نهضت من مكانها بتوتر وساعدتها سهام في تجهيز نفسها، وخرجت معها وقلبها يدق بسرعة وكان التوتر وصل بها إلى أقصاه، حتى وصلت إلى غرفة معينة للزيارة. فتحت سهام الباب ودلفت هي إلى الداخل، وعندما وقع بصرها على الفتاة الواقفة أمامها، نظرت لها بصدمة وعيون متسعة ثم قالت: –أنتِ؟!! أنتِ رجعتي من كندا؟!! اتجهت إليها الأخرى ونظرت لها للحظات ثم قالت: –عاملة إيه؟ –عاملة إيه؟
سلمى ومريم اللي كانوا يعرفوا بعض أكتر من نفسهم جايه بتسأليني عاملة إيه؟ أنتِ إزاي جيتي هنا وعاصي عارف إنك هنا أصلاً؟ قالت الأخرى باستهتار: –أنا مبقاش فارق معايا حد ومش هخاف من عاصي تاني. –رجعتي ليه؟ –عشان نساعد بعض، إحنا مكنش ينفع نتفرق كان لازم نفضل مع بعض ونقوي بعض. –أنا مش عايزة أتكلم معاكي، أمشي. ثم استدارت ونادت على سهام حتى تعود بها إلى غرفتها، ولكنها قبل أن تغادر الغرفة سمعت الأخرى تقول لها:
–أنا رجعت عشانك وعشان ليلى ومش هتخلى عنكم تاني. –أتأخرتي أوي، مش محتاجة حد فيكم وأنا هقف على رجلي لوحدي وهرجع تاني بس مش بفضلكم. ثم تحركت مع سهام وعادت إلى غرفتها مرة أخرى لتنفجر في البكاء عندما ظلت بمفردها. وبعد ساعة كان شادي قد وصل إلى المستشفى، وبمجرد وصوله ذهبت إليه سهام وقالت بقلق: –دكتور شادي، في حاجة حصلت لازم تعرفها. –حصل إيه؟
–قبل ما حضرتك تيجي في واحدة جت طلبت تشوف سلمى وأنا أخدتها وروحت بيها للأوضة فعلاً، بس مطولتش خالص، يا دوب خمس دقايق لقيت سلمى بتناديني أني أرجعها لأوضتها ومن ساعتها وهي عمالة تعيط ومنهارة. –مين البنت دي؟ تعرفي اسمها؟ –مش فاكرة، هي مقالتش اسمها قدامي بس أكيد سلمى عارفة. –تمام، شكرًا يا سهام.
ثم تحرك من مكانه واتجه إلى غرفة سلمى ليسمعها تبكي بصوت مرتفع، دلف إلى الغرفة بسرعة ومعه سهام ليجدوا الأخرى في حالة يرثى لها من البكاء. اتجه إليها شادي بسرعة وحاول تهدئتها قليلاً، وبعد محاولات كثيرة هدأت هي نوعاً ما. نظرت له بدموع وقالت: –هي جت، أنا شوفتها. نظر شادي إلى سهام وصمت للحظات ثم قال بتوتر: –مريم؟ نظرت له بسرعة وظلت تطالعه للحظات حتى تساءل هو من نظراتها الشاردة تلك، وكررت هي الاسم على لسانها وقالت: –مريم.
أيقن شادي أن من زارتها كانت هي، لذلك لم يود أن يتحدث معها في هذا الموضوع وخصوصاً وهي بتلك الحالة، فتركها حتى تهدأ قليلاً وقد نامت على سريرها وخرج هو وسهام. *** كانت داليا تجلس في غرفتها، وكلما كانت تتذكر كلمات حازم الذي قالها أمام فارس ينتابها الحزن والتوتر، وفي لحظة تحولت كل ذرة حب بقلبها لحازم إلى كره، استطاع بأفعاله تلك أن ينتزع حبه من قلبها.
أمسكت هاتفها واتصلت بفارس، لم يرد عليها في البداية ولكنه في نهاية الأمر رد عليها بفتور، قال: –خير يا داليا. –مكنتش عايز ترد عليا؟ –المفروض بعد اللي سمعته امبارح أعمل إيه؟ –المفروض إنك تصدقني مش تصدقه هو. –ما يمكن بيتكلم صح، ما يمكن علاقتكم كانت متطورة أوي للدرجادي. –أنت مش بتثق فيا؟ صمت فارس للحظات ثم قال:
–مش عارف يا داليا، صدقيني مش عارف، أنا كنت شايفك بطريقة معينة، كنتِ حاجة نقية وحلوة أوي في عيني، فجأة الصورة دي اتشوهت. أردفت داليا بحزن: –أنا لسه زي ما أنا، لكن أنت اللي بقيت عايز تشوفني بطريقة تانية، أنا معاك إنّي غلطت، بس متخطتش الحدود! عارفة إن علاقتي بحازم كانت غلط، لكن عمري ما تخطيت حدودي في الارتباط ده، وعايزة أقولك إن حتى قبل ما أنت ما تظهر علاقتي بحازم كانت خلصت لأنه بان على حقيقته قدامي.
