تجمدت ملامحها فور رؤيتها الضابط لتصيبها مشاعر الرعب والفزع ومازال جسدها ينتفض ودموعها تنساب على وجنتيها. فاقترب منها الضابط يسحبها من ذراعها فانتفضت برعب جلي. اما هو وقف أمام الضابط قائلًا: -انت ماسكها كده ليه؟ حدجه الضابط بنظرات غاضبة ثم أجابه مستهزئًا: -وانت بقى ضارب إيه وقلبك ميت كده؟ سحبها كنان من يدها خلف ظهره قائلًا: -ما تلمسهاش دي مراتي، إحنا هنيجي معاك من غير ما تقرر.
رمقه الضابط بنظرات متشدقة ثم أردف بانفعال وهو يلكزه بكتفه نحو الصندوق الخلفي لسيارة الشرطة قائلًا: -اركب اركب، كلهم بيقولوا كده. انفلتت شهقة منها فالتفت لها يضغط على كفها وسحبها خلفه ليساعدها على الصعود. جلست بجواره ومازالت ترتجف. ربت بكفه على كفها فسحبت يديها سريعًا منه تنكمش على نفسها. تنهد بضيق ثم سأل المجند الذي يجلس أمامه على وجهتهم لأي قسم، فاخرج هاتفه يرسل رسالة لضياء.
وهو يطالعها، وقفت السيارة، ترجلت منها ورفضت قدمها الحركة وظلت تحدق في المبنى وهي تهز رأسها. ثم رفعت نظرها إليه فحثها بنظراته على السير. دخلت وهي تتجول بنظارها في المكان، وكل ذكريات المحاكم تقف أمامها. نعم، كانت صغيرة لكن هناك بعض المواقف محفورة في ذاكرتها. وروحها... لرجل يصرخ بها وبوالدتها إنها ليست ابنته.
كان يطالعها وهو يعي ما يدور في خلجات نفسها من صراع. هو لا يعلم كيف ضمها، لكن ما يعلمه أن كل خلية داخله نخت أمام ضعفها وما عاشته. ما آلمه أكثر أن والده مساهم في حزنها حتى لو دون قصد. ثوانٍ وكان يقف أمام الضابط في مركز الشرطة الذي هتف بتهكم وهو يطالع دموعها قائلًا: -بتعيطي دلوقتي، لكن تتحضني في الشارع عادي. أجفلت نظرها أرضًا لا تقوى على النظر إليه. لم تجد الكلمات التي من الممكن أن تبرر بها.
اما هو استفزته الموقف كله فتحدث قائلًا: -أنا دكتور كنان وهي مراتي، لسه متجوزين جديد عشان كده مش معايا ما يثبت، لكن صديق ليا هيجيب القسيمة حالًا. ثانيًا ماكنش في عمل فاضح ولا حاجة، وده حتى يقولوه للظابط. كل الحكاية هي عندها مشكلة عائلية وكانت منهارة زي دلوقتي وأنا كنت بحاول أهديها. أثناء الحديث طرق الباب ودخل العسكري وأدى التحية قائلًا: -في محامي بره تبع كنان يا أفندم ومعاه واحد صاحبه. أومأ الضابط بالإيجاب مردفًا:
-دخلهم، خلينا نشوف آخرتها. تقدم المحامي بعملية وهو يقدم وثيقة زواجهم. طالعها الضابط باقتناع فطلب بإخلاء سبيله بضامن. حيث لا يوجد معه ما يثبت شخصيته، وبدأت الإجراءات. فطلب من ضياء التوجه بإثبات شخصيته لضمانه، فهز رأسه بالنفى: -أنا مش معايا البطاقة، بس معايا الباسبور. جز كنان بـأسنانه على شفتيه السفلى وهو يهمس: -يابن ***، جاي تضمني من غير البطاقة؟ رمقه ضياء بطرف عيناه وهو يتحاشى النظر إليه ويعلم أن صديقه سيفتك به.
حاول المحامي إنهاء الإجراءات سريعًا والحصول على إذن إطلاق سراحهم. ثم انصرف المحامي وتركهم ثلاثتهم. وقفوا ثلاثتهم بالقرب من سيارة ضياء. فكان كنان يتأفف ويمسح على وجهه بزفير حار قائلًا: -أقولك في القسم جاي بالباسبور؟ انت فاكر نفسك رايح بورتو السخنة؟ أجابه بتذمر مصطنع وهو يغمز له: -وأنا أعرف منين إنك ممسوك آداب؟ قولت هات محامي والقسيمة واتصرف، إيش عرفني بقى، بعدين يا جدع مش عارف تستنى لما تروح البيت.
