اليوم الرابع لها وحدها. علمت معنى كلمته لها وما كان يقصده عندما نفذ لها طلبها مردفاً لها: -افتكري إنك انتي اللي اخترتي. نعم، كان اختيارها هي، ولذلك كان عليها أن تتحمل نتيجته. وصل بها العند أن تغلق هاتفها ولا تجيب على اتصالات والدتها، أو تهاتفه هو. ولا حتى فكرت أن تراسله كما فعلت بالسابق. مع أنها كانت خائفة من وحدتها، لكنها بأمان تام طالما وحدتها هذه في سجنه. ***
طيلة الأيام الأربعة كان منشغلاً مع هؤلاء العمال، الذين حضروا بأمر منه ليبدأوا العمل في هذا البيت، وهو يقف على رأسهم لينتهوا بأسرع وقت، تحت نظرات والده الحاقدة والغير راضية عن ما يفعله. ليهتف فيه الشيخ حسان بضجر: -أنا ما بقتش فاهم انت عايز إيه بالظبط يابني، منين بتقول هطلقها، ومنين قلت لخالتك وأمك إنك بتوضب البيت ده ليك انت وهي. مالك متنهداً بصبر: -افتكرت إن أبغض الحلال عند الله الطلاق يا حاج.
-أبغض الحلال أه، لكن مش حرام يا مالك. مالك ضامم له حاجبيه: -أنا ما أقدرش إني أغضب ربنا، حتى لو ده حلال، لكنه أبغضه. الشيخ حسان مستهزئاً به: -بنت ماجدة، حتة العيلة الصغيرة دي، عملتك انت بجلالة قدرك يا دكتور لعبة في إيديها، خليتك يويو، ترميك وتشدك ليها وقت ما تعوز. كظم مالك غيظه مغمضاً عينيه بقوة هامساً له: -الله يسامحك يا أبويا، أنا بس نفسي أعرف انت بتكرها كده ليه. الشيخ حسان منتفضاً من جانبه:
-عشان انت تستاهل واحدة أحسن من دي بكتير، دي لا كانت من قيمتك ولا من مقامك، انت تستحق واحدة متعلمة زيك، دكتورة زيك، مش حتة بنت فاشلة أهلها كلهم بلطجية بيقتلوا في بعض. هذه المرة سخر مالك من أبيه: -الدكتورة اللي حبيتها رمتني على طول دراعها وراحت اتجوزت واحد معاه فلوس يا حاج، أما بقى بخصوص أهل شذى، فمحدش بيختار أهله يا أبويا. شذى صحيح طايشة ولسانها طويل، بس هي من جواها زي أمها طيبة، وشرسة زي خالتها برضه.
ليشير له بإصبعيه: -واخدة طبع الاتنين يا حاج، شوفت نصيبي بقى. كاد والده أن يذهب من أمامه، ليلتفت له قبل أن يرحل: -بتلتمس أعذار لمين وبتدور على حجج فارغة ليه، بنت محمد العسال مش هيجيلك من وراها غير المصايب يا دكتور. زفر بحنق متأثراً من كلام والده، ليقف حائراً مزمجراً لنفسه: -ليه كده بس يا حاج، هو أنا ناقص رعب عليها، مش كفاية اللي أنا فيه بس يا ربي. *** الليلة كانت دافئة، يبدو أن الشتاء قد شرف على الرحيل.
كانت جالسة على مقعد وثير بجانب تلك النافذة المطلة على النيل مباشرةً. تلبس كنزة صوفية سوداء اللون بفتحة دائرية كبيرة من على صدرها على شورت قصير أسود اللون أيضاً، ليطغى عليه بياض قدميها. وتمسك بيديها كوباً من الكاكاو الساخن تحتسيه، وتراقب حركة تلك القوارب الصغيرة ذات الأضواء الملونة، وتستمع على هاتفها لأغنية أصالة الشهيرة... خانة الذكريات.
لم تشعر به حين ولج إليها، حيث كانت مغمضة العينين، يبدو أنها غافية على مقعدها وهي متكورة بهذه الطريقة على المقعد بعد أن احتست ما بيدها. قادته قدماه إلى صوت الهاتف، وكان بلحظة يقف أمامها، ليراها على حالتها هذه. بالرغم من جمالها، إلا أنها كالوردة الذابلة. لكم يود الآن أن يجذبها إليه ويحتضنها. سحب الهاتف من على قدمها وأغلقه، جذب ذلك الكوب من يدها ووضعه على المائدة الصغيرة. وهتف بخشونة: -شذى قومي نامي جوه.
