تحميل رواية ركان بقلم حنين ابراهيم pdf
بقلم حنين ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأيام منذ عدة سنوات كان ذو العشر سنوات عائدا من مدرسته مع شقيقته الصغرى ماريين عبر الحقول. فهو كان يعيش في منطقة ريفية. سيلا بتعب: أنا تعبت أوي يا ، هو كل يوم لازم أصحى الصبح أروح المدرسة؟ ضحك بمرح: يا بكاشة، إنتي لحقتي تتعبى؟ إنتي يا دوب أول سنة. بعد أن وصلا للبيت سلما على والدتهما. ندى وهي تحمل الحقيبة عن إبنتها: روحوا اغسلوا إيديكم وتعالوا اتغدوا. بتساؤل بعد أن لاحظ غياب والده: هو بابا مش هيتغدى معانا النهاردة كمان؟ ندى تنهدت بتعب: لا يا ، هو راح من بدري وقال إنه هيبات بره بسبب الشغل....
رواية ركان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم حنين ابراهيم
اتفق ركان مع حمزة على نقل كل ما يريده على حقيبته، وفي المقابل يعطيه مبلغا جيد.
فكر حمزة لثوانٍ وهو ينفث دخان سيجارته. الفكرة ليست سيئة، بل قد تكون عبقرية. لما لا يجرب؟
حمزة ألقى عليه نظرة متفحصة ثم ابتسم:
ــ اسمك إيه يا شاطر؟
ــ عمر... عمر الكافي.
ــ عاشت الأسامي. أنا هديك اختبار، لو نجحت فيه تبقى دراعي اليمين.
بعد نصف ساعة، كان عمر يسير بثقة في شارع تمر به الشرطة. أعطاه حمزة عنوانًا محددًا، وقال له إنه سيكون تحت المراقبة.
عمر سار مطمئنًا، يدندن لحنًا في رأسه. لم يبدُ عليه التوتر رغم نقطة التفتيش القريبة. الضباط كانوا يوقفون السيارات، ويفتشون المشتبه بهم، لكنه مر أمامهم دون أن يثير شكوكهم.
على الجانب الآخر من الطريق، كان حمزة يتابعه من على دراجته النارية. ابتسم وهو يراقبه، أعجبته ثقة الصبي، وسنه الصغير الذي يخفي أي شبهات.
لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا، إذ أوقفه أحد الأمناء:
ــ بطاقتك!
أخرج حمزة بطاقته بهدوء. نظر الضابط إليها ثم إليه بشك خفيف.
ــ انزل... هنفتشك.
نزل حمزة من الدراجة بثقة، وقلبه مطمئن. لم يكن يحمل شيئًا.
مر التفتيش بسلام. وما إن أشار له الضابط بالانصراف، حتى انطلق نحو عمر الذي كان ينتظره عند ناصية الشارع.
ركب عمر خلفه. وبينما ينطلقان، سأله حمزة بنبرة عفوية:
ــ وأهلك؟ مش بيقلقوا عليك لما تتأخر؟
صمت عمر لحظة ثم قال بنبرة محايدة:
ــ أنا يتيم.
نظر له حمزة بطرف عينه. شعر بشيء من الشفقة، لكنه سرعان ما اختفى لمصلحة يراها في الأفق.
أنهى عمر مهمته وسلم ما في الحقيبة كما طلب منه. وبعد عودته، أخبر فهد بما فعل، لكن فهد لم يرد. كانت نظراته كافية لتظهر اعتراضه. كان يريد الخروج من الميتم بسجل نظيف.
مرت أيام، وبدأت علاقة عمر بحمزة تزداد تماسكًا. حمزة أعجب بذكائه، وأصبح يرسله في مهمات متعددة. ولجعل تحركاته أسرع، استعان عمر بجلال، دون أن يخبر فهد، لأنه يعلم أنه سيرفض.
خميس، من جهته، كان يغطي غياب عمر مقابل ضعف المبلغ، ويغري جلال بالسكوت ببعض الفسح والحلوى.
