لسه بتيجي هنا يا شهد، كل ما بتضيق بيكي الدنيا؟ قالها خالد، مُربتًا على يدها. لتنظر إليه وقد انفجرت في البكاء، تضع رأسها فوق صدره وهي تقول بلهجة مُثيرة للشفقة: أعمل إيه يا خالد، أنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته، مش قادرة أتخيل إن بعد العمر ده كله أطلع بنت حد تاني وعايشة مع واحدة خاينة!
أنا مقدّر اللي إنتي حاسة بيه يا شهد، بس صدقيني رغم الصدمة اللي اتصدمتها من الحج الله يرحمه لماما سوسن، لكن ده كله في كفة وأني اكتشفت إنك أختي ده في كفة لوحدها. أنتي مش متخيلة أنا حاسس بإيه دلوقتي، حاسس بشعور مُتناقض. كان نفسي يبقى عندي أخت بنت، كانت أمنيتي في الحياة وطلعتي إنتي الأمنية دي، وفي نفس الوقت مش قادر أستوعب ده. قالها خالد، مُحاوطًا رأسها بيديه بحنو بالغ بأعين مصدومة. وأيه الجديد يا خالد؟
ما إحنا طول عمرنا بنعتبر بعض أخوات، يعني مفيش جديد. لكن اللي جد اللي سمعناه. أنا حاسة إني بحلم، يا رب أقوم بسرعة، يا رب فوقني من الحلم البشع ده. اهدي يا شهد، كله بالهدوء. الحقيقة خلاص بقت أمر واقع، لازم نتجاوزها ونحاول نفهم أكتر عن الموضوع ده، عشان إنتي ترتاحي وأنا كذلك. أمي اللي مش عارف حالتها إيه دلوقتي بعد اللي سمعته.
أكيد زينا يعني، هتبقى حالتها إيه بعد العمر ده كله وتكتشف إنها عاشرت راجل خاين وواحدة مُخادعة وخطافة رجالة. قالتها، تبعد رأسها بتضجر، وبدأت بلملمة شعرها على هيئة كحكة عشوائية. ثم أزالت دموعها المُرتجفة وهي تقول بحزم لأمرها: أنا مكنش ينفع أرجع هنا تاني، تقريباً الحاجة الوحيدة اللي عملتها صح إنها بعدتني عن هنا. أنا مبقتش قادرة أكمل عيشة هنا. يعني إيه؟ تقصدي إيه بكلامك؟ قالها بخوفٍ من تفكيرها وما تُخطط له. لتجيبه
بثبات عكس ما يتأجج داخلها: يعني هرجع بيتي اللي عشت فيه حياتي كلها مع أبويا الحقيقي، خالد الجبالي. بس المرادي هقعد لوحدي ومش عايزة أشوفها مقربة مني ولو بالغلط. بس أنا مش هسيبك يا شهد تاني، مش هتخلى عنك أكتر من كده. إنتي لازم تكوني معانا، مقدرش أعيش من غيرك. قالها بلهجة قوية ضعيفة في آنٍ واحد. لترد هي مُتمثلة الثبات:
إنت لو بتحبني فعلاً هتسيبني أروح المكان اللي هرتاح فيه يا خالد، وللأسف عمري ما هقدر أرتاح هنا بعد اللي حصل. حتى لو قولتلك علشان خاطري؟ علشان خاطر أخوكي اللي اتحرم منك سنين؟ قالها، ولأول مرة تظهر الدموع في مقلتيه كما الأطفال. حتى أصدرت هي آنين كان ينهش بقلبها، ثم هتفت:
هنشوف بعض طول الوقت، عمري ما هبعد عنك. إنت الوحيد اللي ممكن أثق فيه بعد بابا خالد الله يرحمه. إنت ضهري وسندي يا خالد. يوم ما هعوزك هلا قيك في ضهري، بس ريحني وسيبني أمشي، لأحسن هفجر لو فضلت دقيقة زيادة عن كده. أنا هسيبك اليومين دول تريحي نفسيتك فيهم يا شهد، لكن مش هسيبك. هفضل معاكي لحد ما تتجاوزي كل حاجة وحشة حصلتلك وترجعي شهد بتاعة زمان.