ظل فارس صامت لا يعرف ماذا يقول، ولكن جانب منه تعاطف مع كلماتها تلك، ولكنه قبل أن يرد قالت داليا: –أنت تخليت عني قبل ما تتمسك بيا حتى، تخليت عني قبل بداية الطريق. –المفروض مين اللي يكون مخذول من التاني؟ –أنا مش بنكر إني غلطانة، بس أنا بقولك استاهل فرصة، أنا استاهل تديني فرصة تانية، استاهل نبدأ من جديد صح، استاهل أننا نبدأ صفحة جديدة. –بلاش نتكلم في أي حاجة لحد ما والدك يرجع من السفر، تمام؟ –تمام.
–لو احتاجتي أي حاجة كلميني، هتلاقيني عندك في ثواني، ولو البني آدم ده عمل أي تصرف يضايقك عرفيني برضه. ابتسمت داليا وقالت: –حاضر، متقلقش. ثم أنهى معها المكالمة وبدأ عقله في التفكير، لا يعرف هل يعطيها فرصة أخرى أم تظل مذنبًة في عيونه، وهل إذا أعطاها فرصة أخرى سيقدر على النظر في عيونها دون تذكر كلمات هذا الكاذب؟ لحظة! إن عقله يعترف أنه كاذب، إذا لماذا يرفض أن يعطيها فرصة أخرى؟
وفي النهاية زفر بضيق وترك تلك المسألة إلى الوقت. *** وصلت السيارة تحت بيت بدر، وقبل أن يترجلوا من السيارة قال عاصي: –أنا بستأذن منك، ممكن آخد رحيل مشوار الأول بعدين هروحها؟ –هتروحوا فين؟ –المستشفى. نظرت له رحيل بدهشة، فأكمل: –على الأقل نطمن على حالتها. قال بدر: –عندك حق، بس أنا عايز أجي معاكم. –أنت تعبت جدًّا اليومين دول، ارتاح وأنا هكون معاها خطوة بخطوة وهبلغك بكل حاجة. قالت رحيل باعتراض: –بس أنا مش... قال
بدر وعاصي في نفس الوقت: –مفيش بس! تنهد بدر ثم قال: –عاصي عنده حق، المهم دلوقتي نطمن على حالتك، وعموماً طول ما أنتِ معاه أنا مطمن، أنا بثق في عاصي. طالع عاصي بابتسامة وترجل بدر من السيارة، ثم تحرك بهم عاصي وذهب إلى أحد المستشفيات. وأثناء الطريق قالت رحيل: –غريبة. نظر لها وقال: –هي إيه اللي غريبة؟ التفتت إليه وقالت بصياح:
–أنت مالك إذا كنت تعبانة ولا لا، أنا حرة، أنا اللي أقرر حياتي تمشي إزاي، أنا مكنتش عايزة أتكلم قدام بابا عشان ميضايقش مني، بس... وفي حركة عفوية منه وضع يده على فمها لتسكت قليلاً وصاح بها: –ابلعي ريقك شوية، في إيه!! وبحركة سريعة وضعت يده تحت أسنانها وعضته بقوة، فصرخ الآخر بألم وسحب يده ثم نظر لها بغضب. وقبل أن يتكلم امتص غضبه وصمت. وعندما وجدته رحيل بهذا الصمت قالت:
–أنت مش كنت بتتمنى من كام يوم أني أختفي من حياتك وأنك متشوفش وشي تاني؟ –تختفي من حياتي وأنا عارف إنك بخير وكويسة، مش تختفي بطريقة تانية. ردت عليه رحيل: –مش هقدر ألومك لأني من يوم ما ظهرت في حياتك كل حاجة بتبوظ، وكأن حظي مكفاهوش حياتي راح يبوظ حياة غيري. نظر عاصي أمامه بتردد ثم أمسك يدها، فنظرت له هي بدهشة، ثم قال:
–كل حاجة بتحصل في الدنيا لسبب، وأنا مش بصدق أن في حاجة اسمها حظ، لكن في حاجة اسمها قدر، في ناس معينة بيكون قدرنا مرتبط بيهم بطريقة غير مباشرة، طريقة عقلنا مش بيقدر يستوعبها. –والناس دي ممكن تأذينا؟ –ممكن تأذينا وممكن لا، أنتِ ونصيبك، في ناس ممكن يكونوا عوض وناس تانية ممكن يكونوا درس جديد من الدنيا. –وأعرف إزاي؟ –إنك تحسي وتسيبي قلبك هو اللي يقرر. ابتسمت رحيل بسخرية وقالت: –عاصي اللي بيقول الكلام ده، مش معقول!
