كانت روفان تستعد للذهاب إلى مكتب المحاماة الخاص بها. بدأت في تجهيز كل شيء يخصها إلى أن استيقظت شهد. نظرت لها روفان وابتسمت وهي تقول في مداعبة: صباح الخير يا قمر. الفطار بتاعك جاهز على السفرة برة. حكت الطفلة في عينيها وهي تقول: عايزة أجي معاكي. نظرت لها في برهة ثم هزت رأسها بالنفي وهي تقول: لا مش هينفع. النهاردة عندي قضايا كثير ومش هينفع آخدك معايا. ***
بعد نصف ساعة، كانت روفان تركب سيارتها وبجانبها شهد التي لم تتركها تغادر بمفردها. قبل أن تتحرك روفان نظرت إلى شهد وهي تقول: مش عايزة أي دوشة هناك. تقعدي مع ندى مؤدبة. تمام! هزت شهد رأسها وهي تقول: حاضر بس هاتِ لي حاجة حلوة. تحركت بالعربية وهي تقول لها: إن شاء الله. *** بعد ربع ساعة. كانت قد وصلت إلى المكتب. تفاجأت أن الموجودة هي ندى فقط ولا يوجد أحداً آخر. نظرت لندى باستغراب: هو مفيش حد النهاردة ولا إيه! هزت
ندى رأسها بالنفي وقالت: أول ميعاد عند حضرتك الساعة ١٠. تنهدت روفان ولكنها وجدت شهد تشد ملابسها لتنتبه لها وهي تقول: ماما.. ماما.. انتِ قولتي لي هتجيبي لي حاجة حلوة. نظرت روفان لشهد ثم نظرت لندى الذي كانت تبتسم على طفولة شهد. ثم قالت: هخرج أشوف أي سوبر ماركت برة. اصطحبت شهد معها وخرجت. جلبت لها بعض الحلويات. ثم دخلت مجدداً لتجد ندى تقول: فيه واحدة عايزة حضرتك. وقالت إنها هتستناكِ في المكتب جوا. تركت
روفان شهد مع ندى وهي تقول: مقلتش اسمها إيه! هزت ندى رأسها بالنفي. فدخلت روفان المكتب. لتجد فتاة تقف وتنظر إلى صور وشهادات خاصة بروفان معلقة على الحائط. ما إن انتبهت الفتاة لها ذهبت وجلست لتتحدث مع روفان. صمتت قليلاً فبدأت روفان بالحديث: حضرتك قولتي إنك عايزاني! تكلمت الفتاة: أنا اخت عبد الرحمن اللي جالك امبارح. رفعت روفان عينيها وهي تقول: اللي رافعة قضية الخلع! هزت رأسها بإيجاب ثم تنهدت بعمق لتقول:
وحضرتك رفضتي تترافِعي في القضية دي. نظرت روفان في ورق على المكتب وهي تتحدث: أنا شرحت أسبابي للطرف اللي جه من عند حضرتك امبارح. تحدثت الفتاة بحزن وهي تقول: أنا شبه روحت لكل المحامين اللي أعرفهم واللي معرفهمش. محدش عايز يقبل القضية. كل ما حد يعرف إني عايزة أرفعها عليه. نظرت لها وهي توجه لها سؤال: خايف منه صح! أغلقت روفان الملف اللي في يدها ثم تنهدت وهي تقول:
ممكن هما خايفين. لكن أنا لا. أنا بس بيني وبين الشخص ده مسألة شخصية ومش عايزة أشوفه في أي نقاش. للحظة بدأت الفتاة في البكاء وهي تقول: ولا أنا عايزة أشوفه ولا أقضي معاه حياتي. ده خدعني. ده كان متجوز قبلي مرة ومقاليش وعرفت من مراته لما اتصلت بيه وأنا رديت بالغلط. غير معاملته اللي اتغيرت معايا كلياً. مسكت إيديها في محاولة لاستعاطفها: حضرتك أكيد عارفة شعوري لأنك ست زي. ارجوكِ. نظرت لها روفان في استعطاف وهي تقول:
سيبِ لي رقمك مع ندى برا وهفكر تاني وأتصل بيكِ. خرجت الفتاة من المكتب وهي تمسح دموعها بفرح مستبشرة بأن روفان بالتأكيد سوف تقبل الترافع عنها في تلك القضية. بينما روفان ساندت بظهرها على الكرسي وهي تضع يدها فوق رأسها وتقول بلامبالاة: اتحوزت بعدي اتنين يا خالد! تنهدت وهي تُغمض عينيها ليلوح بذكرها خيال الماضي الذي لا يُنسى. *** بعد أن ذهبت روفان إلى السكن الجامعي.