أنا نفسي نسيت شهد القديمة من ساعة ما رجعت هنا وأنا في دوامة ومش عارفة أخرج منها، كل ما أحاول أخرج أقع تاني لحقيقة أصعب. مش هقدر أسيبك كده، طيب هاجي معاكي أوصلك. مفيش داعي يا خالد، خليك إنت هنا جنب ماما ناهد، الله يعينها. وأنا عارفة طريقي كويس. بس شقتكم بقى فيها ساكنة جديدة يا شهد، هتروحي على فين؟ إن شاء الله أقاسمها فيها. محتاجة أقعد فيها وأفصل عن الدنيا كلها.
اللي يريحك، أنا مش هجبرك على حاجة. بس أوعديني وقت ما تعوزي حاجة مش هتترددي تتصلي. أوعدك يا أحلى أخ، يا مكسب الوحيد في الدنيا دي. قالتها، ثم احتضنته بكل حبٍ وتوجهوا إلى الأسفل قاصدين شقتها كي تجلب منها ثيابها. كان بابها مفتوحًا لتدلف هي متجهة إلى غرفتها تجذب شنطتها، ثم بدأت بلملمة أشياءها حتى انتهت وحملتها إلى الأرض كي تسير بها. أوقفتها سوسن التي نظرت إليها بصدمة بأعين ممتلئة بالدموع وهي تحاول عناقها بقول:
إنتي رايحة فين يا شهد؟ رايحة على فين وسيباني! هو أنا لحقت أشبع منك يا بنتي؟ بنتك! ابعدي عني من فضلك. أيوه بنتي وبنت قلبي كمان، مش هقدر أسيبك تبعدي عني لحظة. سيبيني في حالي بقى، إنتي إيه يا شيخة، كفاية بقي! إنتي لازم تقعدي تسمعيني، متحكميش عليا كده يا بنتي، متظلمنيش. مظلمكيش! سيبيني في حالي الله يسهلك. حقك عليا يا بنتي، صدقيني خبيت عليكي خفت من اليوم ده، وأهو جه وهم وانزاح من على قلبي.
والهم ده جالي أنا وخلاص، اللي بينا انتهى، مبقتش طايقة أشوفك ولا أسمع صوتك. علاقة الأم بولادها مش بتنتهي يا شهد، متقوليش كده يا بنتي وتزوديها عليا. يبقى خلاص تسيبيني أعيش مع نفسي، وإنتي من سكة وأنا من سكة عشان نرتاح. وتفتكري دي هيريحني؟ هيريحني أنا، وده المهم اللي بقيت أدور عليه، راحة بالي بس. إنتي شايفة كده؟ قالتها سوسن ببكاء. لتجيبها هي مُسرعة: أيوه، ومش هشوف غير كده.
أنهت شهد جملتها، ثم سارت بشنطتها إلى الأسفل وسط شهقات أمها التي ارتفعت بألم وحزن. توقفت شهد مكانها عندما وجدت فردوس أمام شقتهم وجانبها رجائي وميسون. التي اردفت فوراً بصدمة عندما لاحظت ما تحمله: إنتي رايحة فين يا بنتي؟ رايحة زي ما أنا رايحة يا طنط، أرجوكي بلاش تحاولي تمنعيني لأني خلاص مش هقدر أكمل هنا. طنط؟
أنا خالتك يا بنتي. تعرفي من أول يوم رجائي جابك فيه البيت وأنا حبيتك، حسيتك حتة مني زي ميسون، كنت لازم أحس إنك من ريحة الغالية. أنا كمان حبيتك يعلم ربنا، بس صدقيني مش هقدر أتقبل كل ده في وقت واحد، لازم أمشي من هنا. خالد عرفنا إنك عايزة تمشي وتسيبي خالتو، بصي أنا كميسون مش من حقي أمنعك، بس هقترح عليكي اقتراح هيريح جميع الأطراف. قالتها ميسون بلهجة حائرة تراقب نظراتها التي تبدلت للتعجب وهي تقول بأعين تائهة:
معلش يا ميسون، أنا عارفة المكان اللي هرتاح فيه. إحنا بيتنا الأساسي هنا زي ما قولتلك، وهتيجي تقعدي معانا يومين، وصدقيني هتنسي اللي حصل. قالتها بحماس وهي تتطلع إليها عندما وجدتها تنظر إلى رجائي الذي يراقبهم في صمت. قد خرج منه عند اقتراح أخته، ينظر إليها بتعجب وتوتر. لترد شهد كي تخمد توتره الذي رأته: كده هتخليني أفتكر أكتر يا ميسون، سيبيني على راحتي معلش، ولما أحس إني بقيت كويسة أنا بنفسي هاجي أزوركم.
