تحميل رواية ركان بقلم حنين ابراهيم pdf
بقلم حنين ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأيام منذ عدة سنوات كان ذو العشر سنوات عائدا من مدرسته مع شقيقته الصغرى ماريين عبر الحقول. فهو كان يعيش في منطقة ريفية. سيلا بتعب: أنا تعبت أوي يا ، هو كل يوم لازم أصحى الصبح أروح المدرسة؟ ضحك بمرح: يا بكاشة، إنتي لحقتي تتعبى؟ إنتي يا دوب أول سنة. بعد أن وصلا للبيت سلما على والدتهما. ندى وهي تحمل الحقيبة عن إبنتها: روحوا اغسلوا إيديكم وتعالوا اتغدوا. بتساؤل بعد أن لاحظ غياب والده: هو بابا مش هيتغدى معانا النهاردة كمان؟ ندى تنهدت بتعب: لا يا ، هو راح من بدري وقال إنه هيبات بره بسبب الشغل....
رواية ركان الفصل الأول 1 - بقلم حنين ابراهيم
في أحد الأيام منذ عدة سنوات كان ركان ذو العشر سنوات عائدا من مدرسته مع شقيقته الصغرى ماريين عبر الحقول.
فهو كان يعيش في منطقة ريفية.
سيلا بتعب: أنا تعبت أوي يا ركان، هو كل يوم لازم أصحى الصبح أروح المدرسة؟
ركان ضحك بمرح: يا بكاشة، إنتي لحقتي تتعبى؟ إنتي يا دوب أول سنة.
بعد أن وصلا للبيت سلما على والدتهما.
ندى وهي تحمل الحقيبة عن إبنتها: روحوا اغسلوا إيديكم وتعالوا اتغدوا.
ركان بتساؤل بعد أن لاحظ غياب والده: هو بابا مش هيتغدى معانا النهاردة كمان؟
ندى تنهدت بتعب: لا يا ركان، هو راح من بدري وقال إنه هيبات بره بسبب الشغل.
ركان بقلق بعد أن وجد والده هذا العمل مع مديره الجديد أصبحت تصرفاته مريبة: انت كلمتيه في موضوع الشغل ده؟
ندى بكسرة: كلمته كتير يا ابني، ومافيش فايدة، مصمم على الشغلانة دي بالذات.
ركان بقلة حيلة: ربنا يهديه ويصلح حاله.
ندى وهي تؤمن على كلامه: آمين يا رب.
بعد أن أكل ركان غداءه استأذن والدته وذهب للعمل.
ركان: أنا رايح للمحل، عايزة حاجة يا أماه؟
ندى بحب: لا يا حبيبي، سلامتك.
ركان وهو يلبس حذاءه: طيب خلي بالك على سيلا، ما تخليهاش تطلع في غيابي.
والدته وهي تغسل الأطباق: متشغلش بالك إنت، هو انت هتخاف عليها أكتر مني؟
غادر ركان مسرعًا لمحل البقالة الذي يعمل به.
ركان بمرح: مساء الخير يا عم جمعة.
عم جمعة بوهن بسبب كبره في السن: أهلاً، أخيراً جيت. تعال اقعد مكاني لحد ما أصلي العصر وأرجع.
جلس ركان على رأس المحل ليحاسب على المشتريات عند مغادرة عم جمعة.
بعد مدة بدأ الزبائن بالتوافد وهو يحاسب على المشتريات عندما تقدم منه أحد الزبائن ووضع المشتريات أمامه.
الزبون: كده الحساب كام يا شاطر؟
ركان حسب ثمن المشتريات في ثواني: 75 يا كابتن.
: خد مية وهات الـ 25.
ركان أخذها وبحث في الصرافة أمامه: ناقص 5. التفت للزبون: عندك 5؟
أخرج الزبون الخمسة من جيبه ليأخذها ويعطيه 30. كده الحساب تمام.
الزبون كان مازال واقف باستغراب.
ركان: لا أبوس إيدك ما تنحرجش، إنت كان باقيلك 25 وأنا معنديش فكة، خدت منك الخمسة ورجعتلك 30.
: يعني أنا مديّاك خمسة زيادة؟
ركان وهو يضع يده على رأسه بطريقة مضحكة: يالهوي عليا وعلى اللي عملته في نفسي.
في تلك اللحظة دخل عم جمعة ليسأل ما الذي يحدث، شرح له ركان القصة ليضحك العم عليهما.
الزبون: انت بتضحك يا عم جمعة وسايب الواد يقلبني عيني عينك؟
عم جمعة بضحك: يقلبك إيه يا ابني، انت حسابك كان 75 صح؟
الزبون: صح.
عم جمعة مسترسلاً: دفعت 105 يبقى الباقي كام؟
الزبون بعد أن بدأ العد بأصابعه: 30.
عم جمعة: وانت معاك كام دلوقتي؟
الزبون نظر للنقود التي أعطاها له ركان: 30.
عم جمعة بتوضيح: يبقى الحساب تمام.
: آه صح.
ركان بغيظ: آه صح؟ أمال أنا كنت بهاتي في إيه من الصبح؟
: ما تهدى يا عم القطر، ما قلنا خلاص.
ركان بقرف: امشي يالا من هنا بدل ما أبتلي فيك.
عم جمعة بتحذير: ركااان.
صمت ركان وعاد لعمله.
وبعد دقائق وجد فتاة صغيرة تركض نحوهم.
الفتاة: الحق يا ركان، أختك مختفية من الصبح وأمك قالبة عليها الدنيا ومش لاقياها.
ركان قفز من كرسيه هلعاً على أخته: إيه؟ سيلا؟ إزاي حصل الكلام ده.
شهد بسرعة: كانت بتلعب استغماية مع البنات وإحنا دورنا عليها في كل مكان وملقينهاش. بعد ما زهقنا من التدوير قعدنا ننده عليها وبرضه مردتش، قلنا احتمال استخبت في بيتها، رحنا قولنا لوالدتك تطلعها وتقولها إنها كسبت، بس أمك قالت إنها مرجعتش.
كانت تواصل كلامها وهي تركض معه نحو بيته ليجد المكان مزدحم، والدته تبكي وتلطم والجيران يبحثون عنها في كل مكان، حتى أن أحدهم خطر بباله أن يبحثوا في البئر علها وقعت به، بعد بحث كان دون فائدة اتصلوا بالشرطة ليمشطوا المكان.
كان يقف معهم أحد الجيران في غياب الأب.
الجار: دوروا عليها في الترعة يابيه، أحسن تكون النداهة ندهت لها خدتها.
الأخر بسماجة لا تتناسب مع الموقف: بس أنا سمعت إن النداهة بتنده على الرجالة بس عشان تنتقم منهم.
ركان بصراخ بعد نفاذ صبره: نداهة إيه وزفت إيه؟ هو ده وقت تخاريف؟ الله يخرب بيوتكم.
: الله؟ وأنا مالي، ده هو اللي بيقول.
ندى ببكاء: هاتولي بنتي، بنتي راحت فين.
ركان كان على آخره من الغضب: الله يسامحك يا ماما، سبتيها تطلع ليه؟ أنا نبهت عليكي 100 مرة سيلا ما تطلعش في غيابي.
ندى ببكاء: ما كنتش عارفة إن ده هيحصل، صحباتها جم يلعبوا معاها وهي اترجتني أسيبها تطلع ووعدتني إنها مش هتبعد.
رواية ركان الفصل الثاني 2 - بقلم حنين ابراهيم
ركان حاول تهدئة نفسه حتى لا ينفعل أكثر على والدته: ماشي يا أمي، ادخلي أنتِ دلوقتي وأنا هتصرف.
اتجه للشرطة ليسألهم على التدابير اللازمة لتقديم البلاغ.
الشرطي بعملية: ممكن تتصل بوالدك دلوقتي عشان يكمل الإجراءات. إحنا عادة مش بنتحرك غير بعد 24 ساعة، بس مع زيادة حالات الخطف وعشان صغر سنها هنتحرك فورًا، بس محتاجين إمضته وعشان يتابع معانا الإجراءات.
تنهد ركان بحيرة، لا يعرف ماذا يفعل، فهو يعلم أن والده لن يعود قريبًا، لكن مع هذا قرر المحاولة. اتجه لمحل عم محمد ليأخذ الهاتف الذي يؤجره للمكالمات بالدقيقة. ضغط أزرار رقم والده لينتظر الرد، لكنه لم يُجب. حاول مرارًا لكن دون فائدة: يووه، هو ده وقته؟
عاد للشرطي مجددًا ليخبره أن والده لا يرد، وأنه هو ووالدته من سيتكفل بكل شيء.
ندى خرجت لتكمل الإجراءات اللازمة وتقدم بلاغًا باختفاء ابنتها، ليبحثوا عنها ويقدموا بياناتها لجميع أقسام الشرطة القريبة.