كانت غافية حد الثمالة لدرجة أنها فتحت عينيها قليلاً لتري طيفه كالشبح أمامها، وبدون إرادة همست له: -مالك حبني. -لا، بطلنا والله خلاص، فُوقي يا ماما وقومي غيري الأر... اللي انتي لابسااه ده وقاعدةالي بيه قصاد الشباك. انفزعت أثر سماع صوته الخشن، وانتفضت واقفة وهي تعتصر جبينها: -انت هنا من امتى. -من ساعة خانة الذكريات اللي محطيني فيها يا أختي. -وايه اللي فكرك بيا، جيت ليه، انت مش رميتني هنا من أربع أيام وسيبتني.
وقف ينظر إليها وكأنها حيوان ذو رأسين، ليتخطاها متجهاً إلى غرفة ملابسه وهو يستهزئ بها: -غبية ومترددة. صرخت وجرت أمامه لتوقفه بشراسة وهي تزجه بيدها في صدره: -ما تشتمينيش! انت رميتني هنا وقفلت عليا وسيبتني لوحدي وجاي دلوقتي تشتمني. -وأكسر رقبتك كمان، انتي اتجننتي، بتمدي إيدك عليا يا شذى. لم تفزع من صوته ولم تبعد يدها عنه، بل زادت ضربتها على صدره ظانة بهذا أنها تألمه:
-تكسر رقبة مين، دانا شذى بنت محمد العسال، فاكرني هخاف منك انت. -كده، طب تعالي بقى وأنا أعرفك هتخافي ولا لأ. حملها بين يديه معتصراً يديها بقوة خلف ظهرها، وبلحظة كانت ملقاة على الفراش. استدار ليغلق الباب وهو يشلح قميصه من عليه، ليجدها تقف خلفه وتضغط بأسنانها على كتفه: -يا مجنونة، بتعملي إيه. زجها بعيداً عنه، لتسقط على الأرض ويتناثر شعرها حول وجهها المنحني، لتنظر له بكل شراسة وتصرخ:
-باخد حقي منك، انت مش بتضربني، هضربك زي ما بتضربني وبتمد إيدك عليا. -لا، دانتي ضربتي على الآخر، وحياة جمالك دا لأخليكي ترجعي قطة مغمضة تاني، تعاليييي. جذبها من شعرها ليلقيها على الفراش، لتحاول الانزلاق من الجهة الأخرى لتجده يقبض عليها محتجزها أسفله. وتحول الفراش فجأة إلى دائرة للعبة الكونغ فو، حيث كانت حركتهم أشبه بها. هي تضربه وهو يشل حركتها، إلى أن تلاقت أعينهم وخرست ألسنتهم.
لم يتحدث أحدهم بكلمة، هدأ موج البحر الثائر في ضباب ليله. أمسوا ليلة لن ينساها أي منهم وحفرت في ذاكرتهم للأبد. حتى لو أصبحت لياليهم ألف ليلة. بالرغم من قسوته عليها، إلا أنها كانت متقبلة كل ما يفعله بها، لدرجة أن كل لمسة من يده كانت بمثابة مخدر لها. هو أيضاً عاشق متيم بها، يحبها ولا يريد إلا هي. صرخاتها بين ذراعيه تشعل قلبه، وتزيد من احتراقه، لكنه عزم أمره بأن يقهرها حتى تخضع له. ***
وفي الصباح كانوا غافيين بأحضان بعضهم، متشابكين الأذرع. تحتضن خصره بيديها وملقيه بجسدها على جسده، يضمها إليه ويحتجزها بين ذراعيه ويتلفح بشعرها المموج. لكن ما أفزعه وجحظت عيناه دموعها الملتصقة على وجنتها، وردته الجميلة تبكي وهي غافية. شعر بغصة في قلبه، وأزاحها عنه ببطء شديد ليعدلها على وسادتها. جفف دموعها بشفاهه طابعاً على وجنتها قبلة رقيقة هامساً لها: -أنا آسف، بس انتي اللي اضطرتيني لكده. ***
وبعد مرور ساعتين من الوقت، كان قد قضى روتين الصباح وصلى فرضه ووقف داخل غرفة طهي الطعام يصنع لنفسه كوباً من القهوة. أما هي فكانت مستيقظة في فراشها، لا تقوى على الحركة دامعة العينين، لكنها مبتسمة راضية عن ليلتهم كل الرضا، عابثة لتألم جسدها. ظنت أنه قد رحل في الصباح الباكر. بيدٍ مرتعشة تمسكت بقميصه الملقى بجانب الفراش وجذبته إليها لترتديه، وتترجل للخارج بهيئتها المبعثرة هذه.