–مش ده كلامك؟ كفاية عقلك كل السنين دي، أدي فرصة لقلبك أنه يقرر، وأنا قررت أسمع كلامك ولأول مرة واسيب قلبي هو اللي يقرر. نظرت له رحيل بابتسامة وخجل، ثم غيرت الموضوع: –ممكن نروح نشوف ليلى بعد مشوار المستشفى؟ وحشتني جدًّا. –لازم أروح لعز، خليها يوم تاني طيب. –مش مشكلة، روح أنت لعز ووصلني لليلى، أقعد معاها شوية.
أومأ عاصي برأسه، ثم وصل الاثنان إلى المستشفى، وتعرضت رحيل لأكثر من كشف وأجرت بعض التحاليل والأشعات، وكان للأدوية التي تتناولها فضل كبير في استقرار حالتها، ولكن يجب أن تجري العملية في أسرع وقت وإلا سوف تسوء حالتها ولم تنفعها الأدوية بعد الآن. وعند خروجهم من المستشفى قال عاصي: –نتيجة التحاليل هتظهر بكرة، كده كده هاجي أشوفك، هبقى أجيب لك النتيجة، ارتاحي أنتِ وامشي على كلام الدكتور بس.
ظلت رحيل تطالعه بدهشة نوعاً ما، ولكنها ابتسمت في نهاية الأمر عندما دق قلبها الضعيف بطريقة غريبة وجانب منها أحب كلماته تلك، أومأت برأسها، ثم تحرك الاثنان وأوصلها عاصي إلى بيته. وقبل أن تنزل قال لها: –صحيح، هاتي الخط بتاعي. أخرجت رحيل الشريحة الخاصة بعاصي من هاتفها وأخذها منها، ثم تركها أمام المنزل، وعندما تأكد أنها دلفت إليه اطمئن. وقبل أن يتحرك سمع حارس العقار وهو يصيح بها: –استني، أنتِ رايحة فين؟!
نظرت له رحيل بفزع وقالت: –عايزة أشوف ليلى. صاح بها الآخر: –أيوة مين يعني؟! وقبل أن ترد رحيل ترجل عاصي من السيارة وأخبره أنه يعرفها، فقال منصور: –معلش يا بيه، معرفش أن حضرتك تعرفها، أنا آسف والله، عشان سبت الحيوان ده يخش كده، بس هو ضحك عليا والله، أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه. قال عاصي بتركيز: –أنت شوفت الشخص ده؟؟ تقدر تفتكر ملامحه يعني؟ –أيوة طبعاً. نظر عاصي إلى رحيل وقال: –اطلعي أنتِ طيب.
وبعد ذهابها طلب عاصي من حارس العقار أن يذهب معه إلى القسم حتى يقول مواصفات هذا الشخص حتى يتعرفوا عليه. *** صعدت رحيل إلى البيت وفتحت لها حنان عندما دقت على الباب، وبعد نوبة كبيرة من الترحاب والقلق والتوتر جلست رحيل على إحدى المقاعد وفي أحضانها ليلى التي ظلت متعلقة بها وكانت تبكي بين الحين والآخر. قالت حنان بقلق: –أنا عايزكي تحكيلي كل حاجة، عاصي مش راضي يفهمني وأنا قاعدة هنا على أعصابي.