كان حالة شهد في النادي الليلي يُرثى لها. تجلس وهي تستمتع لضحكات الآخرين وصوت العزف الموسيقي والرجال الذين يغازلون في الفتيات. قامت من مكانها وهي تتنهد بحزن. ذهبت إلى غرفة تبديل الملابس لتجد صباح هناك وهي تضع مساحيق المكياج مجدداً. حين دخلت شهد نظرت لها صباح ولوجهها الذي يظهر عليه الحزن بامتعاض وقالت وهي تلوى شفتيها: مالك! وشك يقطع الخميرة من البيت كدا ليه! جلست على أقرب مقعد لها وهي تقول بتعب:
تعبانة. حاسة إني مش قادرة أتنفس. نظرت لها صباح بهلع وهي تقول: مالك. انتِ شربتي ولا إيه! هزت رأسها بالنفي فهي منذ أن عملت هنا لم تشرب النبيذ أبداً. صباح: هطلب لكِ تاكسي يروحك لحد السكن. خليكِ قاعدة هنا متخرجيش. ما إن خرجت صباح حتى عادت شهد لوعيها مجدداً وهي تنظر لشكلها في المرآة. قامت وهي تمسك بعض المناديل الورقية وتمسح المكياج من على وجهها ودموعها تُذرف تلقائياً على ما فعلته بنفسها.
فكيف لها أن تصبح معلمة ومربية أجيال وهي بهذه الحالة وهذا المكان الفظ. جلست مكانها وهي تبكي على فعلتها. إلى أن دخلت صباح لها وهي تقول باستغراب: بتعيطي ليه! شهد بتعب: تعبانة. عايزة أروح. نادت صباح على شخص ما وهي تقول له: سندها لغاية العربية. شكلها مش قادرة تمشي. قبل أن يمسك يدها كانت قد أوقفَته بيدها وهي تقول: لا. أنا هقدر أمشي. أبعد انت. أبتعد قليلاً لتقوم هي وهي تستند على الجدار بتعب حتى خرجت من ذلك المكان. ***
بعد ساعة. دخلت شهد غرفة السكن. لتجد روفان تجلس على أحد المكاتب وتذاكر مواد القانون. ما إن فُتح الباب حتى نظرت لها روفان بامتعاض ثم أدارت وجهها عنها وهي تكمل ما بدأته. نظرت لها شهد بحزن ثم جلست على سريرها وهي تبكي على حالها بتعب. ما إن سمعت روفان صوت نحيبها حتى التفتت لها وهي تسألها باستغراب: مالك! فردت شهد جسدها على السرير وهي تنظر لأعلى وتقول:
فوقت. فوقت من الخيال والوهم اللي كنت عايشة فيه علشان أرضي غروري ويبقى معايا فلوس أجيب اللي أنا عايزاه وأبقى وسط صحابي واحدة غنية معاها تعمل اللي هي عايزاه. مش مصدقة إني عملت في نفسي كدا. بدأت في البكاء مجدداً تحت أنظار روفان الذي رق قلبها لها. جلست بجانبها وهي تمسد على شعرها ثم قالت: ربنا غفور رحيم. استغفريه وتوبي إليه وهو برحمته الواسعة قادر يغفر لك. يالا قومي صلي ركعتين شكر لله إنك فوقتي قبل فوات الأوان!
بصت لها شهد باستغراب وهي تمسح دموعها وقالت: قبل فوات الأوان. روفان بابتسامة: اه. أنتِ لسه عايشة وروحك في جسمك تقدري تستغفري. لكن فوات الأوان هو الشخص اللي بيموت على معصية. ساعتها مش هينفعه الندم. هدأت قليلاً وهي تنظر لروفان ثم قامت لتدخل الحمام لتتوضأ وتصلي ركعتين مغفرة وتوبة إلى الله. *** في اليوم التالي. كانت الثلاث فتيات ريم وشهد وصباح يجلسون في السكن. حين قامت صباح وهي تمسك كتب روفان وتمزقها أمام أعينهم.
حاولت شهد إيقافها ولكنها لم تبالِ. فتحت خزانتها وأخرجت جميع ثيابها وبدأت تلقيهم على الأرض وهي تقول: علشان تتكبر علينا تاني أنا هوريها. نظرت لها شهد بعصبية ثم أمسكت الهدوم من يدها وألقتها على الأرض:
حرام عليكي كفاية. كل واحد يختار سكته. أنا عارفة إنك بتاخدي نسبة على الناس اللي بتجيبيها علشان كدا كل مرة تعملي كدا. بس انتِ مش بتهمدي. وع فكرة أنا كمان مش هشتغل معاكِ. هنزل أدور على شغل نضيف بدل الشغل القذر اللي انتِ عايزانا نشتغله. نظرت لها صباح بتحدي ثم قالت: طيب تمام. انتِ كدا اللي عملتي عداوة بيني وبينك. يالا يا ريم اجهزي علشان نمشي. جلست شهد لا تبالي بهم.