لكن عمر، رغم انشغاله، لم ينس ما حدث لمودة. ابتسم عندما تذكر تلك الفتاة الحنونة. كانت أمًا للجميع في الميتم، رغم صغر سنها. ورغم محاولاتها للتماسك، كان واضحًا أنها لم تتخط ما فعله فوزي.
في مساء رمادي، جلس عمر على المقعد الخشبي بالحديقة، حين اقترب فوزي بجسده المترهل وابتسامته المتصنعة:
ــ مساء الخير يا ميرو.
رد عمر بلا اهتمام:
ــ مساء الخير يا فيزو.
انكمشت ملامح فوزي:
ــ إيه فيزو دي؟
ــ دلعك... مش عاجبك؟
ــ الصراحة لأ.
ــ يبقى متدلعنيش تاني، أنا مش ابن أختك.
قهقه فوزي بخفة، ثم أخرج لفافة تبغ ووضعها بين شفتيه:
ــ ها، عملت إيه في اللي طلبه منك المعلم ضياء؟
نزع عمر السيجارة من فمه ببرود ورماها أرضًا:
ــ قوله قريب... هيقابله.
اتسعت عينا فوزي في دهشة:
ــ انت إيه اللي هببته ده؟
مد عمر يده وأخرج لفافة جديدة وهو يبتسم بخبث:
ــ امسك... جرب دي وادعيلي.
شم فوزي رائحتها، اتسعت عيناه بحماس:
ــ يا ابن اللعيبة، دي منين؟
ــ لما ييجي وقتها، هقولك.
أشعل فوزي السيجارة وهو يقول بنشوة:
ــ كده شكلنا هنبقى صحاب زي ما ضياء قال.
ــ وماله... قالها عمر بخبث خفي.
وفجأة، شق صراخ فهد سكون الدار:
ــ عماااار!
قفز الاثنان من مكانهما، نظر كل منهما للآخر في لحظة صامتة، تعلوها علامات الترقب لما هو آت.
رواية ركان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم حنين ابراهيم
كان فهد يتقدم منهم بخطى غاضبة، تكاد الأرض تهتز من تحت قدميه. بينما بدا التوتر جليًا على ملامح عمر. أما فوزي فكان كمن يقف في ضباب وعي نصف مُطفأ، لا يدري أين هو تمامًا ولا ما يدور حوله.
صرخ فهد بصوت يشبه زئير حيوان جريح:
"أنا مش قولتلك تبعد عني وعن أي حد يخصني يا بهيم!"
رفع عمر حاجبيه متظاهرًا بالدهشة، ثم قال ببرود:
"وأنا عملت إيه؟"
ألقى نظرة سريعة نحو فوزي، ثم تابع بصوت خافت:
"ده كان مجرد حوار بسيط بيني وبينها... عشان نتعارف، خصوصًا إننا بنقابل بعض كتير في الميتم."
ظل فهد يحدق به لثوانٍ، كمن يحاول تصديق ما يسمعه. انكمشت عيناه، وراح يكز على أسنانه وهو يهدر:
"تتعرف على مين يا حيوان! ده يومك مش عدي لو عرفت إنك كلمت واحدة من البنات!"
ابتسم عمر بسخرية:
"أما أنت كنت تقصد إيه؟"
تجاهله فهد وسأله مباشرة:
"إنت خدت جلال النهارده... ورحتوا فين؟"
تلعثم عمر وهو يرد مترددًا:
"آه... جلال؟ لا، مفيش... خدته فسحته... كنت باعتذر له عن اللي حصل أول مرة شفته فيها."
اقترب فهد منه بخطوات بطيئة، تحمل في ثقلها نية الانتقام، ونظر له نظرة لا تُصدق:
"تعتذر له؟ آه."
ثم أمسكه من تلابيبه فجأة، وقال بانفعال:
"قولتلي بقى عملت الحوار مع مين؟"
لمعت عينا عمر بخبث متعمد، وكانت نظرته وحدها كفيلة بإشعال وقود الغضب في صدر فهد.
تنهد عمر، ثم قال:
"مودة... وهي فعلاً مودة... تدخل على القلب برقة صوتها دي."
كان وقع الاسم كطعنة في صدر فهد، فصاح غاضبًا:
"ده يومك مش عدي!"
