أستيقظ آدم بسبب صوت الطرقات التي تطرق الباب. فتح عينيه بكسل يحاول استيعاب أين يوجد. شعر بثقل على صدره الأيمن، نظر لتلك النائمة بعمق ليتذكر أحداث اليوم. ازداد الطرق على الباب مع صوت الممرضة: “أستاذ هيثم فاق يا فندم.” حمحم في محاولة لاسترجاع صوته ثم نبس: “ماشي اتفضلي أنتِ.”
حاول أن يعدل جلسته دون أن يزعجها، لكن حركته جعلتها تجعد ما بين حاجبيها بضيق وهي تدخل نفسها في حضنه أكثر. بدأت بفتح عينيها ببطء وهي تشد على حضنه. كان يتابعها بصمت. حركت عينها في أرجاء المكان. ابتعدت مرة واحدة عن حضنه وهي تنظر حولها، فأصبحت جالسة بجواره على السرير تنظر له وعلى وجهها ملامح الهلع. اقترب منها وهو يضحك على حالتها تلك. وضع يده على شعرها يهندمه لها: “مالك اتفجعتي كده ليه؟ زحفت مسافة صغيرة وهي تنظر له بقليل
من التوتر الممزوج بالخجل: “اتفجعت لما لقيت نفسي في مكان غريب.” أمسك قدمها يسحبها منها حتى تقترب منه وهمس لها: “متخفيش طول ما أنا معاكي فاهمه.” نظرت له ببعض الخجل من قربه ذلك. شده ذراعه حتى تنام بحضنه. حاولت الإبتعاد: “بتعمل أيه يا آدم يلا بينا.” شد على حضنها: “سبينا كده شويه.”
قاطع حديثهم وصول رسالة لآدم. أمسك هاتفه بالقرب منها وقام بفتحه أمامها. أصابها الفضول لتلاحظ كلمة المرور الخاصة به، لكنه أغلق الهاتف قبل أن ترى الرسالة مما جعل الفضول يصيبها أكثر. أردف بعدها: “يلا بينا عشان نشوف هيثم ونروح.” أومأت له وهو تهم بالنهوض. دخلت المرحاض حتى تعدل نفسها وخرجت بعد خمس دقائق: “يلا بينا.” فتح باب الغرفة، خرج هو أولاً ثم لحقته هي.
كانت تجلس سهير بالممر خارج الغرفة وهي تبكي على حال ابنها. نظر آدم وليان لبعضهم بقليل من التعجب بسبب وجودها بالخارج وليس بجوار ابنها. اقتربت ليان تربت على كتفها: “ربنا يقومهولك بالسلامة.” لم تبدِ سهير أي رد فعل ليتركها ويُتدخل غرفة هيثم. نائم على الفراش، الضمادات تحيط معظم ذراعه وبعض من معدته وظهره. اقتربت ليان منه وهي تسحب آدم خلفها. ابتسمت له بحزن على حالته: “ألف سلامة عليك يا هيثم. كلنا كنا خايفين عليك أوي.”
نظر لها آدم ببعض الغيظ وهو ينبس ببرود: “بتجمعي ليه؟ أنا مكنتش قلقان.” ضربت بكتفها في صدره لتكمل: “سيبك من اللي بيعملوه ده، بس بجد آدم كان خايف عليك.” ابتسم لها هيثم بتعب: “الله يسلمك يا ليان. أنا عارف أن آدم بيحبني. أنا بس اللي كنت وحش معاه ومش متقبل وجوده في الأول. أما دلوقتي عرفت أننا ملناش غير بعض.” أنهى حديثه بابتسامة أوسع وهو ينظر لآدم الذي كان ينظر بعيدًا عنه ليتحدث ببروده المعتاد متجاهلاً حديثه:
“ألف سلامة عليك يا هيثم. تعيش وتاخد غيرها.” ضحك كل من في الغرفة على حديثه وكيف يحاول إخفاء مشاعره بحديثه ذلك. لاحظت ليان هدير الجالسة بالغرفة تنظر فقط لهيثم دون أي تعبير. اتجهت لها بالرغم من ضيقها منها، لكنها توجهت لها وهي تربت على كتفها: “إنتي كويسة؟ رفعت هدير عينها عن هيثم وقد لاحظ توا اقتراب ليان منها. ابتسمت لها ابتسامة صغيرة تكاد لا تظهر: “آه كويسة. شكرًا.” قاطعهم تدخل آدم:
“يلا بينا بقى يا ليان عشان نسيب هيثم يستريح.” ثم وجه حديثه لهدير: “هتروحي ولا هتباتي هنا؟ نَبست دون أن تنظر له: “لا هبات هنا.” أومأ لها وهو يسحب ليان من يدها التي كانت تقف تنتظر أن يخبر هدير أن تذهب للمنزل أو تبقى بالمشفى. مشت خلفه وهي تنظر لظهره. لم تكن تنتبه لحديثه، تفكر فقط. وقف هو مرة واحدة لتصطدم بظهره. ارتدت عدة خطوات ليلتفت لها: “بتفكري في إيه؟ رفعت وجهها له وهي تمسك مقدمة رأسها أكثر الاصطدام لتنبس:
“اشمعنى أنا.” قوس حاجبيه دون فهم لتكمل: “اشمعنى أنا بتعملني كويس بتهتم بيا مع إنك متعرفنيش؟ وأسلوبك مع عيلتك كده كأنك غريب عنهم. ليه بتعاملهم كده؟ اقترب منها عدد الخطوات التي ابتعدها. نظر لها بطريقة لم تفهمها لكنها راقت لها وبشدة. أمسك كفها ليحتضنه بكفيه ونظر لعينيها: “عشان هما مش انتِ.” اهتزت بؤبؤت عينيها جراء حديثه لتنبس: “بس انتَ مكنتش تعرفني.” رفع يده نهاية حديثه يتحسس نعومة وجنتها: “ومين قالك إني معرفكيش.”
نظرت له نظرات تعجب وتلك النظرات المحببة لقلبه. قرص أرنبة أنفها وهو يضحك على تعبيراتها: “تعالى بس نروح ونتكلم في البيت عشان مآكلكيش دلوقتي من حلاوتك.” نظرت له بخجل أثر حديثه لها. وضع يدها بجيب سترته وهو يسير معها. يفعل حركات بسيطة لكنها تحدث ثورة بداخلها. *** بعد مرور بعض الوقت، عادا للقصر وها هم الآن يجلسون بغرفتهم بعدما بدلت ملابسها. جلست بجواره على الأريكة: “أدينا روحنا أهو. ممكن بقى تفهمني؟ نظر لساعة يده ليقف:
“هقولك كل حاجة خلاص، بس هروح الأول المكتب عشان هيكشفوا ويشوفوا إيه سبب الحريق وهطلعلك.” كادت أن تعترض لكنه أوقفها: “ساعة بالكتير وهطلعلك. متناميش.” أومأت له بابتسامة حتى رأته يغادر. *** تجلس بـهيبتها بإحدى الشقق الفاخرة بإيطاليا، ومن غيرها رحاب هانم المعروفة بـهيبتها. تجلس وهي تفكر، لتنبس لمساعدتها: “أنا قررت. دي هتبقى آخر صفقة هعملها وهتبقى عشان خاطر آدم. هقدمله الفرصة دي على طبق من دهب.” أخذت رشفة من كوب القهوة
المزخرف الذي أمامها لتكمل: “إحنا كده وصلنا لنهاية الطريق. فاضل حق آدم.” *** تجلس تنتظر بغرفتها وتفكر: هل يعرفها من قبل؟ قاطع شرودها صوت رسالة وصلت لآدم. أصطحبتها عدة رسائل، تفاجئت بوجود هاتفه بالغرفة. حاولت تشتيت نفسها لكنها استمعت لصوت رسالة أخرى. أمسكت هاتفه بتردد، هل تفتحه أم لا؟ لكن فضولها قد كسب.
فتحت الهاتف لتدخل على الرسائل. وجدت رقم مسجل باسم عابد. فتحت الرسالة بأيادي مهتزة لتجد ما شل حركاتها. رسالة مضمونها معلومات عن والدها وعن عائلتها وأصولها: “عمران كلامه صح يا آدم باشا، هو فعلاً خطفك ووداك للقبطان حسن وهو اللي سافرك. بس حسن ده مات من كام شهر.” نظرت للرسائل السابقة لتجد صورة شهادة ميلاد لوالدها مسجلة باسم عمران وليس السيد. فكانت والدتها تخبرهم أن اسم والدها السيد، ولكن اعتادت عائلته على مناداته بعمران.