مر الليل عصيبًا على كل من ركان وندى في ظل عدم ظهور سيلا في الجوار. وفي الصباح التالي، سمعوا طرقات على الباب. وعندما فتح، وجد عم جمعة يستعجله: أبوك اتصل من شوية وعايز يكلمك.
انطلق ركان ركضًا باتجاه المحل. أخيرًا والده رد. سيخبره أن سيلا اختفت، لا يدري أين ولا ماذا يفعل ليعيدها. أخيرًا سيعود والده ويتكفل بالأمر، سيحمل عنه ثقل المسؤولية والشعور بالذنب أنه لم يستطع حمايتها.
عندما وصل للمحل، أمسك بالهاتف الصغير المربوط بخيط. ورد بلهفة: ألو بابا، أنت فين؟ إحنا محتاجينك عشان...
قاطع عدنان كلامه بصوت مرهق: صحيح اللي سمعته ده يا ركان؟ أختك مختفية من امبارح؟
ركان بحزن: أيوه يا بابا، امبارح طلعت تلعب مع صاحباتها استغماية ومن ساعتها ما ظهرتش.
ارتخت أكتاف عدنان عند تأكده من الخبر، ليجلس بوهن على الكرسي الذي بجانب المكتب: وأنت كنت فين من ده؟
ركان حاول التبرير: أنا كنت في المحل عند عم محمد.
عدنان قاطعه بغضب: محل إيه وزفت إيه؟ أنا منبه عليك قبل كده تخلي بالك من أمك وأختك بس.
ركان ليبرر موقفه: أنت عارف اللي فيها يا بابا، وماما كانت حالفة ما تاخدش منك مليم ولا تصرفه علينا طول ما أنت مصر على الشغل ده.
عدنان بانهيار وهو يرى كل ما فعله من أجل عائلته يذهب سدى: يا ابني افهم، أنا كمان كان غصب عني. هو كان بيهددني بيكم، واديني نفذ وخطف أختك عشان معترفش عليه بعد ما اتمسكت بالشحنة اللي معايا.
ركان بصدمة: إيه؟ اتمسكت؟
عدنان بوهن: أيوه، ودلوقتي ما قداميش حل غير إني أعترف على نفسي وأشيل الليلة عشان أختك ترجع.
وأنت بعد ما ترجع تاخدها هي وأمك وتسافرو من هنا و... أكمل بصوت به حشرجة بكاء: وأنت خلي بالك منهم. اختنق صوته وهو يكمل: طبعًا مش هوصيك، أنا عارف إني مخلي راجل ورايا.
ركان بصدمة: بابا، أنت بتقول إيه؟ أكيد مش هتعمل اللي أنت بتقول عليه، مش هتسيبني أنا وأمي في الظروف دي.
بابا رد عليا.
رمى الهاتف بصراخ عندما وجد الخط مقفلاً، وترك لدموعه العنان. ظهره كُسر، أمله وأمانه اختفى.
عم محمد شعر بالأسى على حالته وجلس يواسيه وأعاده للبيت.
ندى بلهفة: أبوك قالك إيه؟ هيرجع امتى؟
كان ركان يقف أمامها، دموعه تنساب بصمت، لا يعرف ما يقوله.
قاطع صمته صوت طرقات على الباب، ليفتح وينظر للطارق بصدمة: أنت.
إيه، مفيش اتفضل؟ قالها ذلك الرجل الذي يبدو في آخر الأربعينات ببطنه البارزة وابتسامته الخبيثة.
ركان بغضب: عايز إيه؟
درغام بحزن مصطنع: بقى دي مقابلة تقابلني بيها؟
ركان بنفاد صبر: عايز إيه، اخلص.
كانت ندى تقف خلف باب غرفتها لترى من الطارق وتسمع ما يقوله.
درغام نظر له بشر: أنا عارف إن أبوك كلمك وقالك على اللي فيها، فانت زي شاطر بكرة تروح المحكمة وتشهد بنفس الكلام اللي هيقوله أبوك ده، طبعًا لو عايز الكتكوتة ترجع بالسلامة. اتفقنا؟
ركان نظر له بكره وأجاب بتحدي: مفيش اتفاق بينا غير لما سيلا ترجع للبيت، غير كده انسى.
ندى قفزت من مكانها عندما سمعت اسم ابنتها وخرجت من الغرفة تصرخ: يا حيوان يا واطي! بقى أنت اللي خطفت بنتي؟ هجمت عليه تمسك به من تلابيب قميصه: وديت بنتي فين؟
حاول ركان أن يبعدها عنه: خشي جوة يا أما.
درغام نظر لهما بسماجة وهو يبتسم ابتسامته المقرفة: بقى أنا أخطف؟ انتي تعرفي عني كده؟
ندى بجنون وهستيريا، فكرة أن ابنتها مخطوفة الآن تجعلها لا تعي ما تقوله: أنا أعرف عنك الأوسخ من كده.
وبنتي لو مرجعتليش دلوقتي حالا لهخليك تدفع تمن اللي عملته غالي، أنت واللي مشغلك.
اتسعت عينا ركان من الصدمة: يا أمي، ما الذي فعلته؟ أي خطأ منك الآن سيجعل حياة سيلا في خطر.
درغام نظر لها بتوتر، كلماتها ووقوفها أمامه بهذا الشكل الآن يوحي بأنها تعرف الكثير وقد يكون في يدها أدلة أيضًا، وهذا ما لن يسمح به.
أبعد يديها عنه وهو ينظر لركان وهو يرسم اللامبالاة والبرود على وجهه: بكرة تبلغني قرارك النهائي. استرسل وهو يغادر المكان: أشوفكم على خير.
ندى وقعت على ركبتيها بوهن، كأن قدميها لم تعد تسعفانها على الوقوف، ولا عقلها للتفكير بشكل سليم. عيناها زائغة وهي تنظر للفراغ: بنتي، بنتي هتضيع مني.
بدأت تربط الخيوط ببعضها لتمسح دموعها: لا، لا، أنا هوقفهم عند حدهم وهرجع بنتي لحضني.
ركان بانتباه: هتعملي إيه؟
رواية ركان الفصل الثالث 3 - بقلم حنين ابراهيم
إنتي بتعملي إيه هنا؟ قالها وهو يرى زوجته أمام المرآب الخلفي لبيتهم.
نظرت له شرزًا: أنا اللي بعمل إيه، ولا إنتو كنتوا بتهببوا إيه في الكراج؟
أسرع يضع يده على فمها حتى لا يسمعها من بالمرآب: ششش، وطي صوتك، إنتي عايزة توديني في داهية؟
لتنزع يده بعنف: الداهية دي إنت اللي هتودي نفسك ليها لو كملت اللي بتعمله.
انخلع قلبه وهو يسمع الرجل يسأل من الداخل: بتكلم مين عندك؟
همس لها برجاء: امشي من هنا ونتكلم في البيت. ثم رفع صوته وهو يجيبه: مفيش حد يا معلم، أنا قولتلك دي قطة معدية من هنا وأنا بمشيها.
كانت ستعترض على كلامه، لكنها سمعت خطوات من بالمرآب تقترب منهم، لتشعر بالخوف وتنصرف من المكان وتدخل لبيتها القريب.
وقف الرجل وراءه وبصوت مهيب: جرى إيه يا عدنان؟ هتفضل عندك كتير؟
عدنان بتوتر: هاه، لا، أنا مشيتها وجاي أهو. دخل معه للمراب ليتفقا معًا على ميعاد نقل البضاعة من المرآب للمدينة بسيارة النقل التي يملكها عدنان.
ندى دخلت لغرفتها وهي تتنفس بسرعة كأنها كانت تركض في سباق. بعد أن هدأ روعها، أخرجت الكاميرا التي كانت تحملها وصورت بها من في المرآب خلسة.
خرج ركان من غرفته يفرك عينيه من أثر النوم بعد أن سمع صوت ضجيج في الخارج، ليجد والدته تقف عند الباب وهي تضع يدها على قلبها من الخوف: ماما، إنتي بتعملي إيه في وقت زي ده؟
نظرت له ندى ومازالت علامات التوتر على وجهها: مفيش يا حبيبي، روح كمل نومك، بكرة عندك مدرسة ولازم تصحى بدري.
لم يلقِ بالًا لما يحدث، لذلك التفت عائدًا لغرفته وهو يتثاءب: ماشي يا أمي، تصبحي على خير.
بعدها بساعة، عاد عدنان إلى البيت وعلامات الغضب بادية على وجهه: ممكن أفهم إنتي إيه اللي خرجك وجابك ورايا؟
ندى بانفعال: أنا اللي عايزة أفهم، إنت إيه اللي بتهببه في الجراج؟ إنت اتجننت؟
عدنان بنبرة كلها برود: أنا قولتلك قبل كده إني هأجره للبضايع عشان أكفي مصاريف العيال وأبني بيت كبير، إيه الغلط؟
ندى بهستيريا: إنت لما قولت بضايع، كنت فاكراك بتتكلم عن لبس أو حتى تخزن تبن لأصحاب الأراضي، مش ممنوعات وتدخل على البيت بفلوس حرام!