ثم وجه له لكمة صاعقة جعلت أنف عمر ينزف.
ترنح عمر من شدة الضربة، ثم مسح أنفه بإهمال وكأن شيئًا لم يكن، وقال بسخرية:
"هو أنا مش قولتلك يا تور اتكلم معايا ببقك بدل الضرب؟ عاجبك كده؟"
رفع يده ليري بقعة الدم.
ازداد غضب فهد من بروده واستفزازه:
"إنت لسه شوفت حاجة... ده أنا هصفي دمك النهاردة!"
لكن عمر استمر بنفس النبرة الباردة:
"ما تهدى يا عم القطر، في إيه؟"
ثم غمز له وقال بخبث:
"لو السنيورة تخصك أوي كده، قولي وأنا هفضي لك الساحة من غير مد إيد."
صرخ فهد:
"سنيورة! ده أنا اللي هخليك سنيورة النهاردة!"
واندفع نحوه من جديد ليكيل له الضربات، لكن...
أفاق فوزي أخيرًا من غيبوبته واندفع نحوهم، يبعد فهد بصعوبة:
"اهدأ يا عم الجامد! إنت هتعمل الولد كيس ملاكمة ولا إيه؟"
دفعه فهد بعيدًا بعنف:
"سيبني يا حيوان إنت التاني!"
ثم التفت إلى عمر وهدد بصوت جازم:
"آخر مرة أسمع إنك قربت من واحدة من البنات... أو حتى جلال! مش علشان صغير تفكر إنك تقدر تستغله. مفهوم؟"
أومأ عمر برأسه دون أن ينطق بكلمة، ثم استدار وغادر.
ظل فوزي يحدق فيه بدهشة، وهو يحك مؤخرة رأسه:
"طب البنات... فهمناها. إنما تستغل جلال؟"
ثم وضع ذراعه حول عنق عمر متسائلاً:
"هو إنت طلعت منهم ولا إيه؟"
نظر عمر إلى يده باستغراب، كأنه يستشف ما يقصده، ثم نفض ذراعه عنه بعنف:
"نزل إيدك يا بغل! هو دماغك دي بتحدف شمال بس؟ أستغل مين؟ هو أنا بضرب صنف خلى دماغك هبتت عليا ولا إيه؟"
سأله فوزي ببراءة مصطنعة:
"أما أنت عايزني أفهم كلام فهد إزاي؟"
اقترب عمر منه، وهمس له بنبرة متواطئة:
"أنا أقولك... كان يقصد إيه."
في صباح اليوم التالي، وقف فوزي على آخر الشارع، يترقب خروج عمر. لم يطل انتظاره، إذ خرج هذا الأخير ممسكًا بحقيبة مدرسية.
"يلا بينا؟" سأل عمر.
"يلا... العنوان فين؟"
"في كازينو ستار، على بعد شارعين."
ركبا دراجة نارية صغيرة، وانطلقا.
ابتسم فوزي بخبث:
"عرفته! ده مكان بيروحوا الناس النظيفة. بس إيه يا واد الجمدان! إنت متأكد إن عندك 14 سنة؟"
ضحك عمر بخفة:
"آه وشهل شوية... مش عايزين نتأخر على الناس."
وصلوا أمام المكان. نزل عمر أولاً، وناول فوزي الحقيبة:
"إنت من هنا هتكمل وحدك. هتاخد الشنطة دي لصاحب المكان. أول ما توصل، هتلاقي الحارس قدامك. هيوقفك، يقولك تؤمر بإيه... تقوله: (أنا من طرف ضرغام). هيعرفك، ويدخلك تسلم الحاجة وتستلم الفلوس."
فوزي بتردد:
"ضرغام؟"
أجابه عمر بنبرة محايدة:
"إيه؟ هتخاف من أولها؟"
تنفّس فوزي بعمق، وكأنه يستجمع شجاعته:
"لا، وهخاف ليه؟ بس... ضياء هينفخني لو عرف."
ابتسم عمر بثقة:
"هيعرف منين؟ وبعدين... ده هيخلينا نكسب ثقة الرجالة، واللي هيخلينا نقابل الكبير. وساعتها... ضياء هيشكرك."
