كان قد حل المساء واقتربت ساعات الليل. كانت تجلس بغرفتها ممسكة بهاتفها بيديها والابتسامة تعلو شفتيها، مفتوحة على صورة لها برفقة فريد. فعلى الأغلب، هذه الصورة الوحيدة التي تجمعها به. وفي ظل صخب ذكرياتها، تلألأت ذكرى جميلة تحتفظ بها في أعماق قلبها، ترفض التخلي عنها. تتذكر دقات قلبها العنيفة حينها، كيف كانت تتطرق تأهباً لحديثه الصادم والمزلزل لكيانها. راحت تتذكر هذا اليوم جيداً.
تألقت في اختيار ثيابها واهتمت كثيراً بمظهرها، وخاصةً ملامحها التي قضت الليل بأكمله في العناية ببشرتها كي تبدو صافية بقدر ما تشعر به الآن من سعادة مميزة. تحركت كالفراشة بفستان نبيذي اللون أمام المرآة، برضا تام بعدما انتهت من تجهيز نفسها.
فكان اليوم احتفال كبير بمنزلها بمناسبة عيد ميلادها العشرين. وكان أيضاً احتفال مهم للوا سليم، أراد أن يعقده منذ فترة، لكنه قرر أن يتم في هذا اليوم المميز، حيث مجيء ابنته على هذه الحياة. بينما كان فريد يتجول بحديقة القصر مراقباً الوضع، يضع سماعات بلوتوثية في أذنيه، يتحرك بخطى ثابتة. توقف برهة مكانه عندما سمع أحد المدعوين بالحفل يبارك لسمير النوبي على شيء أثار غضبه وغيرته.
"والله أحلى خبر يا سمير بيه إنك هتناسب اللوا سليم." ابتسم سمير بود، يقابله قائلاً: "حبيبي تسلم، عقبالك." أخذ فريد يكذب أذنيه مما سمعه ليخيب ظنه عندما أتى شخص آخر يقول: "ألف مليون مبروك على الخطوبة مقدماً يا سمير بيه، وآيه هانم هتبقى محظوظة بحد زيك." شلّت قدماه وتوقفت أنفاسه. عقله رافضاً ما سمعه. ظل على هذه الوضعية عدة دقائق، ثم فاق من واقع صدمته على صوت رنين هاتفه. نظر بحزن شديد، ولم تكن سوى آيه.
لم يجدر على الرد وقتها، لكنها كعادتها تصرفت بجنون وأخذت تدق به كل دقيقة. وبعدما ملّ، قرر الذهاب إليها بنفسه كي يعلم ماذا تريد منه، وبداخله معتقداً أنها تعلم بشأن هذه الخطوبة. تقدم إلى غرفتها يدق بابها إلى أن تسمح له بالدخول. "ايوه ادخل."
دلف فريد ونيران الغيرة تشتعل في صدره، وتلك الكلمات تتردد في أذنيه. نظر لها بإنبهار وهي تعرض فستانها له، تقول وسط شهقات ضحكاتها العالية، فهذه هي أول مرة يراها بهذه السعادة. أحقاً هذه السعادة لأجل خطوبتها اليوم! عزم ألا يعكر مزاجها حتى وإن كان ذلك يشعره بالإحباط. ابتسم ابتسامة عاشق قائلاً: "فستانك جميل زيك يا آيه هانم." "يااه! أول مرة تقول كلام حلو يا فريد."
قالتها بسعادة وخجل، تنظر له برهة ثم تبعد نظرها. ابتسم هو بألم، يخرج من سرواله علبة بها هدية، ثم قدمها لها بحب، يهتف: "كل سنة وأنتي طيبة يا آيه هانم، وإن شاء الله سنينك الجاية كلها تبقي بصحة وعافية." التقطت هذه العلبة، تفتحها بشغف لترى خاتماً بسيطاً جميلاً، حملته بحب بين يديها وهي تنظر له تقول بصوت خافت: "وأنت طيب وبخير دايماً يا فريد." لتكمل بخجل: "ممكن طلب؟! أومأ لها بصمت، لتقول هي بمرح: "ممكن تلبسهولي؟!
