كانت الساعة التاسعة مساءً حين دخل "خالد" إلى والده ليحدثه في الأمر. كان والد خالد، والذي يُدعى "شهاب"، جالسًا على الكرسي يرتل آيات الله من القرآن. صمت حين سمع صوت خالد: السلام عليكم. رد السلام ثم أكمل تلاوة. جلس خالد أمام والده وهو ينظر إليه في ارتباك. نظر إليه "شهاب" ثم صدق وأغلق المصحف ونظر له في تساؤل. نظر شهاب إليه في استنكار ثم سأل: عايز تقول إيه يا ابني؟
ابتسم خالد ثم وقف وأصبح يحوم في الغرفة ذهابًا وإيابًا. إلى أن وقف فجأة وهو يقول لوالده: بابا أنا عايز أخطب واحدة. جلس مكانه وهو ينظر لوالده منتظرًا رده. تنهد "شهاب" ثم أكمل: أنت حاليًا لسه في سنة رابعة ولسه قدامك عمر طويل يا ابني. كونك تفكر تتجوز دلوقتي وأنت مش معاك أي حاجة ده ظلم للي هتتجوزها. وقف خالد وهو يقترب من والده: يا بابا هخطبها بس. وأول ما أثبت في وظيفة أتجوزها. نظر له بقلة حيلة ثم أجاب: وهي هتتخرج معاك؟
حك في أنفه بتوتر ثم قال: لا هتتخرج السنة الجاية. هي. قبل أن يكمل حديثه أوقفه والده وهو يقوم من مكانه: وهي موافقة؟ صمت قليلاً ثم قال: لسه هتكلم معاها وأشوف رأيها. تنهد وهو يقوم من مكانه: طب لما تكلمها بقى أبقى قولي. أنا هدخل أرتاح في أوضتي شوية. سلام. *** بعد أسبوع
كانت "روفان" استطاعت الالتحاق بالسكن الجامعي. دخلت غرفة بها سريران بطابق علوي وطابق سفلي. أبدلت ملابسها وهي تستريح من عناء اليوم لتستطيع الذهاب للكلية غدًا. *** بعد 3 ساعات فُتح الباب لتجد ثلاثة فتيات يدخلون. أصدروا ضوضاء مما جعل روفان تستيقظ. نظرت للساعة فوجدتها الواحدة بعد منتصف الليل. أغمضت عينيها وهي لا تبالي بهم لتجد واحدة منهم تقول في استنكار: يوووه... واحدة جديدة معانا، هو إحنا مش هنخلص! نظرت واحدة منهم
لروفان النائمة ثم قالت: شكلها طيبة. بلاش نعاملها زي الباقيين. تحدثت الثالثة وهي تضحك بصوت عالٍ: ده أنتِ اللي طيبة. أنا مش ناقصة هم ومشاكل من حد. نظر ثلاثتهم لبعض ثم تقدمت واحدة منهم لتنام على السرير وهي تقول: أنا تعبانة جدًا. تصبحوا على خير. نظرت صباح لريم وهي تقول: عايزة تقولي حاجة أنتِ كمان؟ هزت ريم رأسها بالنفي وهي تقول: هقولك إيه يعني! أنا داخلة أنام. نظرت صباح حولها ثم تنهدت لتدخل المرحاض. *** في اليوم التالي
استيقظت روفان على الساعة السابعة صباحًا. كانت قد قررت اليوم الذهاب للبحث عن عمل لإن النقود معها أوشكت على النفاذ. *** بعد انتهاء اليوم الجامعي ذهبت لتبحث عن عمل في أي كافتيريا أو شركة صغيرة بداوم جزئي. ظلت تتنقل من مكان لآخر على أمل أن تجد عملاً يناسب دراستها. جلست على أقرب رصيف وجدته وهي تضع رأسها بين يديها. ظلت جالسة لفترة ثم رفعت رأسها وهي تتنهد بحزن.
نظرت للساعة فوجدتها قد اقتربت على الثانية عشر بعد منتصف الليل. قامت سريعًا وهي تبحث عن وسيلة مواصلات لتنقلها إلى السكن ولكن كان الوقت متأخرًا لتجد أي شيء. كانت تمشي وهي تنظر حولها لعلها تجد تاكسي أو وسيلة مواصلات عامة.
وقفت قليلاً وهي تنظر في ساعتها التي أصبحت الثانية عشر. وجدت بعض الشباب على الجهة الأخرى من الطريق ينظرون حولها ويتهامسون بينهم بضحك. حين رأتهم مشت وهي تسرع في خطواتها. سمعت أصوات أقدام ورائها. نظرت حولها في خوف وهي تسرع سيرها وتدعو في سرها أن تجد أي سائق يوصلها إلى السكن. أسرع شاب خطواته وهو يقترب منها إلا أن وقف أمامها وبدأ يضحك بصوت عالٍ. سمعت صوت ضحكاتهم من خلفها. فنظرت إلى الشاب وهي تقول بتهديد: ابعد عن طريقي.
