"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" هكذا أنهى المأذون عبارته ليصبحا أمام الجميع زوجين. نظر "فريد" إليها وحدقتاه تتعلقان بها بحب. فور انتهاء المأذون من زواجهما، صفق الجميع وتهافتت المباركات لهم. حتى أنه اقترب منها، أحاط خصرها بذراعيه بتمّلك وهمس بجانب أذنيها بشغف واشتياق: "أخيرًا بقيتي حلالي." رمقته بخجل من نظرات الجميع صوبها وهي تحاول الابتعاد قليلاً كي تلتقط أنفاسها التي بدأت تتصارع بطريقة أدهشته.
ليبتعد قليلاً مبتسمًا بخبث وهو يقول: "كل ده حصلك من جملتي؟! أومال هتعملي إيه لما يتقفل علينا باب واحد و... "اسكت أنت، مبتتكسفش! الناس بتبص علينا يا فريد." "هاتكسف من إيه؟! أنا مبعملش حاجة غلط يا حبيبتي، أنتي بقيتي مراتي ودي ليلتنا." قالها بهيام، يقترب ثانيةً حتى دفعته بيديها الصغيرتين. ثم حمحمت بخجل تردف: "مراتك في البيت مش هنا يا فريد، متكسفنيش أكتر من كده لأني بجد حاسة قلبي هيوقف."
"بعد الشر عليكي، أوعي تقولي كده تاني أنتي سامعة! قالها بغضب، ثم جذب يديها بين يديه بقوة وأكمل: "من هنا ورايح مش عاوز أسمع منك الكلام الخايب ده، أنتي طول عمرك مسؤوليتي ودلوقتي بشكل رسمي بقيتي ملكي وحتة مني. آيه، أنا فضلت لسنين منتظر اليوم ده ييجي والحمد لله حقق لي أمنيتي إنك تبقي ليا وتكوني بتحبيني زي ما حبيتك، فمش هسمح لا في يوم زي ده ولا بعدين كلام منك يزعلني. مهمتي إني أبسطك وتفضلي عايشة في سعادة طول ما أنا جنبك."
"ربنا يخليك ليا يا فريد، أنا محظوظة بيك أوي وأتمنى تكون المشاكل بعدت عننا خلاص. بقيت خايفة في أي وقت حاجة تحصل لك أنت وبابا وتبعدوا عني، مش قادرة أتخيل حياتي من غيركم." "من هنا ورايح مفيش غير الهنا، طول ما انتي معايا مش هسمح لحاجة تأذيكي." "يا حبيبي أنا مش خايفة على نفسي قد ما خايفة عليكم، انتوا في أماكن حساسة وخطر أوي يا فريد ومعرضين في أي وقت للاغتيال. هعمل إيه أنا لو حصل لأي حد فيكم حاجة؟
"بصي، إحنا آه مكانتنا حساسة بس ده ميخوفكيش. وبعدين تعالي هنا، أنتي المفروض تشجعينا على اللي بنعمله، هتبدأي من دلوقتي يا ست آيه؟! "غصب عني والله." "طيب تعالي نرقص ولا نعمل أي حاجة، مش المفروض إن النهارده فرحنا برضه؟! ابتسمت هي بسعادة ليقابله هو مبتسمًا. ولكن قبل أن يذهب بها، أوقفته بيدها وهي تقول: "فريد، ممكن توعدني إنك مهما حصل متقساش عليا تاني حتى لو بتقسي عليا لسبب، ابقي قولهولي ومتسبنيش لدماغي تودي وتروح."
"أوعدك يا آيه هانم إني عمري ما هزعلك حتى لو بالغلط." قالها، ثم طبع قبلة أعلى يدها. لتردف هي في حرج: "وكمان أنسى آيه هانم دي تاني و... "إيه تاني؟ عايزة تقولي إيه؟ "مش هتيجي في يوم تاخدني بذنب عليا بسبب وشي؟ أوعدني أنك هتفضل شايفني آيه بوش آيه الحقيقي اللي حبيتها." "والله على حسب! قالها هو بخبث مراقبًا حالتها. "على حسب إيه إن شاء الله؟! "تلبي لي كل احتياجاتي بدون نقاش." تابعها بخبث أكبر مقتربًا منها.
