الفصل 23 | من 46 فصل

رواية رحيل العاصي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميار خالد

المشاهدات
19
كلمة
2,274
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

ردي عليا، دي أدوية إيه؟ نظرت له الطبيبة وقالت: –طيب، واضح إن المريضة مش معرفاكم، بس محدش بياخد الأدوية دي غير مريض القلب. للأسف المدام عندها مشاكل في صمامات القلب ومحتاجة عملية أصلاً، وده يفسر عدم انتظام ضربات قلبها والصوت الغير طبيعي اللي ظهر في السماعة. وقعت تلك الكلمات كالصخرة الضخمة على رأس بدر وعاصي. وعندما نظروا إلى رحيل، استطاعوا رؤية الشحوب الذي قد ظهر في وجهها وفي شفتيها. نظر بدر إلى الطبيبة بصدمة وقال:

–أنتِ متأكدة؟ –أيوة. ويا ريت لو تتابع مع دكتور قلبية في أسرع وقت. عموماً، هي شوية وهتفوق، يا ريت تفضل مستمرة على الأدوية دي، وبالشفاء إن شاء الله. استأذن أنا. ثم نهضت من مكانها وتحركت. وتحرك بدر معها أيضاً حتى يوصلها، وظل عاصي مكانه متجمداً، غير قادر على الحراك. لا يقدر على إحصاء عدد الدقائق التي مرت وهو ينظر إليها هكذا، حتى فتحت هي عيونها بتعب. حاولت أن تنهض من مكانها، فاتجه إليها بسرعة ومنعها. قالت: –حصل إيه؟ تكلم

عاصي وهو في حالة يرثى لها: –أغمي عليكي. نظرت له رحيل لتجد عيونه قد تكونت بها بعض الدموع، فقالت بدهشة: –أنت مدمع ليه؟ مسح عاصي عينيه بسرعة وقال: –مفيش حاجة. قالت الأخرى بقلق: –أنت كويس؟ ظل عاصي يطالعها للحظات ثم قال: –إزاي تخبي موضوع زي ده؟ قالت بتساؤل: –أخبي إيه؟ –موضوع مرضك. نظرت له رحيل بعيون متسعة وصدمة وردت عليه: –مرض إيه؟ مش فاهمة. فأمسك الأدوية التي قد تركتها الطبيبة بجوارها وقال: –أومال الأدوية دي بتاعت إيه؟

أخذتهم منه رحيل بسرعة وقالت بتوتر: –دول فيتامينات بس و.. قاطعها عاصي وقال: –كنتِ هتفضلي مخبية لحد أمتى؟ لحد ما تموتي؟ نظرت له رحيل للحظات ثم ترقرقت الدموع في عينيها وبكت رغماً عنها، قالت:

–على الأقل هكون مع بابا وماما. مش هحس بالشفقة، ولا هتعب، ولا هعافر تاني. مش عايزة أحاول تاني، همشي وبس. أنا عرفت مرضي ده من كام شهر. لما أنا كنت بتألم عشان أرسم الضحكة على وشي وأعمل مقالب في اللي حواليا، كلهم كانوا شايفين إني تافهة وإني معرفش أشيل المسؤولية. محدش شاف وشي التعبان ولا عيوني اللي بتكذب. أنا تعبت، وأيدي سابت كل الخيوط اللي كانت بتربطها بالحياة. امسك يدها بحركة عفوية منه وقال: –لا!

مينفعش. أنتِ بالذات تقولي كده. وقاطعه اقتراب بدر منهم وهو ينظر إليها بعيون غارقة بالدموع، قال: –حقك عليا. أنا كنت أعمى فعلاً. طب أنتِ فكرتي لما أشوف أبوكِ بعد ما أموت هقابله بأنهي وش بعد كلامك ده؟ نهضت رحيل من مكانها بسرعة وقالت: –لا! متزعلش مني، أنا مقصدش. –ليه خبيتي عني؟ مش أنا أبوكِ يا رحيل؟ أنا مش بعتبر نفسي عمك، أنتِ بنتي. قالت رحيل بدموع: –كفاية همي عليك كل السنين دي. مكنتش عايزة تشيل هم جديد.

وقبل أن يرد عليها بدر، رن هاتف رحيل على شريحة عاصي، وكان المتصل هو عز الدين. أمسكت هاتفها وأعطته لعاصي ورد الآخر عليه، قال عز: –عندكم جديد؟ –النهاردة اتبعتلي تهديد. وصلوا لحاجات من بيتي وصوروها. لازم أظهر، مفيش حل تاني. –على الأقل اختفوا يومين. –مفيش فايدة يا عز، أنا قولتلك من البداية الهرب مش حل. غير كده رحيل تعبانة جدًّا، لازم نرجع عشان تروح للدكتور. –تعبانة مالها؟ –هبقى أفهمك بعدين. المهم إننا هنرجع بكرة.