ده بقى بيتك يا شهد، إنتي بنت أختي الوحيدة يعني زي بنتي، ومرضاش إنك تبعدي عننا كلنا. عشان خاطري تيجي معانا. حمحمت شهد من لهجتها الحنونة، ابتلعت لعابها بتوتر لتنظر إليها مرة أخرى عندما أكملت: عشان خاطر أبوكي الراجل الجدع توافقي، ولو معجبكيش المكان ابقي امشي. وسط إلحاحها المستمر هي وميسون، وافقت بإعجوبة وسط توتر رجائي البادي. رغم شعوره بالسعادة لوجودها معهم. اردفت فردوس وقتها: انزلوا إنتو مع رجائي وهحصلكم.
نظرت إليها شهد وهي تراقب أعينها المُصوبة تجاه شقتها وكأنها تريد الدلوف. لذا أضافت هي مبررة: مقدرش أسيبها وهي زعلانة مني، أنا ظلمتها يا بنتي أنا وجدك الله يرحمه، مبهقاش أنا والزمن عليها، كفاية اللي حصلها. تعجبت شهد منها وقد بدأت تشعر باللين، لكنها رفضت ذلك سريعًا عندما ولجت أمامهم إلى الأسفل عندما تذكرت ما قالته. وصلوا إلى السيارة ليقول رجائي بعدما أغلق الهاتف: فيه حد عايز يشوفك يا شهد. حد مين؟ قالتها وهي ترمقه بتعجب.
ليرد بالمقابل: هتعرفي لما نروحله. توقف شادي بيارا في جزيرة تبعد عن جزيرته الكثير، وبعدما استقروا في مكانهم بدأ يشعر بالصداع الشديد الذي جعله يصرخ بطريقة أرعبتها وهي تحاوط وجهه بين يديها بخوف تقول: شادي مالك، حصلك إيه؟ وفور انتهاء جملتها وجدته يحتضنها والصدمة تتقسم وجهه يردف: يارا الحمد لله إننا خرجنا من هناك، الحمد لله. إمآت هي مبتسمة لتتوسع عيناها بصدمة أثر ما تفوه به، تبعده بقول: يارا! إنت عرفتني؟
أيوه يا يارا. قدرت أشوف كل حاجة حصلتلي. الحمد لله إني مأذيتكيش، وإلا مكنتش هسامح نفسي أبداً. ده بجد!! يعني خلاص المجنونة دي مبقاش ليها تأثير عليك وافتكرتني. قالتها بفرحة عارمة ثم ارتمت في حضنه تجهش بالبكاء وهي تقول: تعرف أنا حسيت بإيه لما لقيتك متغير ومش فاكرني؟ تعرف إني خفت منك أوي وخفت تأذيني وتمشي وراها، بس إنت معملتش كده يا شادي، الحمد لله.