انتابها الجزع حينما اختصر المسافة بينهما في لحظة، فارتجف جسدها بعنف وكأن هناك عاصفة عاتية هاجمتها فجأة. رفعت بصرها بترقب حينما وجدته على مقربة منها، غير آبهٍ لوجود الجميع، يقول: "بحبك." تزاحمت المفردات بعقله، ولم يجد ردًا أبلغ من قبلة عميقة فوق باطن كفها ودعوة للرقص على نغمات البيانو الذي يُعزف. نظرت هي بتعجب إلى من يعزف وهي تقول: "مش معقول، هو بيعرف يعزف؟! بدأت بالرقص معه وهي في عالم آخر خاص بهما.
وهناك "ماهر" الذي كان يعزف بطريقة أثارت إعجاب الجميع وانبهارهم، ومن بينهم "ريم" التي كانت تراقبه باكتراث طوال الوقت. حتى أنها كانت تبعد عيناها كلما وجدته ينظر صوبها. بينما هو كان يعزف بأوتار قلبه الذي كاد أن يخرج من مكانه لمجرد رؤيتها له، فما كان له إلا أن ينهي هذا سريعًا كي لا يُكشف. انتهى من فقرته التي وعد بها "فريد"، ثم بدأ يرتشف المياه وقلبه ينبض بشدة. اقتربت "آيه" برفقة فريد وهي تقول:
"بجد عزفك كان مميز جدًا يا ماهر بيه، مكنتش أتوقع حد بالإحساس ده، شكل حضرتك دارس." "الحمد لله أنه عجبكم، أنا من زمان معزفتش ولا إيدي خطت على آلة موسيقية، بس فريد طلب مني ده ودي كانت أقل حاجة أقدمها لكم في يوم زي ده. ألف مبروك ليكم، ربنا يسعدكم." "الله يبارك فيك وعقبال حضرتك يا رب قريبًا، وحقيقي شكرًا." قالتها "آيه" ثم اتجهت إلى "شهد". بينما "فريد" يقف بخبث وهو يراقب حالة ماهر، يردف: "فيك إيه؟
قولي، مالك مش على بعضك كده؟! "أبدًا مفيش، بس اتوترت شوية، خفت لأحسن أكون نسيت العزف." قالها "ماهر" ثم بدأ يرتشف المياه ثانيةً. حتى أتى شخص وبدأ بالمباركة وأنهى مباركته وهو ينظر صوب تلك الطاولة التي كانت تجلس بها ريم وشهد، يقول: "بقولك يا فريد بيه، هي البنت اللي على الترابيزة اللي هناك دي متعرفش هي مرتبطة ولا إيه؟ نظر "فريد" إلى تلك الطاولة ثم رد: "أنهي واحدة فيهم؟ "اللي لابسة أبيض."
وفور انتهاء جملته، قست ملامح "ماهر" وبدا طيف الغضب يتضح من عينيه وهو ينظر إلى ملاكه كما وصفها. ليجدها تجلس بتوتر وتتفادى توترها من وجودها بهذا المكان وهي تحمل هاتفها تنظر به. ليرد "فريد" بذلك الوقت بعدم تأكيد: "على ما أظن لأ، إيديها مفهاش حاجة. إيه، ناوي تتقدم ولا إيه؟! أنهى "فريد" جملته بضحك وجانبه من يستشيط ولا أحد يدري لذلك. ليرد ذاك الشخص: "بصراحة عجبتني وشايفها مناسبة. باقي خطوة بقى إني أتقدم."