–والناس دي هتتصرف إزاي؟ هتوافق على الصفقة؟ زفر عاصي بضيق وقال: –مش عارف، صدقني. بس كده كده مش هاخد قرار غير لما أعرفك. –تمام، بكرة هبعتلك عربية ترجعكم. أنهى عاصي المكالمة وقال لرحيل: –زي ما سمعتي، إحنا هنرجع بكرة. وأول حاجة هنعملها هي إنك تروحي للدكتور، وأنا بنفسي اللي هاخدك. قالت رحيل بعِناد: –ده أمر يعني ولا إيه؟ أنا مش عايزة أروح. قال عاصي بابتسامة باردة: –هتروحي يا رحيل، ومش عايز جدال.

ثم تحرك من مكانه وترك بدر ورحيل يتعاتبون بسبب ما حدث. *** في المصحة.. ومنذ قرارها أن تتغير، وكل شيء قد تغير في تلك المصحة. وكأن قدر قليل من الطاقة الإيجابية انبعث من المكان، وكان مصدره هي وحدها. كانت تحاول أن تعود إلى نفسها التي قد ضاعت منها قبل سنوات. كانت تجلس في الجنينة تقرأ إحدى الروايات التي قد أحضرها لها شادي، حتى اتجه هو إليها، قال بابتسامة: –عاملة إيه النهاردة؟ ابتسمت له وقالت:

–منمتش من امبارح، مش عارفة أسيب الرواية. –بجد؟ معني كده إنها عجبتك؟ –أيوة، ذوقك حلو. –وبتمدحيني كمان؟ أنا مبسوط أوي بالتغيير ده، خلي بالك. ابتسمت هي وقالت: –وأنا كمان مبسوطة. وصدقني، قريب أوي أنت هتودعني وأنا خارجة من باب المصحة دي. اختفت الابتسامة عن وجه شادي عندما أدرك تلك النقطة، قال لها: –أول ما تخرجي من هنا هتعملي إيه؟ صمتت للحظات ثم قالت بحزن: –هحاول أصلح الأخطاء اللي أنا عملتها وأرجع ثقة عاصي فيا.

–ولو معرفتيش تصلحيها؟ –هحاول مرة واتنين وتلاتة لحد ما أنجح. ابتسم شادي ثم انزلقت كلمة عن لسانه: –هتنسيني؟ نظرت له بتعجب وقالت: –أنساك؟ ليه؟ أنت ناوي تسيبني بعد ما أخرج من هنا؟ –مستحيل، بس ما يمكن أنتِ اللي تكوني مش عايزة تتكلمي معايا عشان هفكرك بالماضي. ابتسمت وقالت: –بس إحنا الاتنين صحاب. علاقتنا مش علاقة دكتور بالمريضة بتاعته، ده بنسبالي على الأقل.

ابتسم شادي وظل يطالعها للحظات بعيون لامعة، وقد أيقن أن خروجها من هذا المكان قد اقترب بشدة. *** كان شريف وأحمد يتحدثون بأحد المواضيع، حتى جاء اتصال لشريف ورد عليه. ظل يتحدث للحظات ثم أنهى المكالمة. نظر له أحمد بتساؤل وقال: –في إيه؟ –في حركة غريبة في بيت من البيوت القريبة لعاصي. –طب وفيها إيه؟ –فيها إن البيت ده بإسمهم برضو. –وأنت عرفت منين؟ –مش وقته. عرفت منين، كده بنسبة كبيرة ممكن يكونوا هما اللي فيه أصلاً.

قال أحمد بتهكم: –أكيد هما مش بالغباء ده يعني. –ما يمكن. عايزك بكرة تروح تشوف البيت ده وتعرف إيه مصدر النور اللي فيه وجواه حد فعلاً ولا لا. –اللي تشوفه. وكان ذلك البيت الذين يتحدثون عنه هو نفسه بيت فريدة التي تقيم فيه حالياً مريم. ظل أحمد يطالع شريف للحظات ثم قال له: –أنت متأكد إنك عايز تدمر عاصي بسبب الصفقة اللي أبوك خسرها بس؟ طالعه شريف بتساؤل وقال: –تقصد إيه؟

–أقصد إني مش شايف ده سبب كافي لكل النار اللي جواك منه يعني. غير كده، إزاي أنت اسمك شريف المحمدي وأبوك اسمه أدهم الشاذلي؟ صمت شريف للحظات ثم قال: –وهو الأب اللي بيخلف ولا اللي بيربي؟ أنا كبرت في ملجأ، بس اللي رباني وابويا الوحيد هو أدهم. هو صاحب الفضل عليا وأنا معرفتش أرد له نص اللي هو قدمهولي. الصفقة دي بسببها هو مات. لو عاصي كان اداله فرصة، ممكن كان معانا النهاردة.