عدنان: مين اللي قالك إنها حرام؟ أنا كل اللي عملته إني أجرت الجراج بملغ، اللي ماجره بقى حر يخزن فيه لبس، علف، أو غيره، أنا مليش دعوة.
بعدم تصديق من الذي يقف أمامها كأنه شخص لا تعرفه: بذمتك إنت مقتنع بكلامك ده؟
تنهد عدنان بنفاذ صبر، أمسك بيدها وسحبها لتجلس بجانبه على السرير: بصي يا حبيبتي، أنا نفسي أعيش وأعيش ولادي أحسن عيشة، والشغل مع الراجل ده هيحققلي اللي أنا عايزه. ابتسم وهو يخرج رزمة من الفلوس أمامها: بصي، دول دفعة مقدمة لست شهور، هجيب بيهم لبس لركان وسيلة، وهشتري غنم وبقر ويبقى لنا راس مال وفوايد تعيشنا سنين قدام. الباقي هجيب بيه مواد البنا عشان هنبني بيت كبير زي ما كنا نحلم عشان نربي أولادنا بيه ويتعلموا أحسن تعليم ويلبسوا زي أولاد العز ومش هيبقى نفسهم في حاجة، مش ده اللي نفسك فيه؟
بالحلال، كانت تنظر له بعزم مستنكرة أفعاله لتؤكد على كلامها: كانت نفسي ولادي يلبسوا ويعيشوا أحسن عيشة بالحلال، أما اللي في إيدك ده يحرم عليا أنا وولادي نصرف مليم منه.
كانت ندى تمشي في الشارع بسرعة وركان يحاول اللحاق بها يحاول أن يثنيها عما ستفعله.
يا ماما اسمعيني بس.
ارجع للبيت يا ركان، أنا هخلص المشوار ده و أرجع. كانت تتكلم وهي تنظر خلفها حين اصطدمت بمن أمامها لتصرخ: حاسبي!
نظرت لها ندى بأسف لتعتذر منها. كانت ترتدي نقابًا، ولكنها تعرف تلك العيون جيدًا، فهي جارتهم وصديقتها في دروس التحفيظ في المسجد: أنا آسفة يا حياة، ما أخدتش بالي عشان مستعجلة.
حياة بتفهم: ولا يهمك يا حبيبتي، عذراكي. ربنا يطمنك على بنتك وتلاقيها.
آمين يا حبيبتي، ونيجي نزورك لما تولدي بالسلامة إن شاء الله.
قالتها وغادرت بسرعة. توقفت حافلة كانت مارّة أمامها وتركبها. كان ركان سيرافقها، لكنها أوقفنه بحجة أنه قد يصلهم خبر من أي شخص عن أخته، لذلك عليه التواجد بالبيت والانتظار.
أنا هاجي معاك. لو في أخبار جديدة عم محمد موجود. كانت سترفض، لكن الحافلة كانت على وشك المغادرة وريان ركب بسرعة وأغلق الباب. لم يكن بيدها حيلة. كانت تعلم أن ما ستقوم به خطير، ولكن قد يكون أملها الأخير لإيجاد ابنتها بعد أن تأكدت من خطفها.
وصلوا إلى قسم الشرطة. نظرت حولها، كانت تمسك بيد ركان لتنظر له: ركان، خليك هنا جنب الكشك، هروح أخلص موضوع في القسم و أرجع.
حاول ركان الاعتراض، ولكنها رفضت، ليجلس بجانب المحل الذي أشارت له والدته وهي دخلت للقسم.
بعد ساعة، خرجت وعلى وجهها ابتسامة. كانت تبدو أكثر راحة وكأنها عادت بأمل جديد. ابتسم ركان بتلقائية عند رؤية ابتسامتها. كانت متوجهة نحوه وهي تقطع الطريق لتبشره بما حدث. اختفت ابتسامة ركان عندما لاحظ سيارة متقدمة نحوها بسرعة كبيرة، ليصرخ بأعلى صوته: ماما، حاسب...
لم يكمل جملته، فقد كانت تلك السيارة أسرع ورفعت والدته من الأرض، ليقع جسدها على الأرض. فرت السيارة بنفس السرعة وركان واقف بصدمة كتمثال، كأن حركته شلت ببصر شاخص. والناس بدأت في الاحتشاد وبعض عناصر الشرطة يحاولون إبعاد الناس والاتصال بالإسعاف.
فاق ركان على صوت والدته وهي تناديه: ر... ركان.
تقدم منها بخطوات ثقيلة وهو ما زال في صدمته.
كانت تحاول النطق: ال... الكاميرا في الرف ال... سري اللي في الدولاب. كانت تتكلم بصوت متقطع.
إنت لازم تكشفهم عشان نرجع أختك.
ركان بدموع: هز رأسه. حاضر.
بدأت تنطق الشهادة وركان يردد برفض: لا، لا، ماما، إنتي هتعيشي، مش هتسبيني صح؟
لم ترد والدته، ليزيد صراخه: ماما!
سمع صوت من خلفه ينادي: مدام ندى. جلس على ركبتيه ليقيس نبضها ويردد بعد لحظات: لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
رواية ركان الفصل الرابع 4 - بقلم حنين ابراهيم
كان ركان يقف في عزاء والدته، جسدًا بلا روح.
كان أهل البلد يقبلون عليه بكلمات المواساة والتعازي، ولكن هو كأنه في عالم آخر، ينظر لهم باستغراب.
"من هؤلاء؟ ما الذي يتحدثون عنه؟ من الذي مات؟ أين أمي؟ قالت إنها ذاهبة لإنهاء موضوع وستعود."
"اليوم هو اليوم الثالث من سفر أبي، هذا موعد رجوعه. لعل أمي ذهبت للسوق لشراء اللحم، تعرف أن أبي يحبه، سيحب أن تعد معه يخنة، هو يحب أكل أمي خاصة عندما يعود متعبًا من العمل، هي لن يهون عليها أن تراه متعبًا ولا تسعده بطبق لذيذ من يديها."
"كم الساعة الآن؟"
ركان وقف كمن تذكر شيئًا.
انتبه له عم محمد: "رايح فين يا ابني؟"
ركان بضياع: "عم محمد، هي الساعة كام عندك؟ هو مش ده وقت خروج سيلا من المدرسة؟ أنا لازم أكون هناك دلوقتي، هي هتكون مستنياني."
عم محمد شعر بغصة من حالة ركان.
"ركان يا ابني، استهدى الله. أنا عارف إن اللي حصل مش سهل، بس أنت لازم تكون أقوى من كده. لما هتلاقوا سيلا بإذن الله، هتحتاجك أنت وأبوها عشان تهونوا عليها فقدان والدتها."
ركان بغضب وهستيريا: "أنتم بتقولوا إيه؟ أنا ماما كويسة، هي راحت للسوق وراجعة عشان بابا جاي النهاردة. أنا هروح أجيب سيلا عشان نتلم كلنا على السفرة. أنت عارف سيلا بتحب تاكل من إيد بابا، مكانتش بتحب لما يغيب."
كان صوته يبدأ بالاختناق تدريجيًا من أثر الدموع: "أنا هروح أجيبها النهاردة، هتفرح أوي لما تعرف إن بابا رجع من السفر."
أخذه عم محمد في حضنه وهو يبكي. ركان كان ساكنًا بدون ردة فعل لفترة، ولكن فجأة بدأ بالصراخ: "مامااا! آآآه! ليه؟ لييه؟ ليه تسيبنا وتمشي؟ أنتي قولتي إنك راجعة، ليه تعملي كده؟"
عم محمد حاول مواساته: "وحد الله يا ابني. إنا لله وإنا إليه راجعون. خلي إيمانك بربنا كبير."
ركان لم يكن يستمع، فقد بدأت كل خلية من دماغه بالإنهيار. عقله لم يتحمل كل ما حدث: إختفاء أخته، سجن والده، موت والدته... وأي ميتة. بدأ بفقدان الوعي، ولكن ذاكرته بدأت باستعادة أحداث آخر لحظاته مع والدته.
