الشيخ صقر قال مش لازم تغير الشقة، الكيان الشرير رحل ومش هيرجع تاني، وإن الكيان لما يرتبط بشخص مش صعب عليه يعثر عليه في أي مكان. أما لو كان تغير الشقة هيساعد مراتك تستعيد ثقتها ونفسيتها تتحسن مفيش مانع. أنا كمان بعد الأحداث اللي مرت بيا كنت محتاج أغير الشقة، الذكريات السيئة بتلاحقني في كل ركن ومكان، ورغم إن حنان مراتي مطلبتش مني نسيب الشقة إني كنت بشوف في عينيها رغبة بالهرب من الشقة.
بعد الحادثة بيومين كلمت الشيخ صقر أكتر من مرة ومردش عليا، كنت عايز أعرفه إني قررت أنقل من الشقة لشقة تانية. بس للأسف مفيش أي رد. السمسار اللي كلمته عرض لي أكتر من شقة، أخدت حنان وراما بنتي اتفرجنا عليهم. حنان مكنتش مهتمة بنوعية الشقة أكتر من هروبها من شقتنا القديمة لدرجة إنها وافقت على كل الشقق اللي اتفرجنا عليها.
راما وافقت على شقة كانت مسكونة قبلنا لأنه لقيت فيها غرفة أطفال واسعة وجميلة وألوانها عجبتها، وفي النهاية اخترنا الشقة اللي عجبت راما ونقلنا فيها كل حاجتنا. بس حنان قررت إنها تتخلص من كل ملابسها الداخلية، سبتها هناك وطلبت مني أحرقها. الشيخ صقر غادر الشقة بخطوات متثاقلة، ليس لأنه متعب جسديًا، لكن لأن ذاكرة ثقيلة تجلس على كتفه.
المشي في الشارع لم يعيد ترتيب المشاعر، أضواء المحلات، صوت موتوسيكل توصيل، شخطة كعب حذاء على رصيف رطب كلها أمور عادية تبدو له الآن كمنظر خلفي لشيء أكبر. كان يلمس عمامته بيده بين الحين والآخر كفعل اعتاد عليه، ليس ليتأكد من وضعها، بل ليفحص وجوده في جسد يتعب من الذكرى.
المشاهد التي تعصف بعقله لا تأتي دفعة واحدة، تأتي كسلسلة نقاط صغيرة تربط بينها لقطات. صوت الباب يطرق في الشقة أعاد إليه بصورة تشبه نغمة قديمة. رائحة البخور الخفيف في الممر أرجعته إلى غرفة صغيرة في معهد قديم. طاقة المكان مختلفة، أكثر احتقانًا لكنها واقعية جدًا: خشب مبلي، صفائح ورقية عليها آيات مكتوبة باليد، ومروحة سقف لا تعمل جيدًا. هذه التفاصيل تعطي ذاكرته ثقة أنها ليست هلوسة، كانت حدثًا واقعيًا حدث بالفعل.
في رأسه تترتب الأحداث كما لو أنه يقرأ دفتر ملاحظات قديم. الشيخ ناصر، الرجل الأكبر، كان عمليًا ومتحفظًا، لا يحب الخرافة. عرفه صقر كرجل درس الأصول والطبائع، متعمق في نصوص لا يشاركها إلا القليلين. لم يكن ناصر مهووسًا بالغرائب، لكنه كان يدرك الحدود: ما يذكر في الكتب ليس كله قابلاً للتطبيق، وبعض الأشياء تحتاج طرقًا احترازية خاصة.
الختم الذي ظهر في ذاك الدفتر القديم، كما يتذكره صقر الآن، ليس قطعة موسيقية من قصص الأطفال، كان ختمًا معدنيًا صغيرًا، حجمه لا يتجاوز راحة اليد، لكنه مصنوع من مادة أثقل من الفولاذ. سُمكه يعطي إحساسًا ببرودة ممتدة. نقش فوقه يشبه عينًا مغلقة جزئيًا وحلقات دقيقة حولها. كان موجودًا داخل صندوق خشبي مطعم، ملفوف بقطعة قماش داكنة، وموضوعًا على منضدة صغيرة في زاوية الغرفة.
الشرح الذي سمعه من ناصر كان مباشرًا: الختم تقنية قديمة، رمز عملي أكثر من كونه نصًا، ووضع ليحد من تداخل كائنات من طبقات "ما بين" مع العالم البشري. ناصر لم يصفه بأسطورة، بل كأداة: لها شروط، حدود، وسلطة تعمل إذا احترمت آلياتها. وأضاف بصوت منخفض أن أي تلاعب طائش بالختم قد يخل بتوازن ضبطه: إذا لمس بلا بروتوكول أو نقل إلى مكان غير محمي، فهناك احتمال لانحراف آثاره. هذا كلام تقني أكثر من كونه وعظًا، تحذير مهني.
كيف وقع صقر في ذلك؟ الحكاية لم تكن لحظة بطولية أو خيانة، لكنها لحظة بشرية: شاب يريد أن يفعل شيئًا جيدًا. كانت الضغوط بسيطة، خوف من أن يترك الناس دون حماية، ثقة في قدرة المعلم، وفضول عملي لمعرفة آلية الختم. في وقفة ضعف، مد صقر إصبعه فقط على حافة المعدن ليتأمل برودته، لمسة قصيرة لم يقصد بها إلا الفحص، لكنها تكفي لبدء سلسلة من تداعيات لاحقة. ناصر صاح فورًا، ليس بتهويل، بل بخبرة صارمة، وأمره بسحب يده، لكنه كان قد
لمس وأحس بشيء ينزلق داخله: إحساس بخفة، واهتزاز قادم من المعدن، ثم صدى ضحكة قصيرة لم تكن من هنا. عند وصوله إلى مسكنه، كانت ذاكرته لا تعني له مجرد صورة قديمة، بل خريطة تبين نقاط ضعف عملية: أين وضع الختم، من عرف بموقعه، وأين فشلوا في بناء طبقات حماية كافية حول استخدامه. المشي في الشارع والتحرك إلى الشقة لم يطفئا الأسئلة،
بل جعلها أوضح: كان يشعر بالمسؤولية، وبحاجة إلى مراجعة تقنية، ليست لتبرير الخطيئة، بل لمعرفة ما الذي يجب عمله عمليًا كي لا يتكرر. وقف أمام باب منزله، وضع يده على المقبض لفترة أطول من المعتاد، ثم دخل. عمق الرتابة في الداخل، الأثاث، الأصوات المنزلية الاعتيادية، رائحة القهوة، وضع حاجزًا عمليًا بينه وبين الذكرى. لكنه يعرف أن الحاجز هش: الختم لم يكن شيئًا يمكن دفنه بالكلام. كان جزءًا من تاريخهم المهني، ومن خطأه الخاص.
قصد الشيخ صقر غرفته الداخلية حيث يوجد صندوق خشبي صغير قديم نقشت عليه آيات قرآنية للحماية. تنهد ثم فتح الصندوق، لفافة القماش الخضراء ظهرت أمامه. عندما فتحها، لم يجد الختم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!