انتفضت صارخة ووجهها يتصبب عرقًا، جسدها بدأ بالإرتجاف بطريقة أفزعتهم جميعًا. اقتربت ميسون بخوف تجلس مقابلها وهي تقول: -أنتي كويسة! طمنيني مالك. اتجهت الأم هي الأخرى تجلس بجانبها من الناحية الأخرى وهي تلمس وجهها الذي وجدته كالثلج، رغم ذاك العرق الذي يملأ جبينها، لكن جسدها كان باردًا للغاية. شهقت بفزع وخوف تقول: -ي حبيبتي ي بنتي جسمك تلج! -أنا كويسة.
قالتها شهد وقتها بعدما شعرت بإحراج من وجودهم حولها، بل تخجل أكثر من أنها غفت بهذا المنزل وصاحبه التي لم تعلم عنه شيئًا حتى الآن. -كويسة إزاي بس إنتي مش شايفة نفسك! دانتي متلجة وقمتي مفزوعة أوي. قالتها ميسون وهي تتابعها بقلق، بينما تنظر لها الأم باهتمام تهتف: -قومي ي ميسون جيبي لها ميه ي بنتي.
أومأت لها ميسون مسرعة، لكن أوقفها رجائي الذي ذهب هو وجلب لها كيساً به بعض الأطعمة الجاهزة وبعض علب العصير، يعطيها إلى ميسون التي نظرت إليه بتعجب لثوانٍ ثم جلست ثانيةً وهي تقول: -بما إنك صحيتي بقي ده أكلك وكمان فيه عصير اشربيه عشان تهدي ممكن. -معلش تعبتكم معايا، أنا آسفة بجد على اللي حصل. -ي بنتي متقوليش كده، أنتي زي ميسون بنتي، ويلا اسمعي كلامها وكلي عشان صحتك. قالتها الأم بحنان وهي تربت أعلى ظهرها.
نظرت إليها شهد بحب وهي تمسك الكيس بين يديها، رغم أنها لم تشعر بالجوع بتاتًا. حمحم رجائي وقتها واضعًا يديه خلف ظهره يقول: -مش يلا ي ماما نخليها ترتاح شوية دلوقتي! أومأت له ثم نهضت وهي تذهب معه، وكادت ميسون أن تخرج هي الأخرى كي تأخذ راحتها عندما تأكل، لكن وجدتها تقول: -ممكن تقعدي معايا؟! نظرت إليها وهي تقول بحب: -أكيد طبعًا لو مش هازعجك.
-أكيد لأ، ده أنا اللي محرجة من وجودي هنا حقيقي ومش عارفة أقولكم إيه، انتو ناس كويسين أوي ومامتك حد عسول أوي، هي اسمها إيه؟ -لأ بجد هزعل متقوليش كده، انتي نورتينا أصلاً، مش شهد برضو؟ أومأت لها شهد مبتسمة لترد بقول: -ماما اسمها فردوس. -هو ممكن سؤال ومتفهمنيش غلط؟! قالتها شهد باستحياء وتوتر لترد ميسون: -مفيش إحراج بينا اتفضلي طبعًا. -هو بصراحة المكان اللي انتو قاعدين فيه ده قاعدين فيه إزاي؟!
أقصد يعني شكلكم بصراحة ميبيّنش إنكم عايشين هنا، وكمان لهجتكم في الكلام عادية، أصلي اللي أعرفه اللي بيكونوا قاعدين في قرية لهجتهم بتبقى مختلفة عن كده، آسفة والله لو كنت ضايقتك. ابتسمت ميسون لتردف بتوضيح جعلها أكثر حيرةً بشأنهم أو بشأنه هو بالأخص: -بصي ي ستي، انتي صح فعلاً، إحنا مكناش قاعدين هنا أصلاً، إحنا من الجيزة وبقالنا سنة واحدة بس نقلنا لهنا. نظرت إليها شهد بصدمة وهي تقول: -إزاي!! إزاي من الحال ده لده!