ابتسم الشاب وهو ينظر للأربعة خلف روفان ويضحك. سمعت أقدامهم تقترب منها بينما هو أيضًا يقترب. حسن أصبح الشاب على مقربة منها. نظرت له في حدة ثم ضربته بركبتها وضربة أخرى بحقيبتها على رأسه ليقع على الأرض يتألم من أثر اللكمات.
نظرت لهم وهي تعرف بأنها لن تستطيع أن تدافع عن نفسها أمامهم جميعًا. ركضت سريعًا بينما جلس اثنان مع الشاب الملقى على الأرض وأتبعها الاثنان الآخران. كانت تركض بأسرع ما عندها حتى وجدت عمارة ضخمة. دخلت لتحتمي بها. سمعت صوت أقدامهم وواحد منهم يقول: أكيد جريت من الناحية دي. ليركضوا في عكس اتجاهها. وضعت يدها على قلبها الذي كان ينبض بسرعة خوفًا. خرجت من المبنى وهي تنظر حولها بخوف. وجدت تاكسي يقف على مقربة منها.
صعدت معه وهي تقول بخوف: ارجوك ممكن توصلني للعنوان. نظر لها السائق ثم تحدث: بس أنا مش شغال دلوقتي يا أستاذة. ارجوك يا أستاذ اعتبرني زي أختك. الوقت اتأخر وأنا هديك اللي انت عايزه. نظر لها بقلة حيلة ثم تحرك في العنوان الذي ذكرته. *** كانت الساعة أصبحت الواحدة، حين وصلت روفان السكن. وجدت الثلاث فتيات معها في الغرفة يدخلون السكن في هدوء تام. نادت عليهم بصوت عالٍ: استنوا. ركضت سريعًا إليهم فنظروا لها باستغراب.
تحدثت صباح: أنتِ بتيجي دائمًا متأخر؟ هزت رأسها بالنفي وقالت: أول مرة. نظر عم جمال وهو حارس المدينة الجامعية لها وقال: بس أنتِ كده هيتعملك تحذير. نطقت واحدة منهم تدعى شهد: خلاص يا عم جمال هي معانا. مفيش داعي تحذير أو أي حاجة. نظر لها عم جمال ثم فتح الباب ليدخلوا جميعًا. *** صعدت معهم إلى الغرفة. أبدلوا ملابسهم جميعًا ثم جلسوا الثلاثة حولها. بدأت صباح في الحديث: أنتِ جيتِ متأخر ليه؟ ردت روفان وهي تنظر لأعينهم
الذي يملؤها التساؤل: كنت بدور على شغل. والوقت خدني. أكملت صباح: تحبي تشتغلي معانا؟ نطقت بانفعال: صباااح! لم تبالي بها صباح وأكملت: شغل بمرتب حلو جدًا وصدقيني على ضمانتي. نظرت لثلاثتهم بتفكير فأكملت صباح: اقعدي اتكلمي مع ريم شوية علشان عايزة أتكلم مع شهد. أمسكتها من يدها وهي تسحبها لخارج الغرفة وتقفل الباب لتقف وتتشاجر معها. نظرت ريم لها ثم ابتسمت وقالت: أنا يا ستي ريم. آداب فلسفة. وأنتِ؟ حقوق.
ابتسمت ريم وقالت: صباح في كلية تجارة وشهد في تربية. ابتسمت روفان ولم تنطق. ظل الصمت لمدة دقيقة ثم قالت: هو الشغل عبارة عن إيه؟ ضحكت ريم وقالت: هتعرفي بكرة. بس الشغل حلو. متقلقيش. *** اليوم التالي ذهبت روفان إلى جامعتها وكالعادة كانت تحاول أن لا تظهر أمام خالد. بعد أن انتهى اليوم الجامعي ذهبت إلى السكن. وجدت الفتيات يستعدون للذهاب إلى العمل. نظرت لها صباح وهي تقول: يلا اجهزي علشان منتأخرش. هروح كده.
