لم يكتفِ ذو الرأس المتخبط بصلاة الجمعة فقط، بل ظل ساكنًا للضريح طيلة اليوم. قضى يومه كله ما بين الصلاة، والجلوس متربعًا يمسك كتاب الله العزيز، ويرتل القرآن بصوتٍ عذب. إلى أن فرغ من قراءة جزئه، وأدى فرضه الأخير مع ركعتين السُنة، لينظر إلى الضريح، وكأنه يتقابل بعينيه مع أحدٍ ما ويوجه له الحديث. مالك هامسًا: كل ما أحس إني قربت منها، وأمد إيدي ليها ألاقي ألف إيد بتشدني عشان أبعد عنها، ما تقولي أعمل إيه يا حسين؟
حلها أنت بقى أنا تعبت. الحل من عندك أنت يا رب، فرجك قريب إن شاء الله الفرج يا كريم. وقف من مضجعه منحني الرأس، منتظرًا فرج ربه الذي لم يخيب رجاء دعوته أبدًا. *** كان طول الوقت بالنسبة لها، بمثابة مصارع قوي يدق صدرها من حين لآخر، من غير شفقة ولا رحمة. لم يهتدِ حالها طيلة اليوم، لقد أعدت الطعام بيدها، بل وصنعت بعض حلوى الأرز باللبن عندما أخبرتها والدته بأنه يعشقه.
حتى أنها ظلت حبيسة النقاب ولم تزيحه عن وجهها قط، إلى أن عاد والده إلى المنزل وزجرها بنظراته الكارهة، والتي تعلم مخزاها جيدًا. لكن كل هذا صار هباءً، لم يعُد إليها حبيبها. صعدت إلى غرفتها بخيبة أمل، بشهقاتٍ ترهق الآذان، على حبيبٍ لا تعلم مدى قسوته حتى الآن. ظنت أنها إذا نفذت أمره ستنعم بقربه، لكنه دائمًا ما يفضل البعد بقسوة دون حساب لمشاعرها.
ومن كثرة تفكيرها، وقفت أمام المرآة، تنظر إلى وجهها، الذي أصبح عبارة عن كتلة حمراء من الدماء المحتقنة به، لترى ثيابها المذرية من أثر الطهي. تأففت بملل وشلحت عنها ذلك الجلباب المخملي. وقفت مرتدية تلك المنامة السوداء القصيرة والتي تفتن جسدها الأبيض بمنحنياته، ثم تحركت نحو الخزانة لتجلب لها منامة نظيفة. وفجأة، انفتح الباب المغلق عليها عنوة، لتضع يدها على صدرها وتلتفت نحو الباب بشهقة عالية.
ومن يكن سواه، عاد حبيبها بوجهه الغاضب. رفعت يدها عن صدرها، تهندت مطمئنة، وقابلته بابتسامة خجلة رغم حزنها، فبادلها بنظرة غير مفهومة. أول شيء ظن به وظهر جيدًا على وجهه!! هي علامة السخرية، هل جاء في تفكيرها أنها ستنال رضاه إذا قدمت له نفسها بهذه الطريقة الرخيصة. رفع شفته العلوية تعبيرًا عما سيقوله، إذ هتف: ما قولتلك الطريقة دي مش هتجيب معايا، يا بنتي أنا غير اللي عرفتيهم قبل كده.
رمته بنظرة جامدة مغلفة بالحزن، ورغم عنها علا صوتها، وتغلب عليها الغضب السكندري. وأنت كل ما نتخانق معايا هتقولي كلامك اللي زي السم ده، لأ بص بقى يا ابن الناس، لو أنت شايف إني بت شم... ومش قد مقامك العالي، يبقى نفضها سيرة بقى وطلقني. تلك الغبية وضعت نفسها بمأزق كبير دون أن تدري، إذ وجدت نفسها تُرمى بالأرض، حين فاجأها بصفعة مدوية، لتترك أصابعه بصمتها على وجنتها الحمراء لتزيد من التهابها.
لم يكتفِ بهذا فقط، بل شبك أصابعه في تموجات شعرها، ضاغطًا عليه بقوة، ساحبًا إياها خلفه إلى فراشهم. أوقفها بجانبه ضامًا رأسها بكفه الغليظ يرتطم بها داخل صدره، وكأنه يعذب نفسه قبل أن يعذبها هي. أحنى مالك رأسه قليلًا باتجاه أذنيها، ليهمس لها وهو يملس بسبّابته فقط على ظهرها العاري، ليشعل لهيب قلبها حتى يرى مدى شوقها إليه. فوقي لنفسك بقى واعرفي إنك متجوزة مين، أنا مش متجوز طفلة صغيرة هاقعد كل شوية أقولها كخ وعيب.