السيارة المسرعة ومن كان بداخلها. لقد كانت ثواني معدودة، لكنه يكاد يقسم أنه رأى ابتسامة انتصار بعد اصطدامه بوالدته. الضابط الذي جلس أمامه وقاس نبض والدته، لقد ناداها باسمها لأنها كانت عنده قبلها بلحظات. التفت إلى أمناء القسم والضباط ليسألهم عن الفاعل، ليشيروا له أن أحد زملائه لحق به. ركب سيارته مسرعًا وهو يكلم زميله ليخبره بمكانه ليلحق به. كان ركان مع والدته في المستشفى، يمشي كمومياء بين أطباء وعم محمد وهم يخرجون تصاريح الدفن. دخل بعض ضباط الشرطة مسرعين وهم يجرون النقالة مع الممرضين. خمس ثوانٍ التي مروا فيها من أمامه كانت كافية ليرى وجهه ويتعرف عليه، إنه نفس الضابط الذي اشتكت له والدته وكانت ستقدم له الأدلة. فلا حادثها كان عرضيًا، ولا الضابط قُتل على يد المجرم فقط لينفذ بجلده، هذا ما يعرفه وهو متأكد منه.
فقد ركان وعيه بين يدي عم محمد، هربًا من الواقع بشكل مؤقت، ليستيقظ على همسات من عم محمد وهو يقول بحيرة وحزن: "أبلغه إزاي بس؟ ده لسه ملحقش يفوق من الصدمات اللي قبلها."
لتجيبه زوجته: "يعني هنخبي عليه؟ مهو لازم يعرف إن أبوه لما سمع باللي حصل لمراته مستحملش وقرر يحصلها. كلنا في البلد شاهدين كانوا بيحبوا بعض إزاي وكانوا شايلين بعض في الحلوة والمرة. الراجل يا عيني ما استحملش يوم من غيرها."
"أسكتي شوية يا ولية أحسن يفوق في أي لحظة ويسمعك. أنا هدخل أطمن عليه وأنتي حضريله حاجة ياكلها."
"حاضر يا خويا." قالتها العجوز ودخلت للمطبخ تطلب من أحد بناتها إعداد الأكل للضيف.
بينما محمد دخل للغرفة ليجد ركان ينظر للسقف بملامح جامدة، حتى عيونه لم ترمش للحظة. أخافه محمد منظره، فقد ظن أن قلبه قد توقف من هول ما أصابه. فأي طفل سيتحمل ما يمر به ركان؟
اقترب منه بخوف: "ركان؟"
التفت له ركان ببطء، ملامحه مازالت جامدة، عيونه لم يعد فيها أي حياة.
محمد بصوت حنون: "قوم يا ابني تاكل معانا."
ركان دون أن يلتفت: "مليش نفس."
"حرام عليك يا ابني اللي بتعمله ده، مش هيرجع اللي راح."
استمر محمد في الحديث وركان على وضعه لم يتحرك ولا يستمع. بعد أن فقد الأمل، تركه وغادر بعد أن وضع صينية الأكل التي أدخلتها زوجته، لعله يجوع ويأكل منها.
بعد أيام، استيقظ ركان من سباته المعتاد الذي يهرب به من واقعه، وسمع محمد وزوجته يتناقشان حول وضعه.
"وبعدين يا سي محمد، هتعمل إيه مع الولد؟ هتشوف حد من أهله ياخده؟"
محمد بامتعاض: "أهل مين يا ولية؟ انتي ناسيه إن أبو وأم عدنان متوفين وندى نفس الوضع، وماكنش عندهم إخوات. حتى أخو عدنان متوفي من سنين."
سنية: "طب معندوش ولاد أخ أي حد من قرايبه يتكفل بيه؟"
محمد: "معرفش حد، لأن محدش كان بيزورهم."
سنية بعدم رضا: "طب والعمل؟"
محمد بنفاذ صبر: "العمل في إيه؟ انتي إيه اللي مضايقك في وجوده؟ هو قاعد فوق كتافك؟ ما تسيبي الولد في حاله لحد ما ربنا يفرجها."
سنية بنفاذ صبر: "وأمتى هيفرجها؟ وبعدين انت ناسي إن عندك بنت دلوقتي في سن مينفعش تتكشف على رجالة."
محمد بطيبة: "بس ركان زي أخوها، وهما متربيين مع بعض."
سنية: "اديك قلتها زي. هو مش أخوها، لا آباءهم مشتركين ولا راضعين على بعض. وبعدين هي من ساعة ما جه وهي مش عارفة تدخل حتى الحمام براحتها غير لما تتأكد إنه في الأوضة، وتفضل لابسة الطرحة طول ماهي ماشية في البيت كأنها عايشة في بيت مش بيتها."
محمد: "بطلو مبالغة، الولد لسه صغير."
سنية: "صغير إيه ده؟ داخل الـ 13 سنة، يعني بالغ. واللي يمشي على الرجالة اللي مش محارم بنتك بيمشي عليه."
محمد بعدم رضا: "يعني المطلوب مني إيه دلوقتي؟ أرمي الولد وهو في الوضع ده؟"
سنية: "معرفش بقى، اللي تشوفوه مناسب إعملوه. أنا قلت أنبهك إن عندك بنت على وش جواز، ولو إحنا سكتنا واعتبرناه من العيلة، الناس مش هتسكت وهيطلعوا عليها كلام يوقفوا حالها."
ركان تحامل على نفسه وسار نحو الباب الخلفي وخرج بهدوء دون أي كلمة. ضل يمشي في الطريق دون هوادة، عندما سمع صوت من خلفه ينادي باسمه.
التفت لها ليعرف هويتها: "مدام حياة؟"
حياة ببعض التعب بسبب حملها: "أنا كنت عايزة أجلك من بدري بس واجهتني ظروف. البقاء لله، شد حيلك. هما في مكان أحسن دلوقتي. أنا عارفة إن الإبتلاء اللي بتمر بيه ده صعب، بس خليك متمسك بإيمانك بربنا وتصبر على ابتلاءاته."
"نفس الحديث كل مرة. كل مرة نواجه أشياء صعبة، سيأتي شخص بوجه بشوش يقول لك ابتلاء، وإن الله يحبك وعليك أن تحمده."
قاطع ركان كلامها، فهو ليس وقته ولن يغير من واقعه شيء.
"عاملة إيه مع جوزك؟ طيبتك وصبرك خلاه يعاملك كويس زي ما ماما قالتلك؟"
تفاجأت حياة من سؤاله ولم ترد.
ركان نظر لها بابتسامة ساخرة بعد أن أوصل لها المعنى وراء سؤاله: "بالظبط. كلنا نعرف ننصح ونقول كلام موزون طالما مش إحنا اللي عايشين في المشاكل دي، وإحنا بنقبل النصيحة ونقعد نصبر نفسنا بالكلام ده."
غادر وترك حياة لصدمتها، ليس لأن معه حق أو لأن كلامه جرحها، بل لأن ابن أعز صديقاتها التي كانت ترشدها لطريق الصواب والحق، بدأ أول خطوة في الطريق المعاكس بعد موتها، ومن يدري إلى ما قد يرشده ذلك الطريق.
دخل ركان إلى بيتهم، كان المكان موحشًا بالنسبة له، فلا والدته هنا لتستقبله بابتسامتها المعهودة، ولا سيلا تركض وتغني في الأرجاء، ولا والده موجود يحتويهم في حضنه. بعد كل سفرة يخرج من جيوبهم كل ما اشتهوه، وأول من يتذكر بالهدايا والدته. ساقته قدماه إلى غرفة والدته وتوجه نحو الخزانة ليفتحها، بحث بين الملابس عن مفتاح ليأخذه ويفتح درج سري خلف الملابس مثلما أخبرته والدته، ليخرج آلة التصوير. شرد في شيء ما للحظات، عندما سمع صوت ضجيج في الخارج و...
رواية ركان الفصل الخامس 5 - بقلم حنين ابراهيم
سمع صوت في الخارج ليأخذ ما في الدرج من نقود كانت أمه توفرها، ويفتح النافذة ويقفز منها دون إصدار صوت. بما أن بيتهم طابق أرضي، فالأرض كانت قريبة من قدميه. بقي قريبًا من النافذة ليعرف هوية الشخص الذي دخل الغرفة.
سمع صوتًا مألوفًا له يقول: "أكيد مخبياه هنا حضرتك."
ليرد من معه: "طب دور عليه هنا، ويا ريت متخليش حاجة تبان إنها اتحركت من مكانها."
ضرغام: "مش كنت خدت كل الأوراق الخاصة بأقوالها وقفلت المحضر؟"
"انت بهيم ولا إيه؟ مهو أنا عملت كده. والتفتيش اللي هيعملوه بكرة بسبب رائد صاحب جواد الضابط اللي مات، لأنه مصر إن سبب موته المدام ندى، لأنها كانت عنده. ولما ملقاش ليها أي ملف شك في القسم كله وأمر بتحقيق فوري. احمد ربك إني عرفت أجل تفتيش البيت لبكرة لحد ما ناخد أي دليل يخص الـ boss قبل ما المكان يتفتش."
تركهم ركان يبحثون وهو انسحب من المكان بصمت كما دخل.
