الفصل 4 | من 9 فصل

رواية صاحبة السعادة الفصل الرابع 4 - بقلم رضوي جاويش

المشاهدات
32
كلمة
2,732
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

تطلعت إلى القروش القليلة التي كانت ملقاة على الصينية النحاسية وانحنت لتجمعها واخذت تعدها في فرحة. فهي المرة الأولى التي تحتضن كفها هذا العدد من القروش وتشعر أنه ملكها. قفزت إلى ذهنها فكرة فقررت على الفور تنفيذها. فخرجت من الحجرة تتأكد أن عباءتها قد جفت، فانتزعتها من على الحبل ودخلت تبدلها وخرجت مغلقة الباب خلفها.

غابت بعض الوقت تبحث عن ضالتها المنشودة حتى وجدتها أخيراً. فقررت العودة أدراجها قبل أن يعود حِزن للغرفة فلا يجدها. دخلت الحارة وما أن وصلت لمنتصفها تقريباً حتى ظهر أمامها ذاك الرجل الذي يشبه جبلاً انشقت عنه الأرض ببنيته الضخمة وشعره الأشعث وشاربه الكث الذي تغيب تحته شفته العلوية وحاجبيه الكثيفين، ونظراته الغير مريحة بالمرة والتي كانت تتفرسها في وقاحة منقطعة النظير.

حاولت تجاهله والمرور بجواره كأنها لم تره، إلا أنه اعترض طريقها من جديد هاتفا بصوت جهوري لبعض من تابعيه ومن على شاكلته من رواد المقهى الذي كان يديره: "مين الوارد الجديد دي؟ مشفتش قبل كده الجمال ده في الحتة؟ هتف أحد تابعيه: "دي مرات واد صعيدي اسمه حِزن." قهقه الرجل بقوة أجفلها ساخراً: "يا حِزن الحِزن، بقى دي تبقى مرات الحِزن؟ أمال مرات الفرفشة والانبساط تبقى إيه؟

قهقه تابعيه مجاملة. لترتجف سعادة لا تدري ما عليها فعله. وكل ما جال بخاطرها هو الجري هرباً من أمام ذاك الضخم حتى تصل لعتبة البيت الذي تقطنه، لكنها عدلت عن الفكرة فقد يتبعها ورجاله. وقفت في اضطراب تحاول المرور مبتعدة عن طريقه، لكنه لم يتح لها فرصة لذلك. تضرعت داخلياً أن ينقذها أحدهم، لكن أبداً لم يتحرك أحد لنجدتها. فقررت الدفاع عن نفسها أمام بطش ذاك البلطجي وليكن ما يكون. وهتفت في سخط:

"أوعى من طريقي خليني أروح أشوف حالي." هتف البلطجي في مجون: "طب مينفعش أبقى أنا حالك يا جميل." دفعت به مبعدة إياه عنها عندما مال نحوها في جرأة وهتفت من جديد بلهجة أشد سخطاً: "بقولك ابعد عن طريقي أحسن لك." هتف بلهجة سمجة: "هتعملي إيه يا قمر قولي؟ همت بدفعه من جديد والانحناء لتناول حذائها كسلاح في مواجهته، إلا أن صوته كان النجدة التي انتظرتها من الله وهو يهتف في غضب: "هي مش هاتعمل حاجة، بس جوزها اللي هايعمل."

وصل لموضعها في لحظة ليجعل من جسده حائطاً فاصلاً بينها وبين ذاك البلطجي، مستطرداً في حمية إمراً إياها: "اطلعي على فوق واقْفِلي عليكِ الباب ومتنزليش مهما حصل، سمعاني؟ أومأت في طاعة واندفعت تدخل باب البيت وأغلقت خلفها. مدعية صعودها لغرفتهما، لكن قلبها لم يطاوعها فظلت تختلس النظرات إلى موضع وقوفه بجسده الذي على الرغم من قوته، إلا أنه لا يعادل نصف جسد ذاك الرجل الذي يشبه المقطورة. دفع عزوز البلطجي بحِزن

في قوة هاتفا في غضب: "بقى أنت بتتحداني؟ طب أنا هوريك مقامك."