رفعت عيناها وطالعتهم بدموع سابحة من مغزى كلامها. أشار لها كنان بركوب السيارة وتابعها بنظره حتى وصلت. كانت ساكنة كالأموات. التفت له كالبركان الثائر: -تصدق بالله أنا لو قتلتك قدام القسم هاخد مكافأة إني خلصت البشرية منك. ابتسم وهو يتحدث بخبث: -هما اللي نيتهم وحشة. إيه وضع مخل اللي كتبوها في المحضر دي؟ النية في ذمة الله. هزمر كنان ثم قال بحدة: -ضياء ولا كلمة تاني، وقدامي على العربية.
امتثلت لأوامره واستقلت السيارة من الخلف. بعد مرور عدة دقائق كان ضياء يجلس خلف عجلة القيادة وبجواره كنان، أما هي فتثبت نظرها على الطريق وداخلها يرتجف بشدة. تشعر بدقات قلبها تكاد تصم أذنيها من فرط الخوف. التوتر قاطع صمتهم ضياء قائلًا وهو ينظر في المرآة: -آسف بقى يا كيان لو أنا عازول بينكم. صرخ به كنان بحدة جعلت الدماء تفر منه قائلًا: -ضياء على جنب، وقف العربية. قطب ضياء حاجبيه باستغراب قائلًا: -في إيه؟
خضتني، كنا هنعمل حادثة يا جدع. أجابه بحزم: -انزلي من العربية، مش هتكمل معانا. رفع حاجبيه بصدمة قائلًا: -على فكرة دي عربيتي. -انزل ياضياء وانجز. ترجل ضياء من سيارته وهو يتمتم بحنق ونزل أيضًا. وقف معه أمام السيارة فتحدث كنان: -انتي مافيش دم عازول إيه وزفت إيه؟ -اومال إيه طاااه ده في عز النهار؟ صر كنان أسنانه: -هات المفاتيح وهبعتلك العنوان تجيب العربية بتاعتي. ثغر فمه بتهكم قائلًا: -نعم؟ انت عايز تسيبني هنا؟
انت بتتلكك عشان تستفرد بيها؟ لا انت حالتك صعبة. تجاهل حديثه حتى لا يفتك به وركب السيارة واندفع بها يسابق الرياح. بينما وقف ضياء وفغر فاه وعيناه من الصدمة ثم صاح به: -كنان يالمتحرش.. يالمقفوش.. انت هتسيبني على الطريق يالمقفوش؟ أخيرًا ترجل كنان من سيارته وهي أيضًا سبقته بخطواتها إلى الداخل. وقفت أمام المصعد تضغط بيديها المرتعشة على لوحة الأرقام. فرفع عيناه هو للشاشة المضاءة أعلاه. وجده يهبط.
ثوانٍ وولجت وهو خلفها ومازالت الدموع تغرق عيناها. تنهد بثقل، انفتح باب المصعد فاندفعت صوب الباب تحاول الفتح بمفاتيحها لكنها سقطت منها أرضًا. فانحنى يلتقطهم من على الأرض وفتح هو. تعثرت بخطواتها نحو غرفتها. فتنهد بضيق وهو يغلق الباب ثم نزع سترته يُلقيها على الأريكة. ولج طاهر إلى غرفته فوجد شقيقه الأكبر يجلس فوق الفراش ويفتح الحاسوب الخاص به. فجلس على حافة الفراش وبدأ في خلع حذائه متمتمًا بضجر:
-حمدلله على السلامة ياسيدي، ممكن أفهم حضرتك قاعد في أوضتي ليه؟ وفاتح اللاب بتاعي ليه؟ كرم بكل برود دون أن يلتفت إليه أجابه: -أول ما رجعت من السفر أمك لقتها داخلة عليا وملامحها تخض. ولما سألتها مالك؟ قالتلي إنها شاكة فيك تكون بتعمل حاجة كده ولا كده وعايزاني أطمن عليك قبل ما تبلغ أبوك. أصلي البت هاجر رعبتها. أخذ نفسًا عميقًا يحاول تهدئة نفسه قائلًا:
-هاجر هاجر هاجر، سيب يا كرم اللاب واطلع بره وخلي أمك تبلغ أبوك وأنا هتصرف. والله هجيب أجل الزفتة دي. رفع كرم إحدى حاجبيه قائلًا: -خد بالك صوتك العالي ده هيضعف موقفك. بعدين أنا مش عايز أصدمك، ماما قررت إني هنام جنبك هنا على السرير فخليك لطيف. انفعل وسحب منه الحاسوب بعنف وهو يتمتم بغضب. بينما ابتسم كرم ببرود قائلًا: -شكل كلام هاجر صح؟ لا أنا قاعدلك هنا نربيك من الأول بقى ونشوف وراك إيه؟
-كررررم متهزرش اطلع بره أنا مش بحب حد معايا. تمدد كرم على الفراش ثم انقلب على جانبه وهو يسحب الغطاء مردفًا: -ولا أنا يابني، بس لازم نطمن قلب ماما. دي ناقص تقول إنك بتجيب نسوان في الشقة. فرك وجهه بإرهاق ويلعن هاجر في سره. فهي منذ أن سكنت معهم في البيت هي ووالدها بعد وفاة والدتها، وهي أوشكت أن تفقد عقله.
