أعارها الأذن الصماء، كل ما يشغله باله تلك التي رحلت. كيف تفعل هذا؟ لمَ لم تطالب بحقها به؟ أليس هو زوجها؟ داخله يتألم، حتى أبسط حقوقه لا تعترف بها. لوحت بيسان بيدها أمامه قائلة: -كنان، أنت مش معايا خالص. أجابها بنبرة خشنة قائلاً: -أنتي إيه اللي جابك؟ ليه متصلتيش وقولتي إنك في القاهرة؟ لوت فمها ثم أجابته بضيق: -قولت الافتتاح قرب وأعملك مفاجأة، بس الظاهر معجبتكش. تنهد بضيق قائلاً:
-لا، بس أنا هنا قاعد لوحدي، وميصحش. ممكن تروحي ونقابل بكرة كده أحسن. اتسعت عيناها من أسلوبه الفظ على غير العادة، لكن صدقت كلامه قائلة: -شكلك متوتر عشان الافتتاح، نتقابل بكرة. باي يا كنان. طرق على الباب. نهض يهرول يفتح الباب. طالعة وجه ضياء بانتقاضة ضارية. كان يقبض على تلابيبه قائلاً: -أنت إزاي تدي لبيسان العنوان هنا؟ أنت بتستعبط يا ضياء؟ قصدك إيه بحركة زي دي؟ نفض ضياء يده عنه قائلاً: -في إيه؟ أنت اتجننت؟ بيسان إيه؟
أنا هكلمها ليه؟ مفيش غير إن أمي نهلة اللي كلمتني من يومين عشان أطمنها عليك. أنفاسه أصبحت ثقيلة، صدره يعلو ويهبط بعنف. وهو يلتف حول نفسه: -بيسان كانت هنا. أكيد أخدت العنوان من أمي. اتسعت عين ضياء بصدمة قائلاً: -بيسان كانت هنا؟ طب وكيان إيه اللي حصل؟ -كانت تحت بتجيب حاجات وطلعوا مع بعض في الأسانسير. وكيان أول ما شافتها ادتني الحاجات على أساس إنها تبع السوبر ماركت ومشيت. ولسه مرجعتش.
أشفق ضياء على صديقه والحالة التي بها قائلاً: -اتصل بيها طيب. أغمض كنان عيناه بقهر ثم حدثه بألم: -مش معايا للأسف، مش معايا رقمها. ثم تابع بلهفة: -ضياء، اتصل ببيلا هات الرقم منها. انقبض قلبه فوراً يشعر بنيران في صدره. فهو أيضاً يريد سماع صوتها، لكنها لا تجيب. أخرج هاتفه من جيب سترته وقام بالاتصال. يحاول مرة تلو الأخرى. فرك وجهه بيديه قائلاً: -أنا كمان تعبت، مش عارف مش بترد ليه عليا؟
طب كيان ممكن تكون راحت لحد من صحباتها؟ وضع وجهه بين راحتيه قائلاً: -مالهاش حد، متعرفش. حدثه بتنهد زائف: -روح أنت يا ضياء. ربت على كتفه قائلاً: -خليني معاك يا كنان لحد ما تطمن. -لا، امشِ أنت. *** تجلس هاجر على الفراش تنكمش في نفسها. جسدها كان يرتجف مع كل شهقة. تدلك بيدها يساراً أعلى القفص الصدري لعلها تخفف من وجع قلبها. لم تصدق رد فعله الصادم. ابتسمت بتهكم على نفسها، فهو لم يتقبلها أبداً.
ظلت محتضنة ذاتها. طرق الباب ثم دخلا والدها. حاولت تصنع الابتسامة. جلس والدها على حافة الفراش قائلاً: -بتعيطي ليه يا هاجر؟ هزت رأسها بالنفي قائلة: -لا يا حبيبي، أنا مش بعيط. تنهد والدها: -أنا وافقتك يا هاجر لما خالك جه عشان نرجع نعيش هنا، وإنك تبقي قريبة منهم. لما أمك ماتت عشان كلام عمك… لا يا هاجر عشانك أنتِ واللي في دماغك. بس لو هيجي عليكِ، لا يا بنتي. وأنا اللي هقفلك. أنا ميرضنيش وجعك ولا دموعك. قاطعته
مسرعة بثبات وقوة زائفة: -هو إيه اللي حصل لكلامك بس يا بابا؟ -أنا مش هستنى يحصل أكتر من كده. اسمعي، في عريس متقدم لك وأنا موافق. هيجي الأسبوع الجاي وتقعدي معانا نشوفه. وكفاية يا هاجر كده. قال والدها كلمته بحزم، بينما هي كانت تود أن تصرخ بأعلى صوتها من القهر. *** الساعة الثانية بعد منتصف الليل. مجرد فكرة أنها غائبة لمنتصف الليل لا يعلم عنها شيئاً جعلت النيران تشعل بصدره وتنهش قلبه.