صمتت رحيل للحظات ثم قصت عليها كل ما حدث معهم حتى الآن، منذ موضوع الصور إلى اختطافها وحتى هروبهم في إحدى المناطق المخفية، وكانت حنان تسمعها بعيون متسعة. قالت: –إزاي عاصي يخبي عني حاجة زي دي؟!! –صحيح، مين اللي دخل هنا؟ ليلى شافته صح؟ أومأت حنان برأسها، ثم أبعدت رحيل ليلى عن أحضانها قليلاً وقالت: –أنتِ زعلانة ليه يا عمري؟ قالت ليلى بدموع: –عشان عمو ده أخد صورة ماما منين؟ نظرت لها رحيل بدهشة، ثم نظرت
إلى حنان بعدم فهم وقالت: –صورة إيه؟ ثم تذكرت الصورة التي رأتها على هاتفها عندما أخبرت عز، ولكنها لم تركز في معالم الصورة وشخصياتها، لذلك فتحت هاتفها مرة أخرى واتجهت إلى الرسائل، فظهرت الصورة مرة أخرى. وضعت الهاتف أمام ليلى وقالت: –هي دي مش كده؟ ضحكت ليلى بفرحة وقالت بصوت عالٍ: –أيوة هي دي. نظرت رحيل إلى حنان وقالت: –أنا ممكن أطبع الصورة تاني من الموبايل، ممكن آخد ليلى ونروح تقريباً في استوديو قريب من هنا، صح؟
نهضت ليلى من مكانها ثم عانقت رحيل بقوة وهي تبكي بفرحة، وظلت تصيح: –أنا بحبك أوي، أنا بحبك قد الدنيا. كانت تلك الصورة مهمة للغاية بالنسبة لليلى، فهذا الشيء الوحيد التي تملكه من والدتها، وعندما رأت حنان فرحتها تلك ابتسمت وأومأت برأسها، ثم نهضت ليلى من مكانها وجهزت نفسها وخرجت من البيت هي ورحيل. *** في المديرية.
تم أخذ إفادة حارس العقار وتم رسم صورة بملامح الشخص الذي وصفه لهم، ولكنه كان مألوفاً نوعاً ما بالنسبة لعاصي ولكنه لم يقدر على تحديد هويته. قال له عز: –هنفتش كاميرات المراقبة اللي حوالين البيت وأكيد هنوصل لحاجة، متقلقش. قال عاصي: –أنا عايزك في موضوع مهم. انتبه له عز وقال: –اتكلم، سامعك. –هقولك خبر دلوقتي، عايزُه يكون تريند، بكرة الصبح يكون ظاهر للناس كلها. –خبر إيه؟ صمت عاصي للحظات ثم أخبره ما يفكر فيه،
فنظر له عز بصدمة وقال: –أنت اتجننت!! –اعمل اللي بقولك عليه بس. –أنت متخيل عواقب الخبر ده ممكن تكون إيه؟ فكر تاني. –فكرت وعارف بقولك إيه. أردف عن رغماً عنه: –اللي تشوفه. –ابنك عامل إيه؟ أنا آسف مسألتش كل ده. –لا الحمد لله، هو بس بسبب التقلبات اللي بتحصل في الجو تعب شوية. –ربنا يحفظه لك، صحيح أنت صاحبك علي دكتور صح؟ ممكن تعرفلي منه رقم جراح قلبية كويس جدًّا يكون ثقة. –حاضر بس ليه؟ –محتاجه، بلاش تنسى. –تمام.
ثم خرج من المكان وذهب ليشتري له هاتف جديد، ثم طلب إحدى السيارات حتى يعود إلى بيته بعدما ترك السيارة التي قد أرسلها له عز أمام المديرية. *** –مبسوطة يا ستي؟ قالها عاصي بابتسامة بعد أن طبعت الصورة لليلى، وكانت الأخرى تمسكها بيدها بتشبث وفرحة. قالت ليلى: –أيوة مبسوطة أوي، بس هبقى مبسوطة أكتر لما نلاقي البنت اللي في الصورة هي اللي هتقولي فين ماما. قالت رحيل بتساؤل: –بنت مين؟ أشارت ليلى على إحدى الفتاتين في الصورة وقالت:
–البنت دي، أنتِ مش فاكرة دي؟ شوفناها في الحمام في المطعم. أمسكت رحيل الصورة ودققت بها ثم قالت بصدمة: –دي هي فعلاً؟!! قالت ليلى: –أكيد، دي تعرف مامتي فين مش كده؟ عشان لو هي ماما كانت عرفتني علطول. قالت رحيل بصدمة وهي تسير: –يعني دي سلمى!! بس إزاي عاصي قالي أنها في المصحة. –وقفتي ليه؟ أمشي يلا. كانت ليلى تنظر لنقطة أمامها بصدمة كبيرة وقد تسمرت مكانها لم تتحرك أبداً.
نظرت رحيل إلى النقطة التي تنظر لها ليلى لتجد الفتاة الأخرى في الصورة تتحرك أمامها في بداية الشارع حتى دخلت إلى إحدى البيوت المجاورة لهم!! قالت ليلى بصدمة: –ماما. نظرت رحيل إليها بصدمة وأدركت أن التي تحركت أمامهم منذ لحظات هي بنفسها الفتاة الموجودة في الصورة أي والدة ليلى!! لذلك أمسكت يد ليلى بقوة واتجهت إلى هذا البيت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!