كانت الأجواء بينهم كشرارة خرجت من سلك شائك، صعدت إلى غرفتها غير عابئة بأي منهم. حتى لم تجلس معهم على مائدة الإفطار، وفضلت أن تجلس وحدها بغرفتها تستذكر دروسها. هو أيضًا لم يهتم بها، فهي ليس لها أي حق في الرفض أو القبول، ولا حتى لها الحق في أن تغضب هكذا. أتم إفطاره معهم وذهب ليؤدي فرض العشاء في الضريح، بالأساس كان فرحًا من داخله بأنها أصبحت زوجته،
وبأنها أثبتت دليل براءتها من كل ظنونه. ظل يصلي ويشكر ربه مدة لا بأس بها، وحين عاد كان والده ووالدته يستعدون للصعود إلى غرفتهم، وخالته تجلس بانتظاره حتى يعاونها على الصعود هي الأخرى. مالك متعجبًا: "الله! أنتم ستصعدون لتناموا من الآن؟ هذا لا يزال مبكرًا." أردفت الحاجة مجيدة بحزن: "وماذا سنفعل؟ المحروسة نكدت على الكل. أنا لا أعرف هذه البنت كيف تفكر." الشيخ حسان بصوت جدي:
"قلت لك يا ماجدة، لا تسمعي كلامها. هذه العائلة الصغيرة ستمشي كلامها عليك وعلى الكل لماذا؟ هي أصلًا ما لها أي حق." مالك مهدئًا لوالده: "براحة فقط يا أبي. هي ربما فعلاً ملهاش حق في كده، بس برضه مش عايزين ننسى أنها متعلقة بمامتها." ماجدة مؤيدة كلامه: "صح يا مالك. أنا بنتي ملهاش حد في الدنيا دي غيري أنا. أنت الآن ربنا يخليك لها. صحيح أصبحت أمانها وسندها في الدنيا، بس برضه أنا سأظل لها الحضن الدافئ الذي ترمي همومها فيه.
أمها وأختها وصاحبتها، أنا سرها. عشان كده مش لازم أبعد عنها. بكرة قولي للدكتور صاحبك ده أن طلبه فعلاً مرفوض." مالك ناظرًا إلى والده ووالدته: "طيب اتفضلوا أنتم اطلعوا، وأنا سأجلس مع ماجدة شوية وبعدين نحصلكم نحن أيضًا." أومأوا له برؤوسهم بالموافقة، وسحب الشيخ حسان زوجته خلفه قبل أن تتحدث برعونة، ثم التفت مالك إليها متجهًا نحوها.
جلس في مقابلتها على الأريكة الأخرى، ومد يده مجتذبًا إحدى أطباق الحلوى الموضوعة على المنضدة أمامه، متذوقًا قطعة بسبوسة ليردف بإعجاب: "الحقيقة، بنتك شاطرة أوي في عمل الأكل والحلويات يا ماجدة." ماجدة ضاحكة: "هههههه ألف هنا يا حبيبي، ما هو الحلو مش بيعمل غير كل حاجة حلوة يا مالك." مالك مؤيدًا رأيها: "فعلاً عندك حق، وهي حلوة أوي في كل حاجة، إلا العند." ماجدة بحزن: "ورثاه من أبوها يا مالك." مالك مجيبًا: "طب وأنتِ ذنبك إيه؟
توافقيها الرأي ليه؟ مفيش حاجة تجبرك إنك تسمعي كلامها وتعيشي باقي عمرك لوحدك." ماجدة نافية: "أنا مش لوحدي، أنتم معي. صحيح سأنتقل للبيت الثاني لما رجلي تخف، بس برضه سأبقى طول النهار معكم." مالك متحفزًا: "لأ، أنتِ مش هتتنقلي لوحدك في البيت. وبعدين حتى لو فضلتِ معانا هنا، ما أنتِ برضه بيجي عليكِ الليل بتبقي لوحدك. ثم أنتِ واثقة ومطمنة إن بنتك معايا، يبقى ليه الرفض؟ بصراحة أنا مش شايف أي سبب يخليكي ترفضي." ماجدة نافية:
"لأ، في أسباب تانية، مش رفض شذى بس. أنت ناسي اللي إحنا فيه ولا إيه." ضم مالك حاجبيه متذكرًا: "إيه اللي أنتم فيه؟ آه، موضوع جوزك وأهله يعني. طب ما هو جوزك مات وأهله بعدوا عنكم. ده أنتم سبتوا ليهم البلد بحالها. وبعدين أنا برضه مش هخليه يجي يتقدم لكِ من غير ما أكون اديته فكرة عنك، وهو كمان قالي تقريبًا كل حاجة عنه." ماجدة منتبهة لما يقول:
"قلت له إن جوزي اتقتل وأننا هاربين من الموت يا مالك. قلت له إن بنتي اتعرضت للتحرش وأننا اطردنا من بيتنا قبل ما نت... في وسط الشارع. تهجم وجهه ونظر إليها شرزا. واردف بغضب: -لاء طبعًا. أنا ماقولتش حاجة زي كده. وأظن سيرة مراتي وسمعتها ما تخصش حد غيري. أنا أه قولتله إن جوزك اتقتل، وأن عيلته كلها بلطجية، بس هو عرف اللي يخصه من ناحيتك. مالهوش دعوة ببنتك يا ماجدة. -يعني قولتله إني هربت زمان عشان خاطر محمد العسال.
ظنت أنها قد فاجئته بردها هذا، ليبتسم لها ويربت على كتفها بمودة. -أه يا خالتي، قولتله. والرجل ما بيّنش أي اعتراض. بالعكس ده قال إن حياتك في الماضي تخصك انتي بس، وهو مالوش إنه يحاسب أو حتى يتكلم في ده. -يعني فضحتني قدام الراجل ولسه عايز الرد؟ دا باينه ما بيفهمش ولا إيه.
-هههههههه. لاء على فكرة دا دكتور محترم جدًا، بس هو اللي الدنيا لسعت معاه أوي. كان متجوز واحدة يونانية وخلف منها ولدين توأم وهو عنده تلاتين سنة. خدتهم منه ورجعت بلدها بعد ما طلبت الطلاق، ومن ساعتها وهو ما يعرفش عن ولاده دول حاجة، وعايش لوحده. اردفت ماجدة بطيبة: -يا عيني يا مالك، دا تلاقيهم كبروا وبقوا شباب دلوقتي. ماهو برضه شكله مش صغير. قرر أن يخبرها كل شيء يخص صديقه الطبيب، عندما وجدها متشوقة لسماع قصته.
-عنده تسعة وأربعين سنة، وبيشتغل في المستشفى وعنده عيادة خاصة بيه، قريبة من فيلته. على فكرة هو راجل أرستقراطي كده وتحسيه مرتب في كل حاجة. وأهم حاجة بقى إنه مش همجي وهادي خالص. يعني مش هيتعبك نهائي في أي حاجة. -حيلك يا بني. انت بتتكلم كده وكأني وافقت. -وتترفض ليه بس؟ أنا نفسي أعرف انتي هتستفيدي إيه من وحدتك دي. -بنتي معايا. -لاء بنتك معايا أنا، ومتفكريش إني ممكن أسيبها لحظة ليكي أو لأي حد. ماجدة بحزن: -بس هي رافضة.
مالك وقد شعر بلين رأسها: -وافقي انتي ومالكيش دعوة بيها. يا ستي إن كان على موافقتها أنا هاجيبها لحد عندك، وهي بنفسها هاتبلغك بيها. نظرت ماجدة له بابتسامة وقد رأى في عيونها الموافقة، فأومأ لها برأسه قائلاً بمداعبة: -على الخيرة الله يا ماجدة يا بنتي. بيقولوا السكوت علامة الرضا. يلا نطلع بقى وربنا يتمم بخير، ويقدرني على المجنونة اللي فوق دي.