سيل من المشاعر تجتاحه: غضب، خوف، قلق، ندم، عشق. يقطع البهو ذهاباً وإياباً. روحه تحترق بالجحيم من فرط قلقه عليها. سمع صوت سلسال المفتاح في الباب. اقترب منها بخطوات سريعة وهو يقبض على معصمها بقسوة قائلاً باضطراب: -كنتي فين كل ده؟ أنتي كويسة؟ في حاجة حصلتلك؟ بصعوبة ألجمت لسانها من سؤاله: لماذا لم تخبرني؟ لماذا؟ لماذا قلبها يتألم هكذا؟ تظاهرت بالبرود نافياً حزن ووجع عيناها: -كنت بتمشي شوية. إيه؟ في إيه؟
حالة من الهياج العصبي أصابته قائلاً: -تتمشي؟ الساعة بقت اتنين بعد نص الليل؟ كنتي بتتمشي فين لحد دلوقتي؟ ها؟ تجاوزته وهي تمر لغرفتها قائلة بنبرة ذات مغزى: -أنا مش بطالبك بأي مبررات، وأنت كمان لو سمحت تلتزم بكده. قبل أن يصل إليها، كانت تدلف إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها. ترتمي على الفراش. أنفاسها تختنق، الألم يعصف بصدرها. كم تألم قلبها في هذه الحياة. ظلت تؤنب نفسها قائلة: -أنتي مالك؟ خاطب ولا لأ؟
متنسيش نفسك. كل الحكاية اتعاطف معاكي. بلاش طمع. عايزة منه إيه؟ ها؟ يعترف مثلاً بجوازكم؟ مش لما يعترف أبوكي بيكي؟ أكملت بتضرع قائلة: -قلبي وجعني أوي يا رب. يا رب ارحمني. تعبت من كل حاجة يا رب. أنا كنت عايشة لوحدي وراضية. زاد من الطرق على الباب قائلاً: -افتحي يا كيان. هنتكلم. لما أجابته بصوت متحشرج أثر البكاء: -لو سمحت، عايزة أنام. ما إن وصلت نبرتها المتألمة الباكية، جن جنونه. يخبط على الباب قائلاً:
-افتحي، نتكلم. أفهمك كل حاجة. افتحي يا كيان. لم يصله أي استجابة منها أو رد. ظل يحطم كل شيء أمامه، حتى نفذت طاقته وسقط على الأريكة بارهاق. ثوان وكان يغرق في النوم. *** يستند على سيارته أمام الشركة ينتظرها، كي يعلم سبب تجاهله هكذا؟ ماذا فعل حتى أن اتصاله لم تجب عليه؟ اعتدل في وقفته عندما وجدها تصطف سيارته. ترجلت، وجدته أمامها يعقد ذراعيه أمام صدره متسائلاً: -ممكن أفهم ليه مش بتردي عليا؟ أنا حصل مني حاجة ضايقتك؟
في إيه يا بيلا؟ صوت دقات قلبها تصم الآذان. قدماها أصبحتا كهلام. حاولت الثبات مردفة: -ضياء عامل إيه؟ آسفة بس مضغوطين اليومين دول. غير أني مرهقة من السفر. علم أن جميعها حجج واهية. ابتسم بسخرية قائلاً: -وإيه كمان يا بيلا؟ فاكراني عيل صغير مش بفهم؟ ما تقولي إيه اللي حصل لكل ده. انطقي. نظرت حولها في المكان ثم أجابته: -أنا شايفة إنك محتاج تهدى. وعن إذنك، عندي شغل.