وافهمي إنك كل ما هاتقلي أدبك، هايكون ده عقابك. ليلقي بها على الفراش بقوة، ملقيًا الغطاء عليها، ليخفيها تحته ولا يظهر منها شيء، واتجه هو ليبدل ملابسه. بدأت تخرج عن شعورها، تلك النمرة المتوحشة، لن تقبل بأن يتمادى معها بهذه الطريقة. نفضت الغطاء عنها، قفزت من على الفراش بمرونة فائقة، لتراه يقف أمامها وقد ارتدى بنطالًا رياضيًا وما زال جذعه العلوي عاريًا. جرت نحوه سريعًا، تنبش أظافرها في كتفه وظهره، وصرخت فيه:
وأنت فاكرني هاسكتلك، لأ وحياة ربنا لأوريك. آآآه! كانت هذه صرخة مالك المتألم من تلك الخدوش التي فعلتها به صغيرته النمرة. تراجعت للخلف خطوتين، واضعة يدها على ثغرها تكتم شهقاتها، حين رأته ينقض نحوها بعين سوداء متوحشة كظلام دامس، ألقت نفسها به. مالك بصوتٍ مريب: إيه اللي انتي عملتيه ده؟ مع أنها كانت تواري عينيها منه، إلا أنها تصنعت الشجاعة متسلحة بصوتها العالي هاتفة: وأنت إيه اللي انت عملته ده؟
مش أنت اللي بدأت بأنك تمد إيدك عليا. و أكسر رقبتك كان… فاجأها بضم معصمي يديها في كفه الكبير خلف ظهرها، قابضًا على شعرها ضاممها إليه بقوة مكملاً: وبعدين لما انتي بتعرفي تدافعي عن نفسك أوي كده، معاملتيهاش مع اللي قبلي ليه؟ ولا كل اللي حكتيه كان كدب؟ أصلك بتقولي حاجة وأفعالك بتقول حاجة تانية خالص يا شذى. طلقننننني…
صرخت بها شذى المنهمرة دموعها، بدأت تخرج عن سيطرتها بالفعل، إذ بدأت تقف على قدميه وتضغط بأصابعها عليه تارة، وتركل ساقيه تارة، وتنتفض بجسدها داخل قبضته تارة أخرى، متصورة أنها هكذا تؤلمه. ما زادت حركتها غير المنتظمة إلا شوقه إليها، حركتها السريعة أفلتت مشاعره، ثبت رأسها رافعها باليد الأخرى لتثبت عيناها على عينه العاشقة. مالك بصوتٍ هادئ: عيدي كده كنتي بتقولي إيه يا شذى.
كان يظنها ستخجل مما يفعله، لكنها قاومته بشراسة، إذ انقضت على ذراعه، قاضمة إياه بأسنانها لينفضها من يده وهو يحاول أن يخفي ابتسامته مما تفعله تلك اللعينة. اتجهت نحو الفراش وتمددت عليه مدثرة نفسها بالغطاء جيدًا، وهمست بحزن: متحاولش تلمسني تاني، وطلاما أنت واخد عني الفكرة دي ومش عايز تخرجها من راسك يبقى طلقني، يا دكتور.
أمسك بيده جهاز التحكم عن بعد الخاص بمكيف الهواء، وأداره على الهواء الساخن، حتى لا تمرض شقيته برتدائها الخفيف. تمدد بجانبها مدثرًا نفسه هو الآخر، متحدثًا برعونة: بكرة تصحي بدري وتحضري شنطة السفر لينا، عشان هانروح إسكندرية، واعملي حسابك إحنا هانروح النيابة تشهدي في القضية، وها نقعد هناك لحد ما تخلصي امتحانات، ولو إن أنا مش عارف أساسًا انتي ها تمتحني إزاي وأنتي مش بتذاكري أصلاً. مالكش دعوه.