ضحكت ماجدة كثيرًا من قلبها على كلماته وصعد بها وهو يضحك معها، ثم ولج بها داخل غرفتها ليعاونها على التمدد في فراشها. ماجدة رابته على راحة يده: -مالك ماتبلغش صاحبك بأي حاجة غير لما تكون متأكد من موافقة شذى، ولو هي صممت على رأيها يبقى تبلغه برفضي أنا كمان. دثرها مالك بالغطاء وهتف: -اطمني يا خالتي. أنا مش هاعمل غير اللي يريحك. وإن كان على شذى، فدي بقى سيبيها عليا. هتوافق يعني هتوافق.
دلف إليها وجدها جالسة خلف مكتبه، فاتحة جهاز الحاسوب تبعه، تستذكر عليه دروسها منهمكة بحماس. جحظ مالك عينه واقترب منها سريعًا، ظنًا أنها تفتش فيه، ليرى ما تفعله بجهازه. -انتي بتعملي إيه. شهقت شذى بفزع وصاحت بصوت عالٍ: -في إيه! خضتني يا أخي. لف مالك الجهاز وانحنى أمامه ليعبث وجهه وهو يرى تلك الملفات التي حملتها وفتحتها عليه. -مين قالك تفتحي اللابتوب بتاعي، وكمان حملتي عليه حاجات؟
اسمعي أنا مش بحب كده. الجهاز ده متسجل عليه عمليات وأفلام وثائقية مهمة جدًا. شذي بحزن: -وأنا مالي ومال عملياتك. على العموم أنا آسفة، أنا بس عيني وجعتني من المذاكرة على التليفون. قولت أنقل الفولدرات على الجهاز بتاعك عشان الكتابة تبقى أوضح. ماكنتش أعرف إنك هتزعل كده. بس خلاص امسحهم، ولا تضايق نفسك. أنا مش هقرب من أي حاجة تخصك تاني. أغمض مالك عينه لمدة ثانية بتعصب، قابضًا على أصابع يده، يدق بها على
مكتبه وهو ينطق بنفاذ صبر: -شذى، بطلي هبل. مافيش حاجة بينا اسمها تخصني وتخصك. بس أنا محضر على اللابتوب ده كل شغل المؤتمر الطبي. وكان ممكن تقوليلي إنك عايزة لابتوب وأنا أجيب لك واحد جديد على فكرة بدل ما تبوظي ليا شغلي. زجته شذى بلا مبالاة، واتجهت نحو فراشهم، شالحة مأزرها المخملي من عليها لتظهر أمامه بمنامة ذات شورت قصير وحمالات رفيعة من على كتفها متمردة عليه بأنزعاج.
-مش عايزة منك حاجة. أنا أصلًا خلاص خلصت مذاكرة. وعلى فكرة بقى أنا مش جاهلة عشان أدخل على شغلك وأبوظه ليك. ابتلع مالك لعابه بشوق لها، واتجه نحوها محتضنها من الخلف ضاممها إلى صدره قبل أن تتمدد على الفراش، مقبلاً عنقها هامساً بحب: -انتي مش جاهلة، بس عنيدة ودماغك ناشفة، ومتمردة على كل حاجة. لفت جسدها داخل يديه وألقت سهامها النارية وسط سماء ليله، واضعة راحتي يدها على صدره سألته بنعومة: -وإيه كمان. مالك تائها في جمالها:
-وحبيبتي وروحي كمان. بس لو تبطلي عندك ده. شذي بدلع: -انت بتحب عندك ده. -أنا بعشق كل تفاصيلك أصلًا. ماتزعليش يا ستي من بكرة هايكون عندك جهاز لاب خاص بيكي انتي. شذي بخجل منه: -لاء يا مالك مالوش لازمة. أصلًا بكرة آخر يوم في الامتحان. -ششششش. سيبك من الكلام ده. مش إحنا الاتنين بقينا واحد خلاص. شذي عابثة في أزرار قميصه ناظرة إلى صدره بخجل: -أه يا حبيبي خلاص. مالك خاطفًا قبلة من وجنتها:
-يبقى لما تحتاجي حاجة تطلبيها مني أنا، ومن غير أي تردد. جلس بها على فراشهم وهي على قدمه تبادله القبل بمودة: -طب أنا عايزة أروح شقتي مش عايزة أقعد هنا. عايزة آخد راحتي يا مالك. -أكتر من كده... قالها مالك ناظرًا إلى جسدها شبه العاري بأندهاش، ليغمز لها بطرف عينه. -مانتي واخدة راحتك على الآخر أهو. ولا نسيتي امبارح وعايزاني أفكرك. شذي محاولة فك ذراعيه من حولها: -قليل الأدب. أو إده كده سيبني. مالك ضاحكًا على خجلها:
-أسيبك إيه؟ هو في حد يقدر يسيب روحه بردو. زمت شفتيها وهمست له: -أنا مش بقولك نمشي عشان حاجة مزعلاني، بس أنا حابة تبقى لينا حياتنا الخاصة يا مالك. ماما سمعتنا امبارح وقعدت تضحك وتلمح لي وأنا بصراحة مش عايزة حد يعرف عننا حاجة. مالك موافقها الرأي: -طيب يا حبيبتي أنا هاتصرف في الموضوع ده. شذي بفرحة: -هانرجع بيتنا. مالك نافيًا:
-لاء أنا ماقولتش كده. بصي يا شذى أنا بصراحة مرتبط بالمكان هنا قوي زي ما انتي شايفة كده. يعني المسجد والبيت هنا وأمي وأبويا. أنا عاشق للحي كله. عامل زي السمك اللي ما يقدرش يعيش بره المايه. شذي بوجه متهجم نافضة يده من حولها: -طب أوعي بقى خلي المايه اللي انت عايش فيها دي تنفعك. وأنا بصراحة ما عنديش استعداد أسمع كلمة تكسفني من أي حد. دا أنا بدخل الحمام وأنا بتلفت حواليا زي الحرامية.
وقف مالك بوجه عابث يبدل ملابسه، وهو يراها ترقد تحت الغطاء الثقيل معطياه ظهرها، هاتفا لها: -خلاص قولتلك هاتصرف. هاوضب لك البيت التاني وننقل فيه. واظن لأمي ولأمك هايرفضوا، بعد ما مامتك تتجوز. انفزعت من رقدتها وهمت لتجلس أمامه صارخة في وجهه: -ومين قالك إنها هاتتجوز. تلك النمرة المتوحشة التي عزم أمره على أن يروضها. هاجمته بشراسة وقفت على الفراش بجسدها شبه العاري، وظلت تصرخ فيه...
-قولتلك ماما مش هتتجوز. ممكن تبطل تجيب السيرة دي بقى. كان قد شلح قميصه من على جسده، وانتفض منفزعًا من صياحها. اقترب سريعًا منها محاولًا إنزالها من على الفراش وإخراسها عن صراخها هذا. مد مالك يده ليمسك يدها منفعلًا عليها: -بطلي صريخ وهبل بقى وانزلي. أمسكها بين يديه، ضاممها نحوه، ليصمتها ويسيطر على غضبها. زجته في صدره محاولة الابتعاد عنه وهي تصرخ:
-أوعي سيبني بقولك. هي فاكرة نفسها لسه صغيرة. هي ناسيه كانت مرات مين. الهانم اللي جوزها دمه سال قدام عينيها ولسه ماخلصتش شهور عدتها، اللي بتفكر في الجواز. -آخرسيييييي بقى. قالها مالك بغضب وهو يضم رأسها من الخلف كاتم صراخها في صدره. خربشة أظافرها أسالت الدماء في صدره، لينفضها من يده ملقيها على الفراش بقوة. وإذا به يتفاجئ بوالدته تفتح باب الغرفة عنوة، وكعادتها متمسكة بسلاحها الفتاك.
