الفصل 25 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
25
كلمة
4,631
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

متشكر أوي يا شذى، أنا فعلاً بحبه، بس ممكن بقى تسمعي كلامي وتطلعي كده؟ مش هنكسب ثواب الصلاة في معادها. اكتفت بإيمائة بسيطة من رأسها، وتجنبت الخطى من جانبه، صاعدة للأعلى. دق مالك بأصابعه على المائدة مفكراً هامساً لنفسه: -وبعدين بقى؟ يعني يا رب مش كفاية اللي حصلنا بالليل، جاي أبويا يكمل كمان. أكيد دي مش أول مرة يزعلها، أكيد قالها حاجة تضايقها. طب إيه بس اللي يخليه يعمل كده؟

أنا ناقص يا ربي. استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم وأتوب إليه. كاد أن يترجل خارج غرفة الطهي، لكن لفت نظره ذلك الصحن الموضوع أمامه، والمزين بحبيبات الفستق المجروش. امسكه بين يديه مردفاً: -شكلك تحفة، بس يا ترى طعمك إيه؟ كاد الملل أن يقتلها، تأففت كثيراً من طول انتظاره، لتبتسم على حالها وهي متربعة على سجادة الصلاة تنتظره، لتلزم الاستغفار كما تعودت أن تسمعه.

وبعد مدة ليست بقصيرة، ولج لها أخيراً، حاملاً بيده صحنين من حلوى الأرز، وابتسامته مشرقة جداً. مالك ببهجة غير معهودة عليه، لدرجة أنها ارتابت في أمره وسألته متأففة: -كل ده بتتوضى يا مالك؟ ده أنا كنت قربت أنام. أنت روحت صليت في الجامع ولا إيه؟ مالك هامساً بسعادة واضحة على وجهه: -ششششش. ممكن نصلي الأول وبعدها قولي اللي أنتِ عايزاه. وكأنه تحول أمامها إلى علامة استفهام كبيرة، هزت كتفيها لتخبره بأنها غير

متفهمة وهمست بكلمة واحدة: -يصلي. بها ركعتي الفجر والسنة. والتفت إليها، أمسك يدها بين كفيه، وبدأ يناجي ربه بالدعاء لها بمفردها مرة، وبالدعاء لهم هم الاثنان معاً مرة أخرى. كان دعاؤه يريح صدرها، ويزيل همومها. حلت كفيه، وأحنت رأسها على قدمه، متخذة وضع الجنين، وهمست له: -مالك، ممكن تقرالي قرآن بصوت عالي؟ مالك مبتسماً واضعاً يده على رأسها:

-حاضر يا حبيبتي. أنتِ النهاردة من كتر ما أنا سعيد بيكي، لو طلبتي الدنيا بحالها، تجيلك تحت رجلك. ضمت حاجبيها، واعتدلت مستندة على كفها، تنظر له بعدم فهم: -أنت مالك فرحان كده ليه؟ -فرحان بس! قولي هاتجنن من الفرحة. شذى، أنتِ عاملة بالنسبة لي إنجاز رهيب. ما تتصوريش أنا عجبني الرز بلبن بتاعك إزاي. أنتِ عاملاه أحسن من بتاع أمي بمراحل يا شذى. احم، بس أوعي تقولي ليها. جحظت عيناها من سعادته الغريبة:

-كل السعادة اللي أنت فيها دي عشان أكلت طبق رز بلبن؟ -احم، لأ، طبق إيه؟ أنا خلصته كله، مش فاضل غير الطبقين دول. قولت لما نصحى بقى نبقى نفطر بيهم أنا وأنتِ. هزت رأسها مستنكرة ما يقوله بضحك: -أكلت عشر أطباق يا دكتور محمد؟ طب دا حتى غلط عليك. طب والناس اللي في البيت دول مالهمش حق يدوقوه؟ -أولاً، دا أحلى حاجة فيه إن سكره مش كتير. بس طعم القشطة خطير فيه يا بنت اللذينة.