ابتلع ريقه بتوتر من طلبها الغريب. ظل متردداً، لكنه عندما وجد ابتسامتها، حمل منها الخاتم يلبسها إياه في مشهد لم تنساه آيه مطلقاً. وبعدما انتهى، كاد على وشك الخروج من أجل عمله، لكنها استوقفته بتوتر وهي تفرك كلتا يديها، تنظر بالأرض، تضم شفتيها على بعضهما تحاول إخراج الكلمات بشكل منسق، ولكن للحظة همست داخلها: "تباً للكلمات المنسقة وتباً للمشاعر المرتبة، ومرحباً بكل ما هو عشوائي!
وعند ذلك الحد، أردفت بنبرة غير متزنة، لا تحمل الثبات بتاتاً: "فريد، أنا كنت عاوزة أعترفلك بحاجة كده." "اتفضلي يا آيه هانم." قالها بحيرة من تصرفاتها هذه الليلة. "هو... بصراحة... أنا... أنا ب... توقفت عندما أتاه اتصال مفاجئ ليرحل من أمامها مسرعاً قبل أن يودعها حتى! "بقي كده يا فريد! بقي أنا بقالي أسبوع بحاول أمرن نفسي على الجملة دي، وفي الآخر تبوظلي كل حاجة." جلست أعلى سريرها بحزن وتذمر بعدما رحل.
بينما بغرفة اللوا سليم الشخصية، كان يقف أمام سمير النوبي الذي كان يقول: "طيب، كان المفروض فريد يعرف على الأقل إنها خطوبة مزيفة." "مكنش ينفع يا سمير. فريد قريب من آيه أوي، وكان ممكن يعترف لها بحاجة زي دي." "طيب، وآيه المشكلة يا سليم بيه؟! آيه عنيدة جداً، وكنت لازم تهيئها لحاجة زي كده."
"آيه بنتي لازم تبقى متأكدة إن دي خطوبة بحق وحقيقي الفترة دي. أنا عارف آيه بنتي كويس، ولو عرفت الخطة بتاعتنا احتمال كبير تفشل، وأنا ده مستحيل أرضى بيه." تنهد سمير بحيرة وحزن هو الآخر داخل قلبه لأن هذا الخبر سيؤلم حبيبته، لكنه عزم على مساعدته، فاللوا سليم له أفضال كثيرة عليه، وهذا واجبه. "اللي تشوفه يا سليم بيه، مش يلا بينا علشان الحفلة على وشك إنها تبدأ."
ابتسم اللوا سليم وهم يرحلون من الغرفة متجهين إلى حديقة القصر، ترحاباً للجميع. أشار اللوا سليم وقتها لفريد بجلب آيه وحراستها جيداً. أومأ له فريد باستجابة سريعة، يتجه داخل القصر ثانيةً قاصداً غرفتها. كان باب غرفتها على مصراعيه، وكانت هي بالمقدمة تلتقط عدة صور لها بأوضاع أضحكته رغمًا عنه. "آيه هانم، الحفلة هتبدأ، سليم بيه بعتني علشان أجيبك." زفرت آيه بحنق طفولي من كلامه الجدي معها، تقول:
"فريد، ممكن تتكلم معايا عادي، بلاش هانم دي، ممكن! الألقاب دي بتقفلني من الشخص." "أنا اتعودت على كده، ومتهيألي إني معرفش أناديلك إلا كده، اعذريني." قالها فريد محاولاً الثبات والصمود أمام عينيها وطريقتها، ليجزم على حديثه مرة ثانية، لتطلب هي منه طلباً مفاجئاً: "طيب، قبل ما ننزل، ممكن ناخد صورة." قالتها بعفوية متوقعة أن يلبيه مثل كل مرة، لكنه صدمها برفضه التام بعنف: "لأ، مهقدرش. ممكن ننزل علشان اتأخرنا." "مهتقدرش؟!