استجاب لها يحاوطها بذراعيه وقد تحول ذاك العناق إلى شيء آخر عندما بدأت هي تستجيب لِ لمساته الذي بدرت منه دون شعور. وبعد قليل ابتعدت هي بخجلٍ مُحاولة الابتعاد عن عينيه التي رأت بها شرارة غريبة تجاهها. وجدته يقترب منها بشكل ملحوظ وعينيه تجول بها. توترت وهي ترتد إلى الخلف تهمس بصوتٍ منخفض: فيه إيه يا شادي؟ أنا اكتشفت حاجة مهمة يا يارا.
قالها بلهجة هائمة، ثم جذبها إليه وذاكرته تتعلق بالماضي يرى الماضي وكيف نشأت علاقتهم إلى أن فاق عندما ابعدته هي بقوة تقول: اكتشفت إيه مش فاهمة! إننا ماليناش إلا بعض مهما حصل. قالها وهي تنظر إليه بإبهام لِما يقصده. ليُكمل هو بتوضيح: أقصد إن مصيرنا واحد، ومهما نبعد هنرجع نقرب تاني لأن مكتوبلنا كده. تقصد إيه كلامك يا شادي؟ إنت عايز تقرب مني؟ إنت مجنون صح!
قالتها بتوتر وهي تنظر بكل إنحاء حولها بعدما شعرت بالخوف تجاهه، تريد الفرار من ما يود فعله. لكنه أدرك خوفها لذا اقترب بهدوء يحاوط ذراعيها بحنوٍ يقول: متخافيش مني، أنا عمري ما هجبرك على حاجة إنتي مش عاوزاها. طيب وهنخرج من هنا إزاي؟ قالتها مُتسائلة بتضجر. ليجيبها هو بثبات عكس ما بداخله: نخرج بقى وقت ما نخرج، معدتش فارقة. المهم إننا نلاقي مكان آمن نقعد فيه دلوقتي.
وافقته الرأي بحزن لِما يمروا به، لتسير معه بخوف من تلك الأماكن التي تراها لأول مرة. حتى استوقفها صوت هي تعلمه جيداً جعلتها تنظر إلى الخلف فجأة وهي تقول: إنتي!! أهلاً بكِ عزيزتي. نظر شادي إليهم بتعجب وهو يقول: إنتي مين؟ دي أمي يا شادي. قالتها يارا بتلقائية وهي تجول بوجه تلك السيدة التي كانت تشبهها إلى حد كبير. ليرد شادي بصدمة: أمك!! أمك إزاي؟ أمي يا شادي في العالم ده، زي ما دراكو أبويا. إيه مستغرب أوي اللي بتسمعه؟
أيوه، وإنتي ليه واثقة كده إنها أمك يعني؟ قالها شادي بتعجب. لترد تلك السيدة كي تخمد ذاك الشك بداخله: نعم، كما قالت لك. عاطفة فتاتي ولن أسمح أن يحدث معها شئ، لذا أتيت. أنا قبل ما أجي هنا حلمت حلم، شفتها فيه وكنت بقولها ي ماما. مكنتش فاهمة طبعاً اللي هيجرالي والحقيقة اللي مكناش على علم بيها. قالتها يارا بتقبل لتلك الفكرة، فقد ضاق صدرها من تلك الحقائق وعن كُنيتها وماهيتها ما هي عليه الآن. استوقفتها أمها بحنان مُبتسمة:
لا تخافي عزيزتي، سأساعدكم كي تخرجوا من هذا العالم. إنفرجت أسارير وجهها وهي تجذب يديها بقول: بجد!! يعني تقدري تخرجينا؟ أرجوكي بجد، أنا عايزة أخرج من هنا، مبقتش قادرة أكمل. لكن هُناك شيء لم تعلموه حتى الآن. قالتها تلك السيدة بشموخ تنظر إلى كليهما. ليرد شادي بإستفهام ولهفة: إيه هو؟ إحنا المهم نخرج من هنا.