ثانياً، أنا أكلت سبعة بس، سيبت ليهم طبق تحت، وطلعت لينا اتنين. ثالثاً بقى، أنتِ عاملاه عشاني أنا يبقى أنا اللي آكله. وخذي بالك، أنتِ كده عرفتي نقطة ضعفي، يعني كل ما نزعل من بعض، تعرفي تصالحيني بطبق رز من الجنان ده. مالت شذى رأسها على قدمه بحب وهمست: -يا ريتني كنت طلعته ليك امبارح، ما كانش حصل اللي حصل. مالك آسفاً على ما حدث لهم بالأمس:

-حقك عليا يا حبيبتي. أنا ما كنتش عايز يحصل بينا كده. أنتِ فهمتي كلامي غلط لما قولتلك أنا غير اللي أنتِ عرفتيهم. كان قصدي أقولك إني مش بـ... بجري ورا شهواتي، بس أنتِ عصبتيني بصوتك العالي وطولة لسانك عليا، خلتيني أقول كلام أنا مش عايز أفتكره أصلاً. شذى سعيدة بما يقوله: -طب يلا اقرالي قرآن بقى. ظل يقرأ بعض الآيات من سورة النساء بصوته العذب، إلى أن شعر بثبات أنفاسها. ملس بيده على وجهها، وجدها قد غفت في نوم عميق.

حملها بين يديه وأرقدها في الفراش، وتمدد بجانبها لينعما سوياً بقسط من الراحة بعض الوقت قبل سفرهم. ساد الصمت بينهم منذ أن ترجلا خارج المنزل. جلست بجانبه داخل السيارة، تستند بيدها على النافذة، مريحة رأسها عليها، ناظرة للخارج. مالك مستنكراً جلستها هكذا: -اتعدلي في قعدتك يا شذى. لم ترد سوى بكلمة واحدة: -حاضر. -إيه الأدب ده كله؟ مش متعود منك على الهدوء ده. نظرت له من تحت نقابها بتعجب ثم هتفت مستنكرة حديثه:

-لو عليت صوتي تزعقلي، ولو اتكلمت بهدوء تقولي مش متعود. طب أرضيك إزاي يا أبيه بس؟ قولي. -أبيه تاني يا شذى؟ إحنا مش اتصالحنا الصبح، وقولنا خلاص مافيش حاجة. -بصراحة أنا خايفة من اللي جاي. مد يده لها، لتضع يدها الصغيرة داخل راحة يده، وابتسم لها بحب: -ممكن طول ما إحنا مع بعض، ما تخافيش من أي حاجة؟ -غصب عني لازم أخاف. أصل بعد ما تسيبني هاعمل إيه وأنا لوحدي؟ مالك مندهشاً من حديثها الحزين: -ليه يا حبيبتي؟

أنا عمري ما هاسيبك طول ما إحنا بنحب بعض وعايزين نكمل مع بعض. شذى ناظرة للأمام بحزن: -حتى لو إحنا عايزين نكمل مع بعض، كل الظروف مش سامحة بكده يا أبيه. دق بيده عجلة القيادة، غاضباً من نبرتها المستسلمة هذه: -ظروف إيه اللي بتتكلمي عنها دي؟ الظروف دي إحنا اللي بنخلقها، وسهل جداً نغيرها بأيدينا. لكن السلبية اللي أنتِ فيها دي، هي اللي هتجبرك على إنك تستسلمي وتسيبيني بسهولة. -سلبية إيه اللي بتتكلم عنها؟

افهم بقى يا أبيه. أنا واحدة رايحة برجليها لهلاكها. سهل أوي ترجع من غيري. عارف أنا صحيتك بدري وطلبت منك ننزل قبل ما يصحوا ليه؟ لأن ماما ما كانتش هاتسيبني أسافر لوحدي، كانت هاتصمم إنها تسافر معايا. رد مالك محاولاً أن يطمئنها: -أنتِ ليه محسساني إننا رايحين نحارب جيش؟ متخيل إن شوية البلط... دول، مش هيقدروا يعملوا ليكي حاجة وإنتِ في قلب مبنى الحكومة. -طب وبعد ما نخرج من مبنى الحكومة، تقدر تقولي هاتحميني إزاي؟

