كانت تجلس شاحبة الملامح تحت السلم. ارتفع حاجبها بترقب وهو يقف أمامها. رمقته بنظرة واحدة كدليل على عدم أهمية وجوده. فهي ضائعة بين افتراضيات تعلم أنها ستعيشها. أغمضت عينيها الحارقتين من شدة التفكير. بينما هو رفع حاجبه مستنكرًا رد فعلها، فتابع: -انت مش سمعتيني؟! وبعدين إيه اللي مقعدك هنا؟ نظرت نحو الأرض ثم أجابته بحزن يخيم عليها: -أنا ما أخدتش حاجة من فوق وكل حاجة زي ما هي. دلوقتي عايز إيه؟
وتغلغلت الدموع داخل عينيها ولم يكن لديها القدرة الكافية على إجابته ولا حتى النظر في وجهه. فهي في نظره سارقة. تمتمات صغيرة خرجت منه تنهي النقاش: -الدنيا ليل، خوفت أمشي دلوقتي، مستنية الصبح يطلع وأمشي. حاول التحدث معها بلطف: -طب ممكن نطلع فوق نتكلم؟ -لأ طبعًا مش هطلع معاك الشقة، أنت فاكرني إيه؟ هزت رأسها ثم أجابته بم يشبه الانفعال، تأفف بضجر قائلاً: -طب ممكن تقومي نروح مكان عام نتكلم فيه، مش هنتكلم في بير السلم كده.
أنهى كلماته تاركًا إياها لتفكر. ثوانٍ قليلة وهزت رأسها بالإيجاب. ربما يكون آخر قشة نجاة. -إيه رأيك في العرض اللي عرضته؟ تلك الجملة التي نطقها كنّان. ارتفع حاجبيها بسخط، لكنها هدأت نفسها عن التلفظ بأي كلمة خاطئة، وردت باستنكار: -حضرتك تعرفني عشان تطلب تتجوزني؟ بلاش كده، المفروض إنك جيت ولقيتني واخدة شقتك ولا تكون فاكرني واحدة رخيصة بقى. بعدين أنت تعرف إيه عني؟ تابع محاولاً إقناعها بدون الكشف عن نواياه:
-ولا ده ولا ده، الحكاية كلها إني محتاج الشقة كام أسبوع، وأنتي صعبانة عليا، هتروحي فين؟ ومينفعش تقعدي معايا من غير مسمى. وبعدين مش أنتي قولتي للناس كلها إنك مراتي، فين المشكلة؟ والأهم من كل ده إني هكتب الشقة باسمك مع ورقة طلاقك. ولو على اللي معرفوش عنك، عرفيني أنتِ. رمشت عدة مرات وبدأت تهز ساقيها بتوتر قائلة: -مفيش حاجة عني ممكن تعرفها أصلًا. بعدين أنت مستفاد إيه من ده كله؟ نظراته كانت تقتحم أسوارها وهو
يجيبها بنبرة صوته الخشن: -ولا حاجة، بس في حاجة اسمها ضميري. ساعدك بس مش أكتر. بلاش نظراتك دي، لو عايز حاجة غلط ما كنتش قلت اتجوزك. لو موافقة هنكتب الكتاب بكرة وعند مأذون عشان تبقي مطمنة. لم يكن طلبه منطقيًا أو يدل على شخص سوي، لكنها ليس لديها رفاهية الرفض. أين ستذهب؟ أو بالأحرى ستذهب لمن؟
فهي تتعامل طيلة حياتها كأنها ستلوث من حولها. الخيبة ظهرت بائنة على وجهها. كل ما تشعر به الحيرة والخوف من العواقب، لكنها كانت وستظل أقوى من أي عقبة في طريقها. ردت بثبات دون أن يطرف لها رمش: -أنا موافقة، بس أمضي عقد الشقة مع عقد الجواز. رجع جسده على المقعد وهو يجيبها بارتياح: -ديل.