أخذ فوزي الحقيبة ودخل. وقف عمر بالخارج، يداه في جيبيه، وابتسامة خبث مرسومة على وجهه.
"بالسلامة إنت يا حبيبي..."
قالها بصوت خافت، ثم أدار ظهره وبدأ يدندن لحن أغنيته المفضلة.
لم تمضِ لحظات، حتى انطلقت صافرات الشرطة تدوي في المكان.
توقف عن المشي، وابتسامته تتسع. خطا خطوات قليلة إلى الأمام... ليجده واقفًا أمامه.
فهد.
كانت نظراته غامضة.
رواية ركان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم حنين ابراهيم
اقترب ركان من فهد وفتح ذراعيه وكأنه يستقبله بشوق:
"حبيبي، جيت في وقتك تمام."
لكن فهد لم يبادله الترحيب. وما إن اقترب عمر منه، حتى أمسكه فجأة ووجه له ضربة قوية برأسه أفقدته توازنه، فسقط أرضًا.
صرخ عمر بألم وهو يضع يده على وجهه:
"إنت اتجننت؟ عملت كده ليه؟"
أجابه فهد ببرود قاتل، وعيناه لا تعكسان أي ندم:
"عشان تجيب سيرة مودة على لسانك تاني."
قهقه عمر رغم الدم الذي سال من فمه، ثم بصق بقوة ومسح فمه بكم قميصه قبل أن يغمز لفهد بمكر:
"الله... هو الحوار طلع بجد ولا إيه؟"
رفع فهد حاجبيه بارتباك:
"حوار إيه؟"
اقترب عمر منه ووضع ذراعه حول عنقه كما لو كانا صديقين قديمين:
"حوار السكر اللي عنيك منها."
نهره فهد بنبرة هادئة لكن مشوبة بالتحذير، وهو ينكزه بكوعه:
"بس يا حيوان، دي زي أختي."
لكن عمر لم يرد أن يفوت الفرصة، وواصل مستفزًا:
"إذا كان عليا أنا... صدقتك، شوف الباقي."
أزاحه فهد عنه بضيق ظاهر:
"امشي من هنا يا أهبل."
ورغم المشاحنات، بدت الضحكة تسبق الغضب، وكأنهما ولدا في المنزل ذاته. كانا يزعجان بعضهما البعض، ثم يضحكان، كما لو أن بينهما رابطًا خفيًا أقوى من كل ما قيل.
في الطرف الآخر، كان فوزي يقف مذهولًا، وقد داهمت الشرطة المكان فجأة، واقتحمت الكازينو لتعتقل الموجودين. لم تمر لحظات حتى أمسكوا به، والحقيبة ما تزال بين يديه.
الضابط رائد كان قد حصل على ورقة جديدة، تختلف عن تلك السابقة، تحوي تفاصيل دقيقة عن نشاط الكازينو، ومعها صورة حاسمة أكدت له شكوكه. لم ينتظر أكثر، تحرك فورًا قبل أن تمحى الأدلة من جديد.
أما صاحب المكان، فقد راح يصرخ بجنون:
"إنتو إزاي تقتحموا مكان زي ده؟ ده محل محترم! كل حاجة فيه قانونية!"
لكن رائد اكتفى بنظرة فاحصة، ثم حدق في الوجوه المترنحة من أثر الشراب والرائحة، فتمتم بتهكم:
"مكان محترم، آه..."
ثم التفت نحو صاحب الكازينو:
"مستر حسين، أنت رهن الاعتقال. لك الحق في التزام الصمت حتى حضور محاميك."
أمر العساكر بأن يأخذوه هو ومن كان في الغرفة، وأغلقوا الكازينو ليباشروا التحقيق معهم.
في مركز الشرطة، ما إن نقل المقبوض عليهم حتى باشر رائد التحقيق. كان على وشك الدخول في التفاصيل عندما فتح الباب وظهر العميد داغر، وجهه شاحب، وصوته متهدج:
"إزاي تنفذوا أمر زي ده من غير إذني؟"
لكن رائد لم يعره اهتمامًا، وقال بنبرة حاسمة:
"هشرح لحضرتك لاحقًا، يا فندم."