وجذب زجاجة من زجاجات المياه الغازية من على إحدى طاولات القهوة وضربها بقوة بالجدار القريب منه محتفظاً بنصفها المكسور بيده. واندفع كالثور الهائج في اتجاه حِزن الذي لحسن الحظ أبصر إحدى العصي بيد شخص قريب منه، فانتزعها في سرعة. وفي اللحظة المناسبة أشاح بها لتطيح بالزجاجة. وبحركة ماهرة نزل بها على عزوز لتشج رأسه، لينفجر الدم من موضع الإصابة فيترنح في عدم اتزان وخر على ركبتيه متطلعاً إلى حِزن في غل واضح.

قذف حزن بالعصا من يده وهم بالابتعاد لداخل البيت الذي يقطنه، إلا أن ذاك الضخم نهض فجأة منقضاً عليه في ثورة يحمل مطواة قابضاً عليها بكفه وملوحاً بها في رعونة. حاول حِزن تفادي ضربات المطواة التي كان يلوح بها ذاك الأحمق في عشوائية، لكنها أصابته في كتفه ممزقة جزءاً من جلبابه ومصيبة الكتف بجرح نافذ جعل حِزن يترنح واضعاً كفه بكاملها مبسوطة على موضع النزف الذي بدأ يتسرب مغرقاً أصابعه.

سقط ذاك البلطجي كذلك بين يدي أتباعه، والذين حملوه لتطييب جراحه. بينما سقط حِزن مضرجا في دمائه بين يديّ سعادة التي صرخت مدفوعة إليه من خلف باب البيت. لتتلقفه بأحضانها صارخة باسمه. *** جال بناظريه في تيه يحاول أن يتذكر أين يكون. حتى وقع ناظريه عليها وهي تنكفئ بجبينها على ذراعيها المتشابكين فوق ركبتيها المضمومة لصدرها بالقرب من المرتبة التي من المفترض أنها موضع نومها. حاول النهوض لكنه توجع رغماً عنه. فانتفضت

متطلعة إليه هاتفة في لهفة: "سي حِزن، أنت كويس؟ استند متحاملاً على ذراعه الأخرى بعيداً عن موضع الإصابة بالقرب من كتفه الأيسر. وما أن اعتدل قليلاً حتى هتفت سعادة: "حمد الله ع السلامة، خضتني عليك." وما أن همت بالنهوض لتحضر له بعض الطعام ليستعيد ما فقده من قوة بعد نزيف جرحه، حتى جذبها من كفها لتسقط على صدره تشهق في صدمة. تطلع إليها في غضب: "إيه اللي نزلك الحارة من غير أذني؟ أنا مش جايلك جبل ما أنزل عايزة حاجة قلتي لا آه؟

تطلعت لعينيه بنظرات دامعة مما أورثه شعوراً بالذنب لمعاملتها بمثل هذه الخشونة التي لم تعتدها منه. لكنه ظل متحجر الملامح وهي تهمس بصوت متحشرج تأثراً: "معدتش تتكرر، أنا مكنش قصدي أنزل من غير إذنك، ولا كان في بالي أنزل من أساسه، بس... تطلع إليها متسائلاً وقد لانت قسماته بعض الشيء: "بس إيه؟ إيه المهم جوي ده اللي يخليكي تنزلي وتسمعي كلمتين بايخين من اللي يسوى واللي ما يسواشي؟ همست من جديد وهي لا تقوى على

رفع نظراتها لتقابل ناظريه: "أصل لقيتك سايب لي فلوس فقلت يعني... قاطعها هاتفا: "اشتريتي حاجات لنفسك يعني؟ طب وماله، بس كنتي قلتي." نكست رأسها ولم تعقب. ليهمس مطيباً خاطرها وهو يمد كفه ليرفع ذقنها ليتطلع لناظريها الدامعتين: "خلاص سماح المرة دي."

نهضت من وضعها تحضر له الطعام ليتناول ما بقي من طعام الإفطار ويحاول النهوض لينام على حصيرته. إلا أنها أبت أن ينهض تاركة له المرتبة لهذه الليلة ليتمدد عليها ويذهب للنوم سريعاً من شدة الإرهاق. *** حاول أن يتمدد بطول المرتبة وأن يتقلب عليها بأريحية، إلا أنه شعر بوجع موضع جرحه تحت كتفه الأيسر والأعلى من موضع القلب بعدة سنتيمترات. جعلت النجاة من طعنة عزوز البلطجي منة وفضل من الله.