في اليوم التالي. كانت تجلس على المقعد وسط مشيخة الأزهر وأمامها المنضدة، وفي الجهة المقابلة يجلس المأذون يقوم بتدوين البيانات. أخذت كيان شهيقًا لتمد رئتيها بالأكسجين، أكسجين لا ترغب به ولا بالحياة. حياة تمدها بندبة جديدة في قلبها. رفعت عينيها للجهة الأخرى برهبة وخوف حيث كان يقف هو مع شخص آخر. لكنها ليس لديها خيار آخر. ربما تكون الحياة عقدت معها هدنة. على الجانب الآخر، حدّق ضياء بنظرات ذهول قائلاً بدهشة: -أنت بتهزر صح؟
طب ما تكتب الشقة ليها من غير جواز، أنت تعرفها؟ طب فين أهلها دي؟ التوت شفتيه وتأفف قائلاً: -مش غريبة إني أكتب الشقة ليها وأمشي، ما كده هي هتعرف إن وراها سبب. ولو حاولت تدور كده أبقى ورطت بابا أكتر. ادعيلي ألقى المقاول ده، أنجز وهات بطاقتك. طرق ضياء رأسه بخزي: -معايا الباسبور، ينفع أصلًا كلمتني ونزلت بسرعة. جزّ كنّان على أسنانه قائلاً باستهزاء: -لا الباسبور ده خليه ابقى… صمت للحظة ثم قال وهو يغمز له: -اتجوز بيه أنت.
توجه كنّان ليجلس على مقعده بكل هدوء بملامح غامضة. بينما هي تحدقه بنظرات ريبة شديدة والإرتباك جلي على ملامحها. تحدث كنّان بنبرة رجولية: -كل حاجة تمام يا حضرة الشيخ. هز رأسه بابتسامة هادئة: -تمام بإذن الله. بعد فترة قصيرة، أنهى المأذون إجراءات الزواج وأصبحا زوج وزوجة رسميًا. كان ضياء يراقب الموقف ببلاهة. صديق عمره تزوج في لمح البصر. فتحمحم قائلاً: -في مناسبة زي دي أنا المفروض أحضنك ولا أواسيك ولا أوبخك؟
تلوى كنّان حاجبه الأيسر قائلاً بتحذير: -تسكت خالص فاهم؟ تلوى ثغره بسخرية وتوجه نحو كيان ليمد يده بسلام قائلاً: -مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا. امتقع وجهها ثم نظرت ليده الممدودة ونظرت له قائلة ببرود: -أنا أعرفك إيه؟ عشم ابن خالتي ده… أنا مابسلمش على حد. سريعًا التقط ضياء يد كنّان ليبارك له لحفظ ماء الوجه وهو يهمس بجانب أذنه: -ما شاء الله، مش بس حرامية لا وكمان لسانها طويل. طلقها وانفد بجلدك أحسن.
ولجوا لداخل الشقة وهي تقبض على حقيبة يدها بقوة، فهي بداخلها نجاتها. عقدين سيحددان مصير حياتها. عقد قرانها وعقد الشقة، أمانها وسندها في الحياة. لكن هل هو حبل نجاة أم دوامة أخرى طاحنة ستواجهها بمفردها؟ ازدردت ريقها واستدارت له تهتف بنبرة تحمل التهديد والتحذير كي تخفي خوفها: -بص بقى، أما أقولك. الجواز ده تحت ظروف معينة والشقة بقت باسمي يعني هتقعد هنا بشروطي. وأوعى تفكر إني هخدمك أه، أو أصرف عليك كمان. أصلًا مش مرتحالك.