لكن داغر لم يهدأ، وصوته ملأ المكتب تهديدًا ووعيدًا:
"اللي عملته ده خارج القانون، وهتتحاسب عليه!"
حينها، جاء صوت من خلفه، ثابت وواثق:
"اللي هيتوقف الفترة دي هو سيادتك... يا حضرة العميد."
استدار الجميع، ليجدوا اللواء واقفًا عند الباب. تهللت ملامح رائد، فوقف يؤدي التحية العسكرية وقال بابتسامة واثقة:
"نورت المكتب، يا سيادة اللواء."
أما داغر، فظل واقفًا وسطهم، وعيناه تائهتان، لا يفهم شيئًا مما يجري.
في تلك الأثناء، كان فهد قد عاد إلى طاولته، أشعل سيجارة وجلس يتأمل المشهد في صمت، يفكر بما دار الليلة الماضية مع عمر.
فلاش باك
ليلًا، وفي الميتم، كان فهد غارقًا في النوم بعد يوم شاق، حين شعر بمن ينكزه.
ركان بصوت خافت:
"فهد... يا فهد، اصحى! نومك تقيل كده ليه؟"
فتح فهد عينيه بتأفف:
"وإنت ليك عين تيجي؟ يا بجاحتك يا أخي!"
أجاب ركان مدافعًا:
"جاي أشرحلك بس، علشان يبقى لي عين أتكلم. أنا مش بتكلم مع حد في الميتم غير بوجودك... ناسي إنّي بطلع قبلكم وبرجع معاك؟ ده أولًا. وثانيًا، جلال ده زي أخويا، ومش ممكن أعمل حاجة تضره."
رد فهد ببرود:
"خلصت؟ امشي وسيبني أنام."
ابتسم عمر ابتسامة سمجة:
"لا... أنا صحّيتك عشان محتاج منك خدمة."
تنهد فهد:
"عايز إيه؟"
أخرج عمر صورة وناولها له.
"وصل دي للضابط."
ضيق فهد عينيه متفحصًا الصورة:
"مش ده ضرغام اللي حكيتلي عنه؟ ومين اللي معاه؟"
اتسعت عينيه فجأة، وقال بذهول:
"نهار أسود... جبت الصورة دي منين؟"
أجابه عمر:
"هحكيلك بعدين. خد الورقة دي كمان، وبكرا... هخليك تشفي غليلك وتنتقم من فوزي، زي ما وعدتك."
نهاية الفلاش باك
عاد فهد إلى واقعه على صوت عمر وهو يمد له فنجان قهوة:
"خد، ظبط دماغك بيه."
رواية ركان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم حنين ابراهيم
جلس فهد يحتسي قهوته ببطء ونظراته تائهة في الأفق.
ثم قال بصوت هادئ:
"هيحصل إيه دلوقتي؟"
رد عمر بلا مبالاة مفتعلة، وكأنه يهرب من التفكير:
"الصراحة معرفش... منهم للقانون بقى."
سأله فهد باهتمام، محاولا استيعاب الصورة كاملة:
"وضياء؟"
أجابه عمر وهو يحاول تذكر ما قاله حمزة:
"حسب ما قال حمزة، فهو هيطلع منها. لأنه ملوش علاقة مباشرة، بس مع التحقيق ممكن نخلي شؤون مختصة تشوف وضع الميتم، ويطردوه منه، ويعينوا ناس جديدة... أنضف."
ابتسم فهد بخفة وهو يهمس:
"ياريت... عشان أعرف أسيب الميتم وأنا مطمن."
رد عليه عمر وقد ارتسمت على وجهه لمحة حزن:
"يعني إنت هتسيبه على طول؟ مش هتزورنا؟"
"لا طبعاً، هزوركم كل يوم، بس... أبقى مطمن عليكم في غيابي. يا عم كلها سنتين تلاتة، هنقضيهم بالطول ولا بالعرض، لحد ما نطلع منه... زيك."