قذفت الحاجة مجيدة جرزانها في وجه شذى، ليقف مالك متصديًا له، قبل أن يسقط على رأسها ويتفاقم الأمر أكثر من ذلك. الحاجة مجيدة بصوت جهور: -هي مين دي اللي كبرت وبتفكر في الجواز يا س... يا ام لسان طويل، بتتباهي بابوكي البلطجي اللي اتقتل على ايه؟ إلا ما شافت معاه غير الهم. من يوم ما اتجوزته ولحد ما مات وهي متبهدلة بسببه.
جحظت عيناها من وقت دخول خالتها عليهم، لتجذب الغطاء مدثرة نفسها جيدا بخجل، ناظرة إلى زوجها الذي وقف حائرا، خاجلا، هو الآخر بينها وبين والدته. مالك محاولا رد والدته عنها. -لو سمحتي يا أمي اتفضلي على اوضتك دلوقتي، ماينفعش تدخلي علينا بالطريقة دي. الحاجة مجيدة رابتة على كتفه العاري بغضب. -لاء ينفع يا حيلة، اصلي جيت عشان اشوف بنت اختي وهي مبسوطة في حضن جوزها، و عايزة تحرم اللي حلله ربنا لأمها.
ايه يا ست شذى، مش حضرتك برضو فرحانة ومبسوطه مع جوزك؟ مع ان ابوكي مابقلوش تلات شهور ميت، ماحزنتيش عليه ليه بقى يا ست شذى، و لا عايزة تشيلي امك الحزن بس. انتفضت شذي من علي الفراش ملتقطة مأزرها مرتدياه سريعا بصراخ. -بس بقى كفاية ذل وإهانة لحد كده، ابنك عندك اهو خليهولك، وابعدو عني انا وامي ماحدش له دعوه بينا، اذا كنت عايز تطلقني يا سيدي عشان امك ترتاح طلقني.
تخطها سريعا لترحل من الغرفه، لتجده يقبض على شعرها من الخلف مانعها من الخروج بهيأتها هذه، أمرا لوالدته. -روحي نامي يا أمي من فضلك، و لو سمحتي ماتدخليش علينا بالطريقة دي تاني. رمقته بنظره غاضبة هو وتلك التي تضرب عل يده بشراسه لاتحاول فك أسر شعرها من قبضته، لتتأفف وترحل دافعة الباب خلفها. وعندها قذفها مالك من يده لتسقط ارضا تحت قدميه منحنية الرأس. مالك بسكون ما قبل العاصفة.
-ازاي تسمحي لنفسك انك تخرجي من باب الأوضة بالهدوم دي. رفعت شذى رأسها بأندهاش. -هو ده بس اللي اخدت بالك منه، لتصرخ قائلة. مأخدتش بالك هي دخلت علينا ازاي، ماشوفتش هي هانتني ازايييي. جلس مالك على الفراش، واضع رأسه بين كفيه يحاول ان يكظم غضبه. -امي تقول وتعمل اللي هي عايزاه، و لا نسيتي هي عملت ايه عشان تجوزك ليا. وقفت شذى تصرخ في وجهه متهوره في كلامها كالعادة.
-يا اخي ياريتني ما اتجوزتك، و لا كنت دخلت حياتي من أصله، انا زهقت منك ومن قلة حيلتك دي، حتى امك مش عارف تاخدلي حقي منها. مالك منتبها لما تقوله. -شذى فوقي واعرفي انتي بتقولي ايه، المره دي مش هاسامح واغفرلك غلطك تاني. -انشالله ما سامحت، هو انت ماتعرفش تعمل ر... غير عليا انا بس، لتحاول الخروج مره اخرى. -لتجده يدفعها بقوه للداخل و اذا به يرد لها اهانتها بصفعه قوية على وجنتها. ساحبها من شعرها و ملقيها على الفراش.