"آيه هانم، بلاش الطريقة دي أرجوكي. خلي بينا حد بعد كده أفضل علشان محدش فينا يتعب." قالها فريد وقلبه يتمزق، ينظر بالفراغ غير قادر على النظر إليها. اقتربت إليه بتعجب وصدمة تقول: "إنت بتعاملني كده ليه يا فريد؟! كل ده علشان طلبت نتصور صورة؟! أغمض عينيه يقول بعدما أخرج تنهيدة مثقلة: "المشكلة مش في الصورة... المشكلة إن... توقف محاولاً تهدئة نفسه، يقول وقد ارتسم قناع الجدية: "ممكن ننزل! دي حرية شخصية وأنا مش عاوز أظن واضح."
امتلأت عينيها بالدموع وهي تتراجع إلى الخلف، تعطيه ظهرها، تمسح دموعها الغزيرة وهي تقول: "تمام، انزل أنت وأنا جايه وراك." "مينفعش، لازم تنزلي معايا. ده طلب سليم بيه." زفرت بقوة تعكس ما بداخلها من ضيق وتضجر، تهندم نفسها وهي ترحل من الغرفة أمامه دون أن تجيبه أو تعطيه أي اهتمام. بينما هو، رغم حزنه وتعنيفه لذاته على ما صدر منه بحقها وجعلها تبكي في يوم مثل هذا، لكن شعر أن هذا الحل الوحيد كي ينساها!
اتجهت آيه إلى الحفل وسط تصفيق الجميع بحرارة. ابتسمت لهم جميعاً ابتسامة باهتة عكس ما كانت عليه منذ قليل، وبسببه هو وحده! "كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبة بابا." "وحضرتك طيب يا حبيبي، كل ده علشاني أنا! مكنش ليه لزوم تتعب نفسك يا حبيبي." احتضنها سليم بحب، يردف: "أنا كلي ليكي يا بنت قلبي. هو أنا عندي كام آيه! ده انتي بنتي الوحيدة اللي جيتي مليتي عليا الدنيا." "الله الله على الكلام، متحرمش منك يا أغلى حد في الدنيا."
اقترب سمير يقول بتهنئة وهو يقدم لها هدية فخمة كثيراً: "كل سنة وأنتي طيبة يا آنسة آيه، عقبال مليون سنة، دي حاجة بسيطة، أتمنى إنها تعجبك." "ميرسي جداً يا سمير بيه." فقد بدأت الحفلة، وابتعدت آيه مقتربة من بعض أصدقائها، تحتضن صديقتها المقربة "شهد". "أحلى هابي بيرث داي لأجمل أيوشه." "حبيبتي يا شهد، ربنا يخليكي ليا." "هو ده فريد اللي كلمتيني عنه؟!
تعجبت آيه تنظر في اتجاه نظر شهد لتجد فريد خلفها ببضع خطوات فقط، وكأنه يحاوطها من جميع الجهات. لترد بتعجب، تنظر مجدداً لشهد: "آه، هو سي فريد." ابتسمت شهد تقول: "إيه ضايقك في حاجة ولا إيه؟! زفرت في ضيق ترد: "لأ، مفيش. دقيقة يا شهد ورجعالك، انتظريني." اتجهت ناحية الأوبن بوفيه تطلب وجبة لأنها لم تأكل أي شيء منذ الصباح. أخذت الوجبة بين يديها لتجده خلفها عائقاً، يقول بصوت رخيم:
"آيه هانم، ممنوع تاكلي إلا لما تقطعي التورتة." "إنت بتقول إيه؟! أنا جعانة، وبعدين إيه العلاقة؟ "كل الحضور زيك ومنتظرين جنابك تقطعي التورتة وبعدين ياكلوا." نظرت له بغيظ ترد بطريقة أزعجته قليلاً: "إنت داير ورايا ليه كده! ممكن تسيبني في حالي النهارده، على الأقل عاوزه آخد حريتي." حمل منها وجبة الأكل بعنف، يعيدها ويطلب منهم ألا يعطوها أي شيء إلا مع الجميع. "افندم!! "اتفضلي عند صحابك، مينفعش توقفي هنا كتير."