وجدت رسالة أخرى مضمونها: “عمران طلب من الحاج عثمان فلوس من يجي 6 سنين بيبتزه بأنه هيقول على حوار خطفك. وتقريبا الفلوس دي اللي سافر بيها ليان هانم. عايزني أتصرف إزاي معاه يا باشا؟ جلست على أقرب مقعد لها وتحاول تمالك كمية الصدمات تلك. فهي كانت تعتقد أنها سافرت بمنحة كما أخبرها والده. بعثت رسالة أخرى من شخص آخر من رحاب هانم مضمونها: “آخر صفقة. هطلب منك إنك تعملها. عايزاك تخلصلي على أليكسندر وفي المقابل هساعدك تاخد حقك.”
أرسلت له عدة رسائل لأسلحة وأوراق: “بدأنا في أول خطوة. فاضل أنت تخلص.” كانت تعبث بالرسائل وتقرأ وهي تبكي بصمت. تشعر أنها تلقت صفعة على وجهها. هل والدها هو الشخص الذي خطفه وحرمه من عائلته؟ هل هو قاتل حقاً؟ ماذا تعني رحاب بـ "إنهاء أمر أليكسندر"؟ شهقت بصوت مرتفع بعدما أدركت فظاعة ما قام له والدها. شعرت بالاختناق. وضعت يدها مكان قلبها وهي تضغط عليه تشعر بألم: “مينفعش اللي أنا حاسة بيه من ناحيته. مينفعش.”
تنظر حولها تشعر أن ذلك ليس مكانها. لا يفترض أن تكون هنا بجواره. ابتسمت بسخرية: “وأنا اللي كنت مستنية يعترف بحبه ليا… حب إيه ده؟ عمرنا ما هنبقى لبعض. ده كمان مجرم. أنا إزاي كان عندي استعداد أنسى كل ده.” لتكمل حديثها: “غلط، كل حاجة كانت غلط من الأول. مش هينفع نكمل.” قاطع حديثها مع نفسها دخول آدم الغرفة. نظر لها لينبس: “مالك قاعدة ليه كده؟ في حاجة حصلت؟ كانت عينيها محمرة دليل على دموعها المحبوسة. نَبست بما لم يُدركه
عقله: “إحنا مينفعش نكمل مع بعض يا آدم… لازم نطلق.” نظر لها بصدمة جراء حديثها ذلك. تحدث بصدمة من حديثها: “إنتِ بتقولي إيه؟ إيه اللي حصل؟ أعطته هاتفه وهي تتحدث بنبرة باكية: “أنا عرفت كل حاجة. أنا مش عارفة أقولك إيه وأعتذرك إزاي عن اللي حصلك.” مسحت دموعها: “أعتقد مبقاش ليها لازمة قعدتي هنا. مش هبقى معاك وأنت بتفكر إزاي تنتقم من أبويا. أنا عارفة إنه غلطان وغلطان أوي كمان.” اقترب منها عدد خطوات لكنها ابتعدت عنه:
“لو سمحت يا آدم خليك بعيد. معدش ليها لازمة لعبة الجواز دي.” نظر لها بأعين مخذولة وبداخله سؤال واحد: هل ستتخلى عني هي أيضاً؟ *** في الصباح، كان آدم مازال جالس بسيارته. لم يجبها، اكتفى فقط بتركها بالغرفة وجلس بسيارته. قاطع تفكيره اتصال من سليم: “إنت فين يا آدم عايز أتكلم معاك.” أجابه بتثاقل: “عايز إيه يا سليم؟ نَبس سليم بتوتر: “في حاجات كتير لازم نتكلم فيها. هبعتلك اللوكيشن تعالى لي.” ***
استيقظت بتعب وهي تشعر بالصداع بسبب بكائها. نظرت حولها لم تجد بالغرفة. جمعت شتات نفسها وهي قررت إنهاء كل شيء. النوم. خرجت من المرحاض بعدما ارتدت ملابسها، عبارة عن بنطال من القماش الأسود وعليه سترة صوفية زرقاء برقبة قصيرة. لم تأخذ معها أي ملابس، فا كل تلك الأشياء ليست ملكها. خرجت من جناحها وتوجهت لبوابة القصر. أوقفها أحد الحراس: “على فين يا هانم؟ أجابته بحدة: “وأنت مالك؟ نظر لها ونبس باحترام:
“مش القصد يا هانم، أنا بتكلم عشان أوصلك لأن المكان بعيد.” تنهدت وهي تتمالك نفسها: “ماشي. وصلني.” سألها ببعض التردد: “هو آدم باشا يعرف؟ كادت أن تصيح به لكنه قاطعها: “اتفضلي حضرتك اركبي العربية.” اتصل بآدم بسرعة يأخذ منه إذن خروجها، وقد سمح له بإيصالها بشرط أن لا يتركها. *** وصل للعنوان الذي أرسله له سليم. نزل من سيارته وجد سليم يقف أمامه. توجه له لينبس سليم: “فاكر المكان ده يا آدم؟ وقف آدم جوار سليم ببرود:
“آه. أول مرة هربنا من الحج جينا هنا.” ابتسم سليم وهو يتذكر مواقفهم معاً، لينسى بعد بضع ثوانٍ: “أنا آسف يا آدم.” نظر له آدم يحاول فهم حديثه ليُكمل سليم: “أنا كدبت عليك. معرفش ليان ومش هي اللي أخدت الفلوس.” التفت لآدم ليصبح مواجه له: “ومحدش نصب عليا أصلاً. أنا أديت لمريم أخت ليان الفلوس بمزاجي عشان كنت بحبها. طلبتهم مني على أساس إن أبوها مدي…”
لم يُكمل حديثه بسبب تلقيه لكمة على وجنته اليمنى من قبل آدم أدت لرجوعه عدة خطوات. صاح به آدم بغضب: “كُله ده كنت بتستعبطني ومفهمني إن اتنصب عليك؟ ده أنت خليت أيان يدور وقال إيه أديته اسم ليان عشان مفيش حاجة تمس السنيورة بتاعتك.” اقترب منه آدم يمسكه من ياقته وهو يسدد له لكمة أخرى: “عملت كده ليك؟ هان عليك تعبنا؟ كان عاجبك اللي عثمان عمله فينا؟ دفعه من ياقته ليسقط جسد سليم على الأرض. صاح آدم به بغضب ممزوج بالخذلان:
“هونت عليك؟ كنت مستخسر فيا الفرحة؟ مش عايز تشوفني فرحان؟ نفى سليم بوجهه وهو مازال جالس على الأرض: “والله أبداً. أنا عارف إني أناني وندل، بس والله مكنتش أعرف إنها مراته. أول ما عرفت.” أشار له على نفسه: “جيتلك أهو وقلتلك كل حاجة. مش هطلب إنك تسامحني عشان أنا كسرت الثقة بينا، بس متكرهنيش. أنا مليش غيرك أنت وأيان.” ابتسم بسخرية على حديث سليم: “دلوقتي عرفت إننا ملناش غير بعض.” أكمل وهو يتوجه لسيارته:
“للأسف، الأوان فات يا سليم.” ركب سيارته، سار بها قليلاً وهو يشعر بثقل في أيسره. الجميع خذله، الجميع تركه. أوقف السيارة بأحد الشوارع. أسند رأسه على مقود السيارة يشعر بجميع المشاعر المؤلمة: الخذلان، الألم، قصة حب انتهت قبل أن تبدأ. قاطع وصلة آلامه تلك اتصال. أخرج هاتفه من جيبه وجد اسم هدير، ابنة عمته. لم يُجب، ليتعاود الاتصال مجدداً. أجابها بثقل: “عايزة إيه يا هدير؟ أجابته وهي تشعر بالخجل من أفعالها السابقة:
“عايزة أتكلم معاك.” تنهد بخنق منها: “أنا مش فاضيلك دلوقتي يا هدير.” تحدثت بسرعة قبل أن يغلق الخط: “استنى يا آدم أنا عارفة مين اللي اتسبب في حريقة المكتب.” أعاد الهاتف على أذنه لينبس ببرود: “هبعتلك لوكيشن تعالى فيه.” *** تدخل ليان من بوابة البناية التي كانت تقطن بها، تفكر وهي تتحدث بسخرية: “يعني مطلعش بابا واخد قرض عشان ياخد الشقة دي؟
دخلت المصعد وهي تحاول أن تتمالك نفسها. وقفت أمام الباب لتدق الجرس. لم تمر بضع ثوانٍ حتى وجدت والدتها تفتح لها الباب. وقفت تطل لوالدتها، لا تعرف كيف تتصرف. هل تعانقها أم تكتفي بسلام اليد؟ فا هي تشعر بحائط سد بينهم. لكن والدتها قد فاجئتها وهي تشدها لحضنها، تحتضنها وهي تبكي. تصنم جسد ليان بسبب ذلك الحضن. لم تبادلها العناق بسبب صدمتها عندما شعرت باهتزاز جسد والدتها دليل على بكائها. عانقتها بأيدي مهتزة. نَبست
حنان والدتها ببكاء: “أنا آسفة يا بنتي. كنت فاكرة إني كده صح.” شدت ليان على حضنها وهي تبكي مثلها، فقد كانت تنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر. بكت وهي تشهق بصوت مرتفع. قبلت والدتها رأسها وهي تتحدث: “كنت فاكرة إن الصح وإني أبقى قاسية عليكي هتسمعي كلامي. اكتشفت إني غلط.بعادك عننا كان غلط.” ابتعدت ليان عنها وهي تمسح دموع والدتها: “متعيطيش خلاص. أنا مش زعلانة منك.” قبلت رأس والدتها وهي تكمل مسح دموعها. ***
