"مش عايز تعرف نتيجة التحليل ولا آية؟ " تسألت الطبيبة عندما لاحظت صمت بدر. رفع بدر رأسه نحو الطبيبة التي تتحدث ببرودة أعصاب، وشعر برغبة في صفعها. تلك المخلوقة اللعينة، عديمة الإحساس، لا تعرف أنها أهم لحظة في حياته؟ لا تعرف أن قلبه يكاد ينشق نصفين وأن حياته وشيكة أن تنقلب فوق رأسه. "مش هنا، شكراً لحضرتك." أجاب بدر بنبرة مهزوزة، وأخذ التقرير معه وخرج من المعمل.
لا زالت يده مرتعشة، لا يتمالك أعصابه. الحقيقة بين يديه ولا يتجرأ على معرفتها. في الشارع تنهد بدر. "مفيش فايدة من التأخير يا بدر." أشعل سيجارته، واستند على الجدار، ثم فتح التقرير. "يا ولاد الكلب، انتو بتلعبوا بينا ولا إيه؟ رمى بدر السيجارة على الأرض وقفز درجات السلم نحو المعمل. "تقرير فاضي؟ مفيهوش غير توقيع الدكتور." اقتحم غرفة الاستقبال ورزع التقرير على المكتب. "أنا عايز حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟
فين نتيجة التحليل؟ "والله العظيم كتبته، أقسمت." قالت الطبيبة بارتباك. صرخ بدر: "اسمعي يا ست انتي، أنا مش مرتاحلك أصلاً من أول ما شفتك، وعايز التقرير." تدخل ممرض شاب: "مفيش مشكلة يا أستاذ، التقرير موجود على الجهاز، نطبعه مرة تانية. بطل زعيق من فضلك." صرخ بدر: "هو انت المحامي بتاعها مثلاً؟ توجهت أنظار المرضى نحو بدر الغاضب، بينما كانت الدكتورة تهمس: "هطبعه تاني، دقيقة واحدة." ما إن دخلت الطبيبة
حجرتها حتى خرجت صارخة: "حريقة! حريقة! " وارتفع الدخان من خلفها في غرفة العينات. بدر تسمر في مكانه. راح المرضى يهربون، والممرضين والأطباء يندفعون نحو السلم. النار تحركت بسرعة، وبين صراخ الأطباء والعاملين، بدر عرف الحقيقة. رآها في النار التي تشتعل دون سبب، دون هواء، دون وقود ودون مصدر. "اخرج يا أستاذ، هتتحرق."
كان بدر يسمع صياح الناس، ثم نظر إلى التقرير الذي بين يديه. كانت الكلمات التي انمحت تظهر من جديد. بدر يقرأ، يمرر عينيه على الكلمات بسرعة. والنار اشتعلت في التقرير وكم قميصه. صرخ بدر من النار التي لسعت كفه يده، وطوح التقرير على الأرض غير قادر على استيعاب النتيجة، ثم ركض تجاه الشارع. وسط صراخ الناس وصافرات المطافي وضجيج المسعفين. كانت عيون بدر الشاردة ولسانه المغتال تردد: "عدم صحة الأبوة... يعني راما مش بنتي؟
أمال بنت مين؟ "تاكسي يا أستاذ؟ ظهر رجل عجوز بلحية يقف جوار سيارته ينظر تجاه بدر الحزين، المكسور، الكئيب، الذي يبكي وجهه. "تعالى يا ابني هوصلك." ألقى بدر جسده داخل التاكسي محطم، بروح منتهية. انطلقت سيارة الأجرة. "على فين يا أستاذ؟ نطق بدر بضعف العنوان دون أن يهمس بكلمة أخرى. مرت سيارة الأجرة في الشارع الرئيسي. كان سائق السيارة ينظر إلى بدر في مرآة السيارة، ثم ابتسم فجأة بلا سبب. وهمس: "صدقت إنها مش بنتك؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!