توجه نحو موقف الحافلات ليركب ويجلس في الخلف وهو يردد: "الضابط رائد ربما سيكون الحل، بما أنه يبحث عن حق صديقه فقد يقبض على المجرم الذي قتل والدته ويحقق انتقامه. نظر لآلة التصوير، لكنهم قد لا يصدقون فتى بعمره، لذلك ستكون الصور مفيدة، سيأخذ الـ negative للمصور ليخرج منها الصور ويأخذها له."
وقفت الحافلة في المحطة لينزل منها وهو عازم على تحقيق طلب والدته الأخير.
دخل عند مصور فوتوغرافي الذي ابتسم له بعملية.
ركان: "السلام عليكم."
المصور: "وعليكم السلام. حضرتك جاي تتصور عشان ملف تخلص ملف لتقديم المدرسة؟"
ركان وهو يخرج آلة التصوير من جيبه: "لأ، عايز صور للـ negative اللي في الكاميرا."
المصور: "أوكي، هيكون ثمن الصورة الواحدة 2 جنيه."
ركان: "اخرج مبلغ بسيط، تمام. أنا مش عارف هما كام صورة، بس إنت طلع كل الموجود فيها، ولما أستلمها بكرة هكمل الباقي."
المصور أخذ آلة التصوير: "طب تمام، أنا عمومًا معنديش ضغط شغل، فتقدر تستلمهم 5 المسا قبل ما أقفل."
ركان: "هكون شاكر لحضرتك."
خرج ركان متوجهًا لقسم الشرطة. تجمدت قدماه عندما وقف في نفس المكان الذي تركته به والدته. رأى السيارات المارة وعادت له ذكرى الحادثة كأنها شريط فيلم مر أمامه. تذكر كل شيء: نوع السيارة ولونها الرمادي، حتى رقمها. كان سر تفوقه في المدرسة حفظه لما يراه في كتبه لمرة واحدة، لكنها أصبحت لعنته وهو يتذكر تفاصيل حادثة والدته، سقوطها، وصوتها وهي تناديه بتلك الحالة، ملامح الألم الذي بدا عليها إلى آخر لحظة، عينيها وهما شاخصتان بعد نطق الشهادة.
فاق من وضعه ذاك على يد وضعت على كتفه. التفت ليجد صاحب المحل المقابل للقسم كان يبتسم بوجه بشوش: "مش انت اللي كنت هنا من كام يوم؟ حضرتك مشيت ومأخذتش اللي طلبته، وكمان سبت الفلوس دي."
ركان: "أيوه أنا..."
قاطعه صاحب المحل: "أنا عارف، البقاء لله. ربنا يصبرك على من فقدت. كنت جاي هنا ليه؟ أقدر أساعدك بحاجة؟"
فكر قليلًا ليجيب: "مفيش، أنا كنت بدور على مكان أبات فيه عشان معنديش حد أروحله وأبات عنده."
التمعـت عيون الرجل ببريق غريب: "وأهلك فين؟"
ركان شعر بخطر حول الرجل، لكنه أجاب ببرود: "أبويا وأمي اتوفوا، ومكانش لينا حد."
الرجل بنفس الابتسامة: "طب أنا عارف مكان هيعجبك أوي، ممكن تقعد فيه."
"فين المكان ده؟"
الرجل: "هو مكان حلو، هيبقى عندك صحاب كتير. تحب أوديك هناك؟"
ركان: "لأ، أنا عندي شغل هخلصه وأجي معاك."
تركه وغادر.
اقترب من قسم الشرطة ليدخل ويبحث بعينه في الرواق. بما أنه فتح تحقيق من أجل صديقه، لابد أن يكون مقربًا جدًا. بالتحديد ذلك الضابط الذي قلب المستشفى رأسًا على عقب يوم وفاته. رآه من بعيد، وكان سيقترب منه، لكن أوقفه ذلك الصوت الذي سمعه من قبل.
"حضرة الضابط رائد."
التفت رائد لصاحب الصوت ليقف باحترام: "سيادة العميد."
وقف أمامه وهو ينظر بتوتر حاول إخفاءه: "في أي أخبار بخصوص قضية زميلك جواد؟"
رائد بحزن: "مفيش جديد."
العميد داغر بارتياح: "أنا قولتلك إن السواق خبط الست بالغلط، ولما خاف هرب، ولما جواد لحقه ضرب عليه نار عشان خاف يتمسك."
رائد نظر له بشك: "بالنسبة للست اللي ماتت، والعسكري كان قايل إنها كانت جاية تقدم بلاغ، ولما فتشنا مكتبه ملقيناش حاجة باسمها. بلاش دي، هو طبيعي بالنسبة لك إن أي حد يكون شايل سلاح معاه ويضرب في الضباط؟"
داغر بتفكير: "أنا سألت على الست وعرفت إن جوزها كان في السجن، يعني احتمال العسكري كان غلطان وهي جت تسأل عن جوزها وتزوره. بس لما عرفت إن قضيته متخصش القسم عندنا وإنه امسك في قسم تاني مشيت. والسواق كان من الفلاحين وهما طبيعي عندهم يشيلو سلاح عشان يحمو أرضهم، وعمومًا هو امسك وهياخد جزاءه."
رائد زادت شكوكه لكنه لم يفصح: "عمومًا، أنا هعمل اللي عليا عشان أتأكد إني مسبتش ولا خيط يفلت من إيدي، وإن اللي غلط هيتحاسب."
داغر مظهرا البرود: "أكيد يا ابني. ثم غير الموضوع. هي أرملة الشهيد وولاده عاملين إيه؟ ابقى اديني خبر لما تروح تزورهم عشان نعمل الواجب."
رائد: "حاضر يا فندم."
غادر من أمامه بعد أن أدى التحية.
وكان ركان يجلس في أحد الكراسي وهو يستمع لهما. وبعد نهاية نقاشهما، غادر القسم وهو فاقد الأمل. فذلك العميد هو نفسه من رافق ضرغام لبيته لإخفاء الأدلة، لذلك إن أعطاها لرائد الاحتمال الأكبر أن تكون نهايته هو والضابط مثل نهاية والدته وجواد.
عاد للمصور مرة أخرى وأخذ الصور.
ركان: "حسابك كام؟"
ليرد المصور: "حسابك تمام، بس عندي ملاحظة في صور كانت إضاءتهم خافتة، وكمان اللي اتصوروا مكانوش واخدين بالهم إن فيه كاميرا. أظن اللي صورهم عيل صغير، الصراحة اترددت أطلعهم في البداية."
ركان بلهفة: "لأ، أبو س إيدك، دي آخر ذكرى لبابا وعمي قبل وفاته."
المصور نظر له بتأثر: "ربنا يرحمه. على العموم أنا طبعت كل اللي في الكاميرا زي ما طلبت."
ركان براحة: "تسلم إيدك."
فتح الظرف الذي فيه الصور. بداية الصور كانت له ولأخته مع والدته ووالده في العيد. كانت آخر صورة لهم وهم سعداء بلبس العيد والبالونات التي تحملها أخته، كانت تريد بالونات أكثر لتطير بها. لمحت عيناه بدمعة حنين واشتياق.
قلب الصور إلى أن وصل للصور المضلمة. كانت الإضاءة خافتة كما قال المصور، لكن ملامح الرجل الذي مع والده ظهرت في إحداها. تأمله جيدًا والكره يشتعل في قلبه.
جمع الصور مجددًا وغادر المحل. بعد بضع خطوات سمع صوتًا خافتًا.
"بسسس إنت يا ولد."
التفت ركان ليجد طفلًا يبدو في التاسعة من عمره يحمل علب مناديل كثيرة.
تقدم نحوه وهو يلتفت بخوف: "أنا شوفتك واقف مع عم خميس من ساعتين."
عقد حاجبيه باستغراب: "مين خميس؟"
الولد: "صاحب الكشك اللي على أول شارع. خلي بالك، اوعى تروح معاه، هياخدك لناس وحشين هيضر...وك لو مشتغلتش وجبتلهم فلوس."
في تلك اللحظة سمعا صوتًا من خلفه يهدر بغضب: "جلال!"
سقطت المناديل من يد الولد وعيناه اتسعت من الخوف.
رواية ركان الفصل السادس 6 - بقلم حنين ابراهيم
جلال نقل نظره من الرجل الذي يتقدم منهم إلى ركان مجيباً بخوف: إيه؟
ركان أمسك يده وسحبه خلفه: إجري يلا.
بدأ ركان بالركض وجلال يتعثر خلفه بالخطوات. كان ذلك الرجل الخمسيني يركض خلفهم، كان قريباً من اللحاق بهم، لكن لحظ الولدان وجدا حافلة على وشك المغادرة. أمسك ركان العامود الجانبي للباب وكانت بدأت في التحرك، حين سحب جلال خلفه وبقيا معلقين في الباب الخلفي للحافلة. لأنها كانت مغلقة عندما قفزا، ظل الرجل يركض خلف الحافلة لكن دون جدوى. ليخرج شيئاً يبدو مثل اللاسلكي.
