اشتهى حقًا أن أغيب تحت الأرض، أو ربما لضمة لأنعم ببعض الأمان. ***
فاقت من النوم وهي تشعر بوخزات بكل جسدها إثر بكاء أمس. فشعرت بدموعها تنساب مرة أخرى دون إرادة. لا تدري كيف قصت له تاريخ حياتها بكل سهولة، وكيف تشبثت بأحضانه بهذه الطريقة. حقًا لا تدري، فهي كانت دائمًا تعلم أن دموعها حكرًا عليها، لا يحق لأحد رؤيتها. لا تريد شفقة من أحد، فيكفي ما تعيشه من معاناة. لا تتحمل نظرة شفقة من أحد، فحزنها يكمن بخبايا قلبها الصغير. لكن لا تنكر أن ضمته بقوة وتهدئتها كطفلة صغيرة، كانت كطبطبة على روحها.
نزعت عنها الغطاء وارتدت خُفها المنزلي. تطالع الساعة بجوار الفراش فانزعجت ملامحها، فالساعة صارت الواحدة بعد الظهر. خرجت بمنامتها بدون أن ترتدي حجابها، فهو بالطبع ذهب باكرًا. توجهت نحو المرحاض وغسلت وجهها، ثم توجهت صوب المطبخ لتقوم بصنع القهوة. وهي تضع يديها على رأسها وتتأوه بخفوت قائلة: "آآآه دماغي هتنفجر من عياط امبارح، فنجان قهوة ومسكن هتبقى تمام." وقف خلفها وهو يدس يده في جيب بنطاله. أما هي فانتفضت على صوته،
ثم استدارت ترمقه بصدمة: "انت لسه هنا؟! أول مرة يراها بدون حجابها. شعرها الأسود الفحمي يصل منتصف ظهرها، بشرتها الحليبية وشفتيها الخوخي. لمعت عيناه بوميض وهو يراها بتلك الهيئة المغرية. نظراته جعلتها تنصهر، فأطرقت رأسها أرضًا. فتدلت خصلات شعرها، فوضعت يديها على رأسها ثم هرولت للداخل قائلة: "انت بتتفرج على ايه؟ ودى وشك الناحية التانية." توارت داخل غرفتها، بينما ابتسم وهو يحك مؤخرة رأسه ودقات قلبه تعلو:
"ده ايه الجمال ده." *** "في إيه يا طاهر مالك؟ تلك الجملة قالتها بيلا بتوجس لطاهر وهو يقرأ بنود العقد. بينما هو وضع العقود أمامها وأشار بسبابته نحو خانة الاسم قائلاً: "انتي مش ملاحظة حاجة في الاسم؟ "كيان عاصم عز الكومى الجهيني." توسعت عيناها بصدمة قائلة: "ايه ده، ازاى؟ معقولة!!! ازاى ماخدتش بالي من الاسم." مسح وجهه باضطراب ثم تمتم بتوتر جلي قائلاً: "بيلا مش عايز حد يعرف حاجة وخصوصًا كيان لحد ما أعرف إيه الموضوع." ***
خرجت من غرفتها ثانية. وجدته يجلس على المقعد المقابل للمطبخ. فتحاشت النظر إليه قائلة: "مروحتش شغلك؟ نظر لها بنظرات هادئة قائلاً: "بعد أكل امبارح معرفتش أصحى الصبح." ابتسمت ابتسامة رائعة وهي تعد الفطار: "وهو أنا كده عملت حاجة؟ أنا ماكنتش مستعدة امبارح. تحب أجهزلك فطار معايا؟
هز رأسه بالإيجاب. ثم سمع طرقًا على الباب فتوجه لفتحه فطالع وجه ضياء. فتركه وتوجه للداخل. أغلق ضياء الباب خلفه وسار للداخل. فوقعت عيناه على من تقوم بصُنع الطعام فتوجه إليها تلقائيًا وهو يقول: "احنا هنفطر النهارده ولا إيه؟ مازالت تشعر بالارتباك بعد ما صار أمس. فهزت رأسها تجيبه بإيجاز: "روحوا انتوا على السفرة وأنا هحضر الأكل." أشار لنفسه ثم تحدث مستنكرًا: "روحوا على السفرة، انتي قصدك أنا ومين؟ أنا بصيغة الجمع؟
جذبه كنان معه وهو يتمتم ببعض الكلمات. ثم سحب له مقعدًا هامسًا: "اتفضل اقعد." أراد استفزازه، فضحك ضياء وهو يغمز له: "بتنافسني بردوا يا كنان؟ بعدين الأخ النباتي هيفطر إزاي معانا هااا ولا إيه بقى؟ بس تستاهل." أجابه في نظرة مخيفة بعض الشئ: "وبعدين بقى." قبل أن يكمل جملته، بدأت كيان في رص الصحون على الطاولة. بينما كان كنان يختلس النظر إليها وضياء يطلق صفيرًا عاليًا لإعجابه بالطعام. وما أن انتهت، فهمت بالمغادرة.