يا أبيه افهمني، أنا هاروح دلوقتي علشان أشهد على أشرف صح؟ مالك ضاماً حاجبيه: -أيوه، صح. -عارف بقى إن لو شهدت على أشرف، عيلة أبويا ممكن يقتلوني قبل ما أخرج من النيابة. صرخ مالك بانفعال: -ليه؟ إحنا في غابة؟ أكملت شذى بسخرية: -طب عارف إن لو ما شهدتش عليه، عائلة محمود هما اللي يقتلوني! وحتى لو أشرف خرج من الحبس، تفتكر إنه هيشيلها ليا جميلة زي ما عمتي قالت؟ بالعكس، دا هايكون أول واحد يقطع في لحمي.

حاول مالك جاهداً عدم تصديقها، لكن الخوف عليها قد تملك من قلبه، وكأن ناقوس الخطر داخل عقله، ومن كثرة الخوف تسرب داخل جسده، جذبها تحت ذراعه يريد أن يدخلها بين ضلوعه، يضمها بقوة إليه: -ما تخافيش يا حبيبتي، إحنا رايحين نشهد شهادة حق، وماحدش هيتعرف عليكي منهم وإنتِ بالنقاب. شذى بدموع: -نقاب إيه بس؟ أنت ناسي إنهم شافوك وعارفينك كويس، وزمان عمي وعمتي إذاعوا الخبر إني بقيت مراتك، والدنيا كلها عارفة إني هاروح معاك إنت.

-بلاش إحباط بقى يا شذى... قالها مالك وهو يربت على كتفها بحنان. و أنا اللي كنت فاكرك زعلانة من أبويا. شذى متنهدة بصبر: -لأ، أبوك ده حكاية تانية خالص، للأسف مش مركزة فيها دلوقتي. ضحك مالك على استدراجها السلس وقال: -وأبويا ماله بقى هو كمان؟ عملك إيه إن شاء الله؟ انفزعت شذى متذكرة إساءة أبيه لها وصاحت بصوت عالٍ: -مستكتر عليا؟ شايفني مش قد مقام حضرتك. مالك رافعاً حاجبه الأيمن مندهشاً من تحولها بهذه السرعة:

-حمد لله على السلامة يا شذى. أومال هي مين التانية الطيبة اللي كانت بتكلمني دلوقتي دي؟ راحت فين يا شذى؟ شذى مستنكرة حديثه عنها: -راحت لحال سبيلها، واللي قصادك دلوقتي العفريتة اللي أنت حضرتها بالسيرة الحلوة دي. مالك محافظاً على سيرة والده: -طبعاً سيرة أبويا حلوة، ولا إنتِ إيه رأيك؟ -لأ، أنا ماليش رأي طالما كده بقى؛ يبقى تسمع كلام أبوك، طلقني وسيبني في حالي بقى.

عادت لوضع يدها على نافذة السيارة وأسندت ذقنها عليها ناظرة للخارج، ليهتف هو مكرراً: -اتعدلي في قعدتك يا شذى. صرخت بانفعال كعادتها: -أنا مش فاهمة قعدتي مضيقاك في إيه؟ مانا عاملة زي الخيمة أهو، مش باين مني حاجة. جذبها إليه مرة أخرى، وهذه المرة أغلق زجاج النافذة من جهتها: -مين قالك إنك مضيقاني يا حبيبتي؟ أنا بس اللي مابحبش حد يبص على الخيمة بتاعتي.

برغم برد الشتاء القارص، إلا أنها كانت مشتاقة لهذا الهواء الذي تملؤه رائحة ملح البحر، الإسكندرية، جوها البديع، أحياءها العتيقة، حتى التمشي على كورنيش البحر في المطر، صوت الترام، وضرب الموج للصخور، كل هذا وحشها بقوة. ومع أول لمحة للون الأزرق المنبعث من مياه البحر، التي تقفز بداخلها حبيبات المطر، صرخت شذى فارده ذراعيها داخل السيارة، مستنشقة أكبر قدر من الهواء: -أييييييووووووه يا إسكندرية! وحشتيني أوي.