مالك حازما امره. -اقسم بالله لعرفك انا را... و لا لاء وحياة عشقي لجمالك يا شذى لربيكي من اول و جديد. اتفضلي نامي عشان الامتحان اللي عليكي بكره، و بعدها انا هعرفك ازاي تتكلمي معايا بالطريقة دي. فتحت باب غرفة شقيقتها وجدتها جالسه على الفراش تبكي وحدها، اذا لقد استمعت إلى صراخ ابنتها وكل ما قالته في حقها. اقتربت منها وجلست بجانبها لتشد من ازرها قليلا. اردفت الحاجة مجيدة مزمجرة.
-بتعيطي ليه هو انتي هاتستجدي على بنتك وصوتها العالي. وضعت ماجدة رأسها على صدر اختها وهمست. -شوفتي قالت عليا ايه يا مجيدة، انا اصلا غلطانه اني سمحت لنفسي اتكلم في موضوع زي ده، روحي قوليله اني رفضت، و خليه مايزعلش شذى. الحاجة مجيدة بلوم. -ياختي ماتزعل ولا تتفلئ حتى هو انتي ما بتفكريش غير في راحتها، وهي اصلا بت أنانية مابتحبش غير نفسها. واذا بهم يسمعو دفعة باب قوية، لتجري الحاجة مجيدة للخارج حتى ترى ما يحدث.
واذا بها تجد ابنها يغلق باب غرفته، ويوصده جيدا بالمفتاح من خلفه. -الله مالك رايح على فين يا بني؟ زفر مالك أنفاسه بضجر مستغفرا ربه على مايفعلوه نساء هذا البيت به و صاح في وجه والدته بغضب. -استغفرالله العظيم، رايح في ستين... حلو عني بقى.
أعلنت ساعة مذياع سيارته الثامنة صباحا، كانت تجلس بجواره هادئة مستكينة، مختبئة تحت نقابها من عيونه اللتي تقذفها جمرا، ومعه كل الحق في غضبه هذا، حتى لو قذفها أسفل عجلات السيارة، لن تلومه فما قالته لا يغفره احد ابدا، لكنه أخطأ أيضا حين رفع يده عليها وضربها للمرة الثانية وهي أيضا لن تغفر له هذه الفعلية. أوقف السيارة داخل الحرم الجامعي، لتترجل منها وتغلق بابها خلفها، ابتعدت قليلا، غير ملتفته الي السيارة.
واذا بها تسمع صرير عجلاتها، لتخبرها انه يرحل عنها ويتركها وحدها، استدارت سريعا، لتراه وتنظر له هامسة من تحت نقابها. -ماتمشيش يا مالك خليك معايا. لكنه لم يلتفت إليها، و لا حتى ليطمئنها وذهب. لا تعرف من أين جائتها كل هذه الطاقة السلبية، جرت لتقف أمام لجنتها خائفة بل مرتعبة، تريد أن تحتمي بأي شئ، ظانه انه سيأتي احد ما و يتهجم عليها بأي لحظة. الي ان فتح باب اللجنة و كانت هي اول من دلف بها.
ذهب إلى مول تجاري قريب من الجامعة، جلس في إحدى الكافيهات يحتسي كوب من قهوة الصباح، يفكر في جنيته شقيته ومعذبته. برغم تهورها واندفاعها في الكلام الا انها معها كل الحق في طلبها، فما فعلته والدته بالأمس كان معناه جرح لخصوصيتهم، لم يكن لها أي حق في ان تدلف عليهم بتلك الطريقة المهينة، لذلك عزم أمره على أن يبدء في توضيب البيت من اليوم، لكن دون أن يخبر تلك الشقية التي تعركل عقله دائما، وتذيب قلبه بنظرة من سمائها او هماستها.
وبعد أن احتسي قهوته، ذهب إلى إحدى المحلات المخصصة لبيع الأجهزة الإلكترونية، وابتاع لها جهاز حاسوب جديد، ليأخذه ويرحل من المول كله عائدا إليها بسيارته. طريق العودة بها إلى المنزل، كان صورة طبق الأصل من طريق الذهاب، لم يزد عليه أي شئ سوي شهقاتها و رجفتها بجانبه فقط. ازعجته بشهقاتها و رجفتها هذه ليصيح فيها بغضب. -ممكن تسكتي وتخليني اركز وانا سايق. -سيبتني ومشيت ليه انا كنت هاموت من الخوف.