فأوقفها ضياء: "مش هتفطري معانا؟ همت بالرفض. فوقف ضياء يسحب لها المقعد وهو ينحني بحركة مسرحية قائلاً: "الشيف العالمي، تسمحي تتكرمي وتفطري معانا؟ فابتسمت باستيحاء على حركاته، ثم جلست بتوتر وهي ترمقهم بخجل. وبدأت في الأكل مع مشاكسة ضياء. حتى قاطعه كنان وهو يضحك: "الأخ مصاحبش غيري أنا وواحد تاني، وده لأن محدش كان بيطيقه في المدرسة عشان سوء سلوكه." برقت عين ضياء وهو يسعل بالطعام: "ايه يا راجل، سوء سلوكه دي؟
تفهم هي إيه دلوقتي؟ ثم أكمل وهو ينظر لها: "يا ستي والله هو سوء تفاهم." "بعدين كنت طفل." "طب قول كده إيه سوء الفهم؟ تمتمت كيان في هدوء متسائلة: "لأ أنا لازم أعرف." أجابها كنان ساخرًا: "البيه معتقش ميس محبهاش، لا ومش بس كده ده يروح البيت ويصر على الجواز منها. وبعد ما يزعقوا في البيت، يروح يطلب من الميس إنهم يهربوا سوا ويتجوزوا." لم تتمالك نفسها وقهقت عاليًا ثم هتفت من بين ضحكاتها:
"ده انت كنت خطر على المدرسات بقى. بس متخيلة وانت طفل قمر بعينين خضر وشعر أصفر، أكيد الميسات كانوا بيضعفوا." اتسع بؤبؤ عين كنان. تعاكس رجلًا آخر أمامه، وحتى وإن كان زواجهم صوريًا، فلا يحق لها. كاد أن ينفجر بها، ولكنه ظل يراقبها بنظرات نارية. فانتبهت إلى نظراته فشعرت بالتوتر. وسريعًا أشاحت بوجهها بعيدًا عنه. بينما هو تمتم بنبرة آمرة موجهًا حديثه لضياء: "مش خلاص يا ضياء، فطرت يلا انزل وأنا هحصّلك." "اتفضل."
رمقه ضياء بغيظ ثم نهض واقفًا يوليه ظهره صوب الباب. أما هو، فحدجها بنظرات حادة لا تعلم سببه. ولكنها أصابتها بحزن، فشعرت بوخزات الدموع في مقلتيها. فتحركت بهدوء إلى غرفتها. كان ينظر لها ساخطًا وهي تتحرك: "قمر.. أبجورة أنا في وسطكم." *** في نفس اليوم عصراً. ولج ضياء للمكتبة فطالع فتاة تشتري كتابًا. فوقف يطالعها بتمعن ثم همس: "لأ الفنش مش حلو." قطبت الفتاة حاجبيها باستغراب. وبينما بيلا لا تقل دهشة عنها، ثم أردفت الفتاة:
"نعم؟! أخرج كارت من جيب بنطاله وهو يبتسم: "ضياء دكتور تجميل. ومعاك في الكارت مكان المركز. هيفتتح قريب." أومأت بالإيجاب وهي تلتقط الكارت منه. ثم تحدثت والتوا فكها نحو اليسار قليلاً نتيجة عملية التجميل: "اتشرفت، ميرسي أوي." ثم توجهت للخارج. ومازالت بيلا تنظر له بدهشة. فقهقه عاليًا: "شوفتي الفينش بايظ إزاي؟ توسعت عيناها وهي تقول: "اللي عملته ده بجد؟ غمز لها بطرف عيناه ثم أردف:
"لأ أنا في الدعاية معنديش ياما ارحميني. بس فعلًا الفينش بايظ. شفتي بؤها مخاصم وشها إزاي؟ ضحكت ثم هزت رأسها بيأس وأردفت بجدية: "ده اسمه تنمر على فكرة." أمسك الكتاب الذي أمامه يقلب صفحاته. ثم نظر لها وتحدث بجدية: "أولًا الواحد مش بيتنمر على حاجة خلقة ربنا. دي هي اللي مجتهدة في النفخ بدرجة بشعة. ثانيًا بقى أنا اسمي نمورة من كتر التنمر." شعرت بضيق من طريقته لذلك فضلت إخفاء أمر إعاقتها. ثم حولت مجرى الحديث قائلة:
"طب خلينا في النوع اللي ممكن تحب تقرأه إيه؟ ميولك يعني إيه؟ أجابها سريعًا وبتلقائية: "انحراااف." حملقت به بنظرات مندهشة حتى هتفت بغيظ: "نعم؟! أدرك زلة لسانه ثم أجابها بكل ثبات وقوة: "انحراف النفس والسلوك. كتب بتتكلم عن علم النفس. إيه؟ مفيش هنا؟ عضت على شفتيها ثم أشارت للرف خلفه قائلة: "في الرف ده هتلاقي طلبك." تنفس بعمق وهو يراقب شفتيها: "هما طعمهم إيه بقى؟ أجابته ببلاهة: "هما إيه؟ حك مؤخرة رأسه قائلاً:
"الكتب.. يعني القراءة بيقولوا ليها مذاق خاص." "هو انت هتختار الكتاب بناءً على إيه؟ لأ بلاش تقرأ أحسن." أجابته بنفاذ صبر، بينما هو وجدها فرصة: "أنا بقول كده عايز وقت عشان حوار القراءة ده شكله هيتعبني. ما تيجي نتغدى بره." *** "هو بابا هنا؟ تلك الجملة ردّفها طاهر فور دخوله المنزل وهو يشيح وجه بعيدًا عن والدته. لتُثغِر ثغر كرم ثم أجابه ببرود: "ايه؟ مفيش السلام عليكم؟ تؤ تؤ أخلاقك اتغيرت." ثم مال على والدته
وهو يتلاعب بحاجبيه لطاهر: "لأ عندك حق، طريقته مش عجباني اليومين دول." ضربت والدته صدرها برعب وهي تُتمتم بحزن: "كده يا طاهر توجع قلب أمك؟ شدّ على شعره من منبته ثم جذب أخيه يهمس في أذنيه: "هسيبلك أوضتي طول فترة الإجازة بتاعتك، تمام كده؟ وريحني من الحوار ده." ضاق كرم عينيه بلؤم قائلاً: "يابني أنا أخوك الكبير وكل اللي يهمني انت مش الأوضة." ثم استدار لوالدته يجلس بجوارها وهو يربت على كتفها بحنو:
"يا ست الكل، طاهر انتي عارفاه. معقولة تشكي فيه؟ بعدين طاهر مش بتاع الكلام ده. شاب رياضي وما شاء الله صحته زي الفل." تنهدت براحة وهي تطالع كرم: "بجد يعني اطمن يا كرم يا حبيبي." هز رأسه بالإيجاب وهو يطالع أخيه بنصف عين. طرق طاهر كفًا بالأخر ثم تحدث بنفاذ صبر: "فين بابا بقى؟ أجابته والدته مبتسمة: "جوه يا حبيبي، ادخل." هز رأسه بيأس من تقلبات والدته وتوجه لغرفة والده في صمت. ***
توزع نظراتها بالمكان بتوتر. حتى جاء النادل يضع صحون الطعام أمامها فطالته بملامح متجهمة. ثم انتظرت انصراف النادل وطالعت ضياء باستغراب: "هو انت متأكد إنك كنت عايش في دبي على طول؟ رفع حاجبيه بدهشة وهو يُردف: "متأكد، بس بنزل مصر عادي.. ولازم أجي أضرب طواجن من هنا وفتة وكوارع." أومأت ثم قالت وهي تطالع الطعام: "بس أنا مقدرش آكل الأكل ده، ماليش فيه." رمقها في تريث ثم تنهد قائلاً:
"أنا حابب نتعرف على بعض أكتر يعني كأصحاب. أنا أحاول أقرأ وانتي تحاولي تاكلي معايا، إيه رأيك؟ ابتسمت بنعومة حتى ظهرت غمازاتها قائلة: "طب أنا شايفه إن بلاها تقرأ وبلاها أنا آكل كده.. يمكن تظهر حاجات مشتركة بينا من غير ما نضغط على نفسنا." هز رأسه بتفهم ثم عقب على كلماتها بتنهيدة تعلن عن خضوعه التام لرأيها: "تمام كده، حلو أوي. اتفقنا." ***
يجلس في المكتب بنصف عقل، يحاول بكل طاقته يلملم شتات عقله وأن يصرف تفكيره عنها، لكن طيفها يلزمه. نظراتها المنكسرة، دموعها، شهقاتها، خجلها. عند هذا الحد تنهد بثقل. "تُرى كيف حالها؟ لا يعلم ماذا أصابه؟! إلا أن مجرد تذكرها يبذر كيانها. صعب ما نمر به هو ما يشغل بالنا وفكرنا ولا نعرف السبب. نهض واقفًا وهو يتجه للخارج. *** طرق على الباب ثم ولج للداخل وهو يبتسم. بينما رمقه والده بحنق وهو ممسك المسبحة بيده.