امسك مالك يدها لينزلها ضاحكاً: -نزلي إيدك وبطلي صريخ يا مجنونة، إحنا في الشارع. وكأنها عادت لطبيعتها، عندما ولجت موطنها لتصرخ بسوقية بحتة: -يا عم صلي على اللي هايشفع ليك، ده أنا كنت بناخد الكورنيش ده جري في عز الشتا أنا والبت نسمة وإحنا بناكل چيلاتي كمان. مالك غير مصدقاً: -عليه أفضل الصلاة والسلام. الكلام ده طبعاً وإنتوا أطفال صغيرين. -ههههههههه. أطفال مين يا عم؟ الكلام ده كان أول ما دخلنا الكلية.

ثم عادت لهدوئها وكأنها تذكرت شيئاً ما: -قبل العركة بكام يوم بس. لو كان في وقت آخر، واستمع إلى حديثها هذا، لربما كان عاقبها على ما تقوله. لكنه الآن لا يريد أن يحزنها أكثر من ذلك، إذاً عليه أن يفرحها ولو بشيء بسيط على الأقل: -طب إيه رأيك بما إننا على الكورنيش كده نوقف العربية شوية، وأجيب لك آيس كريم ونتمشى أنا وأنتِ. شذي منتبهة له وسريعاً ما صاحت: -بجد؟

طب بص، أنا أعرف واحد بتاع آيس كريم هايل، سوق وهانروح عنده، بس خليك على طول لغاية ما توصل على حي كرموز كده. -لأ، طبعاً... صرخ بها مالك ملفت نظره لما تقول: -أنا أروح أجيب لك آيس كريم آه، بس مش لازم يعني أول ما أوصل إسكندرية نروح على حييكم يا شذى. تفهمت عليه، وعلمت على ما يوضح له وهمست منحنية الرأس: -عندك حق.

أغلق السيارة والتف ليلحق بتلك التي جرت بطفولة، لتجلس على السور الخرساني، بجسدٍ يرتعش من شدة البرودة، لكن قد ظهرت عليه الفرحة. مالك مردفاً بضحك: -اللي يشوفك وإنتِ بتجري وبتصقفي زي الأطفال كده، يقول إنك كنتي في سجن وخرجتي منه. بادلته شذى الضحك: -لأ، وانت الصادق، ده السمك رجع لبحره تاني. -بتحبي إسكندرية أوي كده؟ -آه، جداً. نظر إلى عينيها المختبئة تحت وشاحها، يطلب الإجابة قبل أن يلقي عليها بالسؤال: -هيي، روحت فين؟

مالك مبتسماً لها: -مافيش، أنا معاكي أهو. عايز أسألك سؤال بس خايف من الإجابة بصراحة. شذي بمراوغة: -سؤال من بره المنهج ولا من جوه المنهج؟ مالك بسخرية: -لأ، من جوه منهجي أنا يا خفيفة. شذي بحب: -اسأل يا مالك. -لو خيروكي إنك ترجعي تعيشي هنا تاني في إسكندرية في سلام، والمقابل إنك تسيبيني يا شذى، هتختاري إيه؟ بدون أي تردد، أتته الإجابة سريعاً، حين هتفت بلهفة واضحة عليها: -هختارك إنت طبعاً.

شعور غريب جداً يضرب جسده بقوة، ومع ذلك كان سعيداً جداً. رآها تقفز من جانبه وتجذبه إليها، تجري أمامه وتحثه على الجري معها، كجنية بحر تسحره وتسحبه معها. -أخيراً فاق حين وجدها تحثه على فتح السيارة وتناديه بصوت مرتفع: -غرقنا يا مالك، افتح العربية بسرعة. -غرقنا!!! نظر إلى ملابسه، وجدها مبللة قد تناثرت عليها المياه، لكن كيف هذا ولا يوجد مطر؟ مالك مندهشاً: -المياه دي جات منين؟ شذي بضحك وهي تجلس داخل السيارة:

-سلامة النظر والإحساس يا دكتور، الموج ضرب في الصخر، وغرق السور وإحنا قاعدين عليه ههههههههه. أغلق بابها بعد أن اندفعت بالداخل، ساخراً من نفسه، على ما تفعله به صغيرته الشقية: -إزاي ما حسيتش؟ للدرجة دي خطفتي قلب الدكتور يا شذى. جلس على مقعده بجوارها، وأدار محرك السيارة وهو يتمتم بكلمات شبه غاضبة: -عاجبك كده؟ ادي اللي أخدناه من قاعدة الكورنيش. هنقابل الناس إزاي ببهدومنا المبلولة دي. شذي باندهاش: -ناس مين؟ مالك بانزعاج:

-إنتِ نسيتي أهل حسام اللي هانقعد عندهم في شقته. شذي متذكرة: -أيوه، أيوه افتكرت. خلاص مش لازم نروح دلوقتي، خلينا نلف في إسكندرية شوية ولما لبسنا ينشف نروح. مالك نافياً كلماتها: -لأ طبعاً كده ممكن تمرضي، الجو برد لوحده أصلاً. شذي متقمصة دور الحزينة: -ماشي، بس افتكر إنك لسه ما جبتش الآيس كريم. -هجيب لك لما نستقر في الشقة. -لأ، خلاص بقى. أنا كان نفسي آكله على الكورنيش. الاختبار الثاني لها، إذ أنه سألها:

-وكنتي هاتأكليه إزاي بقى وإنتِ لابسة النقاب؟ -كنت هارفعه عادي!! فاجئه الرد بهذه الطريقة السلسة السريعة ككل إجابتها السابقة، لكنها هذه المرة أحزنته: -كده بسهولة ترفعيه؟ طب ولزمته إيه بقى لبسك له يا شذى؟ أحنت رأسها بدون إجابة، ربما خشيت أن تجيبه فيتفاقم الحديث بينهم ويتشاجرا مرة أخرى ليعم الصمت بينهم، وتجنب كل منهم الآخر، إلى أن وصلوا إلى وجهتهم داخل حي العصافرة.

تعجبت لما رأته قد توقف أمام بناية عالية، ويبدو أنها حديثة البناء، يحتل أسفلها متاجر للجزارة. لم تبرح مكانها، بل استكانت هادئة، وترجل هو خارج السيارة، يستقبل الترحيب بحرارة من هؤلاء الرجال، وعلى ما يبدو أنهم على علم بوصوله. وقف هو يستقبل ترحيب من والد صديقه، وتهنئته أيضاً له بالزواج، وتحدث معه قليلاً ثم التف حول السيارة، ليفتح بابها وينزلها منها لتلقي السلام عليهم. مالك معرفاً للرجل: -شذى مراتي يا عمي. الرجل مرحباً

بها بسعادة: -أهلاً وسهلاً يا بنتي، ما شاء الله يا زين ما اخترت يا دكتور. مش عايزك تخافي ولا تقلقي من حاجة، انتي هنا وسط عيلتك وبين أخواتك، واللي يحاول بس يزعلك يبقى يخطي عتبتنا الأول لو يقدر. طول ما إنتي وجوزك هنا، لازم تعرفي إنكم في حماية ربنا وبعدها حمايتنا. اكتفت بإيمائة بسيطة من رأسها، ولم تتحدث، بينما رد هو بدلاً منها، شاكراً الرجل بامتنان: -متشكر أوي يا عمي، ربنا ما يحرمنا منك يا رب. أردف الرجل منزعجاً

من حديثه: -بس يا دكتور ماتقولش كده، ده إنت ابني زيك زي حسام بالظبط، ولا تكون يا واد مستني مني شكر على اللي عملته مع حسام طول السنين اللي فاتت. مالك معقباً: -لأ طبعاً، حسام طول عمره أخويا ومافيش بينا الكلام ده. طب يلا بقي خد مراتك، واطلعوا ارتاحوا في شقة أخوك، وأنا هاخلي الولاد يطلعوا ليك الشنط فوق. صعد بها إلى شقة صديقه، وما إن فتح بابها، وخطت قدمها للداخل، إلا وكانت قد حررت وجهها من النقاب، وتحدثت باستياء:

-يااااااه! أخيراً هاعرف أتنفس. أردف مالك بأنزعاج: -للدرجة النقاب خانقك ومش حباه. جلست على أول مقعد قابلها، وانحنت تحل رباط حذائها وتشلحه من قدميها: -بصراحة آه، أنا مش متعودة على الخنقة دي. مالك أمراً لها وقد ظهر على محياه الغضب: -لأ اتعودي يا شذى، واسمعي بقى أما أقولك، حاجتين اتنين أنا مش هتهاون ولا هتغاضى عنهم بعد كده. رفع لها أصبعيه مشيراً لها به: الصلاة والنقاب. وقبل أن ترد بالإجابة أمرها ثانية:

-اتفضلي ادخلي جوه لحد ما آخد الشنط وأقفل الباب. جلست على الفراش بتلك الغرفة تنتظر ولوجه لها، وبدأت تشعر بالأسف، لأنها زادت من حنقه. شذي بتفكير: -يعني هو بيعمل كل ده عشان يحميني، وأنا أزعله؟ ما كانش المفروض أعمل كده. لازم لما يدخل أصالحه بقى.

ولج عليها الغرفة ساحباً خلفه حقيبة الملابس، تركها من يده، وشرع في شلح معطفه الثقيل، جلس على الفراش بالجهة المقابلة، يحل أزرار قميصه، ليتفاجئ بها تجلس على قدمه، وتوصد يدها حول خصره، تريح وجنتها الناعمة على لحيته الكثيفة. شذي واضعة قبلة بسيطة على وجنته: -حقك علي قلبي يا حبيبي، أنا عمري ما هاعمل حاجة تزعلك تاني. مالك ملمساً على شعرها المحرر بعناية، رابتاً على ظهرها بهدوء:

-لو خايفة على زعلي، وجاية ترضيني أنا، يبقى لازم تفهمي إني خايف عليكي برضه، بس من ساعة الحساب. وعايزك قبل ما ترضيني، ترضي ربنا يا حبيبتي. شذي موافقة الرأي: -طب علمني وفهمني بالراحة، أنا شاطرة والله وبتعلم بسرعة. مالك محفزاً لها: -عارف يا روحي إنك شاطرة، وذكية كمان، وعشان كده أول ما نخلص من اللي إحنا فيه ده، وكمان تكوني خلصتي امتحان، هبقى أوديكي تحضري الدرس وتحفظي القرآن في المسجد. شذي بخوف:

-بس ربنا يعديها على خير ونرجع بسرعة... احتضنها بقوة ليبث في جسدها الطمأنينة وهمس لها بحب: -مش قولنا مش هنخاف من حاجة؟ أنا معاكي يا حبيبتي، وإن حكمت هافديكي بروحي. شذي مقبلة وجنته: -ربنا يخليك ليا يا حبيبي. إنت مش عارف أنا ببقى مطمئنة إزاي وأنا في حضنك. مالك مداعباً لها: -كده تعالي بقى خليكي في حضني، أنا عن نفسي أخدت الGreen Card.

فرد ظهره على الفراش، ممددها على جسده، يتلفح بشعرها الذي انفرد على كتفه، وبدأ يقتطف منها بعض القبلات الحارة، وسط ضحكها وتقبلها ما يفعله. وبعد دقائق قليلة، تحولت تلك الضحكات إلى همسات هادئة بينهم، وقد تفرقت ملابسهم على الفراش، وهم مختبئين سوياً أسفل الغطاء، يستمتعون بأحلى لحظات لهم، يفصلون أنفسهم عن أي شيء آخر يخرجهم من جنون حبهم. إلا أن تلك الهواتف النقالة كان لها رأي آخر... حيث أصدا صوت رنين هواتفهم سوياً، ولن ينقطع.