جلال وهو ينظر له بيأس: مافيش فايدة، هيمسكنا.
التفت له ركان باستغراب: تقصد إيه؟
جلال موضحاً: هيتصل بعمه اللي على أول الشارع يستنانا عند المحطة الجاية. أنا حاولت أهرب كتير بس هما في كل مكان.
نظر ركان حيث ترك الرجل خلفهم، وعندما تأكد أنه ابتعد، عاد بنظره للولد: يبقى مقدمناش حل غير إننا ننزل هنا.
جلال: طب هنوقفها إزاي عشان ننزل؟
ركان وهو يمسك بيده: مهي مش هتوقف.
صرخ جلال فجأة عندما وجد ركان يجذبه ويقفز. وقعا بجانب الرصيف وهما يتألمان. ركان وقف ينفض ملابسه: إنت كويس؟
جلال ببكاء: رجلي اتكسرت.
ركان: معلش. قوم بينا قبل ما يلحقونا.
حاول النهوض ولكن لم يستطع من الألم.
جلس ركان معطيه ظهره: إركب على ضهري، إخلص.
وضع يديه حول رقبة ركان، وركان وضع يده على ضهر جلال وتحركا بعيداً.
جلال وهو متمسك به: هنروح فين؟
ركان بحيرة: معرفش، أنا أصلاً جديد على المدينة.
إلتفت جلال يميناً ويساراً، تعرف على المكان ليردد بفرح: ده شارع فهد، أكيد هيلاقي لنا حل.
ركان بتساؤل: فهد مين؟
جلال: فهد أخويا الكبير.
ركان أفلته من يده بغيظ ليقع جلال ويصرخ بألم: وطالما عندك أخ يعرف يحميك، مروحتلوش ليه من الأول؟
جلال بألم: يا متخلف، مهو معانا وهو بيحمينا إنه يدينا حصتنا من المبيعات عشان منتضربش.
ركان: طب هو فين دلوقتي؟
جلال: هناك، آخر الشارع.
ركان أخذه حيث أشار ليجد ولداً يبدو عليه الإرهاق ووجهه مليء بالكدمات، وأعلى حاجبه علامة خياطة لجرح. كان يضع طاولة سجائر ومناديل.
يقف بين الحين والآخر ليوقف السيارات، يمسح الزجاج ويغسلها ليأخذ أجرة التنظيف. كانا يقفان يختبئان خلف أحد المباني المهجورة ليتأكد أن لا أحد ممن يراقبون الأولاد يراهما.
ركان بملل: إخلص، هننده عليه إزاي؟
أمسك جلال حجراً يطرق على الحديد بطرقات مألوفة بينهم. انتبه فهد وولد كان معه على الصوت لينظرا لبعضهما باستغراب.
فهد وجه كلامه لصديقه: حمو تعال اقف مكاني، هروح أعمل حمام وارجع.
حمو اقترب من الطاولة: أمرك يا كبير.
فهد توجه للمبنى وهو يلتفت حوله يتأكد من ابتعاد المراقبين.
ما إن دخل ووجد جلال قال بخوف عليه: إنت بتعمل إيه هنا ياض؟ هو البيع معصلج معاك النهاردة كمان؟
جلال وهو ينقل نظره بينه وبين ركان: أنيل.
فهد بدهشة: أنيل؟ ثم انتبه لركان: ومين ده كمان؟
حكى له جلال ما حدث باختصار، وعندما انتهى كان فهد يضع يديه على رأسه والهم بادٍ على وجهه: يا دي المصيبة! إنت إيه اللي خلاك تعمل كده؟ إنت نسيت اللي حصل لمصطفى لما حاول يهرب؟
جلال بدموع: منا كنت خايف أول ما شفته بيبصلي كده ومحستش بنفسي غير وأنا بجري مع الولد ده.
ركان: معرفش اسمي ركان.
جلال مد يده يسلم: عاشت الأسماء، أنا جلال.
فهد بغضب: هو ده وقته؟
ركان مستفسراً: طب إنتو ليه مبلغتوش البوليس عشان يرجعوكم لأهلكم؟
فهد نظر له كأنه قال شيئاً غبياً بالنسبة له: مهو إحنا معندناش أهل، إحنا عايشين في ميتم ومدير الميتم هو اللي مشغلنا، ولو هربنا البوليس بيرجعنا ليهم وهما بيقفلوا تحقيق بمقابل مادي.
ركان بحيرة: طب والعمل دلوقتي؟
فهد نظر له بتفكير: الحل دلوقتي إني آخد جلال معايا ونستسمح المدير، نقنعه بأي حاجة، وإنت ربنا يسهل طريقك، شوف هتروح فين.
جلال كان يرتعش بخوف: بس هيضربني.
فهد: متقلقش، أنا هفاديك زي العادة.
ركان كان شارد في نقطة ما لينطق فجأة: يعني هما واصلين وعندهم علاقات للدرجة دي؟
فهد: عميد القسم اللي في الشارع اللي هناك يبقى صاحبه وبيداروا بلاوي عن بعض. بتسأل ليه؟
ركان: مافيش، بس أنا هحتاج الناس دي في حياتي الفترة الجاية.
جلال وفهد نظرا لبعضهما باستغراب: يعني إيه؟
ركان: يعني أنا هرجع لعم خميس وأقبل عرضه إني أروح معاه.
فهد بصدمة: إنت مجنون يا جدع إنت؟ يعني أنا بقولك بنحاول نهرب وإنت بتقوللي أروح هناك؟
ركان: طب أنا راضي ذمتك، أنا ههرب ليه؟ أنا لا ليا أهل يسألوا عني ولا ليا مكان أبات فيه، ولو هربت هيلحقوني ويجيبوني من تحت الأرض بما إنهم واصلين كده.
بينما لو رحت بمزاجي، آخرهم هيشغلوني في الشارع وأنا معنديش مانع.
نظر له فهد بشك: حاسس إنك ناوي على حاجة بس مش عارف هي إيه.
ركان ببراءة مصطنعة: هكون ناوي على إيه؟
أكمل كلامه بجدية: خلي بالك إنت على الولد، وأنا يومين هظبط أموري وأرجع. تركهم وغادر بعد أن اتفق معهم على الكلام الذي سيقولونه لخميس وجماعته.
فهد أخذ جلال من يده ووقفا عند محل خميس، الذي هب من مكانه عندما رأى جلال: تعال هنا يا نص شبر، إنت رحت فين؟
فهد خبأه خلف ظهره: اهدى يا يا عم خميس، أنا هفهمك، الولد مكانش قصده يهرب، الجدع اللي كان معاه سحبه غصب عنه.
عم خميس: يا سلام، وهو هيعمل كده ليه؟
جلال من ورائه: أصل أنا كنت ببيعله المناديل ولما مرضيش فهمته إنك جوز أمي اللي مشغلني ولو مديتلكش فلوس هتعاقبني أنا وأمي.
عم خميس: نهار أبوك أسود يا مفعوص إنت.
فهد مبرراً تصرفه: ما إنت قولت اتصرفوا وجيبوا فلوس بأي شكل.
عم خميس: وبعدين إيه اللي حصل وهو فين دلوقتي؟
جلال: أنا لما لقيته ساحلني وراه والموضوع كبر مني، اضطريت أقوله الحقيقة وإني أصلاً معنديش أم. قام ضربني وكسر رجلي وهرب.
عم خميس بتشفي: أحسن، تستاهل.
فهد أخرج من جيبه نقود: وأنا عارف إنك هتسامحه عشان خاطري ومش هتحكي للمدير.
إلتمعت عينا خميس بطمع: أيوه بس.
قاطعه فهد: ليك عندي زيهم كل خميس، وتخلي بالك من الولاد لو حد ضايقهم بالكلام وهم بيشتغلوا.
خميس: ماشي يا فهد، عشان خاطرك بس هسامحه المرة دي.
فهد: ده العشم برضو. ابقى بلغ المدير إن جلال حصلتله حادثة ورجله اتكسرت وأنا أخدته على المستشفى.
عم خميس بخوف: بلاش يا فهد، إنت عارف القواعد.
فهد بلا مبالاة: هراضيه، متقلقش.
أخذ فهد جلال للمشفى، وضعوا له جبس وعادوا لعملهم.
عاد كل منهم لمكانه، وعند حلول المغرب جاءت حافلة أخذت كل الأولاد في الشارع ونقلتهم للميتم.
خلال تلك الأيام كان ركان يتردد على المبنى المهجور ليسأل فهد عن عدة مواضيع حول من يشغلهم والرجال الذين يحرسونهم، ومن الذي يتولى أمر إخفاء المخالفات التي تحدث في قسم الشرطة، وأسماء المتورطين، وإن كان المدير له علاقة مع أفراد عصابات.