قالتها صغيرته وهي تعطيه ظهرها. اتكلمي بأدب. قالها مالك وهو يوجهها له بسهولة. رفعت رأسها عن وسادتها ناظرة له بعين دامعة: عارف يا مالك أنا هاروح أشهد زور، وأطلع اشرف من السجن بس عشان أخلص منك. رفع حاجبه الأيمن غير متفهمًا عليها: يا سلام، وهتخلصي مني إزاي بقى إن شاء الله. خفضت رأسها على الوسادة مرة أخرى مكملة له:
ماهو أنا لما أشهد زور، أنت مش هيعجبك الحال، وها تقعد تقولي حرام وحلال، وأنا مش هاسمعه كلامك، فتروح مطلقني بقي وأخلص منك. شذي. برغم كل ما حدث بينهم إلا أنه ينطق اسمها بهذا الحنان. لتنظر في عينه بحب هامسة له: نعم يا حبيبي. اعمليها واشهدي زور في النيابة وصدقيني قبل ما تخرجي منها هاكون مطلِقك. هذه المرة أعطاها هو ظهره، واستعد للنوم غير عابئ بها ولا بمشاعرها الحزينة. ***
لكن بعد مرور ساعة تقريبًا، ظنت أنه ثبت في نومٍ عميق، عندما انتظمت أنفاسه أو هذا ما كانت تظنه. وفي هدوء تام، ملست بسبابتها على موضع جراحه التي افتعلتها رغماً عنها. شذي هامسة له بحب: أنا أسفة والله، بس أنت اللي خليتني أعمل كده، أوعى تطلقني يا مالك أنا بحبك وعايزك تحبني، مش عايزة حاجة من الدنيا دي غيرك أنت بس.
ظلت هكذا إلى أن غفت هي الأخرى، وعوضًا من أن تلمس جسده بإصبع واحد فقط، مدت ذراعها واحتضت خصره من الخلف، وأنفاسها الحارة تلفح جلده الساخن. ليستدير هو على ظهره، يمد ذراعه تحت جسدها المرمرى، يرفعها على صدره بحنان. لتقيد ساقيه عندما رفعت قدمها عليهم، وكأنها تشعر هكذا بالراحة أكثر. همس مالك ضاحكًا: ولو صحيتي دلوقتي مش هتصرخي في وشي، وتقوليلي طلقني. شذي بنوم: امممم حبيني. مالك متقبلاً دعوته: بحبك يا روحي، انتي دنيتي كلها.
*** ومع أذان الفجر على صوت رنين هاتفه، لتتذمر بنصف إفاقة، غير واعية لما تقوله: اف اف افصل الصوت ده بقى يا مالك. ملس على شعرها الذي يتلفح به، أمسك الهاتف وأغلقه وهو يأمرها بهدوء: يلا قومي بلاش دلع خلينا نتوضأ عشان نصلي الفجر. استوعبت حقيقة وضعها، اعتلى صدرها بغضب. شذي بحماقة: وعي سيبني. مالك بسخرية: أنا سايبك على فكرة، انتي اللي مقيدة حركتي… صرخت في وجهه: لأ أنت اللي استغليت إن أنا نمت وعملت كده.
بلحظة قلبها على الفراش وهب من عليه بنشاط لم يعهده منذ أيام مبتسمًا بسخرية لها. ليه هو أنا اللي كل شوية أقول، ثم بدأ يقلد صوتها: مالك حبني. قذفته بالوسادة الصغيرة بغيظ وصرخت: كداب، أنا ما قلتش كده. قرر أن يزيد من إغاظتها مردفًا: بأمارة ما اتأسفتي وأنتي بتحطي إيدك على الخرابيش دي، مش كده. رفعت الغطاء على وجهها بخجل وأردفت بهمس لم يسمعه: كنت صاحي وسمعتني يا وغد. يلا قومي بلاش دلع عشان نصلي…
انفزعت وقفزت من على الفراش، مطيعة أمره واتجهت لترتدي أسدالها. وبعد أن ارتدوا ملابسهم، كاد أن يفتح الباب، إلا أنها أوقفاته بخجل: بلاش خليني أنا هنا. مالك متعجبًا منها: بلاش إيه، بلاش تصلي، انتي عبيطة يا بنتي، ولا عايزة تجنيني؟ شذي بعين جاحظة: بلاش شتيمة وقلة أدب على الصبح. مالك بعنف: شذيييي اتعدلي في كلامك. يا مالك افهمني، بصراحة بقى أنا مكسوفة أنزل تحت دلوقتي وأتقابل مع باباك.