سأُخرجكم، سأفعل ذلك بالتأكيد. لكن ما لا تعلمونه أن بعد مماتكم ستُولدوا مرة أخرى، وهذا العالم سيدعوكم كل مرة كي تُنجبوا ذاك الطفل. مش مهم، المهم إني أخرج. وبعدين حتى لو كلامك ده صح، اللي هييجوا بعدنا، مش هنكون لينا علاقة بيهم. خطأ عزيزتي، أرواحكم واحدة. ستظل أرواحكم مُقيدة، وستأتوا من جديد. ها قد أبلغتكم بكل شيء، وأنتم من ستقرروا مصيركم الآن. إحنا موافقين، بس خرجينا الله يخليكي.
قالتها يارا بلهفة. ينظر إليها شادي بقلق من ما قالته، رغم سعادته من ذاك الخبر. لكن بعدما رأى السعادة تغمرها من جديد وافق هو الآخر. إمآت لهم تلك السيدة بهدوء، ثم تقدمتهم في السير ولحقوها حتى وصلت بهم إلى بوابة كبيرة سحرية تُظهر أضواء غريبة. رمقتهم مرة أخيرة قبل خروجهم وهي تحتضن يارا التي شعرت بشعور غريب دبّ بها. لتُحمحم وهي تقول: طيب إحنا لما نخرج، إنتي هيبقي مصيرك إيه؟ مش هتتعاقبي على اللي عملتيه زي بابا؟
قالتها يارا بقلقٍ. لتبتسم هي في سعادة وهي تقول: لا تقلقي بشأني. نعم سأُعاقب مثل أبيكِ، لكن كل ما يهمني أنتي عزيزتي. بادلتها يارا ابتسامة حنونة، ثم ودعتها واتجهت بِرفقة شادي إلى تلك البوابة التي فور دلوفهم اختفت سريعاً وسط سعادة أمها وهي تزيل دموعها بأنها الآن في أمان، وهذا ما يهمها.
وبمجرد دلوفهم إلى تلك البوابة قد وصلوا بآمان إلى عالمهم بجانب ذاك البرج الذي يمكثون به. صرخت يارا وقتها وهي تدور حولها بصدمة، ثم بعد ذلك احتضنت شادي وهي تقول بصوت مرتفع يغمره السعادة: رجعنااا يا شادي، رجعنااا أخيراً، الحمد لله يارب. أنا مش قادر أصدق! أنا خلاص كنت فقدت الأمل إني أرجع تاني وأعيش حياتي الطبيعية.
قالها شادي بأعين مُبحلقة بكل إنحاء حوله. عقله لا يستوعب ما حدث سريعاً في غمضة عين، ويديه تحاوطها بِشدة. عناق طويل وقوي كاد أن يحطم صدورهم، وبكاء حار صدر منهم جعل المارة يتلفتون إليهم، ولكنهم لم يأبهوا لذلك. فقد طال الشوق وتعَاظم بالصدور حتى أضناها. ولكن همسات الناس من حولهم جعلتهم يتراجعون. يقول هو بتوجس: تعالي ندخل البرج. شادي أنا عايزة أعترفلك بحاجة.
قالتها يارا وعينيها مُصوبة تجاه خاصته بجرأة جعلته يعقد حاجبيه بتعجب من ما تفعله. لكن اتسعت مقلتيه بصدمة من اعترافها الحاد: شادي أنا بحبك. بتحبيني؟ قالها بعدم فهم، ثم بدأ بلمس وجهها لعل حرارتها قد ارتفعت. لكزته بغيظٍ وهي تقول: بتعمل إيه إنت؟!! مهو أصل كلامك وأفعالك متناقضين، مبقتش فاهمك.