فهمت ميسون ما تقصده لترد: -رجائي أخويا جابنا هنا من سنة بسبب طبيعة شغله، وأن ده أكتر مكان آمن ليه، بس إن جيتي للحق أنا حبيت هنا أوي، حبيت الهدوء والراحة النفسية اللي حسيتها هنا، بس روح المكان حلوة والناس هنا طيبة وبتود بعضها. تعجبت شهد من ما تقوله وهي لا تفهم ماذا تقصد "بطبيعة شغله هذه"، لتردف: -طبيعة شغله إزاي؟! ليه هو شغال إيه! صمتت ميسون ثوانٍ بتفكير وهي تنظر إليها، تتابعها شهد بغموض ثم تنهدت وهي تقول بصوت منخفض:
-بصي أنا مش عارفة ده صح ولا لأ لأن محدش يعرف هو شغال إيه غيري أنا وماما بس، بس هقولك بس بالله عليكي ما تعرفيه إنك عرفتي ولا كأنك سمعتي حاجة لأن ده خطر عليه. انتبهت شهد لما تقوله بتمعن وهي تخمن وظيفة ما، لتكمل ميسون لكن وجدت رجائي يفتح باب الغرفة دون الطرق عليها حتى كما اعتاد، يقول بصوت جامد ومخيف: -ميسون في واحدة برا وشكلها بتولد روحي ساعدي الحاجة برا.
انتفضت ميسون بصدمة تنظر بعينيه التي كانت تتوعد لها، ثم ركضت من الغرفة مسرعة. تنظر شهد في أثرها بحيرة واندهاش إلى أن جالت بنظرها عليه، تراه يتفحصها ببرود ونظراته التي كانت تحمل الكثير من المعاني وقتها. -ي ريت تاكلي وتخليكي في حالك، ده أفضل ليكي ولحمايتك، مفهوم؟! -هو إيه اللي مفهوم! وبعدين أنت مين فهمني! أنا من حقي أعرف، ي كده ي تسيبني أمشي من هنا وبلاش شوية الرجولة اللي باقيين عندك دول.
قالتها شهد وهي تخرج عن صمتها هذه المرة، فقد تعبت من كل هذه الألغاز والغموض في حياتها، أليس طبيعيًا أن تعيش حياة هادئة خالية من هذه المؤامرات والغموض! رمقها بنظرة غاضبة جعلتها تبتلع ريقها من الخوف الذي أصاب قلبها من نظراته التي تشبه نظرات الفهد الغاضب، ثم هتف بصوت يشوبه الاستياء فقد ضاق صدره من حديثها: -خلصتي كلامك؟!
بصي أما أقولك، انتي هنا زيك زي الحيطة اللي وراكي دي، مسمعش صوتك ومش عاوز أي لغبطة في الكلام، كلامي هو اللي هيمشي عليكي لحد ما أخلص منك، ومتدخليش نفسك في اللي ملكيش فيه لتاني مرة عشان متندميش. تركت الطعام من بين يديها بصدمة من كلامه المهين، وكأنه يطردها ويريد التخلص منها، لكنه مجبر عليها! نهضت من مكانها وهي تقترب منه تقف مقابله بعينين دامعتين، كادت أن تقع في وقفتها فتناولتها يد "رجائي" سريعًا ممسكًا
بها وهو يردف بنبرة سريعة: "خدي بالك". رفعت بصرها ببطء له، وهمست بصوت تملكه الأسف والأسى: -أنت ظابط صح؟! قالتها بحزن وهي تتأكد الآن من طريقة، حتى فرت دمعة هاربة من عينيها. يتابعها هو بصدمة وما زال ممسكًا يدها بقوة، ولكن لو يدرك مدى ثوران مشاعرها لأشفق عليها وتركها تهرب منه تأخذ أنفاسًا طويلة بعدما حبست أنفاسها تحت يده الممسكة بها في قوة. -تاني؟! قالها هو بغضب، يترك يدها بقوة من كشفه للمرة الثانية أمامها، ثم أكمل:
-انتي عاوزة توصلي لأيه فهمينييي!!! ي ستي أيوه أنا ظابط، ارتاحتييي! ابتسمت بسخرية وهي تقول، تضع يدها الثانية أعلى يدها الموجوعة أثر ما فعله: -بالعكس. -يكون في علمك إن حصل واتكلمتي ولا حتى قولتي حاجة عن نفسك قدامهم انتي حرة، الحمد لله إنهم معلقوش عليكي لما صرختي باسمه، وأنا قايلهم إنك يعتبر متعرفيش حد وأنك فاقدة للذاكرة، بلاش تهور عشان هنزعل كلنا. -وهما الظباط بيتخبوا من وظيفتهم في مكان زي ده؟!