"ربنا يعمل لك اللي فيه الخير يا مازن." أردف بها "فريد" ثم لمح "ماهر" الذي كان ينظر إلى الجانب الآخر وعيناه كانت تظهر شرارة غريبة. يحمل كأس المياه بين يده بطريقة أثارت ريبة وشك فريد، الذي أخذ يقول: "مالك في إيه يا ماهر، أنت فيك حاجة قولي بقى." وعلى الجهة الأخرى، كانت تجلس "آيه" رفقتهم وهي تقول: "مبسوطة إني عرفتك يا ريم، فرصة سعيدة." "أنا أكتر يا حبيبتي، وألف مبروك عليكي، ربنا يهنيكم."
"تسلمي يا حبيبتي، عقبالك انتي وشهد يا رب." ابتسمت لها ثم استأذنت وخرجت إلى جنينة القصر تتجول بها بعدما شعرت بالإحراج في الداخل. ثم بدأت تتفحص هاتفها. وبالداخل رد "ماهر" بجمود كعادته: "هيكون فيا إيه يا فريد! بقولك إيه، اهتم بضيوفك، أنا خارج شوية وراجع." خرج "ماهر" وسط حيرة فريد الذي بدأ يفكر في أمره. وعندما خرج بدأ يتجول هو الآخر بتلك الجنينة حتى وقع بصره عليها وهي تهاتف أحد. ظل مكانه شاردًا يتأملها في سكون حتى فاق
عندما صدع صوتها وهي تقول: "الو.. الو... قالتها ثم زفرت بقوة وقلبها بدأ بالاضطراب والخوف. كادت أن تتجه إلى الداخل كي تخبر "شهد" بشأن ما حدث، لكن توقفت عندما وجدته يقترب منها بتعجب وقلق يسألها وأعينه وحواسه جميعها معلقة بحركاتها وإيماءتها: "خير، فيه حاجة حصلت؟! "لا.. لأ، مفيش." قالتها بتوتر وتعجب من سؤاله واهتمامه الملحوظ هذه الفترة. ثم ترجلت بقدميها لتستوقفها جملته التي لم يشعر بها: "مفيش!
أنتي مش شايفة وشك مخطوف إزاي؟! "يعني وهو المفروض حتى لو فيه حاجة أقول لحضرتك؟! قالتها بتعجب وإبهام من نظراته. ليرد هو بالمقابل: "آسف طبعًا على التدخل، بس حسيت إني محتاج أعرف لو فيه مشكلة ولا حاجة." أنهى جملته، ثم وقعت عيناه على نفس ذاك الشخص الثقيل الذي رآه بالداخل، لينظر إلى ريم بشك التي كانت تنظر في نفس الجهة، وهو يقول بغيرة قاتلة: "أنتي تعرفيه؟ "هو مين؟ "اللي باصة عليه." قالها والغيرة تلتهمه، حتى
أنها هتفت بغضب من جملته: "أنا مش باصة على حد حضرتك، وبعدين هو إيه شغل التحقيقات ده؟! التحقيقات دي تعملها مع المجرمين اللي بيتعرضوا عندك مش عليا، ممكن؟ "ممكن توطي صوتك! "وأوطي ليه بعد كلامك ده؟! أنا مش فاهمة إيه مشكلتك معايا! "ولا أي حاجة. إن شاء الله تبصي على مليون زيه وأنا إيه هيفرق لي." قالها "ماهر" باشتعال وغيظ. بينما هي لم تستطع الثبات أكثر من ذلك، حتى أنها ولجت إلى الداخل في حالة غريبة جعلت "شهد" تنتفض
من مكانها بصدمة وهي تقول: "مالك، فيه إيه؟! قصت لها "ريم" بدايةً من ذلك الاتصال إلى ما دار بينها وبين ماهر، ثم انتهت بقول: "لازم نمشي دلوقتي يا شهد، ولو أنتي مش عاوزة تمشي تمام، هتصل بخالد ييجي ياخدني، مش هقدر أقعد أكتر من كده." "طيب اهدي، أنا همشي، استني أستأذن منهم وراجعة." استوقفها "رجائي" يقول: "إيه، على فين؟! "رجائي، أنا وريم لازم نمشي دلوقتي لأن أخوها تعب، فمعلش هسبقكك أنا." "لأ، استني، أنا جاي معاكم."