بس دي الحقيقة اللي فضلت كتماها في قلبي من ساعة ما شفتك لأول مرة. كنت بكذب نفسي إنه مجرد إعجاب، يمكن عشان شركتك وأنك حد ناجح، لكن بعد كده... إيه القط أكل لسانك، كملي! قالها بخبثٍ لتستدير هي بخجل ثانيةً، ثم كادت أن تدلف البرج. لكن منعها هو عندما حاوطها من الخلف بحبٍ يهمس بصوت هائم: أنا حبيتك غصب عني زي ما إنتي حبيبتيني. يمكن ظروفنا وحياتنا هي السبب في مشاعرنا دي؟ يمكن! قالتها هي بسعادة وهي تلتف إليه. ثم تخصرت قائلة
بعدما لاحظت الجميع يرمقهم: يلا ندخل عشان الناس بتبصلنا بطريقة غريبة. طيب مهو من حقهم. قالها بضحكٍ لتنظر إليه بغيظٍ مرة أخرى، ثم وقع بصرها أعلى سيارتها. صرخت بفرحة وهي تقول: عربيتي عربيتي! ده أنا قولت مش هشوفك تاني ي حبيبتي. طبعاً، مانتي مش خسرانة حاجة، عربيتك وفي الحفظ والصون. قالها بوجل بعدما تذكر سيارته وأنه فقدها. لتقترب هي بضحك على حالته تردف:
معلش ولا تزعل نفسك. وبعدين إنت صاحب شركة، الله أكبر يعني تقدر تجيب غيرها اتنين وتلاتة. محسساني إنك غلبانة يعني ومش لاقية الجنيه؟ قالها رافعاً أحد حاجبيه بتذمر. لتجيبه بغرور: ربنا مرضيليش بالخسارة زي ناس. أنا نفسي أفهمك، أنا مبقتش فاهمك. كنتي خايفة أقرب منك بقالك شوية وعاملالي فيها المحترمة اللي مبتحبش. اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش قبل كده بنص ساعة.
قالها بحيرةٍ لأمرها، ثم عقد حاجبيه أكثر بعدما انفجرت بالضحك. ليقول هو بغضبٍ: فيه إيه؟ بتضحكي على إيه؟ عليك أصل شكلك يضحك أوي. تسلمي، كلك ذوق. يلا بينا ندخل لأحسن لو فضلنا واقفين كده هيطلبولنا بوليس الآداب، وما شاء الله لبسك يهيئ لكده.
تبدلت ملامحها واختفت ابتسامتها سريعاً من جملته، ثم استدارت في صمت تدلف البرج حتى قابلها العم عبدالله بترحيب، فتجاهلته تماماً عندما وقفت أمام باب شقتها ليأتيها ثم أعطاها المفتاح بعدم فهم لحالتها. تبعها شادي يُعنف ذاته، ثم قابل العم عبدالله الذي قال: أهلاً ياباشمهندس، نورتوا الدنيا. خير الباشمهندسة مالها؟ أهلاً يا عمي عبدالله، معلش شوية وراجعلك. اقترب شادي منهم ثم دلف خلفها قبل أن تغلق الباب في وجهه يقول بأسف:
يارا أنا مقصدتش حاجة بكلامي. ممكن متكلمنيش بالأسلوب ده تاني؟ ملكش دعوة بلبسي ومتدخلش في خصوصياتي من فضلك. إيه اللي حصل طيب لكل ده! صدقيني مقصدتش حاجة، ويا ستي بعد كده مش هتكلم عن لبسك تاني، إنتي حرة. بالظبط، أنا حرة، يا ريت تفهم. قالتها بجمود ثم أبعدت بصرها عنه. ليُقربها إليه يرفع وجهها صوبه يقول على مقربة منها: إنتي شكلك نسيتي اللي لسه اعترفتيلي بيه. أيوه نسيته، ومش هحب حد تاني زيك بعد كده. قالتها بضيقٍ ثم أكملت:
أنا عايزة أرتاح شوية. طيب. قالها بتعجب ثم رحل يتركها تنظر في أثره بغيظٍ. يا حبيبتي يا آية، مريتي بكل ده! مش أكتر باللي مريتي بيه يا شهد. فريد حكالي كل حاجة، وبجد مش قادرة أصدق إنك مريتي بكل ده طول فترة غيابي. يا ولاد، انسوا اللي فات بقى وفكروا في حياتكم ومستقبلكم. مش جايز كل اللي حصلكم ده كان اختبار من ربنا، والحمد لله كنتم قدها. قالها اللواء سليم. لترد شهد بالمقابل:
تعرف يا عمو، أنا مبسوطة أوي إن حضرتك عايش بجد، دي من أحسن الحاجات اللي حصلتلنا. وأنا مبسوط منك يا شهد، إنك عديتي كل ده وكنتي قوية للنهاية. بس أنا مش مبسوط منها. قالها فريد يقترب منهم يجلس أمامهم ثم أكمل: بقى تخبي عني موضوع زياد طول الفترة دي؟! أعمل إيه بجد يا فريد! كان مهددني بأهلي، بس صدقني أنا معملتش حاجة غلط واتبعت كل اللي قولتهولي من يوم الجريمة.