قالتها شهد رغم حزنها، لكن تملكتها الحيرة والفضول في أن تعلم من هو، ليرد هو وقد انفجر صائحاً في وجهها: -يخربيتك انتييي مبتفهميييش!! أييييه وجععع الدماااغ دددده... انتي تعبانة معايا من زمان أوي ولسه! إيه ناوية تموتيني مجلوط منك؟! كانت شهد وقتها قد وقعت أعلى ذاك السرير بفزع من صوته وهيئته، وهي تتوسطه من الصدمة وقد بدأت بالبكاء بشكل هستيري.
ليزفر هو بضيق أكثر، ينظر إلى الخارج متابعاً الأوضاع، إلى أن تنهد براحة عندما وجدهم منشغلين بالخارج، حتى اقترب منها بطريقة أثارت رعبها، وهي تقفز أعلى السرير تقف وهي تتحرك به صائحة: -انتت زي ماااهر... أيوووه زيه... هو كاان بيعمل معاياااا كده وبيضايقني عشان أتكلم.. انتو عاوزززين منييي ايييه ابعدووو عني مش عاوزاااكم مش عاااوزه حمايتكم الكدابة اللي زيكم... أنا بكرهكممم. -انتي بتعملي إيه اقعدي!
أنا قولت إيه لكل دده اتفضلي اقعدي وبلاش جنون! قالها "رجائي" بصدمة من حالتها، يريدها أن تهدأ قبل أن يسمعوا بالخارج. لتفهم هي وقتها ما يفكر به عندما لاحظت نظراته للخارج مراراً، حتى أنها نزلت من أعلى السرير بجنون وهي تكاد أن تصرخ بهم، لكنه حملها بطريقة سريعة بيد واليد الأخرى تكتّم أنفاسها، ملصقًا بها بالحائط، يردف بتحذير وقد بدأت عروق رقبته ويده في الظهور: -اسكتييي... أنتي شكلك مجنونة...
أنا استاهل ضرب الجزمة إني قررت أساعد ماهر في قضية زي دي، إيه عاوزه تصوتي وتقوليلهم على الحكاية؟! طيب صوتي كده وقوليلهم وأنا أوعدك إني أخليكي تعفني في السجن مدى حياتك. انتي المفروض تشكرينااا على اللي بنعمله عشان نعرف مين الجاني الحقيقي اللي انتي كنتي مخبية عليه بسبب هبلك... كان هيضيعك وانتي ماشية وراه بدون حتى ما تفكري الزفت اللي اسمه زياد إيه مصلحتتته... إيه مجاش في بالك ولو مرة إيه مصلحته يساعدك في حاجة زييي دييي!
رغم إنك يوم الجريمة كنتي موجودة وكنتي أنتي آخر حد مع سمير النوبي والقضية كانت لبساك لبساك لولا أنه بعد تدخله الدنيء وعمل إنه أنقذك وأن ده جميل منه عليكي عشان تفضلي تسمعي كلامه وتمشي وراه زي المجنونة وهو العقل المدبر لكل ددده انتي للدرجادي مش واااعيه!! دي الطفلة تفهم عنننك ما بالك بكلم واحدة ناضجة قصادي.