أومأت له ثم خرجت معه وريم خلفهم بعدما استأذنوا. فاتجهوا إلى سيارته، وكان جانبهم "ماهر" الذي كان يستند أعلى سيارته بشرود عاشق. إلى أن فاق عندما ردف "رجائي": "إيه يا ماهر، أنت كمان سايب فريد لوحده جوه ليه؟! انتبه "ماهر" لوجودهم ليعتدل، ثم بدأ بالاقتراب وعيناه تجول فوقها باتهام: "أبدًا، قولت أشم هوا شوية. أنت رايح فين كده؟ "هسيبكم أنا لأن فيه ظروف خارج إرادتي لازم أرجع." نظر "ماهر" إليهم بترقب وعدم فهم، يردف:
"ظروف إيه، خير؟ "ممكن يلا علشان بس الوقت! قالتها "ريم" بضيق من وجوده، ثم حاولت فتح باب السيارة لكنها فشلت. ليرد "رجائي" بتوضيح: "أخو ريم الصغير تعبان وفي المستشفى، فهنمشي إحنا دلوقتي." صُدم "ماهر" ثم نظر إليها بتعجب وكاد أن يردف، لكن أوقفته "شهد" وقتها وهي تقول: "معلش يا ماهر، هنمشي إحنا علشان مفيش وقت." "طيب، استنوا، أجي معاكم." "مفيش داعي يا ماهر، خليك جنب فريد أنت كفاية أنا."
قالها "رجائي" مربتًا أعلى يده، ثم دلف سيارته وهم معه، يراقبها ماهر بتعجب من جمودها معه بالحديث وعدم سبب إخباره بذلك. *** تمر الأيام والخوف لا يمر، ويمضي الوقت وما زال كل منهما يخفي مشاعره داخل سريرته المشعثة. هو يستصعب البوح بمكونات قلبه، وتخاف هي أن يكون حضوره مجرد خيال كالذي تعيشه في أحلامها المظلمة. وظنت أن ما تتمناه مستحيل، وهو أقرب إليها من شريان الوتين.
وخلال تلك الفترة لم يتمكن "ماهر" من التقرب منها منذ آخر مرة. نهضت من سريرها بضيق وهي تعنف ذاتها، تنظر إلى مرآتها وهي تقول: "بفكر فيه أنا دلوقتي ليه؟! ليه بقى شاغل بالي الفترة دي ومش قادرة أطلعه من دمااااغي! زفرت بقوة ثم توضأت وبدأت بالصلاة. وبعدها شرعت في تبديل ثيابها بأخرى كي تذهب إلى الجامعة اليوم. وبعدما انتهت، نظرت لذاتها برضا لأول مرة. تلاحظ كم هي جميلة، بل زادها ذلك فخرًا على غير العادة.
وبدأت بوضع بعض مساحيق التجميل التي لم تتطلع إليها يومًا. فلا تعلم كيف تغيرت ولِما هذا التغير ولأجل من. كل هذه التساؤلات شكلت حيرة غريبة فوق رأسها. وبعدما انتهت، خرجت وبدأت تتناول بعض المعجنات مع كأسًا من النسكافيه سريعًا وهي تقول لأمها التي كانت تفطر: "ماما سوسن، عاملة إيه دلوقتي يا ماما؟ "دي زعلانة منك أوي يا ريم إنك مش بتسألي."
"مانتي عارفة ي ماما أن اليومين اللي فاتوا كانوا عاملين إزاي، وإن شاء الله لما أرجع هطلعلها، بس هي أكتر حد محتاجاه دلوقتي شهد يا ماما، ياريت تحاولي معاها تاني ترجع بقى. ماما سوسن متستاهلش كل ده." "والله عندك حق يا ريم، دي وشها بقى قد اللقمة من الزعل. وشهد برضه زودتها عليها، مكنش ينفع تبعد عنها طول الفترة دي برضه." "تعرفي يا ماما إني أكتر حد حاسس بماما سوسن!