نظرت لها صباح بامتعاض ثم صمتت وهي تكمل تزين بالمكياج. خرجوا جميعهم من الغرفة وأستقلوا سيارة أجرة. نزلوا جميعًا لتنظر روفان إلى المكان وتظهر لافتة مكتوب عليها "نادي ليلي". نظرت روفان لثلاثتهم ثم ارتفع صوتها: لا وسع مش هدخل المكان القذر ده. نظر لها الجميع باستنكار ومنهم من ضحك وهو يدخل. ظلت روفان واقفة وهي لا تريد الدخول وتتحدث بصوت عالٍ مع صباح. خرج الأمن وهو يقول: فيه حاجة يا صباح. ديه جديدة ديه! نظرت صباح لها
وهي تلوى شفتيها بامتعاض: أيوا. الأمن: مش عايزين شوشرة يا تدخلي يا تمشي فاهمة. تركهم ووقف مكانه وهو يوصي أحد الأمن به. نظرت صباح لروفان بعصبية حاولت تلاشيها في الحديث: ادخلي من سكات ونتكلم جوا. جبتلنا الكلام. شهد بهدوء: ادخلي يا روفان. صدقيني مش هنجبرك على حاجة. ادخلي وابقي اخرجي من الباب الخلفي. دخلت روفان وهي تنظر حولها باندهاش. دخلوا غرفة فتاة تجلس ببدلة رقص وفتاة أخرى تقف لتضع لها المكياج.
اقتربت منها صباح وهي تقول: ازيك يا أبلة. كانت روفان تجلس بعيدًا وهي تنظر لهم بغضب. همست صباح في أذنها ببعض الحديث فنظرت لروفان الذي تجلس بعيدًا وتنظر حولها ثم قالت: هي ديه. صباح: آه. بس هي مرضيتش تدخل أول ما عرفت أنه نادي ليلي ودخلتها بالعافية. وقفت وهي تنظر لروفان بإعجاب من جمالها. جلست أمامها وهي تقول: انتِ خايفة ليه يا حلوة. ده مكان سهر عادي. نظرت روفان لها بغضب وتحدثت: أنا مش خايفة أنا قرفانة.
نظرت لصباح بتواعد ثم نظرت للروفان وقالت بضيق: طب بصي يا حلوة المكان هنا بتعملي فيه كأنك زبونة وبتقومي ترقصي معايا فالزبائن بينقطوكي بالفلوس. إيه اللي فيها! نظرت لها روفان بصدمة وهي تنظر لثيابها وقالت: أقوم أرقص معاكي وأنتي شبه مش لابسة حاجة وتقوليلي إيه اللي فيها! فيها إني مسلمة وعارفة يعني إيه جنة ويعني إيه نار. وعارفة إني هتحاسب على اللي هعمله ده وحسابه هيكون عند ربنا عسير. ضحكت صباح بشماتة: شحات وبيتأمر.
نظرت روفان لها بغضب وفضلت الصمت. وقفت روفان بغضب وقالت بصوت عالٍ: لو سمحتي أنا عايزة أروح. مهما قولتي مش هشتغل الشغلانة دي. وقفت الأخرى وهي تنظر لصباح بتواعد ثم قالت لها: امشي يا حبيبتي. أنتِ اللي خسرانة يا حلوة. نظرت روفان لثلاثتهم باشمئزاز. تحدثت شهد قائلة: أنا هخرجها. تعالي معايا. خرجت من الباب الخلفي فوقفت شهد معها
وهي تتحدث معها بتحذير: احذري من صباح ومن تعاملها معاكِ الفترة الجاية. هي مطفشة نص البنات في السكن كل مرة تقولهم عندي ليكم شغل وتستغل نقطة الفلوس. الحمد لله إنك موافقتي. نظرت روفان لها بتفحص ثم قالت باستنكار لحديثها: طب وإنتي اشتغلتي ليه! أنزلت شهد رأسها بحزن وقالت: قولتلك إنها بتشتغل احتياجنا للفلوس. وأنا بصرف على الجامعة بتاعتي من الفلوس اللي باخدها هنا. لأن أهلي قالولي مفيش جامعة ليا وأن مصاريفها كتير. بس كده.
للحظة أشفقت روفان عليها ولكن سرعان ما بدأت بتأنيبها: الإنسان بيدور وبيلاقي شغل يناسبه. مش أي شغل يشتغله والسلام. ولما إنتي قولتي لأهلك إنك اشتغلتي هما فهموا إن فلوسك حلال. لكن إنتي خنتي ثقتهم فيكِ. عن إذنك. تركتها بين تفكيرها وضميرها. رحلت لتترك صراع داخلي بينهم. *** في الوقت الحالي
كانت روفان تجلس في غرفتها. نظرت لنفسها في المرآة بتفحص وهي تغمض عينيها بحزن. فتحت أحد الأدراج لتخرج منها صورة لها ولشهد صديقتها المقربة. أغمضت عينيها بحزن وهي تتنهد وتقول: الله يرحمك. وحشتيني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!