اقترب منها كنّان بخطوات بطيئة ثم مال عليها متسائلاً بخفوت مرعب: -انتي اتجننتي؟ انتي بتكلميني كده إزاي؟ أوعى نبرة صوتك تعلى تاني. مين اللي يرتاح لمين ده؟ أنتِ هجامة. رجفة بسيطة سرت بداخلها ثم استعادت ثباتها الزائف وهي تضيق عينيها متسائلة: -إلا بالحق، أنت شغال إيه؟ ضيق كنّان ما بين حاجبيه قائلاً باستنكار: -إلا بالحق؟ إيه اللغة دي؟ أنا دكتور تجميل… جراحة تجميل. تشدقت كيان بغطرسة قائلة: -دكتور نفخ يعني إيه التناكة دي؟
سقطت كلماتها عليه كصاعقة من السماء، فوقف كصنم في مكانه فاغر فمه وعيناه يحاول استيعاب الكلمة: -عيدى تاني، قولتي إيه؟ أنا دكتور إيه؟ أجابته بكل بساطة وهي ترى تحوله: -دكتور نفخ، معروفة. اقترب منها يجذبها من معصمها يهمس من بين أسنانه بنبرة تحذير وتهديد:
-اسمعي بقى أما أقولك، مش معنى إني سكت على السرقة إنك تتمادي. كلها كام يوم هخلص وأمشي. بالنسبة لحوار الجواز ده، بس عشان يبقى في مسمى لقعدتنا هنا مع بعض، مش عشان لسانك الطويل، فاهمة؟ مش عايز دوشة. ترك معصمها ثم توجه صوب غرفته وأخذ معه حقيبته، وأغلق الباب بعنف في وجهها. انتفض جسدها على إثر الخبطة ثم رفعت وجهها للأعلى تهمس بتضرع:
-يارب أنا خايفة ومش عارفة اللي عملته صح ولا غلط، بس مش عايزة أترمى في الشارع يارب. ماليش غيرك. ثم استرسلت: -ربنا يستر من دكتور النفخ ده. على صعيد آخر… سارت تنظر حولها بانبهار. منظر الأشجار والنافورة والمياه وهدوء المكان يبعث في نفسها الراحة والطمأنينينة. ثم استدارت للذي يقف خلفها تهتف بحماس: -المكان هنا روعة أوي يا طاهر، تحفة خالص. هو ده مكان المكتبة خلاص؟
وكمان الافتتاح هيبقى هنا. أنا عايزة شغل دعاية جامد والحفلة كلها مسؤوليتك. أجابها بابتسامة واسعة: -بس كده، أوي أوي. بس الست بيلا تؤمر واحنا ننفذ. الحفلة كلها تجهيزات أكل شرب ديزاينر، كله عليا. تمتمت تؤكد على كلامه، لكن كان هناك اعتراض بسيط: -ميرسي أوي يا طاهر، تعبتك معايا وعارفة إن في حاجات مش تخصصك وأنت عملتها عشاني. بس بلاش الأكل ده، أنا أعرف بنوتة من فترة وهي شاطرة أوي وهخليها تتولى موضوع الأكل.
ابتسم لها بحنو ثم قال: -متأكدة؟ أنا هتفق مع أكبر شيفات المطاعم، حاجة تليق بيكي. -البنت دي ممتازة، مش هتصدق إنها مش شيف في أكبر المطاعم. هتدوق وتحكم بنفسك في الاحتفال. أجابها في هدوء مشجع: -رغم إنك عارفة مبحبش حد يتدخل في شغلي، بس استمري أوي، ندوق ونحكم.
قضت ليلتها ولم يغمض لها جفن، راقدة على الفراش منكمشة على نفسها تنظر في اللاشيء. فهي دائمًا في مواجهة صريحة مع الحياة. حتى أنها من كثرة الصعاب فقدتها القدرة على التمسك بغريزة الحياة. ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة فهي تخشى عواقب فعلتها. وافقت على الزواج كطفل صغير يريد العبث بشعلة الشمعة المضيئة ولكنه لا يعي عواقب فعله. عواقب اللعب بنار. تشعر بالبؤس صبغ حياتها. نهضت جالسة على الفراش وهي تفرك وجهها بيدها عندما تسللت أشعة الشمس لغرفتها، فهي لم تستطع النوم مع شخص غريب داخل الشقة.