زعلانة عليها أوي. هي يمكن آه غلطت، بس مش هي لوحدها، بابا عطوه كمان غلط خالص وهو السبب في إن كل ده يحصل." "هنعرف إيه بقي، اللي حصل حصل، المهم إنهم يرجعوا زي الأول. أنا هروحلها النهارده أحاول أقنعها، وانتي يا بنتي لما ترجعي من جامعتك اطلعيلها فوق وخففي عنها." "حاضر يا ماما، يلا باي دلوقتي." *** صوت ضجيج داهم المكان. هل هو صوت حقيقي؟ أم أن هذا ضجيج رأسها؟
ذلك الضجيج الذي يرفض به عقلها بأن يعود إلى الواقع ويستقبل الحقيقة ويعيش عذابها. يريد أن يبقى هكذا، لا يريد أن يعود إلى الواقع المرير الذي طالما كان قاسي لا يرحم أحد. ذلك الواقع المؤلم الذي تُرغم بأن تعيش آلامه وتتذوق مرارة اللاذع. تتصارع معه لتبقى. تسمع صوته بجانبها، تشعر به وبصوته الذي يكرر اسمها مرارًا وتكرارًا. نظرت صوبها لتجده ينظر إليها بتعجب من حالتها وهو يقترب، يجلس جانبها يردف: "ليه عاملة في نفسك كل ده؟!
"يعني أنت مش شايف اللي بيجرالي؟! ليه بيحصل معايا كده!! لييه كل المشاكل المعقدة اللي ظهرت في حياتي فجأة دي! حياتي كلها اتبدلت بعد ما سبتني وروحت يا سمير، ليه سبتني أنت كمان؟! "أنا سبتك، لكن معاكي دايماً يا شهد. متعمليش في نفسك كده، وبعدين مانتي غلطتي وغلطتي كتير يا حبيبتي، إيه مش هتسامحي أمك اللي كدبت عليكي علشان مصلحتك؟! "أيوه بس... "بس إيه يا شهد!
أنتي مش فاكرة كام مرة كدبتي فيها ومشيتي ورا زياد وكدبتي عليا أنا كمان!! هتقولي لي كدبك كان مبرر وأنك عملتي كده علشان خاطر أهلك، أمك كذلك عملت كده علشان خاطرك وعلشان شكلك، ليه بتعاقبيها وبتعاقبي نفسك بالشكل ده؟! "مش قادرة يا سمير، مش قادرة أشوفها. كل ما افتكر اللي قالته غصب عني بكره المكان ده ومش عاوزة أعيش فيه تاني."
"لازم تنسي علشان تكملي حياتك، خلاص كل المشاكل اتحلت. الشاطر اللي يقوم ويقدر يتعافى ويكمل حياته بشكل طبيعي." "ليه مشيت! أنا محتاجالك أوي." "كان لازم أمشي، أنا في مكان أحسن دلوقتي وكل اللي يهمني سعادتك. عيشي حياتك وحبي واتحبي." "مهقدرش أحب حد غيرك، مش قادرة أنساك." "إن شاء الله نتقابل في الجنة، يمكن كان وجودنا مع بعض هيسبب مشاكل. ربنا مش بيجيب حاجة وحشة، ملناش نصيب يا حبيبتي دلوقتي." "بس أنا برضه مش هنسالك وهفضل أحبك."