ابتسم فهد، لكن ابتسامته هذه المرة كانت باهتة، ثقيلة، محمّلة بمرارة:
"بس الميتم مش هيقفل لما نطلع... كل يوم هييجي طفل جديد، أهله ماتوا، أو محدش عايز يشيل مسؤوليتهم... واللي الناس لاقيينهم على باب جامع... أو الأسوأ... وسط زبا..."
توقف قليلاً وكأن الكلمات علقت في حلقه، ثم تابع:
"مش عارف ليه عملوا معاه كده... كأنه هو اللي فرض عليهم ييجي للدنيا، فبيعاقبوه، وكأن قسوة أهلهم ما كفتهمش... ييجوا يلاقوا حتى المكان اللي متخصص يأويهم... جحيم تاني... واللي... واللي..."
ربت عمر على كتفه بحنان أخوي حقيقي، وهو يقول:
"متشيلش هم، يا خويا. طول ما إحنا موجودين، إحنا اللي هنكون أهلهم، مش هنسمح لحد يأذيهم."
أومأ فهد، مؤكّداً كلامه، وعاد الاثنان إلى الميتم.
كان ضياء في مكتبه، يتصبب توتراً، وهو يرتب عدة أوراق من الأرشيف، معظمها مغطى بالغبار.
لم يسأله أي منهما شيئاً، فقد اتفقا دون كلام على أن لا يثيرا الشكوك.
في جهة أخرى، كان داغر قد اقتيد إلى مكتب اللواء، لا يعلم السبب ولا التوقيت، فقط جلس ينتظر كمن ينتظر حكماً مؤبداً.
دقائق تمر كالسكاكين، حتى دخل رائد مع اللواء أنس، الذي بادره بنبرة رسمية باردة:
"حضرتك متهم باستغلال منصبك، والتستر على مجرم، وأخذ رشوة. حضرتك متحول للتحقيق."
حاول داغر أن يخفي توتره خلف قناع من الغضب:
"إيه الكلام الفارغ ده؟"
أخرجه رائد من وهم السيطرة وهو يضع صورة أمامه:
"طبعاً عارف اللي معاك في الصورة دي... بعد القبض عليه ومواجهته بالأدلة، اعترف عليك. وإنتوا الاتنين هتتقدموا للمحاكمة."
نظر داغر إلى الصورة، كانت صورته مع ضرغام.
الذهول جمد ملامحه، وأجبره على الجلوس على أقرب كرسي، منهاراً دون أن يدري.
في الوقت ذاته، حُكم على فوزي بالسجن بتهمة الاتجار بالممنوعات.
خلال التحقيق، نفى أن يكون ضياء هو من أعطاه الحقيبة، ولم يذكر عمر حتى لا يتورط اسم الميتم ويكشف عملهم، ولأنه لا يعلم اسم الذي يعمل عمر معه.
لأن عمر أخبره أنه سيعرفه عليه بعد "العملية"، فاضطر لاستخدام اسم ضرغام، فكان نصيبه الحكم بالمؤبد.
بعد أيام، تحوّل الميتم إلى ورشة كبيرة.
نشاطات غير معتادة، رجال يأتون بدهانات وأوراق حائط، يغيرون ملامح المكان.
الحافلة التي كانت تأتي لاصطحاب الأطفال إلى العمل، جاءت محمّلة بالألعاب والملابس.
أمر ضياء الأطفال بعدم الخروج من الميتم.
فرح الصغار، ارتدوا الملابس الجديدة، وملأوا المكان ضحكاً وحياة.
جاءت لجنة تفتيش لتقييم الوضع، ضياء كان واقفاً بينهم، متوتراً رغم نظافة المكان.
لكن اللجنة لم يعجبها شيء:
الأطفال لا يحسنون القراءة ولا الكتابة.
صدر القرار:
إرسال الأطفال الصغار إلى المدارس، ومن هم على وشك الخروج من الميتم يُرسلون إلى معاهد تكوين لتعليم الحرف اليدوية.
كان فهد أسعدهم، على الأقل الدولة بدأت تأخذ دور الأيتام بجدية.
أما ضياء، فاكتفوا معه بنبرة تحذيرية شديدة:
"أي تهاون مجدداً... لن يُغتفر."