انفزعت هي وحاولت إبعاده وتنبيهه، لكنه كان كالثمل عاشق متيم وقع في حبها. شذي محاولة رفع الغطاء عن وجهها: -استنى يا مالك، إنت مش سامع صوت الموبايلات دول؟ أكيد ماما وخالتو. مالك بلا مبالاة: -مش مهم، خليكي إنتِ بس معايا كده. ليجذب الغطاء على وجههم مرة أخرى. رفعته هي وحاولت الجلوس بخوف: -لأه، وأنا مالي يا أخويا؟ هات تليفوني، أكلم أمي، دي أكيد خايفة عليا دلوقتي. مالك محاولاً استعطافها:

-عشان خاطري يا شذى، ده أنا ما صدقت أقرب منك من غير خوف يا حبيبتي. خلينا شوية صغيرة كمان، وبعدها أبقى اعملي اللي إنتِ عايزاه. شذي بشبه صراخ: -لأ، ماليش دعوة، عايزة أكلم أمي. ابعد عني بقى. وإذا بها تزجه في صدره، وقد عادت إليها ملامح الخوف. اندهش هو من خوفها غير المبرر له، وزجها له بهذه الطريقة. هل تبغضه الآن؟ هو لم يجبرها على شيء قط، لماذا إذاً تعامله بمثل هذه الطريقة؟

مد يده وأتى بهاتفها أولاً، وقذفه إليها ثم قفز من على الفراش مبتعداً عنها، وارتدى ملابس مريحة من الحقيبة وسحب هاتفه وترجل خارج الغرفة بالكامل، مغلقاً الباب عليها بعنف. فتحت الاتصال بينها وبين والدتها، التي قابلتها بصراخ وخوف شديد. ماجدة بدموع وصرخات: -شذي! إنتِ فين يا بنتي؟ كده تخرجي من غير ما تقوليلي. -أنا مع مالك يا ماما. قالتها شذى بهدوء، وهي تستمع إلى صوته الجهوري من الخارج. ماجدة بغضب:

-وإيه اللي وداكي معاه لوحدك؟ تسافري إسكندرية تاني لوحدك؟ تروحي ليهم برجلك يا شذى؟ -أنا مش لوحدي يا ماما، أنا معايا جوزي، وهو قادر يحميني. ماجدة بغضب: -بلا يحميكي بلا... بقى. هو جوزك زيهم ولا يعرف يتصرف زي تصرفاتهم. -ما تخافيش يا ماما، مالك مطمئني، وهو عارف بيعمل إيه كويس. ماجدة ساخرة من كلمتها: -والله ما عارف حاجة، ولا عارف بيتعامل مع مين أصلاً. اخلصي، وقوليلي إنتِ فين وأنا هاجيلك. شذي ناهية ما تقوله والدتها:

-لأ يا ماما، أنا جوزي فعلاً قادر يحميني، وأنا اللي طلبت منه إن إحنا نسافر لوحدنا، عشان مبقاش قلقانة عليكي. فمن فضلك بقى يا ماما تسمعي كلامي المرة دي. ماجدة بخوف: -يا بنتي أنا خايفة عليكم إنتو الاتنين. -سلام يا شذى، خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.

أغلقت الهاتف معها، وانزلقت من على الفراش تضم الغطاء عليها بخجل، واتجهت نحو تلك الحقيبة التي دائماً تكون شاهدة على أحداثهم سوياً، ارتدت ملابسها على عجالة، وفتحت الباب لتبحث عنه، وهي بالأصل لم تتعثر كثيراً... وجدت أثر سماع صوته، ووقفت تستمع لصراخه على والدته... كان يوبخ خالته بصوته العالي، وهو يدرك أنها تسمعه الآن. مالك معنفاً لوالدته:

-ابقى فهميها وقوليلها إن بنتها في عصمة راجل يقدر يحميها، ولو إنتو مش شايفين كده، يبقى كنتوا بتجوزهالي ليه يا أمي. ليغلق الهاتف دون أن يلقي عليها التحية وينظر لها بغضب. حاولت تهدئته، والذهاب إليه لكنه أوقفها بإشارة من يده: -خليكي عندك، أنا نازل. شذي بخوف: -هاتروح فين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...