كانت تتابعه شهد بصدمة من كل ما تفوه به، وكأنه على دراية بكل شيء من البداية، لكن ما أزعجها أنها كانت تختنق بين يديه وما زال يكتّم أنفاسها دون وعي حتى لا يسمع أحد بالخارج ما يحدث. حاولت التملص منه وهي تختنق، لكنه ما زال يعتقد أنها بهذا الجنان وستصرخ وتفضحه وتفضح نفسها معه. وقعت يديها التي كانت تحاول الإزاحة به بعيدًا، وهي تغلق عينيها باستسلام. يشيح هو بيديه سريعًا عنها بصدمة وقد بدأ جبهته تتصب عرقًا
وهو يتفحصها بتوتر يقول: -شهد! .. أنتي كويسة! أنا... لم يُكمل جملته عندما وجدها تقع بين يديه، يلتقطها سريعًا بصدمة وقلبه قد بدأ بالاضطراب والخوف عليها هذه المرة. يحملها مُحدقًا بها يردف بصوت ارتفع قليلاً: -شهددد فوقييي.. جراالك إيه... متعمليش كدده! مينفعش يجرالك حاجة بعد كل ده! لازم تفوقييي... شهدددد! أخذ يربت بيديه أعلى وجهها ثم يجذب شعره بقوة من هول الصدمة قائلاً: -أنا إيه اللي عملته ددده!! إيه اللي هببته ددده...
لييي كدددده... ي رب ارجوووك حلها من عندك.... وحياة حبيبك النبي مينفعش تموت كده.. ي رررررب. قالها وقد بدأ بالإرتباك والخوف وقلبه الذي شعر به حينها لأول مرة يهدم بهذه الطريقة. ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، يعيد شعره إلى الخلف ثم عاود كي يتحسس وجهها، لكنه سريعًا ابتعد، يضرب الحائط بيده عدة مرات حتى تورمت وبدأت بالانتفاخ.
وفي هذا الوقت دلفت فردوس رفقة ميسون اللذين سمعوا الصوت من الخارج بعدما رحلت تلك السيدة، ينظرون إليه في صدمة من هيئته وإليها أعلى الفراش ووجهها الذي قد بدأ بالتحول للون الأزرق تدريجيًا. صرخت ميسون بفزع وهي تركض إليها صائحة: -ي ماما الحقّي وشها أزرق. شهقت الأم بخوف تقترب منها، بينما "رجائي" نظر إليها بصدمة من انعدام الدم في وجهها علامةً للزرقة الذي ظهر.
لم يستطع أن يشعر بنفسه إلا وهو يركض من الغرفة، يخرج من المنزل بأكمله في حالة مريبة مثيرة للشفقة. بعدما انتهى "أكرم" من عمله الشاق هذه الليلة، فقد زاد العمل عليه بعدما تكفل بشغلها وأتمه على أكمل وجه، يودع بقية الجروب متجهاً داخل الفندق قاصداً غرفته لتعيقه تلك الفتاة التي فور رؤيتها تنهد قبل أن يردف بقول: -أفندم خير. -إنت نسيت اسمي ولا إيه! أنا مها! -ي ستي مها ولا مهاب مفرقتش كتير، عاوزة إيه؟!
شهقت بصدمة من جملته وهي تعيد شعرها إلى الخلف هاتفة بصوت غاضب قليلاً: -أنا مش فاهمة أنت بتعاملني كده لييي!! -بعاملك إزاي! آتاه صوته الذي يبدو عليه الملل من رؤيتها لترد هي بغضب أكثر من تجاهله: -على العموم كتر خيرك، أنا كنت جايه أسألك تُقي عاملة إيه دلوقتي ولو ينفع أشوفها. نظر إليها بتعجب قليلاً ثم أردف: -تهمك أوي؟! -أيوه طبعًا. قالتها بتعجب من نظرته التي كانت تستنكر تساؤلها ليرد هو بضيق:
-غريبة يعني مش كنتي إمبارح مطلعة فيها العِبر وأنها متستاهلش و.. -كنت غلطانة. قالتها وهي تكفيه عن الحديث، تنظر له بخجل وهي تبتلع ريقها بتوتر ثم هتفت: -هو بصراحة أنا كنت غيرانة إنك اخترتها هي تشتغل معاك، كان نفسي أكون معاكم بس محصلش نصيب. نظر إليها بترقب، يتابع ملامح وجهها ويستشف صدق حديثها يقول: -عامةً حصل خير، أحيكِ على شجاعتك إنك اعترفتي بخطأك. -شكرًا ليك، متأسفة على اللي حصل وأني جيتلك في وقت مش مناسب إمبارح.