انصرفت من أمامه بقلب يئن من الوجع. بينما هو شعر بقهر رجولته. هل كانت تتسلى معه فقط؟ *** فرق جفنيه بصعوبة وهو يشعر بألم يفتك بجسده. وضع يده على رأسه يشعر بألم. اتسعت عيناه عندما وجد باب غرفتها مفتوحاً. انتفض يبحث عنها ولم يجدها في الشقة كلها. ارتدى ملابسه سريعاً وهبط يستقل سيارته. سمع رنين هاتفه لكنه تجاهله. صدح رنين الهاتف ثانية. أخرج من جيبه بغضب يجيب على الهاتف:
-أيوه يا ضياء. أنا رايح على الشغل بتاع كيان. تعالى على هناك. لا رجعت امبارح. سلام. أغلق هاتفه ووضعه في جيبه. تحرك بسيارته يسابق الريح، وكأن الأرض خلت من البشرية. بعد نصف ساعة، كان يقف أمام مكان عملها. صف سيارته وتوجه مباشرة إليها. شعرت بفزع حين رأته أمامها. عقب على فزعها بجملة واحدة: -يلا معايا لو مش عايزة شوشرة وقلق هنا. طالعته بعدم تصديق، فتابع بتحدي: -تحبي تجربى؟ بصمت كانت تسير خلفه حتى وقف ضياء أمامهما،
فقال كنان: -اركب يلا يا ضياء خلينا نمشي. بعد مرور وقت، تحدث ضياء وهو يخبط على تابلو العربية قائلاً بحدة مصحوبة بالألم: -مش فاهم ليه بتبعد؟ عملت إيه؟ أنا سألتها كتير مش بترد. بتحاول تتهرب مني وبس. لا تعلم لما شعرت أن السبب هو إعاقة بيلا، وأنه ليس لديه علم بها. وصل إلى مسكنهم وكان يصف سيارته. ترجلوا من السيارة. وقفت كيان تقول: -أنا عايزة أتكلم مع ضياء لوحدنا. -نعاااااام. هكذا كان رد كنان. بينما تدخل ضياء يهدأ الأجواء:
-عايزاكِ في إيه يا كيان؟ تحت أمرك. -لأ، لوحدنا. الموضوع يخص ضياء لوحده، وبالأخص بيلا. انقبض كنان على معصمها وبرزت عروقه: -عايزة إيه ها؟ آخرت اللي بتعمليه ده إيه ها؟ نزعت يديها منه بحدة. وقف ضياء أمامه قائلاً: -خمس دقايق بس. معلش عشاني أنا. انصرف بعد أن حدجها بنظرات نارية. التفت لها ضياء متسائلاً: -خييير يا كيان. مالها بيلا؟ فركت أصابعها بتوتر، تتمنى أن لا تكون مخطئة وتكون سبباً في إنقاذ علاقتهم. ابتلعت توترها تقول:
-أنا عارفة إني ماليش حق أتكلم في حاجة زي دي، بس مش عارفة ليه حاسة إنها السبب. اتسعت عيناه بتلهف مردفاً: -قولى يا كيان بسرعة. تحمحمت ثم قالت بصوت مهزوز: -إعاقة بيلا. -إعاقة!!! اتسع فاه وعيناه معاً. عن أي إعاقة تتحدث؟ فهو لم يرَ في جمالها. فسألها مستفسراً: -إعاقة إيه؟ تنهدت وهي تقول: -بيلا مركبة طرف صناعي لأن عندها بتر في الساق. لا يزال تحت تأثير الصدمة. كانت على حق. هو لا يعلم. قررت أن تتركه يستوعب الفكرة وتصعد:
-عن إذنك. *** ما زال الباب مفتوحاً. يقف في انتظارها. ولجت من الباب، تغلق الباب خلفها. انتفض وهو يقبض على معصمها بشدة نابعة من روحه المحترقة. سحبها خلفه حتى وقف في البهو وعيناه مثل اللهب. ألقاها بنظرة مستفهمة حادة: -ممكن أفهم إيه اللي حصل ده؟ إزاي تقولي أنا وضياء لوحدنا ها؟ جف حلقها ثم أجابته: -فيها إيه يعني؟ اقترب منها ويده تحاوط خصرها والأخرى تفك حجابها قائلاً بنبرة عاشق متملك:
-فيها إنك مراتي وملكي أنا لوحدي. كياني، أنتِ. حجابك ده المفروض ميتلبسش قدامي أنا جوزك. مصدومة من سيل اعترافاته. يكاد يخرج قلبها من مرقده. ثبت نظره على شفتيها الخوخيتين اللتين حلم بتذوقهما. وفي ثانية، كان ينقض عليهما بقبلة عميقة بربرية يروي ظمأه ويثبت ملكيته لها. والغريب أنها كانت مستسلمة لهجومه. مد يده خلف رأسها يثبتها.