تذكر هو غضب والده غير المبرر منها، ربما يكون قال لها كلمة أحزنتها أيضًا. وضع يده على وجنتها برفق مطمئنًا لها: هو في حاجة حصلت بينك وبين أبويا أنا ماعرفهاش؟ هزت رأسها يمينًا ويسارًا بالنفي. ليكمل هو: طب تعالي ماتخفيش كده، أنا معاكي أهو ويا ستي ادخلي اتوضي انتي الأول واطلعي على هنا، وأنا ها أدخل بعدك وأحصلك وأصلي بيكي هنا. أنت مش هتروح الجامع؟ لأ من هنا ورايح الفجر هانصليه سوا هنا. ابتسمت بحب وأوقفته
بطفولة متمسكة بذراعه: يعني مش هتطلقني. مالك ضاحكًا: لأ حكاية الطلاق دي بقى نشوفها بعدين. *** ترجل على الدرج يدعو ربه ويستغفره، مستعدًا للوضوء ليؤدي صلاته، اندهش عندما وجد ابنه يجلس على الأريكة لا يفعل شيئًا. الشيخ حسان: الله، انت لسه هنا يا مالك؟ دانا قولت ألقيك سبقتني على المسجد. نظر إلى والده مبتسمًا: صباح الخير يا حاج، أنا لسه هاتوضى وها أصلي الفجر هنا. تعجب والده من كلامه، هذه أول مرة منذ سنين يفعلها:
ليه يا مالك؟ دانت عمرك ما عملتها، أوعى تكون تعبان يا بني ومش عايز تقول. مالك مطمئنًا له: لأ اطمن يا أبويا، أنا كويس الحمد لله، أنا بس هاصلي هنا مع شذي، يعني عشان ماتنمش وتروح عليها صلاة الفجر. الشيخ حسان منفعلًا بغضب: انت مالك ومالها، تصلي ولا ماتصليش ما هي حرة. مالك مبررًا: مراتي يا حاج ومسؤلة مني وهاتتسال عنها يوم القيامة. وهي فين بسلامتها إن شاء الله. في الحمام بتتوضى يا حاج.
كده كده وحضرتك قاعد مستنيها لما تخلص بقى. ودي فيها إيه بس يا أبويا، أنا مش فاهم انت ليه زعلان كده. سخر الشيخ حسان منه مبتسمًا: لأ وأنا هازعل ليه….. لله الأمر من قبل ومن بعد. *** وقفت في الرواق تستمع إلى كلام أبيه، وكرهه الواضح لها، إلى أن قال كلمته المعهودة وذهب، لتري زوجها يتقدم نحو الرواق بقلق واضح على وجهه. مالك مرتابًا في أمرها، لربما تكون قد استمعت إليهم: الله، انتي خرجتي؟
طب مالك واقفة كده ليه، دانا قلقت عليكي لتكوني نمتي جوه ولا حاجة. رفعت عينها له بحزن، ثم أحنت رأسها مرة أخرى، لتشعره بوخزة داخل صدره. انتي واقفة كده من إمتى يا شذى. شذي بهدوء عكس ما بداخله: من ساعة باباك ما نزل. الآن وضحت أمامه الرؤيا، لقد استمعت إلى كلمات أبيه الكارهة لها، ووقفت وحدها منكسرة على ما استمعته. حاول أن يغير الموضوع سألها: اتوضتي يا شذى؟ اكتفت بكلمة واحدة ومازال وجهها عابثًا: أيوه.
طب ممكن تطلعي تفردي سجادة الصلاة في أوضتنا، وأنا هاحصلك على طول. رفعت عينيها له مردفة بلسان حالها الحزين: متحاولش تغير من روتين حياتك ولا تقلل من تدينك عشاني. مالك محاولًا إيقافها دون أن يلمسها: لأ يا شذي انتي هاتعملي اللي قولتلك عليه، ممكن تقولي حاضر زي ما عودتيني. شذي بصوت منكسر: حاضر يا ابيه. تعمدت أن تعيد له لقبه، لتشعره بمدى ثورتها الكامنة بداخلها، واتجهت نحو غرفة الطهي تتفقد شيئًا داخل البراد. ضم حاجبيه وهتف:
أبيه تاني يا شذى؟ طب انتي بتعملي إيه عندك دلوقتي؟ أخرجت من البراد صحنًا من حلوى الأرز وتركته أمامه على المائدة. مافيش حاجة أنا كنت بطلع ليك طبق رز بلبن أصلي عرفت من خالتو إنك بتحبه فعملته بس بطريقتي، قولت يعني لا تكون جعان ولا حاجة. ابتسم لها بمودة ممتنًا لها، هو فعلاً عاشق لهذه الحلوى المصرية، شعبية الأصل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!