أنهت جملتها، ثم وجدته يتبخر كالابخره. أخذت تبكي بحرقة وهي تغمض عينيها تضم ساقيها نحوها، إلى أن أتاها صوته الرخيم يقول: "كفاية عياط ممكن." رفعت بصرها نحو صوته لتجده ناحية الباب، لتزيل دموعها بوهن، ثم اردفت: "أهلاً يا رجائي، إزيك." تقدم بضع خطوات ثم عقد حاجبيه ووضع يديه خلف ظهره يقول بثبات: "ممكن أفهم العياط ده هيفيدك بإيه؟! "تقدر تقول بيريحني شوية." قالتها وهي تعتدل في جلستها أمامه. ليرد هو بخبث:
"طيب حيث كده لو بيريحك عيطي علطول بقى." ابتسمت رغم ما كانت عليه، ليقابله هو بوجه مبتسم يردف: "طيب عندي لك خبر هيبسطك أوي." رمقته بتعجب، ليُكمل: "بنك الاستثمار العربي كان طالب حديثي التخرج، وقدمت لك وجالك القبول النهارده يا باشمحاسبة." "أنا هبقى محاسبة! أنت بتهزر؟! "شفتي الدنيا، شهد العواطلية اللي من ساعة ما شفتها وهي جايبة المشاكل هتبقى محاسبة قد الدنيا." "أنا عواطلية يا رجائي!!
طيب أخرج بقى، مش عاوزة شغل ولا حاجة منك، مش عاوزة حاجة من حد." قالتها بغضب وهي تنظر إلى الجانب الآخر، لتجد يده تعدل وجهها مقابله، يردف: "أنا بهزر معاكي مش أكتر، بحاول أخرجك من اللي انتي فيه. وبعدين هما هيلاقوا أحسن منك فين؟ هتبقي أشطر حد، أنا واثق فيكي." "بالظبط، هيلاقوا أحسن من بنتنا فين تشتغل عندهم!! قالتها "ميسون" متجهة إليهم تحمل بيديها صينية بها الإفطار من أجلها، لتضعها جانبها وهي تحتضنها بقول:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا كبير أوي وأكيد مش هيسيبك، ويمكن الوظيفة دي اللي تنسيكي اللي حصلك وتبقى وش السعد عليكي." بادلتها "شهد" العناق وعينيها مصوبة تجاه "رجائي" الذي كان يتابعها بسعادة لأجل تلك الفرحة التي رآها بعينيها بسببه. همست هي من بين شفتيها إليه: "شكرًا." *** وعلى الجانب الآخر بشركة شادي، قد وصل الفريق منذ ثلاثة أسابيع إلى الشركة بعدما انتهوا من مشروعهم ونجحوا فيه ببراعة.
كانت "مها" تتابع عملها بجد هي وبقية المهندسين ويترأسهم "أكرم" الذي كان يراقبها منذ الصباح بخبث وكأنه ينوي على شيء. رفعت بصرها لتجده محلقًا بها، حتى أنه لم ينتبه لهاتفه الذي يدق. وبعدها بثواني فاق وابتعد قليلاً ثم رد. وبعدما انتهى، وجدته يجلس جانب إحدى المهندسات ويضحك معها، مما جعل دمائها تغلي والغيرة تتملك منها. كورت قبضة يديها وبدأت تشعر بالغضب. نهضت بضيق متجهة كي تحضر كوبًا من القهوة لعلها تهدأ قليلاً.
جلبته وبدأت تجلس وعلى مضض انتبهت لعملها بإعجوبة رغم اختلاسها لبعض النظرات المصوبة لهم. لكن عزمت أن لا تريه كم هي تحبه أو تهتم لأجله. ودون شعور منها، سقطت دمعة من عينيها عندما وجدته يخرج علبة بها خاتم ويدقق بها. نظرت إليه بصدمة وهي تراه يتطلع إلى تلك الفتاة. لم تعلم كيف نهضت فجأة وبدأت بتعنيفه أمام الجميع دون وعي، صائحة: "أنت كدااااب ومُخادع! أنا ندمانة إني صدقتك وحبيت واحد زيك!