كان هذا ردها المميت لكل نظرة كره يلقيها بها، لكم ود ان يوقف السيارة ويلتقطها على قدمه يضمها الي صدره يربت على ظهرها كالاطفال. لكنه عوضا عن ذلك صاح فيها وهو يعتصر عجلة القيادة بيده. -لا والله ماكنتش فاضيلك عشان اسيب شغلي واقعد جانب حضرتك. شذي بصراخ مكتوم.
-انا مش عايزة ارجع الحسين وديني شقتنا لو سمحت، انشالله حتى تسيبني لوحدي فيها وماترجعش ليا تاني بس خليني اروح هناك، الا والله هاترجع من شغلك تلاقيني مموته نفسي هاه بس. القى مالك عليها نظرة جانبية بطرف عينه ثم اردف وهو يفكر بشئ ما. -حااااضر انتي تؤمري يا شذى، بس خليكي فاكرة انك انتي اللي طلبتي ده. غير مسار سيارته واتجه بها إلى طريق شقته الحديثة، عازما أمره على أن يتركها وحدها فتره من الوقت حتى يعاقبها على ما فعلته.
وحين فتح الباب وجدها تنفد من جانبه للداخل سريعا، وذهبت راسا الي غرفة نومها، شلحت نقابها وادنائها من عليها، ودلفت الي المرحاض لتغتسل وتهدء جلد وجهها من البكاء قليلا، لتفتحه وتترجل منه متجهه نحو غرفة الملابس لتجد زوجها يقف معطيها ظهره، ويبدو انه يدس شئ ما بخزانة الملابس. سحبت مانمتها المخملية ذات الاكتاف الساقطه، و ارتدتها سريعا، غير عابئه به و بما يفعله، وذهبت سريعا نحو الفراش وارتمت عليه.
بدل هو أيضا ملابسه و وضع عطره الذي يثير جنونها وترك لها الغرفه بأكملها و ذهب. استنشقت عبيره بحرارة قبل أن يرحل عنها، لتزفره متنهدة وهي تلمح طيفه قبل أن يغلق باب الغرفه عليها و يتركها مره اخرى تدمع العينين. و قبل ان يرحل مرة أخرى استمع لرنين هاتفها الملقى داخل حقيبتها الموضوعه على هذا الكنسول الرخامي بجانب الباب الرئيسي. فتح الحقيبة واجتذب الهاتف، ليجد ان المتصل ليس بأحد سوي والدتها.
نظر الي الساعة الملتفة حول معصمه، ليجدها أصبحت الثالثة عصرا، فأجاب الاتصال على الفور إذ ربما تكون قلقة عليهم. -السلام عليكم يا ماجدة. ماجدة مجيبة عليه بقلق. -و عليكم السلام انتو فين يا مالك، شذى مش بترد عليا ليه. اردف مالك محاولا تهدئتها. -ماتخفيش عليها احنا رجعنا شقتنا يا ماجدة. ماجدة ببكاء هادئ.
-ليه بس يا مالك هي لسه زعلانه طب ادهاني اكلمها، و انا هقولها ان الموضوع ده مش هيحصل، قولها يا مالك اني رفضت العريس ده خلاص. هي اللي طلبت تيجي هنا بعد اللي حصل امبارح، سيبيها بس يومين كده تهدى وبعدها هنرجع تاني و هتكون موافقة كمان. استسلمت ماجدة الي كلمته وهمست. -هاقول ايه بس ما باليد حيلة، طيب يا مالك سيبها على حريتها بس قولها اني مش موافقة على حاجة هي مش عايزها. مالك مستغفرا ربه.
-استغفر الله العظيم واتوب اليه، يعني انتي عايزة تجننيني انتي كمان، اقفلي يا ماجدة و لازم تفهمي حاجة، شذى مش هتمشي كلامها علينا كلنا لمجرد انها رافضة حاجة بغبائها ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!