فقد فاض بها من تحكماته وكلماته القاسية الذي يتفوه بها، ولا يعلم كم هي تتألم بداخلها. تقول في غضب وهي تشير بإصبعها أمامه: "إنت مين علشان تكلمني كده هااا؟! أنا هعمل اللي أنا عايزاه، إنت ملكش كلام معايا، إنت فاهم!! تحركت من أمامه بعدما رمى عليها نظرات حانقة، مكتظماً غيظه. أشار لها والدها كي تأتي جانبه ليتم قطع تورتة عيد ميلادها. اقتربت منه وما زالت غاضبة، تنظر له من حين لآخر بغضب.
بدأت في قطع قوالب التورتة بهدوء، وسط احتفال عظيم وتصفيق حار يدوي المكان بعدما انتهت. نظر سليم وقتها لسمير، الذي أومأ له متنهداً بقوة بعدما لاحظ وجود "شهد" التي كانت تنظر له بحب من حين لآخر. لا يعلم ماذا ستكون ردة فعلها بعد ما يحدث، لكنه يعلم جيداً كم ستتألم وتنجرح بسببه.
توقفت الموسيقى بأمر من اللوا سليم. فقد علم فريد وقتها ماذا سيتم، لذا قرر الابتعاد. فرؤيته لهذا الشيء معه سيتحطم قلبه، لكن لم يهنئه اللوا سليم على ذلك، أشار إليه كي يأتي ويقف جواره. كانت تقف آيه جوار والدها، تطالع فريد الذي يرهق قلبها بحبه. فقد قاومت وسامته كثيراً، التي جذبت أنظارها وأنظار فتيات الحفل. فتى أحلامهن التي تتوفر به كل الصفات، بدايةً من ملامحه الرجولية الخشنة، وطوله الفارع وتناسق جسده.
أما عنه، وجدته يتمعن النظر بها بطريقة غريبة. خجلت من نظراته، تنظر للأرض وهي تضغط فوق يد والدها وهي تجاهد مشاعرها الثائرة بفعل نظراته التي كانت تشملها في هدوء، آثار دهشتها. لأول مرة تتجرأ نظراته وتتجول فوق ملامحها بهذا الشكل المخجل. هل هذه النظرات ندم وتعويض عن ما بدر منه هذه الليلة تجاهها! فكان يتفحص كل شبر بها، مقتنعاً أنه لن يحظى بهذه النظرات بعد هذه الليلة.
"ودلوقتي أقدر أقولكم إن ميعاد حفلتنا الأهم بدأ، وأقدر أقولكم عن مفاجأة الحفلة." ابتسمت آيه وهي تصفق مثلما يفعل الجميع، ولا تعلم عن أي مفاجأة أبيها يتحدث. "وهي خطوبة رجل الأعمال الكبير سمير النوبي على بنتي آيه." صفّر الجميع بحماس وسرور عقب انتهاء حديثه. أما عن آيه، اختلت توازنها وهي تتمسك بأبيها بعد ما سمعته، تقول بصوت خافت: "إيه اللي بتقوله ده! خطوبة مين!
اقترب سمير يقف جوارها كي لا تفعل أي شيء خاطئ. يجذب يديها بين يديه بطريقة جعلت فريد ينظر الناحية الأخرى، مغمضاً عينيه وقلبه على وشك التوقف. وكانت شهد صدمتها لا تقل عن آيه، بعدما ترنحت تنظر فقط لسمير الذي كان يرتدي قناع السعادة بهذه الخطوبة. أشاحت يديها بعيداً عنه بقوة تقول بصدمة وقد ارتفع صوتها قليلاً: "خطوبة مين يا بابا!! إنت إزاي تاخد قرار زي ده من غير ما ترجعلي!!
نظر فريد لها بإبهام هو الآخر من عدم معرفتها، يتابع واقع صدمتها، بينما كان سليم يتفادى الرد، مشيراً إلى تشغيل الموسيقى مرة أخرى كي لا يسمع أحد صوتها. "آيه يا حبيبتي، اعملي اللي بقولك عليه ده لمصلحتك، أرجوكي متبوظيش حاجة." قالها اللوا سليم يهدأ من روعتها، لكنها لم تستجب. هزت رأسها بالنفي تقول مبتعدة: "أنا مش موافقة على الكلام ده، لأ مستحيل أوافق يا بابا." "علشان خاطري يا آيه، لازم تتم خطوبتكم النهارده، وبعدين هفهمك."