تحرك في حرص، لكن قدمه ضربت شيئاً ما. فتطلع إليه يحاول أن يستوضحه عبر بصيص الضوء النافذ من خصاص النافذة الوحيدة بالغرفة والأقرب إلى مكانه اللحظة. استجمع قوته ومد كفه متناولاً تلك اللفافة متذكراً أنه قد أعطاها لها عندما أمرها بالصعود للغرفة قبل بدء المعركة مع عزوز. ضم اللفافة البنية اللون لصدره وشعر بالذنب لأنه قسى عليها البارحة. حاول أن يتمدد من جديد في انتظارها حتى تستيقظ، إلا أنه سمعها تهمس من

خلف الستار القائم بينهما: "أنت صحيت يا سي حِزن؟ همس بدوره مضطرباً لسماع نبرات صوتها الشجي: "آه، صحيت من دقيقتين." همست: "طب هقوم أعمل لك لقمة تاكلها." هتف يستدعيها: "لأ تعالي عايزك في الأول." نهضت من موضعها على الحصير الممدود بالقرب من الساتر الذي أزاحته قليلاً، فرأته يحتضن تلك اللفافة. فنكست رأسها. ليهتف هو بنبرة تحمل بعضاً من اعتذار وندم وهو يمد كفه باللفافة: "مدي يدك خدي دي ليكِ." همست متعجبة:

"بس دي تخصك يا سي حِزن؟ هتف متعجباً: "تخصني كيف؟ مش هي دي اللفة اللي عطتهالك ساعة العركة؟ هزت رأسها نفياً. أشارت حيث كان هناك لفافة أخرى بنفس اللون تقبع على الطاولة. زم حِزن ما بين حاجبيه مندهشاً ونفض اللفافة الورقية بذراعه السليمة، ليمتد نسيج جميل من لون رمادي. فرده أمام ناظريه ليكتشف أنه جلباب جديد لأجله. رفع رأسه متطلعاً إليها في محبة وهتف ممتناً: "دي عشاني؟ هزت رأسها مؤكدة دون أن تفوه بحرف. ليستطرد متسائلاً:

"دي اللي نزلتي لجل ما تشتريها بالفلوس اللي سبتهالك؟ هزت رأسها إيجاباً من جديد وهمست في تلعثم: "أصل أنت محلتكش إلا الجلابية اللي أنت لابسها وكان لازم يبقى معاك حتى واحدة تانية. قلت أجيبها اهو تقلع القديمة تتغسل وتلبس الجديدة وتبدل فيهم." ازداد تمعنه في محياها الخجل وما عاد قادرًا على النطق بحرف. لقد فكرت به وفضلت أن تشتري له ما ينقصه على ادخار المال من أجل الطعام. همس بصوت متحشرج: "طب ما تشوفي اللفة التانية فيها إيه؟

تحركت باتجاهها وفكتها في وجل متطلعة لذاك الثوب في انبهار وهتفت في فرحة: "ده ليا يا سي حِزن؟ هتف مازحاً: "أومال ليا؟ أنا لسه مجربتش ألبس جلابيات فيها ورد ودانتيل." تطلعت إليه وعلى وجهها سعادة لا يمكن وصفها، فقد تذكرها كما تذكرته. أحضر لها ثوباً جديداً رغم أنه كان يمكنها الاكتفاء بما لديها نظراً لضيق الحال. لكنه لم يبخل وهو أكثر الناس حاجة. لم تستطع أن تعبر عما بداخلها وهو لم ينتظر كلمة شكر واحدة، بل هتف يستحثها:

"روحي جربي وفُرجيني، يا رب أكون عرفت أجيب المقاس الصح." مدت كفها في حرج وسحبت الستار القائم بينهما، ليهتف في مشاكسة: "هو لازم يعني؟ قهقه عندما نظرت إليه عاتبة وهتف مؤكداً: "كنت بضحك معاكِ، تحبي أقوم أبني لك حيط مسلح عشان ترتاحي؟ أكملت جذب الستار بينهما هاتفة في لهجة مازحة بدورها: "بعد ما تقوم بالسلامة إن شاء الله." مرت بضع دقائق قبل أن تهتف في خجل: "أنا خلصت." أزاح هو الستار متطلعاً إليها في انبهار