دخل آدم إلى إحدى المطاعم التي كانت بجواره ينتظر قدوم هدير. لم يمضِ بضع دقائق حتى وجدها تدخل وهي تنظر له، لكن نظرات مختلفة عما قبل. نظرات بها استحياء وخجل. جلست أمامه وهي تتحدث: “عامل إيه يا آدم؟ هز رأسه لها ليتحدث: “ادخلي في المفيد.” ابتلعت ريقها لتنبس: “أنا هقولك عشان عارفة إنك هتتصرف صح. أمانة عليك يا آدم متعملهاش حاجة.” لم يعطها أي رد فعل، ظل يرمقها ببرود. لتكمل هي:
“أنا بحاول أعمل حاجة صح. اللي عمل كده ماما. أنا شوفتها وهي بترمي قماشة في الأوضة. أكيد كان فيها بنزين. لأني مشيت ورجعت على صويت الخدم. هي كانت فاكرة اللي جوا أنتَ.” أردفت كلماتها دفعة واحدة. نظر لها بصدمة تحولت لابتسامة سخرية: “وسبحان اللي طلعت كانت حتُحرق ابنها.” نظرت له هدير بحزن: “خد حقك منها بس متأذهاش أرجوك. أنا خلاص قررت. هروح أعيش مع بابا زي هيثم كان عايش معاه. ممكن حياتي تبقى أحسن.” ابتسم
له ابتسامة أسف لتكمل: “أنا بجد آسفة على كل حاجة عملتها معاك. أتمنى تسامحني.” نهضت عندما لم تتلقى منه جواب تنظر له بأسف. أوقفها قبل ذهابها ليردف: “مسامحك عشان أنتِ كنتِ ضعيفة من ضحايا سهير وعثمان. أتمنى إنك تتغيري.” ابتسمت له بامتنان: “شكراً يا آدم بجد. يارب تتغير أنت كمان وتكمل حياتك مع ليان على خير.” ابتسم لها ببعض الألم: “إن شاء الله.”
لاحظت هي ملامحه الحزينة عند سماعه لاسم ليان. تبادله بعض السلام لتهم هي بالمغادرة. *** تجلس ليان بصالة بيتهم تنتظر قدوم والدها بعدما تصالحت مع والدتها. يبدو أن ذلك وقت المواجهة.
مر بضع دقائق لتسمع صوت الجرس ومن ثم صوت والدها. وقفت تنتظر دخوله بقلب ينبض بتوتر. ما إن دلف والدها حتى لاحظها. كاد أن يقترب منها ليعانقها لكنها أوقفته بيدها حتى لا يتقرب أكثر. تشعر بالذنب لأنها ستُحرم من ذلك الحضن الذي حُرم منه آدم. أشارت لوالدها بالجلوس أمامها على المقعد. تحمحمت حتى تُعدل من وتيرة صوتها لتنبس: “أنا عرفت كل حاجة يا بابا… ليه… ليه عملت كده؟ أغرورقت عينيها ببعض الدموع لتكمل:
“هان عليك تشرد طفل معندهوش غير أربع سنين وترميه في الشارع؟ نهضت وهي تشير ناحية قلبها: “هنا مكنش بيوجعك لما كنت بتتخيل إنه لوحده؟ اقترب منها والدها وهو يحاول لمسها: “اسمعيني يا بنتي.” ابتعدت عنه ووجهاا ملطخ بالدموع: “متقوليش بنتي. بس أنت عيشتنا بفلوس حرام، فاهم يعني إيه؟ سافرتني بفلوس حرام. ضحكت عليا…” صمتت تنظر لوالدتها بسرعة. رأتها تبكي بصمت، لا يظهر على وجهها أو ملامح الصدمة. أشارت باتجاه والدتها:
“إنتِ كمان كنتِ عارفة صح؟ ابتسمت بسخرية: “طبعاً لازم تبقى عارفة. ما انتِ أستاذة حنان. العقل المدبر اللي عارفة مصلحته كل واحد صح وعارفة الصح من الغلط…” أكملت وقد بدأت أن تتعالى شهقاتها: “يعني خطف عيال صغيرة وحرمانه من أهله من غلط وسفري أنا لوحدي اللي كان غلط، مش كده؟ يجلسان أمامها برأس منحني. لا يوجد حديث يستطيعون الحديث به ولا مبرر. مسحت دموعها بعنف: “أنا مش هقول لمريم حاجة. مش عايزها تحس زي ما أنا حاسة دلوقتي.”