في صباح اليوم التالي، وقف هو أمام النافذة يتحدث بنبرة صوت منخفضة أشبه بالهمس قائلاً: -قولتلك يا ماما، أنا اللي في دماغي ده مش جنان. ده واحد ورط اسم أبويا ومش هسكت، حتى لو عرفنا ننوم الموضوع بردوا مش هسكت. ثم تنهد بثقل يهمس: -مش لازم تعرفي أنا في ناوي بخير. أرجوكي أنا مش عيل صغير. سلام. واستدار فخبط بها فتأوهت بخفوت وهي تعض على شفتيها باستيحاء. اقترب منها وهو يلقي نظرة متفحصة إلى منامتها وحجابها غير المنضبط،
فهتف بنبرة غليظة حادة: -انتي واقفة عندك ليه؟ انتي بتتجسسي عليا؟ أنا مش قولت متقربيش من ناحيتي تاني. هندمت من وضع حجابها سريعًا وهي تحاول أن تظهر بدور الفتاة القوية، فهتفت وهي مدعية البراءة: -أنا كنت معدية عادي من هنا، وبعدين أنت صوتك واطي ليه ها؟ جزّ على شفتيه وهمس من بين شفتيه: -معدية عادي منين؟ دي أوضتي، إزاي تدخلي كده؟ أجابته مستنكرة: -آه أوضتك، بس في شقتي. أنت نسيت؟
بعدين موطي صوتك كده وكلامك غريب، هو أنت عليك تار يا كابتن؟ توسعت عيناه بذهول وهو يشير بإصبعه لصدره هامسًا بشراسة: -أنا كابتتتن!!! تمتمت في برود مستفز قاصدة إثارة حنقه أكثر: -ده أنت كابتن وسيد الكباتن كلهم، مالك بس؟ -اطلعى بره… بره. قبل أن ينهي جملته، دق الجرس. فأولته ظهرها بكل غرور واندفعت صوب الباب وأدارت المقبض فطالعت وجه ضياء وهو يحمل باقة زهور، فامتعضت ملامحها وهي تهز رأسها متسائلة عن سبب وجوده. ففطن لسؤالها
ومد يده بباقة الزهور: -مبروك، أنا جاي أبارك. ولا أنا جيت في وقت مش مناسب؟ هو كنّان فين؟ مدت يديها تأخذ منه الباقة في استغراب شديد ووجه متجهم قائلة: -أنت عبيط؟ جاي تبارك على إيه؟ وامشي من هنا. ولو على صاحبك ابقى رنله ينزلك على القهوة. شعرت بخيال من خلفها وسمعته يغمغم بهدوء مخيف: -امشي ادخلي جوا حالاً. تجاوز ضياء كنّان وولج للداخل قائلاً: -عنوفة أوي المدام.
تجهمت ملامح وجهه ثم انقبضت وهي تعكس انقباض مخيف، ثم تمتم مزمجراً: -مدام إيه بس؟ قهقه بنبرة ماكرة وهو يغمز له بطرف عيناه قائلاً بنبرة ذات مغزى: -إيه ده؟ أنت بتعاني من مشاكل ولا حاجة؟ قول، إحنا ستر وغطا على بعض. صاح كنّان بغضب هادر: -ضييياء مش فايقلك على الصبح. رفع ضياء يديه عاليًا علامة الاستسلام وهو يكتم ضحكته. في الظهيرة، في مكتب بيلا تجلس وأمامها كيان تسجل كل ملحوظة باهتمام جلي حتى انتهت ورفعت رأسها
إليها بابتسامة واسعة: -ميرسي أوي لاختياري ليكي وثقتك فيا يا أنسة بيلا. ابتسمت بيلا بهدوء: -أولاً بيلا بس.. ثانيًا وده الأهم، أنا مش بجاملك في الشغل. أنتي بجد أكلك روعة ومتأكدة إنك هتشرفيني قدام المدعوين. المكتبة دي حلم عمري يا كيان. المهم الديزاينر بتاع الحفلة جاي عشان تظبطوا مع بعض. نهضت كيان بابتسامة صافية قائلة: -إن شاء الله أكيد.. بس ممكن الديزاينر أقابله يوم تاني، عندي محاضرة وضروري أحضرها.
أومأت بيلا برأسها بهدوء بينما اندفعت كيان مسرعة وأولته ظهرها وخرجت من المكتب. سارت في الردهة مندفعة حتى اصطدمت بصدر عريض فارتبكت، معتذرة وحاولت أن تتجاوزه فوجدته يعترض طريقها ويقف أمامها وعيناه مثبتة على وجهها قائلاً: -طاهر حسين، وحضرتك؟ رفعت إصبعها السبابة في وجهه محذرة: -امممم.. طريقة جديدة للشقط.. ابعد عن وشي بالطريقة الرخيصة دي. وهمت بالرحيل ثم اعترض طريقها مجددًا:
-مش بعاكس على فكرة، انتي متأكدة إننا مانعرفش بعض قبل كده؟ تأففت بضجر وانطلقت في طريقها بينما هو ظل يحدق بها وهو يهمس: -الشبه الجامد ده حقيقي، يخلق من الشبه أربعين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!