رغم إني لسه زعلان وغيري اتنين هيولعوا منك، بس سماح عشان خاطر بس آيه. قالها فريد مُقهقهًا. لتضحك آيه هي الأخرى بصوت مرتفع. نظرت إليهم شهد بعدم فهم وهي تقول: اتنين؟! مين دول؟ ماهر ورجائي بيه. بجد الله يعينهم على اللي شافوه. بجد يا فريد، دول كانوا متخلفين بشكل! أنا مش فاهمة هما إزاي كده بجد. قالتها مزفرة بضيقٍ. لترد آيه بضحك: يا شيخة، ده بعد اللي حكوه بجد أحيهم على إنهم اتحملوكي، ده إنتي ورّيتيهم النجوم في عز الضهر.
أنا ي آيه! قالتها شهد بلومٍ. ليردف في هذا الوقت اللواء سليم: المهم دلوقتي إننا كلنا بخير. فرح آيه وفريد يوم ٨ في الشهر ده يا شهد، ولازم تبقي جنبها الفترة دي. إبتسمت شهد بسعادة تنظر إليهم ثم قالت: يا حبيبتي ألف مليون مبروك بجد، فرحتلك أوي، ربنا يهنيكم. عقبالك يا شوشو، إنتي واللي في بالي يا رب. ياآه لو تفكري تعملي فرحك معايا هتبقى أحلى فرحة بجد. اللي في بالك؟!! وده مين بسلامته! قهقهت هي على الجانب الآخر تردف:
ماتاخديش في بالك. المهم دلوقتي لازم تنزلي معايا، عايزة أشوف فستان فخم كده. أصل رجائي كان قايلي إنه هيرجع ياخدني. ثواني أتصل عليه أفههمه اللي هيحصل. متتصليش، قومي معاها وأنا هبلغ رجائي. قالها فريد ثم حمل هاتفه. لتومأ هي له رغم ما بداخلها، لكن رؤيتها لهم واهتمامهم جعلوها تتعافى إلى حد كبير. سارت معها وسط ابتساماتهم. ليردف فريد وقتها إلى رجائي على الجانب الآخر:
متقلقش، إن شاء الله هتبقى كويسة وتنسي اللي حصل. شهد زي أختنا يا رجائي، متقلقش عليها. ياريت يا فريد، إنت متعرفش هي قد إيه اتصدمت بعد اللي عرفته. أنا نفسي أقدر أبعد عنها كل الحزن ده ومش عارف أعمل إيه. تقدر يا صاحبي، مش إنت بتحبها؟ قالها فريد بضحك يتخيل حالته. ليردف رجائي بصدمة وتوتر: إنت بتقول إيه!
بلاش نخبي على بعضنا يا صاحبي. إنت من أول ما شفتها وانت متغير وبتخاف عليها من نفسك حتى. إيه مش فاكر ساعة ماهر كان ناوي يخطفها كنوع من التهديد وإنت وقفت قصاده؟ ابتلع رجائي لعابه بتوتر وظل صامتاً لا يعلم بما يرد. ليأتيه صوته عندما قال: بلاش تعند وعيش حياتك مع اللي قلبك اختارها ومتفكرش كتير. هسيبك دلوقتي ومستنيك بكرة ي صاحبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!