيل بحب ثم جلست معهم وتناولت طعامها وأخذت علاجها قبل أن تخرج ومعه علبة طعام متوسطة. وبعد أن انتهت خرجت من البيت واستقلت سيارة أبيها وذهبت إلى وجهتها، ولكنها وبعد أن تحركت بها لدقائق وقفت السيارة فجأة. ترجلت منها حتى تعرف ماذا حدث، ولكن لسوء حظها أن السيارة توقفت في منتصف الشارع مباشرةً. ظلت تفحصها للحظات حتى شهقت بصدمة عندما تذكرت أنها كان من المفترض أن تضع لها بنزين من ليلة أمس قبل أن تتحرك بها.
ضربت رأسها بنسيان وقالت: –ودي حاجة تتنسي برضو حرام عليكِ، هعمل إيه دلوقتي؟ وأثناء تفكيرها هذا وبسبب مكان سيارتها الخاطئ أفاقت من هذا الشرود على صوت ارتطام قوي! نظرت خلفها بفزع لتجد سيارة أخرى قد ارتطمت بسيارتها بقوة! *** في شركة القاضي.
كان عاصي يقف أمام شركته في انتظار الفوج الكوري الذي قد تأخر كثيرا في وصوله. وبعد لحظات وصلت السيارات أمام الشركة ونزل منها رجال ذو ملامح آسيوية مميزة. رحب بهم عاصي وأخذهم أحد الموظفين إلى قاعة الاجتماعات. *** –إيه اللي أنت عملته في عربيتي ده! نزل رجل من السيارة المقابلة لرحيل وقال بسرعة: –أنا آسف جدًّا حقيقي. –آسف إيه بس مش تفتح قدامك. –حقيقي أنا بعتذر جدًّا وأنا مستعد أتحمل كل تكاليف تصليحها.
–أنا بسببك هتأخر عن ميعاد مهم. –طيب اسمحيلي أصلح اللي أنا بوظته ده وأوصلك.
نظرت له رحيل للحظات ثم نظرت حولها وأدركت أنها لا تملك أي اختيار آخر. أومأت برأسها ثم استقلت بجانبه السيارة وانطلق بها إلى شركة القاضي. وأثناء تواجد الفوج الكوري في قاعة الاجتماعات ذهب عاصي إلى مكتبه حتى يأتي ببعض الأوراق. وعندما دلف إليه جاءه اتصال مهم من المهندس المسؤول عند تنفيذ المول التجاري فاتجه إلى نافذته ورد عليه. وفي تلك الأثناء وقفت سيارة أمام شركته فلفتت انتباهه قليلاً. ترجلت رحيل منها ومعها
صاحب السيارة وقال لها: –اتفضلي ده الكارت بتاعي. عربيتك هتكون عندك بعد يومين بإذن الله أو قبل بمجرد ما تتصلح وأنا بعتذر جدًّا. ابتسمت رحيل وقالت: –حصل خير.
ثم أخذت منه الكارت ودخلت إلى الشركة. وكان عاصي يتابع كل ما حدث ولكنه لم يولي الأمر أهمية. دخلت رحيل بسرعة إلى الشركة لأنها قد تأخرت كثيرًا عن الميعاد المحدد لها. نظرت حولها بسرعة وظلت تجول للحظات حتى وجدت قاعة الاجتماعات فركضت نحوها بسرعة. وقبل أن تدخل لها تذكرت أنها قد نسيت أوراق الصفقة في سيارتها!
أمسكت رأسها بقلة حيلة ثم أخذت نفسًا عميقًا واقتحمت الغرفة ودلفت إليها. وعندما التفتت وجدت أمامها أشخاص ذو ملامح آسيوية ينظرون لها بتساؤل. ساد الصمت للحظات حتى تنحنحت هي وقالت بصوتٍ خفيض: –غريبة يعني. بابا مقاليش أن صحاب الشركة مش مصريين. غير كده هما كتير كده ليه؟ كل دول مستنيني أنا! تحركت أمامهم وقالت بتلعثم: –اا أنا أسفه جدًّا على التأخير بس بس عربيتي باظت أقصد اتخبطت. عارفين أنتم الظروف دي أكيد.
ظهرت علامات التعجب والدهشة على وجوههم من كلماتها الغير مفهومة بالنسبة لهم. بلعت ريقها بتوتر ونظرت خلفها لتجد شاشة كبيرة وامامها لاب توب ويظهر بها عرض تقديمي. نظرت لهم لتجدهم يطالعوها بتساؤل وتكلم أحدهم بلغة غير مفهومة لها فقالت بسرعة: –أهدى بس أنا مش فاهمه منك حاجة بس مش مستاهلة كل العصبية دي.
وقبل أن تتحرك تعثرت بإحدى الأسلاك الموصلة باللاب توب ووقعت على الأرض وكذلك هذا الحاسوب وقد خربت العرض التقديمي. وفي تلك اللحظة دلف عاصي إلى المكتب ومعه رامي وتسمر مكانه بصدمة عندما وجد هذا المشهد أمامه. رحيل على الأرض وحولها العديد من الأسلاك وحاسوبه الشخصي الذي قد تحطمت شاشته أثر تلك الوقعة العنيفة والفوج الذي ينظر له بصدمة كبيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!