هناك أحداث بحياتنا تقلبها رأسًا على عقب لم نكن نتخيلها يومًا. يمر الوقت وترى أمامك الحقيقة كاملة. فلا يستطيع غصن ضعيف الصمود أمام الرياح العاتية، لينهزم أمام كل محاولات الصمود، خائر القوى. يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بتوتر وغضب بالغ. ماذا يحدث له؟ لا يفهم. هو قلق بشأنها. لكن كلما لاحت أمامه عقله كلامها. طفلة بريئة تتعرض للعنف والقسوة والتحرش أيضًا.
أصبح كالبركان. فأي إنسان تجرد من إنسانيته يرفض أبوة طفلة. هو يعلم جيدًا أنها ابنته. ليتركها تعاني نتيجة رغبة رغبته ونزوته. صدره يعلو ويهبط بعنف كأنه للتو خرج من سباق ماراثون. حاول أن يغمض عينيه لبرهة ويتوجه نحو غرفتها ليطمئن عليها. قطع الردهة ووقف أمام باب غرفتها: -امممم كيان ممكن تفتحي؟ لم يجد أي استجابة منها فاعاد الطرق ثانيةٍ: -لو سمحتي افتحي.
مرت دقائق قليلة وسمع صوت مقبض يفتح. فراجع خطوة للخلف وهو يثبت نظره على الباب. فطالعها وعيناها منتفخة أثر البكاء. فتحدثا معا في وقت واحد: -أنا آسف. -أنا آسفة. تريث لبرهة ثم عقب على جملتها بنفي: -انتي معملتيش حاجة عشان تعتذري أصلاً. لوت شفتيها بابتسامة منكسرة ثم همست: -كنت عايز حاجة. بتخبط ليه؟ عايزة أنام؟ نظر لها في شفقة وحزن ثم حاول تغيير مجرى الحديث: -عايزة تنامي؟ انتِ مش جعانة؟ أنا ما أكلتش حاجة من الصبح.
رفعت عيناها إليه ثم قالت بمزيد من الانكسار: -ماليش نفس. تنهد بثقل وهو يشعر بالإخفاق والفشل التام. برغم محاولته البائسة لكنه لم ييأس. فقال وهو يضع يده على معدته: -أنا قولت نتعشى مع بعض. أطرقت رأسها وهي تجيبه: -ماليش في الخضار أوووي. قاطعها بابتسامة وهو يمازحها: -مش شرط خضار، أي حاجة المهم نأكل. رفعت رأسها في دهشة وتبدلت ملامح الحزن وهي ترمقه غير مصدقة: -بجد!! ابتسم نصف ابتسامة وهو يرمق تغير حالتها قائلًا بمكر:
-لو مش هتعرفي أو مش هتقدرى أطلب من بره. اتسعت ابتسامتها وهي تتجاوزه نحو المطبخ قائلة: -هو الأكل يكون جاهز؟ هتبطل فيچترين دية خالص. بص هتدوق وتحكم بنفسك. سار خلفها للمطبخ وجلس في المقعد أمامها وهو يرمقها تعمل بابتسامة واسعة. كان يعلم أن هذا هو الحل الوحيد للخروج من حالتها، فهذا ما استنتجه خلال الأسابيع الماضية. بدأت روائح الطعام تداعب أنفه فأغمض عينيه بضيق. لكن سرعان ما فرق جفنيه حتى لا تلاحظ.