-ولا يهمك، تصبحي على خير دلوقتي. -وانت من أهله. قالتها وهي تتابع رحيله، تنظر له بحب كبير اتضح من عينيها لتدلف هي الأخرى غرفتها، تتذكر كيف كانت ترتدي عندما ذهبت إليه وكأنها عاهرة! -بس دي طبيعة لبسي ليه مضايقة كده! قالتها وهي تعنف ذاتها باستياء، ثم أردفت مرة أخرى وكأنها تتحدث مع نفسها: -اعترفي إنك مضايقة عشان فهمك غلط وبصلك بصة وحشة وأنك من نوعية البنات دي. لترد مرة أخرى على ذاتها: -طيب وأيه المشكلة ما يفهمني!
وبعدين أنا بلبس اللي يريحني. -بس ده مش هيريحها وانتي عارفة! -ولو أهم حاجة يريحني أنا! -بتكدبي على نفسك صح؟! أنا عارفة إنك بتحاولي تلبسي محتشم عشانه. -لأ طبعًا مفيش الكلام ده! -متكدبيش عليا أنا أكتر حد عارفك. نظرت لذاتها بيأس وهي تجلس أمام المرآة تنظر لانعكاسها وملامح الحزن تتوسط وجهها: -بس أنا غلطت إني روحتله في وقت زي ده وباللبس ده وكل ده بسبب غيرتي! بس هعمل إيه هاا؟
مش شايفني من ساعة ما جيت الشركة، مش بيحب يتكلم معايا خالص بسبب لبسي ممكن! -ممكن يشوفك بعد كده ويركز معاكي أكتر بعد اللي حصل! نظرت إلى ذاتها بيأس ترد: -يركز إيه بقي مهو فهمني غلط زي ما قولتي، بس هو ممكن يكون مش بيحبني بسبب لبسي؟! يعني أنا لو غيرت لبسي ممكن يحبني ويهتم بيا صح؟!
-الحب عمره ما كان كده ي مها، الحب بييجي مرة واحدة ولشخص ممكن تكون مش طايقه ولا حابب شوفته، لكن مع مرور الوقت الكره ده بيكون السبب في الحب بطريقة غير مباشرة، الحب والكره دائمًا بيتواجدوا مع بعض. -يعني هو ممكن يتقبلني بلبسي ده كده ويحبني! -ولي لأ مفيش حاجة بعيدة! الحب قادر يخلي أي بني آدم ضعيف قدام اللي بيحبها، أيوه هيضايق منك وهيتعصب عليكي بس في الآخر مش هتهوني عليه.
ابتسمت لذاتها برضا ومسحت تلك الدمعة التي سقطت منها بعدما انتهت من حديث ذاتها، كل ليلة تبدأ في ارتداء بيجامة جميلة مثل قلبها الذي فقط يعرفه من يتعامل معها. -انتو عاوزين مننا إيه، وإيه المكان ده! قالها شادي وما زال يحمل يارا بين يديه، يتابع تلك الأماكن الذي كان يمر بها إلى أن وصل إلى بوابة كبيرة لقصر ما، ربما لكنه كان قصر مخيف ليس كبقية القصور في عالمنا هذا. نظر إليهم يردف مرة أخرى بغضب: -إيه المكان ددده!!