تطلع جميع من كان يجلس إليها بصدمة من تلك الحالة التي كانت بها. بينما هو ابتسم بخبث لنجاح خطته. وما زاد غضبها صمته الذي قتلها، حتى أنها كادت أن تذهب من أمامه لتكون قبضته هي العائق عندما جذبها وهو يقول: "رايحة فين؟! "سيبني، متلمسنيش تاني أنت فاهم." كان في هذه الأثناء شادي يقف من بعيد وجانبه يارا يتابعون ما يحدث بعدم فهم. "مانتي السبب، إيه عاوزه تتجاهليني أكتر من كده وأسكت؟! رمقته بعدم فهم، ليُكمل هو بتوضيح:
"كان لازم أعمل كده علشان تطلعي اللي جواكي ده وترجعي مها! أنتي بقالك أسبوع لا بتكلميني ولا بشوفك، كل ده ليه هاا؟! فاكرة إني ممكن اسمح لك إنك تبعدي تاني؟! لأ، أنتي غلطانة، أنا مش هبعد عنك لأني بحبك." توسعت عيناه بصدمة من ما تفوه به. لم تستوعب أو تصدق ما قاله. شعرت بأنها تحلم لا محالة. كادت أن تسقط من شدة صدمتها لتلتقطها يده يحاوط خصرها بخوف وهو يقول: "مش هسمح لك إنك توقعي حتى!
يمكن مش عارف قولتها إزاي، بس ده اللي حاسه ناحيتك من زمان وكنت بكذب نفسي، لكن مقدرتش أبعد عنك، مش قادر أشوفك بتبعدي وأسكت." "بتحبني أنا؟! قالتها وما زالت في حالة صدمة من ما تسمعه من ما كانت تدعو وتحلم منذ عدة سنوات بأن يكون من نصيبها. هل دعائها قد تحقق! "والخاتم ده علشانك أنتي، علشان اللي قلبي اختارها." أخرج ذاك الخاتم بحب ثم ألبسه إياه وسط تصفيق الجميع الحار.
نظرت هي إليه في يدها وإلى الجميع وعينيها قد بدأت تذرف الدموع، مما جعله يزيلها وهو يقول: "مش عاوز أشوف دموعك دي تاني، آسف على كل كلمة قلتها ضايقتك، من هنا ورايح مش عاوز أشوف غير ابتسامتك." عانقته بقوة وهي تلف يديها حول عنقه بسعادة لأول مرة تنتابها وقلبها الذي بدأ يعلو ويهبط أثر كلماته واعترافه. لهمس بالقرب من أذنيه بخجل أذابه عشقًا: "وأنا بحبك ومش عاوزة حاجة من الدنيا غيرك."
بينما "يارا" كانت تبتسم تلقائيًا من ما حدث وهي تتخيل ذاتها بذاك الموقف برفقته! بينما هو رغم إعجابه الواضح من ذاك المشهد إلا أنه أخفى ذلك سريعًا عندما ولج إلى مكتبه وتبعته "يارا" التي كانت تقول: "عالم بتفهم، شفت الحب، هو ده الحب الحقيقي." توقفت قدميه لينظر إليها يرفع حاجبيه يقول بتذمر: "عاوزة إيه أنتي دلوقتي؟! "هعوز إيه يعني! مش أنت اللي عاوزني وكنت باعت لي؟! قالتها بتوتر من نظراته وعينيه التي كانت تجول بها.
حتى أنه رد فجأة: "لبسك حلو أوي، اللهم بارك." "شكرًا." قالتها بتوتر ثم دلفت معه تجلس أمامه. ثم بدأ يشرح لها ما ستفعله الفترة القادمة، حتى أنها كانت تلف أحد خصلاتها، وتمسك قلم بيدها تضعه من حين لآخر في فمها. تلك ما تفعله على غير دراية جعله يتصبب عرقًا وبدأ بالتشويش. حتى أنه فجأة سحب يدها وهو يقول: "متعمليش كده تاني." "أنا عملت إيه؟! قالتها بصدمة من فعلته. لتجده يقترب بوجهه يهتف: "حركاتك دي بتوترني، كفاية." "بتوترك!