بعد مرور ساعة وهي تعمل كانت تبتسم له ابتسامات خافتة وكل تركيزها على الطعام. وضعت أمامه عدة صحون وهي ترمقه بابتسامة قائلة: -اتفضل. يارب يعجبك وتغير رأيك. رمق الطعام ثم رمقها هي متسائلًا: -هو أنا هاكل لوحدي؟ -أنا ماليش نفس. قالت جملتها وتحولت حالتها ثانية. أبعد هو الطعام بيده قائلًا: -لو مش هتاكلي معايا بلاها. ارتسمت بسمة بسيطة على ثغرها قائلة: -لا هاكل خلاص.
أحس بداخله بشعور جديد، غريب، قوي يغزو كل خلية في جسده لمجرد أنه نجح في ابتسامتها. وما إن شرع في الأكل احتلت الصدمة ملامحه. ثم أكمل يتذوق بقية الطعام وهو يتلذذ مصدرًا أصوات عالية وأكمل الطعام بنهم. أما هي كانت تطالع تعبيرات وجهه والأصوات التي يصدرها. لا تنكر أن طريقته جعلتها تفرح من قلبها. انتهى من الطعام وهو يستند بمرفقيه على رخامة المطبخ يتنفس بصعوبة. ثم رفع رأسه مردفًا: -ده انتي عالمية.. إيه ده؟
أنا عمري ما تخيلت أكل الكميات دي؟ لا وفى نص الليل كدة. شابوووو ليكي. لا تعلم لما احمرت وجنتيها خجلًا من مدحه لطعامها وكأنه يمدحها هي. فنهضت تلملم الصحون. ففاجأها قائلًا: -خربوش قهوة بقى من إيديكي. توسعت عيناها بذهول وهي تتردد بابتسامة: -انت بتقول خربوش؟ -الحقيني بيه بليز. هزت رأسها بسعادة وهي تتجه للموقد لصنع القهوة. في صباح اليوم التالي.
تأوه طاهر عاليًا فرق جفنيه بصعوبة محاولًا أن يرى ما يحدث. وقبل أن يرفع رأسه كانت لكمة أخرى في طريقها إليه. فانتفض من الوجع وهو يضرب كرم النائم بجواره كأنه في حلبة مصارعة. لكزه طاهر في كتفه: -انت يا بنى آدم انت نايم ولا بتصارع تيران؟ قوم من هنا. ركلة كرم بقدمه أدت إلى سقوطه أرضًا. بينما كان مدعيًا النعاس. فصاح طاهر وهو ينهض وينقض عليه قائلًا: -وربنا انت صاحي وشغال شغل غلاسة. قوم اطلع بره أوضتي.
اعتدل كرم من نومته قائلًا وهو يتلاعب بحاجبيه: -بعينك. عايزينى أروح أوضتي وتجيب نسوان وخمر هنا وتعمل ليالي حمرا؟ أبدااا البيت ده. طاهر ثم نهض يرقص على الفراش وهو يغني ويشاركه في الرقص والغناء طاهر: -يا أم المطاهر رش الملح خمس سبع مرات. توقف فجأة طاهر وهو يصيح بغضب: -بااااااس.. عايزين تجننوني؟ قال خمر ونسوان إيه؟ بدخلهم في جيب البنطلون. رفع كرم كتفيه بعدم اكتراث وهو يعود مرة أخرى للنوم قائلًا:
-أنا عارف. ابقى اسأل أمك أو اسأل هاجر، هي أدرى. على أسنانه وهو يقول بغيظ: -ده أنا هرش الملح في عين هاجر يكش تتعمى. وصل طاهر إلى الشركة وبداخله سعادة عارمة سيقابل تلك المشاكسة. توجه نحو مكتب بيلا مباشرة. طرق الباب ودخل يجلس أمامها في المقعد. تركت الحاسوب من يديها وابتسمت له: -صباح الخير. أجابته بابتسامة صادقة: -صباح النشاط. حك مؤخرة رأسه متسائلًا: -هو كيان مضت العقد خلاص؟ تنغصت ملامحها بألم ثم هزت رأسها بنفي:
-لا لسه. اتصلت امبارح بليل عشان تعتذر عن النهاردة. تمتم في سره بخفوت قائلًا: -طبعًا كفاية سيرة هاجر على الصبح تقفل اليوم. قررت حزم الأمر ففتحت الدرج والتقطت منه العقود ومدت يدها: -دية العقود يا طاهر خليها معاك وبكرة ابعتهالك توقعهم عندك. ابتسم بتوسع وهو يأخذهم منها. طالع العقود وهو يقرأ البنود حتى توسعت عيناه بذهول والصدمة حينما وقعت عيناه على اسمها وهو يردده: -كيان عاصم عز الكومي الجهيني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!