"لأ يا بابا، أرجوك متضغطش عليا في حاجة زي دي، مقدرش." "يا آنسة آيه، والدك معاه حق، هو... لم يُكمل جملته عندما أوقفته بيديها تقول بغضب: "من فضلك متتكلمش، لازم تتصرفوا وتنفوا الكلام اللي قلتوه ده، وإلا هتصرف." كان فريد يتابعهم كالابله وهو يرى كم كانت آيه في حالة صدمة وريبة، وما زال أبيها مصمماً على رأيه، لكنه يعلم جيداً أن يوجد شيء آخر يخفيه عنه، فلم يجبر آيه من قبل على أي شيء، لذا لم يفهم لماذا لم يخبره مثل كل مرة!
فعندما وجدت سمير يفتتح علبة بها خاتم مرصع بالألماس، ركضت من أمامهم إلى داخل القصر ببكاء. نظر سليم إلى الحاضرين جميعاً بصدمة من فعل ابنته العنيدة. هدأ قليلاً عندما شعر أن أحد لم يلاحظها بسبب انشغالهم بالأوبن بوفيه. "فريد، أنت الوحيد اللي تقدر تقنعها إنها ترجع عن اللي في دماغها، أرجوك يا فريد، ادخلها وهاتها." "متوقعش ي سليم بيه، آيه هانم عنيدة جداً، مقدرش أجبرها على حاجة هي رافضاه."
"خطوبتها من سمير لازم تتم الليلة، اتصرف." قالها سليم بغضب لأول مرة، بينما فريد تبادلت ملامحه للتعجب والحيرة من أمره، وما زال يقف مكانه لا يستطيع أن يجبرها على هذا الشيء. أمره سليم كي يأتي خلفه داخل القصر، وبالفعل اتجهوا سوياً إليها، بينما سمير وقع نظره على شهد المصدومة التي كانت تتراجع إلى الخلف وترى فقط خيانته. ركض إليها عندما وجدها على وشك الإغماء، يحملها بين يديه بصدمة محاولاً إيفاقتها.
بينما بالداخل، صاح سليم بآيه التي كانت تتجه إلى الطابق العلوي، يقول بأمر: "انزلي عندي يا آيه فوراً." "مش هنفذ اللي حضرتك عاوزه، بلاش كده أرجوك." أكمل بلهجة صارمة: "قولتلك انزلي عندي." نزلت آيه تقف أمامه بتحدٍ اتضح من عينيها، وكأنها تخبره باستحالة حدوث هذا الشيء. "إنتي ظبطي نفسك واطلعي لوحدك برا علشان الليلة تعدي على خير، إنتي فاهمه؟! عقدت ذراعيها أمام صدرها تقول بتحدٍ واضح تجلى من صوتها:
"لأ يا بابا، مش هطلع، ولو حضرتك فاكر إنك ممكن تجبرني على حاجة زي دي، ف حضرتك غلطان لأن... لم تُكمل حديثها عندما هوت صفعة أعلى وجهها، لتسقط بين يدي فريد الذي نظر لسليم بصدمة من ما فعله. فهذه المرة الأولى التي يضرب ابنته أو يوبخها. "سليم بيه، اهدي، كل شيء بالهدوء." قالها فريد ممسداً على ظهرها بحنوٍ وهي تختنق من كثرة البكاء. أما عن سليم، رحل من أمامه رافضاً الجدال كثيراً، يقول قبل أن يرحل:
"هاتها معاك ي فريد، دقيقتين والاقيها برا." "اهدي ي آيه هانم من فضلك، حقك عليا أنا، اللوا سليم مكنش يقصد." ابتعدت عنه تنظر في عينيه باتهام تقول: "كنت عارف ومقولتليش يا فريد! إنت اتغيرت أوي، بقيت قاسي معايا و... وضع يده أعلى شفتيها كي لا تُكمل وتتهمه بأشياء لم يفعلها في مخيلته حتى، يقول بدفاع عن نفسه: "صدقيني، أنا عرفت زيي زيك النهارده بالليل وأنا بأمن على الحراسة، وافتكر إنك عارفه."