أجاب فهد بكل ما كان يعرفه، وركان يدون كل ما عرفه في دفتر.
بعد مدة، كان خميس يقف في المحل ظاهرياً يبيع ما في محله من بقالة، وباطنياً يراقب أولاد الشارع يتأكد أن لا أحد منهم سيدخل للقسم ويقدم شكوى، ليتفاجأ بمن يقف أمامه بابتسامة سمجة: عامل إيه يا عم خميس؟
خميس باستغراب: إنت؟
رواية ركان الفصل السابع 7 - بقلم حنين ابراهيم
ركان بنفس الابتسامة: هااي إزيك.
خميس برسمية: تأمر بحاجة؟
ركان ببرود: عايز مكان أبات فيه، وانت قولت إن عندك مكان.
خميس كان ينظر له بشك: أيوة عندي، بس...
ركان مقاطعًا: بس؟ بس أنا عندي شروط وانت تقعد تسمع لي.
جلس أمامه على كرسي صغير: بص، عشان ما أكذبش عليك، أنا عارف إنتو بتعملوا إيه، وعندي لستة صغيرة بأسماء كل اللي في الشبكة معاك.
رفع خميس حاجبه وهو ينظر له باستهزاء.
ركان مسترسلًا: حضرتك بتشتغل مع مدير ميتم وبتشغلوا الولاد في الإشارات، تبرعات الميتم الولاد مش مستفيدين بمليم منها، وفوقها بيشتغلوا عشان يوفروا لقمة، وساعات حتى اللقمة بتستخسروها. بس انتوا بتعرفوا ناس واصلة وهي اللي مغطية عن وساختكم ومخليكم تعملوا اللي عايزينه وعلى عين الحكومة.
قال آخر جملة وهو ينظر له، ثم التفت له وهو يكمل: وأنا لو رحت هناك، أنا عندي شروطي.
انحنى خميس نحوه وهو يمسد خده وعينه تنذر بتهديد: وانت فاكر نفسك مين يا شاطر؟
ركان نفض يد خميس عن وجهه: شاطر؟ يمكن أكون شاطر. انت عارف معنى الاسم عندنا؟
نظر له خميس بتساؤل.
ركان مجيبًا: بنقولها للشخص اللي إيده خفيفة، يعني الفلوس عنده زي الرز، مش بيغلب في جمعها. ولو سمعت كلامي هينوبك من الحب جانب.
خميس: يا سلام.
ركان عندما وجد أنه لا يأخذ كلامه بجدية، قام من مكانه وأخذ زجاجة عصير وأخرج محفظة النقود التي كانت مليئة، متظاهرًا بأنه يدفع ثمن ما أخذه: طيب، لما تحب تسمع عرضي، أنا هرجع هنا بكرة لو تحب نتكلم.
مشى ركان بضع خطوات ليوقفه خميس وهو يتذكر كمية النقود التي كان يحملها ركان: وقف عندك.
ابتسم ركان بخبث قبل أن يلتفت له ببرود.
خميس بتردد: إيه عرضك؟
ركان عاد وجلس مكانه: كده تعجبني.
أولًا، أنا أشتغل بمزاجي، أجي وقت ما أحب وأغيب وقت ما أحب.
خميس: ناوي تيجي تعمل لي مشاكل؟
رواية ركان الفصل الثامن 8 - بقلم حنين ابراهيم
ركان ببرود: مشاكل إيه، كفا الله الشر. إنت هتعمل شغلك وتراقب الولاد ومالكش دعوة بشغلي رايح فين وجاي منين. في المقابل، اليومية المطلوبة مني هوفرها، وأديك ضعفها آخر اليوم.
كان خميس متردد، ولكن مع بعض الإقناع من ركان الذي أعطاه بعض التفاصيل، جعله يتفاجأ من كلامه ويعجب بدهاءه رغم صغر سنه. وافق على أن يأخذه ليس للميتم فقط، بل قرر تبنيه، فهذه الطريقة الوحيدة التي ستجعل من بالميتم يميزونه في المعاملة عن البقية.
بعد حلول المغرب، أقفل المحل وذهب به للميتم مع باقي الأولاد.
دخلوا من البوابة الكبيرة، كان ركان يلتفت يمينًا ويسارًا. رغم ما عرفه خلال كلام فهد وبحثه الذي أجراه حول دور الأيتام وما تتلقاه من أموال للاعتناء بالدار واليتامى، إلا أن حالته كانت كارثية. جدرانه مهترأة، والأولاد يبدو على وجوههم المرض بوجوه مصفرة وشاحبة مثل الأموات.
شعر ركان بتقزز من الوضع، لكنه أخفى ما يشعر به وهو داخل لمكتب المدير مع خميس.
خميس وهو يتودد للمدير كالعادة: إزيك يا معلم ضياء، عامل إيه؟
ضياء: أهلاً يا خميس، إيه اللي جابك؟ في حد من الولاد عمل مشاكل في الحي اللي انت فيه؟
خميس بحماس: لا بالعكس، أنا النهاردة جايبلك ولد حكاية، دماغه دي ألماس.
ضياء باستهزاء: وانت من امتى بتجيب حاجة عدلة؟
خميس بثقة: جربه انت بس وصدقني مش هتندم.
نظر له ضياء بتقييم: عندك كام سنة؟
ركان: 13.
ضياء: امم، مش بطال. ويتُرى إيه المميز اللي فيه يا خميس؟
خميس: الولد بيقول إنه عنده فكرة هتخلينا نعدي لو اديناه فرصة.
ضياء أخرج سيجارته وأشعلها ليأخذ منها نفس وهو ينظر لهما منتظراً ما سيقولانه: سامعك.
ركان نظر له بثقة يحاول أن يدرس تعابيره على ما سيقوله: ضرغام الهادي، تعرفه؟
كز ضياء على أسنانه بغضب حاول إخفاءه ليقول بهدوء ظاهري: امم، وده إيه علاقته بيك؟
ركان: لا، أنا حالياً معنديش علاقة بيه، بس انت لو عايز تكسب لازم يبقى عندك علاقة بيه وتوطدها كمان.
ضياء: بس أنا...
ركان قاطعه: عندك مشاكل معاه. مكانش حابب إنك توصل للـ boss وعمل بينكم خلاف خلاه يقلب عليك.
صدم ضياء لأنه عرف تلك المعلومة ونظر شرزاً لخميس الذي رفع يديه مشيراً أنه تفاجأ مثله: انت بتقول إيه؟
ركان بثقة: أنا عارف إني فاجئتك، ولسه عندي حاجات أكتر هتفاجئك وتعجبك كمان لو وافقت أنك تتبنى أفكاري وتنفيذها.
ضياء لم يكن مرتاحاً له، لكنه قرر مسايرته: قولتلي انت اسمك إيه؟
ركان بابتسامة نصر: عمر، عمر الكافي.
رواية ركان الفصل التاسع 9 - بقلم حنين ابراهيم
فهد كان صدره يعلو ويهبط من الغضب. ركان كان ينظر له برجاء. ضياء وقف بينهم ينتظر الإجابة. ذلك البغيض يقف بتوتر، فكر أن يمسكه ويشفي غليله منه، لكنه تذكر كلام ركان منذ أيام.
***
"أنا آسف على اللي حصل لك، بس مش قادر أفهم، رغم كل الحاجات اللي بقت في إيدك، إزاي قاعد هادي بالشكل ده؟ عارف لو مكاني كنت بلغت البوليس، دخلوهم السجن وشفيت غليلي منهم."
"إنت عارف إنك غريب أوي يا فهد. إنت لسا بتأمن بالعدالة رغم كل اللي مريت بيه واللي لسا عايشه؟" تنهد وهو يجلس في ذلك المبنى شارد في نقطة ما. "وبعدين حتى لو اشتكيت والبوليس جاب لي حقي، تفتكر إن ده هيطفي ناري؟ أنا اللي جوايا بركان، والنار اللي جوايا مش هتهدى غير لما أوقعهم واحد ورا الثاني، بس حاليًا أنا بشتغل على الهادي لحد ما أسويهم سوى مضبوط عشان لما أضرب ضربتي."
"يا صبرك وطولة بالك."
"لازم أصبر وأعرف إمتى أضرب، يا إما حقي اللي عايش عشان أخذه هيضيع."
"طب تمام، وجدعنة مني هساعدك بتوصيل معلومات بس. لكن إنت لو وقعت أنا وإنت ملناش دعوة ببعض. آه، أنا بجري على يتامى."
"لو ده هيضمن لك إنهم هيكونوا بأمان، أنا وإنت قدامهم أعداء."
***
فهد في نفسه: أنا لو اتكلمت دلوقتي مش هاخد معاهم حق ولا باطل. أفضل حل دلوقتي أسكت وأخططلهم برواق.