طرق على الباب بعنف جعلها تنتفض بين يديه وتحاول الهرب منه. ابتعد عنها بصعوبة وما زال الطرق مستمراً، بينما هي فرت بالهرب إلى غرفتها. وقفت في الزاوية تنتحب، لا تصدق كيف استسلمت له؟ كيف ضعفت هكذا؟ هو لديه خطيبة. كيف كانت ستعيد ماضي والدتها؟ قدماها كهلام. سقطت أرضاً تضم ركبتها إلى صدرها وظلت تهز رأسها بهستيريا. كيف قلبها عشقه؟ ظلت تفرك شفتيها بعنف حتى كادت أن تدميها قائلة: -الحب ده مش مكتوب على اللي زيك.
بينما عند كنان، ما أن فتح الباب، جمدت الصدمة حواسه ونطق أخيراً: -ماما؟!!!! لكزته بكتفه وهي تتجاوزه للداخل. تجوب بعينيها تبحث عنها حتى طالعت باب الغرفة الموصودة. هرول يلحقها حتى دون أن يغلق الباب: -أه ماما يا كنان! ولا كنت فاكر مش هاعرف أجي وأعرف أخبارك أنت والهانم اللي شاقطها؟ أمسكها كنان برفق من ذراعها قائلاً: -ماما اسمعيني. خليني أوضحلك كل حاجة.
نفضت يده بحدة واندفعت تفتح الباب ولم يستطع اللحاق بها. وما أن فتحت الباب، وجده متكومة على نفسها. انخلع قلبه. جثا على ركبته أمامها يمسح دموعها قائلاً: -كيان مالك؟ إيه اللي حصل؟ هدرت به والدته قائلة: -بلا مالها بلا نيلة. بقى عشان عماراتهم اتهدت اللي أبوك كان شريك فيها، تقوم تتجوزها؟ طب عوضها فلوس ومش جواز. أنا ابني يتجوز واحدة مالهاش أصل؟ مشكوك في نسبها؟ قاطعها كنان بحدة صارخاً: -مااااااااما كفاياااااا.
حاول أن يمسك وجه كيان إلا أنها انتفضت واقفة تمتم: -تعويض العمارة اللي تهدت؟ آآآآه. -كيان اهدى. أنا كنت ناوي أفهمك كل حاجة. أجابته والدته بحدة: -تفهمها إيه ولا إيه؟ طلقها. مش ابني اللي يتجوز واحدة مالهاش أهل. جاء صوت من خلف يعنفها: -مين دية اللي مالهاش أهل؟ كيان عاصم الكومي عز الجهيني؟ بنت أكبر تاجر دهب في الصاغة؟ وأنا ابن عمها طاهر حسين الكومي عز الجهيني. اتسعت عين كنان قائلاً: -أنت إزاي دخلت؟ وإزاي ابن عمها؟
طالعة من أدناه لأعلاه: -الباب كان مفتوح. وعرفت من فترة من اسمها في العقد واتأكدت من كده. يلا كيان تعالي معايا. وقف كنان أمامها وتحولت عيناه للاحمر القاني قائلاً: -كيان مراتي مش هتخرج من هنا. سحبته والدته وهي تهتف بحدة: -مرات مين؟ أنت اتجننت؟ ابتسم طاهر بتهكم: -شاطر. اسمع كلام مامى. ثم انتهز طاهر فرصة انشغالهم وسحب كيان التي ما زالت تحت الصدمة، فقط تتحرك عيناها. وقف كنان أمامه قائلاً: -مش هتخرج من هنا. * * * قال.
بدون مقدمات، كان طاهر يلكمه في وجهه، فاختل توازنه ووقع أرضاً، ثم نهض يصرخ: -كيان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!