-سيدي الساحر غاندالف ينتظرك بالداخل. -مين ده!! قالها شادي بتعجب ليرد عليه: -أبيك سيدي. -إيه الأسماء الغريبة اللي في العالم ده! قالها داخلاً من ما حوله، ثم دلف معهم ينظر صوب كل شيء بصدمة، ثم نظر إلى يارا بخوف ليقول متسائلاً إليهم: -هي هتفوق إيمتي! -لا تقلق، ستفيق دون مجهود. سار معهم بضيق وقلبه مضطربًا لأجل هذا اللقاء، وفور دخوله وجد رجل ضخم إلى حد ما ذا ملامح حادة غريبة لم يرى قبلها من قبل، ابتسم إليه رغم غضبه
من فعلته السابقة يقول: -أهلاً عزيزي الساحر، لم يُكمل حديثه عندما وجد تلك الساحرة الذي بات يكرهها هي وأباها وما زال يفعل، تنهد بغضب مُحدقاً النظر بها، ثم أعاد بصره إليه بغضب أكثر يصيح: -ألم تخجل من فعلتك؟! .. لِما تبقي معها الآن، دعها وشأنها قبل أن أزهق روحها بيدي. توتر شادي من هيئته، يضم يارا أكثر بين يديه بتحكم يقول بنبرة حادة وتحذيرية: -يارا هتفضل معايا ومش هسمحلك تأذيها بأي طريقة. -حقًا!
تحدثني بهذه الطريقة من أجل هذه الفتاة الحقيرة! -يارا كويسة، وأنصحك متجيبش سيرتها، واتفضل قول عاوز مني إيه! -ستبقى معي هُنا، في قصرك هذا عزيزي، لقد علمت أنك ستأتي مجددًا. -أنا عاوز أخرج من العالم بتاعكم ده مش عاوز أعيش هنا، لازم تخرجني من هنا أنا وهي بأسرع وقت. -ماذا!! هل جَنِنت! ستظل هنا وهذه الفتاة سوف تُحتجز ثانيةً كي يكفي دراكو عن ما يود فعله.
-انتو الإتنين مجانين، اتصرفوا مع بعض، أنا وهي ده مش عالمنا لازم نرجع لحياتنا الطبيعية. -هذا مستحيل، لقد انتظرتك أكثر من مائة عام كي تعود ونتحد ونملك العالم أجمع بقوتنا. نظر إليه شادي بغضب وكاد أن يُكمل كلامه باستياء، لكنه فجأة توقف ووقعت منه يارا على الأرض عندما أتت تلك "شيراز" وقد أدخلت سائلاً في رقبته، لتتحول عيناه فوراً إلى اللون الأحمر الدموي، تضخم جسده كثيراً وأطرافه أيضاً، ينظر بجنون حوله يريد كسر كل ما أمامه.
نظرت شيراز بفرحة لتحوله وهي تشير للخدم بأن يحملوا يارا بعيداً عن هنا. نظر غاندالف بفخر إليها ثم اتجه أمامها يقول وهو يربت أعلى رأسها: -سأظل فخور بكِ شيراز، أنتي من تستحقين "ريحان". أومأت له بفرحة وفخر في آنٍ واحد وهي تتابع "شادي" الذي كان يتجول بالقصر بجنون كما كان يفعل من قبل. جلس "رجائي" بعدما رحلت الطبيبة التي أتى بها إلى هنا سريعًا بعدما خرج، وتحديداً فوق أريكة صغيرة الحجم، يراقب "شهد" الغائبة عن الوعي.
أحياناً كانت تستفيق متمتمة ببعض الكلمات الذي لم يفهم منها شيئًا، وأخرى كانت تضحك بلا هدف، وها هي تبكي بلا هدف. رمقها بنظرة تحمل الندم هذه المرة تجاهها وهي تبكي كالأطفال، فوضع يده أسفل ذقنه ينتظر وصلة ضحك أخرى، لكنها صمتت هذه المرة، أخذ ينظر لها بتعجب وحزن اتضح عندما جال نظره عليها، ثم نهض متجهاً إلى غرفته الذي لم يدخلها غيره هو نظراً لتلك الأجهزة الغريبة التي كانت توجد بها.