استعدت صباح وريم للذهاب. وقبل أن تذهب رمقتها صباح بنظرات حادة متوعدة لها بمستقبل باهت معها في الغرفة. ظلت جالسة لا تبالي حتى أتت روفان من الجامعة. وجدت أشياءها ممزقة وملقاة على الأرض. ملابسها مبعثرة في أرجاء الغرفة. نظرت لشهد بصدمة وهي تقول: مين عمل كدا! نظرت لكتبها بحزن وهي تقول: أنا تعبت علشان أشتري الكتب دي. مين قطعها. نظرت لها شهد ونطقت: صباح. جلست روفان بجانبها وهي تنظر لأشيائها بحزن. ثم نظرت لشهد وقالت:
أنا اتعودت إن حقي مش بيضيع. بصي أنا فكرت في خطة ولازم تنفذيها معايا. نظرت لها شهد بهدوء وهي تسمع حديثها. بدأت الابتسامة تظهر على شفتيها إلى أن انتهت روفان من السرد. *** في المساء. موعد وصول صباح وريم إلى السكن. ما إن دخلت حتى وجدت أضواء المكان تُشعل واحدة تلو الأخرى. نظرت ريم لصباح بخوف. إلى أن ظهرت مديرة السكن وبدأت توبخهما عن تأخيرهم. حتى قامت بالسؤال:
ويا ترى كنتوا فين انتوا الاتنين خلاكم تيجوا متأخر. وكمان بلغني إنكم بتيجوا متأخر كل يوم. نطقت صباح: مين بلغك! وبختها المديرة بصوت عالٍ: ملكِش دعوة. أنا هتصل بأهلك انتِ وهي علشان التسيب ده. وهتناموا النهاردة في غرفة ١٠٢ مش الغرف بتاعتكم. وحاجتكم هتلاقوها هناك. يالا اتفضلوا. كانت روفان وشهد ينظرون من خلال النافذة ويضحكون بصمت إلى أن صعدا صباح وريم.
ابتسمت شهد: كدا خلصنا من هم صباح. أنا صعبان عليا ريم. لأنها كانت طيبة بس صباح هي السبب. روفان بهدوء: عموماً إن شاء الله مش هيحصل لهم حاجة. أهم حاجة نقعد بهدوء. شهد: بس صباح أكيد عارفة إن إحنا اللي قولنا عليها. مدت روفان على سريرها وهي تقول بإرهاق: تعرف ولا متعرفش. مش مشكلتي. أهم حاجة استعدي علشان هتنزلي جامعتك بكرة وكمان بعدها هنروح ندور على شغل. *** صباح اليوم الثاني.
بعد انتهاء اليوم الجامعي كانت روفان تنتظر شهد عند باب كليتها. إلى أن سمعت خالد يناديها. التفتت له ثم تنهدت بتعب وهي تقف مكانها حتى وصل إليها وهو يقول بترحاب: عاملة إيه. وحشتيني. نظرت روفان له بصدمة ثم قالت بتحذير: متتجاوزش حدودك معايا يا خالد لو سمحت. خالد بتبرير: مش قصدي. أنا بس كنت عايز أسأل عليكِ وكويس إني اتطمنت إنك بخير. روفان: تمام. فتح حقيبته ثم أخرج ظرف وقال: لو مش هضايقك. ممكن تاخديه تقرأيه بعدين.
روفان بعدم فهم: نعم! امسكيه بس. نطقها خالد. ثم ترك لها الظرف وذهب. *** كانت تجلس في منزلها وتقرأ رسالته مجدداً. رغم كل هذه المدة تتذكر ما فعل.
كيف حالك عزيزتي، لم أود أبداً إزعاجك حين عرضت عليكِ الزواج. أنا فقط أريد أن تصبح بيننا علاقة أقوى من الصداقة، علاقة تربطنا مدى الحياة. لقد عرضت على والدي الموضوع وقد رحب به. تبقى أن ترحبِ أنتِ لنعقد الخطبة والزواج بعد أن أنتهي من السنة وتعلمين أني لا أُمانع في تعليمك حتى لو ودتِ أن تكملِ الماجستير والدكتوراه فسأكون لكِ خير معين. في آخر الرسالة: أه أنا كاتب الرسالة بالفصحى علشان عارف إنك بتحبي تقرئي بيها. سلام.
أغلقت الرسالة وهي تتذكر أن من أقنعها بذلك الزواج والخطبة وشجعها كانت شهد حتى تتخلص من بعض هموم الحياة. نظرت للمرآة بانتصار فقد تحدت تلك الحياة الصعبة وأصبحت محامية ماهرة في عملها. فتحت هاتفها وهي تتصل بالفتاة التي كانت معها اليوم في المكتب. وما إن أجابت حتى قالت: هرفع لكِ قضية الخلع وهمشي في القضية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!