اقترب منه طاهر يجلس بهدوء: "مساء الخير يا بابا." ساد الصمت بينهم. ثم رمقه بضيق قائلاً: "مزعل أمك ليه يا طاهر؟ ليه مخليها قلقانة كده؟ زفر طاهر بضيق ثم حدثه بجدية: "أنا عايزك في موضوع مهم.. ممكن معلش تسيب الموضوع ده بعدين.. ده لو في موضوع." "هو فيه أهم منك يا طاهر؟ وبعدين معاك." رمقه طاهر بتمعن ثم حدثه بجدية: "فيه يا بابا، فيه حاجة كبيرة كمان." اعتدل والده في جلسته وحدثه بنبرة حازمة: "قول يا طاهر، فيه إيه وخلصني."
مد طاهر يده له بالعقود وهو يشير على خانة الاسم. توسعت عين والده بذهول وشرود أمامه. هو يطوي الورقة ليفكر من أين سيبدأ. فهو الآن وسط دوامات الماضي. تناول نفسًا طويلًا ثم أطلق زفير وهو يتحدث بأسى:
"عمك عاصم طول عمره عايز كل حاجة. اتجوز مرات عمك بس عشان مصالح الشغل. وهو اللي كان مخطط كده عشان أبوها وجدك الله يرحمه كانوا شركاء مع بعض. حب يبقى ليه النصيب الأكبر في التجارة. وهي زي ما انت عارف طريقتها صعبة مع الكل. أنا كنت مشفق عليه وأنا مش شايفه مبسوط في حياته، بس هو اللي اختار. لحد ما عمك ابتدا يتغير وبقى سعيد. قولت أكيد الدنيا اتصلحت. لحد ما في يوم جه لينا واحنا متجمعين أنا وعمتك وجدك ولقيناه داخل ووشه مش بيتفسر. سألناه مالك؟
قال إنه كان متجوز عرفي ومراته حامل. أول رد كان مني، ويشهد ربنا إنه يكتب عقد رسمي فورًا. عمتك الله يسامحها رفضت وقالت عايز تفضحنا وكبرت دماغ جدك. وعمك عشان مصالحه مع مراته سمع كلامها. رغم إن مراته عرفت وكانت أول مرة تتفق مع عمتك على رأي. حاولت كتير معاه بس زي ما هو الطمع ماليه. لحد بعد فترة جه والد البنت ديّة عند الشغل بتاعنا وعمل مشكلة عشان عمك رفض يسجل البنت. ساعتها قولتلوا إزاي وحاولت أتدخل. وجدك منعني. قولتلوا اكتبها باسمك وهاتها هربيها أنا وعمتك. للأسف طلعت ف دماغه وهو يعرف منين إنها بنته؟
هي دي واحدة أهلها جوزوها. يعني بيتجاروا ببنتهم. وللأسف عمك لقى حاجة يسكت بيها ضميره. حاولت أعرف أي تفصيل لكن محدش دلني للأسف. لما تعبت منهم ومن ظلمهم سافرت فترة بره حتى شغلي معاهم سبته. لحد ما جدك اتصل بيا وخلاني أرجع وقال إنهم رضوا البنت وسجلوها خلاص وأمها اتجوزت وأصرت تاخدها هي وعمتك. ساعتها ورتني شهادة ميلاد، أنا كان نفسي أشوفه بس قولت يكفي إنه اعترف بيها وهي أكيد من حق أمها. المهم شوفت أنت البنت ديّة اللي اسمها كيان؟
أغلق طاهر عيناه بحزن ثم أجابه: "شوفتها.. شوفتها.. ومن أول مرة لاحظت الشبه، بس طبعًا مركزتش. بس الاسم خلاني أتأكد." والده في حزن حقيقي قائلاً: "الدنيا صغيرة أوي.. أخلاقها إيه يا طاهر؟ تحولت ملامح طاهر من حزن لسخرية قائلاً: "أخلاقها؟!!! إحنا كمان هنحاسبها بأي حق؟ إحنا نعرف هي اتربت إزاي ولا مع مين؟ ورغم كده شكل والدتها ربتها كويس ومتخلتش عنها زي عمي." تنهد والده وهو يرمقه بجدية وخوف:
"اسمع، أنا مش عايز حد يعرف حاجة عن الموضوع ده وتخليها تحت عينك. لو كان زمان جدك وعمتك مقبلوش بيها، دلوقتي موجودة. الألعن منهم مرات عمك استحالة ترضى بيها تدخل حياتنا كده بسهولة." احتقن وجهه بدماء وحسم أمره بنبرة غاضبة وانفعال: "دي بنت عمي ومحدش يقدر يأذيها ومش هاسمح لحد يقرب منها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!