نظرت له أحمد بشك لأنه لم يقتنع بكلماته وشعر أنه يخبئ شيئاً آخر عنه. *** وقد مر اليوم بصعوبة على عاصي، الذي كان يجلس في إحدى الأركان لا يفعل أي شيء سوى التفكير في حل للخروج من تلك المتاهة التي وقعوا فيها. ذهبت رحيل وجلست بجانبه بعد أن حضّرت لهم كوبان من الشاي. أمسك الكوب منها وشكرها وصمت الاثنين، حتى قال عاصي: –يوم ما كُنا قاعدين على النيل وحصل الموقف بتاع الولد اللي بيبيع المناديل، ليه قولتيلي كده يومها؟ –قولت إيه؟

–إنك عيشتي حياة الناس دي وعشان كده بتدافعي عنهم. ابتسمت رحيل وقالت: –عشان دي الحقيقة. في فترة من عمري كانت حالتنا المادية وحشة جدًّا، عشان كده أنا حاسة بالناس دي وحاسة هما أد إيه بيعانوا. صمت عاصي، فقالت رحيل بهدوء دافئ: –مش عارف تسامح باباك برضو؟ وقال عاصي وهو ينظر لكوب الشاي بيده: –مش عارف ألاقي ليه عُذر جوايا، مش عارف. –مش يمكن عشان أنت اللي مش عايز؟ كفاية عقلك كل السنين دي. أدي فرصة لقلبك أنه يقرر.

–ولو قلبي اتعامل هضعف واندم. –ولو عقلك اللي اتعامل هتتعب وتموت. نظر لها بعيون متسعة، فأكملت: –كفاية عقل كل السنين دي، كفاية قسوة وجمود. خلي قلبك يتنفس شوية. صدقني مش هتندم. وحتى لو ندمت، وماله؟ هي دي سنة الحياة، نغلط ونتعلم. ثم ابتسمت له ونهضت من مكانها وذهبت إلى غرفتها لتنام. وظل عاصي يفكر طول الليل في جملتها تلك: “كفاية عقلك كل السنين دي، أدي فرصة لقلبك أنه يقرر”. وفي الصباح التالي..

جهزت رحيل نفسها ومعها بدر وكذلك عاصي، وكانوا في انتظار السيارة التي سوف تعيدهم مرة أخرى. اتجه عاصي إلى بدر وقال: –ممكن أتكلم معاك شوية؟ قال بدر بترحاب: –طبعًا، اتفضل. ثم دلف الاثنان إلى غرفة بدر وتركوا رحيل بالخارج. جلس بدر أمام عاصي وقال: –شكلك منمتش من امبارح، صح؟ –بفكر. –ووصلت لحاجة؟ مرت لحظات كساها الصمت، حتى أردف عاصي وكأنه يفكر بصوتٍ عالٍ:

–الحكاية بدأت بموضوع الصور، وكل الابتزاز كان على موافقتي إني أساعدهم في تهريب القرف ده، عشان مخسرش شغلي. بس لو فكرنا فيها من جهة تانية، هتلاقي إني في الحالتين هخسر شغلي. وممكن كل ده تكون خطة منهم عشان أخسر. قال بدر تكملة على كلامه: –وعشان كده لما خطفوا رحيل محدش آذاها، عشان مش دي غايتهم. ولا يأذوك حتى، هما عايزينك تدمر مش تموت. –يبقى الحل إني ألعبهم بنفس طريقتهم، وأحرق ورقهم قبل ما يفكروا يستخدموه.

نظر له بدر بعدم فهم وقال: –تقصد إيه؟ –أقصد إن بدل ما هما يفاجئوني بالأخبار اللي هتكون عني بسبب الصور دي، أنا اللي أعملهم مفاجأة. نظر له بدر بتساؤل ولم يقدر على فهم تفكيره، حتى نهض عاصي من مكانه. فقال له بدر: –أنت بتكرهني؟ طالعه عاصي بدهشة ورد عليه: –هكرهك ليه؟ لو عشان الموضوع القديم، لولا الظروف اللي إحنا فيها مكنتش هقدر أعرف أنك غيره وأعرف اللي جواك بجد. وحالياً أنا بعزك مش بكرهك خالص.

أبتسم بدر ثم ربط على كتفه وخرج الاثنان إلى رحيل. قالت لهم: –كنتم بتقولوا إيه؟ قال بدر: –كُنا بنتكلم في الموضوع ده. نظرت رحيل إلى عاصي وقالت: –لقيت حل؟ أبتسم عاصي بثقة وقال: –بكره كل حاجة هتنتهي. وبعدها جاءت السيارة واخذتهم من هذا البيت. *** في المصحة.. استيقظت من نومها على صوت الباب الذي يُفتح، وكانت سهام ممرضتها. نهضت من مكانها بنعاس وقالت: –صباح الخير. قالت سهام: –صباح النور. قومي، في حد جاي يزورك. انتفضت

هي من مكانها بدهشة وقالت: –مين جاي يشوفني؟ غريبة، هو راجل طيب؟ –لا، واحدة. سقطت جبينها بتساؤل وقالت: –جت هنا قبل كده؟ –لا، أول مرة أشوفها. يلا بس عشان مستنياكي من بدري. نهضت من مكانها بتوتر وساعدتها سهام في تجهيز نفسها، وخرجت معها وقلبها يدق بسرعة. وكان التوتر قد وصل بها إلى أقصاه، حتى وصلت إلى غرفة معينة للزيارة. فتحت سهام الباب ودلفت سلمى إلى الداخل. وعندما وقع بصرها على الفتاة الواقفة أمامها، نظرت لها

بصدمة وعيون متسعة ثم قالت: –أنتِ؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...