شعر ضياء بأنه يفقد السيطرة، لكنه مجبر على تنفيذ الأوامر.
في الجانب الآخر من المشهد، كان حمزة يحتفل على طريقته.
نفث دخان سيجارته، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة مكر، وهو ينظر لعمر قائلاً:
"وبكده... بقى دورنا. يلعب معانا الزهر، وتجري الفلوس في إيدينا."
سأله عمر بترقب:
"هو كلمك؟"
"ورايحله دلوقتي."
"ممكن أروح معاك؟" قالها عمر بتوتر، يخشى الرفض.
نظر إليه حمزة، ووضع يده على كتفه، ناظراً له بحنان أخوي نادر:
"إنت مبقتش ذراعي اليمين يا عمر... إنت أخويا. وأي خطوة هعملها، هتكون معايا فيها."
ابتسم عمر، كان يصعب عليه أن يصدق أنه في تلك الفترة اصبح رجلاً كحمزة أقرب الناس إليه.
وربما، كان لا يصدق أكثر أنه الآن جزء من عصابة.
رواية ركان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم حنين ابراهيم
في الوقت الذي كان فيه حمزة يتبع التعليمات التي وصلته، وقف مع عمر أمام بوابة القصر المنيف الذي وصله العنوان إليه، يرافقه رجلان ضخما البنية بدا عليهما أنهما من الحرس الشخصي. خطواته الواثقة لم تكن لتخفي القلق المستتر خلف عينيه، أما عمر، فقد كان يتلفت حوله بإعجاب، يلتهم تفاصيل المكان بنظراته: سلالم ذات أطراف ذهبية، أثاث كلاسيكي فاخر، وتماثيل رخامية تزين جوانب غرفة المعيشة.
جلسا في صمت ثقيل، ينتظران زعيم العصابة، الرجل الذي جر عمر إلى دوامة العذاب منذ البداية، لولا أن اختار أن يخزن بضاعته في قريتهم، مستأجرًا المرأب من والده، لما سقطت الكارثة على رؤوسهم.
وفجأة، ظهر الرجل من أعلى السلم، في أواخر الأربعين، ذو هيبة واضحة. منكبان عريضان، وملامح وجه قاسية، لا تقبل الكثير من التأويل. وقف حمزة بإجلال، بينما بدا على عمر بعض التردد والرهبة.
اقترب الرجل منهما، ومد يده مصافحًا:
"أهلًا يا حمزة، القصر نور بوجودك."
رد حمزة بابتسامة دبلوماسية:
"القصر منور بأصحابه، سيد عاصي."
ارتبكت ملامح عاصي حين سمع اسمه، لكن سرعان ما استعاد رباطة جأشه وأدار عينيه نحو عمر.
"أقدملك عمر، ذراعي اليمين."
رفع عاصي حاجبيه متفاجئًا:
"في السن ده؟"
ربت حمزة على كتف الفتى قائلًا بفخر:
"ميغيركش شكله، ده صغير بس بيحيّر."
جلس عاصي، وبدأ يفك أزرار سترته السوداء ببطء قبل أن يتحدث بنبرة تحمل بعض التردد:
"أنا طلبت أشوفك النهاردة عشان شغل مختلف، غير اللي كنت بتعمله قبل كده."
أومأ حمزة بثقة:
"اللي تأمر بيه يا بيه."
لاحظ حمزة تردده في الحديث أمام عمر، فسارع ليطمئنه:
"تقدر تعتبرني وعمر شخص واحد."
استسلم عاصي للإقناع، وأفضى لهما بتفاصيل المهمة، فقبل حمزة بها دون نقاش.
في وقت لاحق، اتجه الاثنان إلى الميتم، فاستغرب عمر مرافقة حمزة له، لكن الأخير اكتفى بابتسامة غامضة وهمس:
"عندي مفاجأة."
دخل حمزة مكتب مدير الميتم، ضياء، وقدّم له أوراق التبني بعد بعض المعاملات، ثم غادرا معًا، يودعان من تبقى هناك.