بكت أكثر وهي تخفي وجهها من تحول أجمل يوم في حياتها إلى تعس يوم في غمضة عين، لتنظر لفريد بتعجب عندما قال: "آيه هانم، أرجوكي اطلعي معايا، أنا واثق إن في حاجة اللوا سليم مخبيها. لولا كده مكنش عمل اللي عمله، وإنتي عارفه، سليم بيه بحكم شغله أكيد في حاجة أرغمته إنه يعمل كده. وبعدين متزعليش، دي خطوبة مش جواز، المهم دلوقتي امسحي دموعك وظبطي نفسك وتعالي نطلع قبل ما الحضور يلاحظ." "مش هطلع في حتة ي فريد."
قالتها بعناد طفولي وهي تهز رأسها، بينما هو جذب يديها بين يديه محاولاً إرضائها بأي وسيلة، ليلتقط هاتفه يفتح الكاميرا قائلاً: "مش إنتي كنتي عاوزانا نتصور! يلا يا ستي، أنا موافق." أخذ يتصور معها عدة صور بعشوائية. أما عنها، فقد ابتسمت كثيراً بالقرب منه. يحاول إرضائها بكل الطرق وبطريقته الخاصة وحنانه، نجح في إقناعها ليأخذها إلى الخارج معه، تكتم توترها الزائد وتجاهد نفسها كي تخفي نظرة الإعجاب تلك.
وبعد مرور ساعتين، كانت قد غفت آيه مكانها على هذه الذكرى وبيدها هاتفها. حتى أنها لم تشعر لحركات خفيفة أسفل فراشها. ظهر نصف رأس في بداية الأمر من أسفل السرير. تراقب الوضع العام بعيون ثاقبة، كانت تظهر خلف قناع أسود يغطي به وجهه. وعندما اطمأن، خرج بجسده كاملاً في حذر شديد، وطل على آيه النائمة بثيابها الداخلية. أخذ يجول بعينيه من أعلاها لأسفلها، يقول بصوت خافت يسمعه هو فقط:
"والله حرام القمر ده يموت، بس أعمل إيه، ده شغلي اللي بسترزق منه." تحرك ببطء اتجاه الدولاب الخاص بها، وبدأ في محاولة فتح الخزانة كما كان يفعل قبل دخولها المفاجئ. حقاً، لم يبذل جهداً هكذا من قبل. لقد كان يراقبها منذ فترة، وعندما سنحت له الفرصة، فقد بدأ بعمله. بدأ في تنفيذ خطوات السرقة، ثم بعد ذلك يتخلص منها كما طُلب منه.
ورغم عنه، سقطت أداته في الأرض، عندما شدد عليها بقوة في فتح الخزانة، فأصدرت صوتاً عالياً. جعل آيه تستيقظ سريعاً تنظر أمامها مباشرةً. وعندما لاح لها ظل رجل في وسط الظلام، صرخت بأعلى صوتها وانتفضت كمن مسه جن. تركت ركض صوب الباب، قبضت فوق المقبض تفتحه بسرعة وصوت أنفاسها يكاد يختفي من شدة الرعب الذي تعيشه الآن. قبض هو فوق يديها يجذبها من الخلف إليه بعدما أغلق الباب ثانيةً، يقول بصوت خافت: "شششش!
مسمعش صوتك، متحاولش تهربي لأنك كده كده ميتة." ضربته في بطنه بخوف تحاول الابتعاد، لكنه لف شعرها بين يديه، يقول بفحيح كالأفعى: "إنتي عارفة إن تمن موتك ٢ مليون جنيه! نظرت له بصدمة وهي على وشك الإغماء، بينما هو ابتسم ساخراً، يكمل: "آه والله زي ما بقولك كده، شوفتي إنتي غالية قد إيه! اهدي، متخافيش، وبوعدك هبقى موتك سهل، متحسيش بيه."
صرخت أكثر تستنجد بجميع من بالفندق، لكنه قد بدأ بالفعل في التنفيذ عندما ألقاها أعلى السرير، يقوم بخنقها بقوة والشرار يتطاير من عينيه. حاولت إبعاده بكل قوتها وهي تركله بقدميها بقوة، ثم نهضت ناحية الباب تفتحه، ولحسن حظها، وجدت أحد أفراد الأمن بهذا الدور، لتصرخ باللغة الفرنسية كي يساعدها.