اقترب ناحية مصحفه الخاص ثم خرج يجلس في الصالة. تنظر إليه ميسون وأمه بخجل وهم يرمقونه بضيق. جلس بجوارهم، وهو يفتح مصحفه كي يقرأ بعض الآيات القرآنية الشافية، فهو معتادًا على ذلك عندما تمرض أمه أو أخته يظل يردد هذه الآيات بإخلاص وصدق بالنية. -لي اتعصبت عليها؟! قالتها ميسون بلوم وحزن لتكمل الأم: -أنت عمرك ما اتعصبت على بنت كده! -هي غلطتت في إيه؟! على فكرة أنا اللي كنت هقولها على وظيفتك، هي ملهاش ذنب.
كان هو بعالم آخر من الإيقاع باللوم عليه هذه المرة، يشعر ببشاعة ما فعله بحقها دون سبب. أخذ يتنهد بألم يقول بصوت ثابت: -ممكن تسيبوني أقرأ دلوقتي. قالها مراقباً لهم وهم ينظرون إليه بعدم فهم، ثم نهضت الأم تدلف غرفتها، واتجهت ميسون إلى شهد تبدأ بعمل كمادات لها طيلة الليل حتى أتى الصباح وهي بهذا الحال.
وهو بالخارج يقرأ تلك الآيات القرآنية ثم ختم بآية "الكرسي"، وبعدها أغلق المصحف يقبله مغمضًا عينيه بندم وتوسل أن تستفيق وأن يسامحه الله على ما بدر منه بحقها. وعندما حل الصباح. وبمنزل ريم كانت تجلس على أحد الكراسي تغفو قليلاً بجانب سوسن التي باتت طيلة الليل ترى الكوابيس فقط.
فتحت عينيها بوهن وهي تراقب سوسن، نهضت تسير إلى المطبخ تجلب ماءً بجانبها ثم عادت بالجلوس مرة أخرى وهي تعقد ذراعيها تبدأ بالنوم، لكن فجأة فتحت عينيها بفزع عندما سمعت شيئاً يسقط على الأرض. نظرت حولها حتى وجدت قلادة وقعت من أعلى السرير التي كانت تنام بها سوسن.
نهضت وهي تلتقط تلك القلادة بين يديها بتعجب تتحسسها جيدًا، لاحظت أنها تُفتح ففتحتها بتعجب لثوانٍ حتى شهقت بصدمة وهي تنظر إلى سوسن بعدم فهم لتلك الصورتين التي رأتهما. شعرت ريم بحركتها وعلى الأغلب أنها ستفيق، أخفت تلك القلادة سريعاً تعود إلى مكانها وهي تمثل النوم وعقلها قد بدأ بالتشوش بعد ما رأته.
أما بمكتب "ماهر" كان يجلس أعلى كرسيه، يرتشف قهوته الخاصة بتعب وإجهاد، فكان أسفل عينيه أسود للغاية وجانبه أربعة فناجين من القهوة، أنهى ذاك الفنجان ليضعه جانب البقية، يرتد إلى الخلف بتعب، يعدل رأسه موجهاً لها إلى الأعلى بتفكير وتشوش عن ما يحدث، إلى أن طرق عسكري الباب يعلمه بقدوم "مدحت". -دخله. قالها ماهر متنهداً بقوة بعد أن ارتشف كأساً من الماء.
تقدم "مدحت" والابتسامة تعلو وجهه، يجلس مقابله ثوانٍ وتحولت تلك الابتسامة إلى صدمة بعدما وجد كل هذه الفناجين الفارغة، ينظر إلى ماهر الذي كان يبدو عليه الإرهاق قائلاً: -إيه كل دده!! إيه اللي بتعمله ده! أعاد "ماهر" شعره للخلف ثم نهض يجلس بذاك الكرسي مقابله يتفحص وجهه، ينظر له بغضب قليل وعتاب يردف بلهجة ثابتة دون مقدمات: -تعرف ريم الجبالي؟ ابتلع ريقه بصعوبة ينظر إلى الجانب الآخر بصدمة من ما تفوه به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!