فهد التفت لضياء: "الحيو... ان ده إيه اللي جابه قسم البنات؟"
عمر بغضب: "لم لسانك يا تو... ر إنت."
فهد كان سيهجم عليه مجددا، لكن ضياء والمشرفين حالوا بينهم وفكوا النزاع.
أخذوا كل واحد منهم في غرفة مختلفة. ومودة كانت دخلت غرفتها وهي تبكي. عندما دخلت لها بسنت وهي تطالعها بخوف: "مودة إنتي بتعيطي ليه؟ هو انكل فوزي رجع يضربك تاني؟"
مسحت مودة دموعها: "لا يا حبيبتي، مفيش حاجة. مفيش حد ضربني." قربتها منها وحضنتها لتطمئنها.
كانت باقي البنات ينظرن لها بشفقة واقفين على الباب.
عندما راتهم مدت يدها لهم ليقتربوا أيضا.
اقتربن وعانقنها وهن يبكين ويعتذرن لأنهن لم يكن قادرات على حمايتها.
كانت مودة تبكي بصمت وهي تتذكر عندما كانت تنهي تنظيف الغرف وباقي البنات عدن للأعلى. تفاجأت بمن يغلق الباب خلفها. ارتعدت أوصالها عندما وجدته فوزي وكان يقترب منها بنظرات مقززة.
مودة بصوت متقطع من الخوف: "إنت بتعمل إيه هنا؟"
فوزي بخبث: "جاي أساعدك."
مودة محاولة تجنبه وهي تتجه للباب: "شكرًا، أنا أصلًا كنت خارجة." أدارت مقبض الباب، لكنه كان مغلق.
مودة برعب: "إنت قفلت الباب ليه؟ إفتح خليني أخرج."
أغمضت عينيها وهي تتذكر لحظات الرعب التي مرت بها وهي تصرخ وتضرب الباب بكل قوتها عله أحد يسمعها.
جذبها فوزي نحوه وهو يحاول إسكاتها. عندما دفعها على السرير، ولكن لحسن حظها في آخر لحظة وجدت من سحب فوزي عنها عنوة وهو يصفعه.
كانت تحمد ربها وهي تضع يدها على صدرها بحماية وهي تقف راكضة إلى الخارج بعد أن فتح ضياء الباب وأنقذها من يده.
كانت تعانق البنات إلى أن نامت بعد أن شعرت بالإطمئنان لوجودهن حولها وعودة فهد متأكدة من حمايتهم لها.
في الجانب الآخر عند ضياء، كان ينظر شرزا لفوزي: "شفت عمل إيه لما بس شاف عمر طالع لهم، ما بالك لما يعرف اللي كنت هتعمله؟"
فوزي بارتباك: "يا باشا، أنا مش عارف إنت خايف من حتة عيل زيه ليه."
ضياء بغضب: "حتة العيل ده اللي مش عاجبك كان مفيد ليا في الشغل أكتر منك، وإنت عارف إنه كان ممكن يودينا في داهية من زمان لما كشف شغلنا الأساسي، بس هو سكت بالمقابل الأولاد يفضلوا تحت حمايتنا، وخصوصًا البنات اللي بطلنا نشغلهم معانا. وإنت جاي تهد اتفاقنا بعملتك كده ببساطة؟"
فوزي بعدم مبالاة: "قلت لك مش هتتكرر يا كبير، أنا أصلًا مكنتش في وعيي."
ضياء وهو يكز على أسنانه: "مهو من الزفت اللي بتشربه، كام مرة قلت لك بطله قبل ما تودينا في داهية."
فوزي لينهي الموضوع: "أمرك يا كبير."
عمر وفهد كانا يقفان عند نافذة مكتبه يتلصصان عليهما وقد سمعا ما دار بينهما.
عمر التفت لفهد يرى ردة فعله، كانت عينيه تنذران بشر قادم.
فهد بعد تفكير: "أنا موافق أبقى معاك في اللي جاي. هتعمل إيه الخطوة الجاية؟"
عمر وهو يمشي عائدًا لغرفته: "مفيش حاجة نعملها الفترة دي. الفترة الجاية الضابط هو اللي هيتصرف، وإحنا نتدخل في الوقت المناسب."
رواية ركان الفصل العاشر 10 - بقلم حنين ابراهيم
مرت الأيام وعمر يخطط لما سيفعله في الأيام القادمة.
فهد اقترب وقته لبلوغ السن الذي يؤهله للخروج من الميتم، وكان قلقه يزداد على إخوته. كان الأكبر منهم وكان يشعر بالمسؤولية نحوهم. بعد أن وجد أن عمر هدّأ من تنفيذ المخططات، طلب أن يكلمه في المكان الخاص بعيدًا عن الميتم.
عمر توجه لمكانهم الخاص قبل أن يذهب للعمل ليعرف ما يريده. ليجده يسأله مجددًا عما سيفعلونه.
عمر ببرود: لسه مفيش في إيدينا حاجة نعملها.
فهد بغضب: يعني أنا هسيب الميتم وأسيب الولاد مع الأوباش دول؟
عمر بتفكير: في حاجة في دماغي بس.
فهد بسرعة: حاجة إيه؟ اخلص.
عمر بتوتر: إنك أنت تاخد مكان فوزي.
فهد بعدم فهم: إزاي؟
بعد لحظات اتسعت عيون فهد من الصدمة معترضًا: انسى يا حبيبي، هو أنا كل ما أقولك عايز أخلص من مصيبة تلبسني في كارثة؟
على الجانب الآخر عند الضابط رائد، كان مشغولًا بالرسالة التي وصلته حول مقتل صديقه. ليفتح تحقيقًا ويبحث عن الحقيقة بمفرده هذه المرة بعد أن فقد ثقته بمن حوله. والرسالة أكدت شكوكه حول عميد القسم.
مما جعله يوكل شخصًا لمراقبته، مما جعله يكتشف عنه الكثير. ولكن الأكثر شبهة كانت علاقته بضرغام والأماكن المشبوهة التي كانوا يرتادونها.
ركان قرر شراء كاميرا، فقد كان يراقب ضرغام والعميد. وكل يوم يبحث عن أي دليل لما قد حدث لأخته أملًا أن يجدها يومًا ما. ربط جميع الخيوط ببعض. ضرغام الوحيد الذي كان يعرفهم، لا العميد ولا رئيسه. رأى وجهه. عليه أن يستغل هذه الفرصة ويتخلص من ضرغام في أقرب وقت.
دار الشوارع وتعرف على من يدعونهم بلطجية الحي، وخاصة من يتعاملون مع رجال ضرغام. لفت نظره فتوتهم، الشخص الذي يلم أتاوات من أصحاب المحلات مقابل أن يوفر لهم الحماية. ومن سيحميهم؟ يحميهم من رجاله.
كان هذا القانون سائدًا. ظل يمشي خلفه في كل مكان إلى أن لاحظه حمزة الفتوة. كان جالسًا في القهوة وركان يقف أمامه في المحل المقابل ليناديه.
ركان تقدم نحوه بحماس واضح، يرفع يده بتحية وبلغة شعبية: أوامرك يا سيد المعلمين.
حمزة وهو ينفث دخان سيجارته وينظر للواقف أمامه بتقييم: إنت إيه حكايتك بالظبط؟ كل ما أروح مكان ألاقيك في وشي، هو إنت حد مسلطك عليا؟
ركان لمعت عيناه بإعجاب: هو مين اللي أمه داعية عليه ده اللي هيسلط حد على حمزة فتوة البلد كلها؟ أنا كل الحكاية إني نفسي أبقى زيك كده لما أكبر، الناس كلها تخاف مني وكل الشارع يضربلي تعظيم سلام.
حمزة ابتسم بسخرية: وماله، الطموح حلو برضه.
ثم انقلبت نظرته إلى نظرات مخيفة: بس خلي بالك لو لقيتك في طريقي تاني مش هيحصل كويس.
ركان تمالك نفسه أمامه وهو يجيب بثقة: ليه كده يا معلم؟ ده أنا حتى فكرت إنك هتبقى مهتم بخدماتي.
قهقه حمزة على كلامه: خدماتك؟ تعرف يا واد أنا اللي ماسكني عنك ثقتك العالية بنفسك.
ركان متجاهلاً نبرة السخرية: امال إيه؟ أنا أعجبك؟ أنت عارف إن الحكومة مفتحة عينها عليك الفترة دي ومش سايباكم تتحركوا باللي معاكم لأي حتة. بس يعني أكيد مش هييجي في بالهم إن ولاد المدرسة هيشيلوا حاجة في الشنطة ولا حتى إنهم يفتشوهم لما يعدوا من كمين. ولا إيه رأيك يا معلم؟
اعتدل حمزة في جلسته بعد أن جذب ركان انتباهه: كمل.
ابتسم ركان وهو يشعر بالنصر، أنه نجح في تحقيق أول خطوة من خطته.