أمسكت حقيبتها وهي تهم بالمغادرة: “أنا همشي. ممكن لما أبعد أقدر أنسى.” *** بعد مرور ساعتين، تجلس ليان أمام البحر بعدما أرسلت رسالة لآدم تطالبه بالقدوم. هاتنظر بأعين خالية من أي مشاعر. تشعر بالبرد الشديد بسبب الطقس البارد، شارده الذهن. قاطع شرودها وقوف آدم أمامها وهو ينبس بحدة: “إيه اللي مقعدك هنا في الساقعة دي؟ خلع سترته ووضعها عليها: “بتعملي في نفسك ليه كده؟ جلس بجوارها. نهاية حديثه، وجهت نظرها مرة أخرى للبحر لتنبس:
“تفتكر ليه كل حاجة بتيجي علينا مرة واحدة؟ أمسك كفيها يُديرها لها. قربهم من فمه ينفخ بهما ليبث لها بعض الدفء: “عشان دي الدنيا بتاخد وبتدي. بس لما بتاخد بتاخد أوي عشان تقوينا وتدينا درس.” نفت له ببعض الدموع العالقة بأهدابها: “بس أنا باخد الدرس ده من صغري. أصعب درس ممكن تاخده هو درس العيلة. إنك تاخد الدرس منهم مش هما اللي يعلموك إزاي تقف تاني على رجلك.” رفعه يده يمسح دموعها وهو ينبس بحنان:
“محدش بياخد كل حاجة، بس ربنا بيعوض. بيشيل من حاجة وبيحط في حاجة تانية.” استنشقت ماء أنفها وهي تبدل الوضع لتصبح هي الممسكة بيده: “أنا عارفة إني هبقى أنانية… بس إيه رأيك ننسى كل حاجة ونبدأ من جديد بعيد عن شغلك وعن كل حد؟ نظر لها وهو يتمعن ملامحها، يحاول فهم المغزى المبَطّن في حديثها لينبس: “ قصدك بعيد عن الانتقام؟ شدت على يده أكثر: “أيوا. حياة جديدة فيها أنا وأنت بس.” ابتسم بسخرية ليردف:
“ قصدك حياة جديدة بعيد عن أهلك صح؟ عشان مآخذش انتقامي منهم. تاني يا ليان بتختاريهم هما.” نفت برأسها والدموع تنساب من عينيها: “لا مش عشانهم. المرة دي عشانك أنت.” أكملت حديثها وهي تتحسس وجنته اليسرى: “انت عارف ماما اعتذرت إمتى لما رحتلها. افرض مكنتش روحت كانت هتعْتذر دلوقتي ولا لما تشوفني بعدين؟ نظر لها بعدم فهم من حديثها. أكملت هي:
“عشان مش فارق معاها مهما قالت. مش فارق. أما أنت فارق معايا أنا. كلمتك عشان أنت تهمني. مش هستنى لما تجيلي.” استنشقت ماء أنفها وهي مازالت تمسح على وجنته. قبل هو باطن يدها ليحتضن كفها. نظرت له بأعينها البريئة تلك لتكمل: “انسى يا آدم الانتقام عشان نبدأ من جديد. سيب الشغل مع تينا رحاب. دي الحاجات الوحيدة اللي هتخلينا نقدر نبدأ مع بعض.”
نظر لها بصمت يتابع حديثها. رفع يده يمسح دموعها ليقترب منها ببطء إلى أن… قبلها. ابتعد عنها يسند جبينه على جبينها وكلامها يتنفسان بصوت مرتفع. اكتست وجنتاها باللون الأحمر. ابتعد عنها ينظر لمظهرها المحبب لقلبه ولعينيها لينبس بما صدمها: “أنا آسف يا ليان. مش هقدر… مش هقدر أسيب حقي بعد عذابي كل ده.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!