واصلت الدهشة مرافقة عمر، وهو يدخل حيًا جديدًا لا يعرفه، حتى وصلا إلى شقة متواضعة، نظيفة، مرتبة، رغم بساطتها. جلسا، وسأله عمر فجأة:
"هو حضرتك متجوز؟"
"تقدر تقول ملقيتش اللي تملي دماغي."
وبينما كان حمزة يضع حقيبة عمر، سمع صوت باب الغرفة يفتح فجأة.
وقفت أمامهما فتاة ترتدي عباءة سوداء ضيقة، ألوان زاهية تزين عينيها، وأحمر شفاه فاقع، جعل مظهرها غريبًا، بل نافِرًا.
قالت بسوقية:
"إنت جيت يا ميزو؟"
رد حمزة ببرود:
"لا، لسه في الطريق."
تقدّمت وجلست واضعة رجلًا على رجل:
"يوه يا ميزو، قصدي إنك جيت بدري النهاردة. مش عوايدك."
"ما أجي وقت ما أحب. هو أنا هاخد إذن منك عشان أجي بيتي؟"
كان عمر يراقبهما بدهشة، فلاحظ حمزة نظراته وقال مازحًا:
"أعرفك... الحتة الشمال."
"قصدك اللي في القلب وكده؟"
أكمل ضاحكًا:
"يا ولد... على العموم، الله يسهل لك."
"لا قلب إيه؟ أنا بقولك على شغلانتها."
عقد عمر حاجبيه ولم يفهم، بينما نهضت الفتاة من مكانها وقد اشتعل الغضب في عينيها:
"كده؟ طيب يا حمزة... تشكر."
حملت حقيبتها، وعند الباب رمت بكلماتها الأخيرة:
"على فكرة... أنا عملتلك طفح في المطبخ... اطفحه بالسم الهاري!"
أغلقت الباب خلفها بعنف، بينما لم يكترث حمزة على الإطلاق. نهض ببرود، توجه إلى المطبخ، وعاد بصينية الطعام ووضعها أمام عمر.
كان وجه عمر محمرًا من الحرج، حين أدرك طبيعة العلاقة بينهما. أما حمزة فكان يمضغ الطعام بشهية:
"كل يا عمر، ما تتكسفش. البت دي نفسها حلو في الطبيخ."
مد عمر يده بخجل، وبدأ الأكل:
"بس مكانش يصح تحرجها كده."
"متشغلش بالك بيها. هي يومين وهتتراضى."
مرّت الأيام، وفتح حمزة ورشته التي يعمل بها كغطاء لعمله الخفي. بدأ عمر يعاونه فيها. وفي أحد الأيام، فوجئا بقدوم فهد.
استقبله عمر بحرارة. وبعد تبادل السلام، قال فهد إنه يبحث عن عمل ومكان يبيت فيه.
"عندي غرفة في السطح تنفع، وعندي شغل كمان."
لكن فهد رفض:
"خليني بعيد عن السكة دي... مش ناقص وجع دماغ."
أصر حمزة:
"طب، أعلّمك شوية صنعة ميكانيكا... تمسك الورشة بعد ما نسافر."
فهد، بدهشة:
"هتاخد عمر معاك؟ هتسافروا فين؟"
"إيطاليا."
وبعد أشهر، وبين أوراق وواسطات، قبلت الفيزا، وسافر الاثنان، كلٌ يحمل طموحًا في داخله...
حمزة: يسعى لمكانة أعلى وسلطة أوسع.
عمر: لا هدف له سوى أن يعرف مصير أخته... ثم ينتقم.
رواية ركان الفصل السادس عشر 16 - بقلم حنين ابراهيم
وبعد أشهر&; وبين أوراق وواسطات&; ق&;ب&;لت الفيزا&; وسافر الاثنان&; كل&;&; يحمل طموح&;ا في داخله...
حمزة: يسعى لمكانة أعلى وسلطة أوسع.
عمر: لا هدف له سوى أن يعرف مصير أخته... ثم ينتقم.
فهل سيتحقق لأي&;&; منهما ما يطمح إليه&; وهل ستتقاطع طرقهما أو تتعارض في المستقبل&;
هذا ما ستكشفه الأجزاء القادمة...
&;