عاوزة أقولك أن القعدة معاك لوحدها توتر، ما بلاش تقولي هنا اللي عاوزه وتبعتيلي ع الواتساب أفضل؟! قالتها هي الأخرى بتوتر وهي تملص يدها من قبضته. لتجده ينهض يجلس قبالتها يردف: "ممكن أسألك سؤال؟! "أتفضل." قالتها بقله حيله. ليرد بالمقابل: "أنتي غيرتي طريقة لبسك ولا لبستي النهاردة بالغلط؟! "لأ، لبست بالغلط." قالتها بضيق، ثم زفرت بقوة وهي تنهض لتجد يده عائق عندما نهض هو الآخر يردف سريعًا:
"بتكلم بجد، وطبعًا دي حريتك في الأول والآخر، وأتمنى طبعًا تجاوبيني بدون زعل زي كل مرة." "يعني بدأت أحاول أغير بعض لبسي، ربنا يثبتني بس." قالتها وهي تعيد خصلاتها المتمرده إلى الخلف. لتجده يردف بهيام: "أنا معجب." "بمين؟! قالتها تبتلع لعابها في توتر وعينيه تجول بكل أنثى بها. ليهمس: "معجب باللي معجب بيه، إيه هتشاركيني؟! ابتسمت في خجلٍ ثم أفلتت يدها عنه تقول بتوتر:
"طيب أنا شايفة أن ممكن نتكلم ف البيت أفضل من هنا، ولا إيه رأيك؟! "أوي أوي، أنا تحت أمرك." قالها بولع لتذهب هي سريعًا من أمامه ثم خرجت وأغلقت خلفها. تستند أعلى الباب مغمضة العين وقلبها قد بدأ بالارتجاف وابتسامة هادئة زينت وجهها في هذا الوقت. *** في صباح يوم مشمس، مدت "آيه" ذراعيها تحاول الانفلات من بين ذراعي "فريد" المطوقة إياها بقوة. ثم تنهدت في راحة حين نجحت في الهروب دون إيقاظه.
فاليوم ليس مجرد يوم عطلة عادي، ولكنه يوم حماسي بالنسبة لها. استدارت تتأكد من أنه يغط في سبات عميق، ثم جذبت هاتفها وخرجت إلى الشرفة وأغلقتها خلفها. ثم هاتفت أحد ما وقالت: "تمام، كل حاجة تكون جاهزة على الساعة ٧، مش عاوزه غلط." أنهت معه ثم ولجت إلى الداخل لتجده ما زال يغفو. ابتسمت بحنان ثم اتجهت إلى الأسفل بعدما أخذت دش بارد وقامت هي بعمل الإفطار. وبعدما انتهت، جلبته. تقدم، يقف هو خلفها ويسير ورائها عندما
وجدها تنادي به باندهاش: "فريد! فريد، روحت فين؟! كادت أن تدلف إلى المرحاض لتجده يحاوطها من الخلف يُقبل عنقها وهو يقول: "صباح الخير يا حبيبتي." "صباح النور يا حبيبي، إيه، كنت ناوي تخضني صح؟! "بصراحة آه، بس مهنتش عليا." قالها بحبٍ يديرها مقابله متأملًا وجهها. ثم أضاف باشتياق: "وحشتيني." "وحشتك! ده على أساس إني كنت مسافرة ولا حاجة؟! "بتوحشيني وأنتي معايا! "طيب شكرًا يا سيدي، تعالي بقى، أنا عملت لك فطار بجد هيعجبك أوي."
قالتها بدلال متجهة أمام ما أحضرته بفخر وهي تقدم له ما صنعته لأجله. حتى أنها توقفت عن الإكمال عندما وجدته مساهيًا بها. صفقت كي ينتبه وهي تردف: "خليك معايا." "ماهي المشكلة إني معاكي." "فريد، ادخل خد دش سريع علشان تفوق كده ونفطر سوا." قالتها بقله حيله ثم جلست أعلى الفراش تتفحص هاتفها إلى أن يأتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!