وهمست وهي تقف في حياء: "هااا، حلو." هتف وهو يملي عينيه من جمال قسماتها المليحة هاتفا: "حلو بس، ده ياخد العقل، ده أحلى عشان أنتِ اللي لبساه." همست في اضطراب: "ربنا يجبر بخاطرك يا سي حِزن." واندفعت تحاول الهرب من حصار نظراته مستطردة: "أما أروح أحضر لك لقمة ترم عضمك بيها." أشعلت (وابور الجاز)

بعد بعض الجهد لتضيء عينه معتمدة على قليل من الكيروسين الذي كان بخزانه. دقائق وكان الحساء مصبوباً بأحد الصحون الثلاثة الموجودة على الطاولة، وتقدمت تضعه أمامه مع بعض الخبز الناشف المسمي (قرقوش) تطلع حِزن للحساء الذي كان به بعض اللحم وإلى الخبز كذلك، ومن ثم رفع ناظريه متطلعاً إليها في حنق هاتفا: "أنتِ نزلتي الحارة لوحدك تاني؟ وجبتي منين فلوس الأكل ده؟ هتفت في عجالة في محاولة لتجنب غضبته:

"لا منزلتش والله، ولا جبت الأكل، ده الشيخ صالح الله يستره لما عرف اللي جرى جاب الحاجات دي بنفسه ودخل طل عليك. ولما رفضت أخدهم قالي أنتِ وافقتي أكون مطرح أبوكِ في كتابة عقد جوازك، يعني متقوليش لا لما أدخل عليكي أنتِ باللي يلزمك وجوزك راقد تعبان. لكن والله ما عتبت بره الباب ده من ساعة ما شالوك على هنا وأنا جنبك ومتحركتش."

هدأت نيران غضبه ومد كفه للملعقة يتناول الحساء ملتهماً قطعة اللحم. لتمد هي كفها تكسر الخبز اليابس بالحساء حتى يتناوله متشرباً بالمرق. همس دون أن يرفع ناظريه إليها وهو لا يزال يتناول طعامه: "كلتي؟ همست بدورها: "لا، بس كل أنت الأول وبعدين أنا."

قاطعها رافعاً شريحة من اللحم بكفه أمام فمها وابتسم يهز رأسه أمراً لتتناولها. فتحت فمها وألتقمتها وعينيها معلقة بنظراته الحانية التي أسرتها كلياً. ظل يتناول بعض الحساء ويرفع لها كفه ببعض اللحم حتى انتهيا، ولا تزال النظرات على تعلقها المحموم بنظيراتها. همس مشيراً لجيب جلبابه الكائن على الجانب المصاب من جسده والذي كان بعيد المنال عن يده السليمة: "حطي يدك في جيبي وطلعي اللي فيه."

تقابلت نظراتهما من جديد ليخرسها ذاك البريق العجيب بعمق عينيه. اتحدت الأرواح للحظة وتآلفت بعد التعارف. وقد أيقن كلاهما أن قلبه أصبح ملكاً لصاحبه. وأن الوصل محتم ونهاية رحلة التيه والبعاد قد حانت. همس باسمها في صوت مهتز النبرات يشي بكل ما يعتمل بدواخله من مشاعر: "سعادة...

انتفضت عندما همس باسمها وكأنما كانت تنتمي لعالم آخر. وتطلعت حولها في اضطراب تحاول أن لا تتعلق نظراته بعينيه من جديد فتقع بأسَر آخر لن يكون لها القدرة على الفكاك منه. وأخيراً نهضت مبتعدة تحتمي بحصيرتها. ليسود الصمت للحظات وينهض هو في تثاقل مستنداً على جدران الغرفة حتى الباب الذي فتحه وخرج لبراح السطح الذي أصبح أكثر اتساعاً من براح روحه يحاول استنشاق الهواء البارد لعله يطفئ بعض من نار الجوى المستعرة بين جنباته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...