رآها ذاك الشخص يركض صوبها، بينما ذاك الملثم أعادها إليه يخنقها بكل قوته كي يتخلص منها ثم يرحل. كاد على وشك أن يُزهق روحها بين يديه، لكنه وقع أرضاً عندما ضربه أحد من الخلف بكل قوته، ينظر له بغضب كارثي. شعرت آيه وقتها بوجود فريد وهي تتطلع أمامها، لكن رؤيتها مشوشة، لا ترى بوضوح من هذا الشخص، حتى سقطت أعلى السرير ثانيةً بتعب.
وبالفعل، لم يكن سوى فريد الذي بدأ بضرب هذا الملثم بأشد الطرق قسوة، فكان على وشك الموت بين يديه، ولم يتركه فريد حتى يلتقط أنفاسه، حتى أتت جيسي بصدمة من الخارج تبعد فريد عنه، صائحة: "هيموت في إيدك ي فارس، ابعد عنه." أبعدته عنه بالقوة، متجهين إلى آيه التي ما زالت تلتقط أنفاسها ببكاء وصدمة، ليلتقطها هو بين يديه بخوف وقلب يعلو ويهبط من فكرة أن شيئاً كان سيصيبها لولا وصوله في الوقت المناسب.
بينما كان مدحت ممسكاً بقوة من شعرها الذي كان ما زال طويلاً يصل بالتحديد لمنتصف ظهرها، يجذبها خلفه نحو غرفة تقيم بها، لأنها رأت بها كل أنواع العذاب الذي لم تشهده بحياتها ولا حتى بخيالها. أمسكها من يديها ووضعها بقوة ضد الفراش، يربطهما في حديد الفراش. ثم سحب حزامه الجلدي من بنطاله، وهي تبكي وتتوسله بارتجاف:
"بالله عليك ارحمني، أبوس على إيدك ورجلك متعملش حاجة، أنا جسمي كله واجعني من آخر مرة ضربتني فيها، بالله عليك سيبني في حالي بقي يا مدحت، كفاية، كفاية بقي بالله عليك."
ابتسم "مدحت" بشر وخبث، كشيطان متجسد في هيئة إنسان. شكله كان مخيف بحقٍ، يحمل بداخله كل أنواع الحقد والانتقام، العداء والكراهية لكل شيء وأي شيء. فشخص مثله لا يعلم معنى الحب أو العطف، لا يعرف كيف يحب بالأساس. هذا بداخله نقطة سوداء تكبر يوماً بعد يوم، ثم ستملئه ليموت بشرة ذلك! تحدث من بين أسنانه ببغض وتهكم: "إنتي مبتسمعيش الكلام يا ندي وبتعصبيني، يبقى لازم تتربى يا حبيبتي، التربية حلوة برضو."
كان يبرم الحزام على يده ممسكاً به بإحكام، وهو بأول ضربة فوق جسدها، لتصرخ بأعلى صوتها، صرخة دوت بأرجاء هذا المنزل، خرجت من حنجرتها المتألمة من صراخها كل ليلة على هذا الوضع. ألقى الحزام من بين يديه بعصبية شديدة عندما أتاه صوتها الضعيف وهي تقول: "أنا بكرهكك... لينادي بأحد أعوانه كي يُلقيها من هذا البيت. نفذ أمره، ثم أتى له يردف بتعجب: "مدحت بيه، إنت ليه معذب نفسك معاها كده، ما تخلص عليها بدل اللي بتعمله ده كل يوم."
"أبغى أقولكم أسف، أخس عليكم وعلى أشكالكم يا شوية مرضى🙂! اكتفى مدحت ناظراً له بغموض وريبة تثير كل من حوله، ثم أخذ جاكته ورحل من هذا المنزل بسيارته، يُخرج سيجاره كي يُخرج بها كل ما بداخله. بينما على الجانب الآخر، عندما قد انتهت شهد من تحضير بعض السندوتشات السريعة لها ولريم، ولجت إلى الغرفة تُغلقها خلفها جيداً، تجلس جانب ريم وهي
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!