ولجت غرفة الطهي وفتحت البراد، لتجلب لنفسها الماء لتروي به ظمأها. وقف يحتسي كوب القهوة وهو ينظر إلى هيئتها هذه بابتسامة نصر تملأ وجهه، مشيراً على ما تلبسه، ملقياً عليها بسؤاله: -إيه اللي لابساك قميصي؟ رفعت قنينة المياه من على فمها، شاهقة بفزعة من صوته: -انت لسة هنا؟ أوصد يديه حول صدره بعد أن وضع ذلك الكوب من يده قائلاً: -ومش همشي، أنا قاعدالك هنا النهارده. شذى بلا مبالاة: -براحتك، خليك قاعد.
-طب ممكن نقعد نتكلم بهدوء زي الناس العاقلين. -بص، انت عايز تقعد براحتك، لكن ما تفرضش عليا إني أقعد وأتكلم معاك، أنا مش عايزة أتكلم مع حد. جذبها إليه قبل أن تخطو قدميها الباب وجمدت يده على رسغيها ناظراً في عينيها بقوة: -لا، هاتقعدي وهاتتكلمي معايا بكل هدوء، ومش هاسمع منك غير كلمة حاضر يا مالك، يا ترى كلامي مفهوم ولا فيه حاجة غريبة عليكي. لتردف هامسة وهي تضع جبهتها على صدره:
-سيب إيدي بتوجعني، أصلاً جسمي كله بيوجعني يا مالك. لانت يده ولان قلبه أيضاً لها، ليضمها إليه ويقبل رأسها بحزن: -انتي السبب في اللي احنا فيه ده، لسانك الطويل وقلة... هما اللي خلوني أعاملك بالطريقة دي. -أوعي، سيبني، أنا عايزة أطلق منك. تنهد بقلة حيلة وأزاح يده عنها وهتف: -تمام، لو ده طلبك هنفذه ليكي ومش هاعترض طريقك، أصلاً أنا من الأول كنت عايز أسيبك زي مانتي وإنتي اللي رفضتي ده. شذى بدموع منهمرة على وجنتها:
-عشان كنت حمارة وفاهمة إنك بتحبني، بس للأسف طلعت مش عايزني، دانت بتكرهني كمان. -في حد بيكره مراته بيعاقبها العقاب ده يا متخلفة انتي؟ سأل مالك هذا السؤال بعين كالجمر وصوت جهور. جلست على الأريكة تبكي بحرارة وتصرخ له: -ومافيش واحد بيحب مراته يقوم يجيب لأمها عريس يا دكتور. وقف غير مستوعباً ما تقوله هاتفاً: -ودا إيه علاقته بحبي ليكي يا شذى؟ -يا مالك افهمني بقى، أنا ما أقدرش أبعد عن أمي دي، هي كل حياتي.
سخر من كلماتها رافعاً جانب شفاهه العلوي: -دا على أساس إنك نايمة في حضنها دلوقتي، مانتي سايبانا كلنا مش هي بس بقالك أربع تيام، إيه اللي فرق بقى، يا شيخة دانتي حتى التليفون من ساعة ما جيتي هنا وانتي قفلتيه ومش بتردي عليها فيه، يبقى مين اللي اختار البعد بقى. أحنت رأسها دون أن تتحدث معه لتسمعه يهتف لها بأمر:
-كلمة واحدة هاقولهالك، جوازنا دلوقتي متوقف على موافقتك بجواز أمك. لو انتي وافقتي مش هطلقك، لكن لو رفضتي اعرفي إنك كده نهيتي كل حاجة بينا يا شذى. رفعت رأسها له بعين جاحظة: -انت بتحط دي قصاد دي يا مالك. أومأ لها برأسه معانداً: -أه، مش أنا مش را...
في نظرك، قابلي بقى اللي جاي يا شذى. ويكون في علمك، إحنا هانرجع الحسين على آخر الأسبوع وهاتعتذري لأمي ولأمك على كل اللي عملتيه ده، ولو رفضتي هترجعي تعيشي مع أمك تاني، أما بقى لو وفقتي، فبيتك الجديد مستنيكي يا قلبي. ثم تركها تجلس كما هي تفكر فيما ألقاه في جعبتها. *** اليوم عادت إليهم بعد أن أعطته رأيها بالموافقة، لكنها ظلت متحفزة على خصامها له ولم تتحدث مع أي منهم أيضاً عبر الهاتف. دلف بها إليهم وهم جالسون ليجذب من
على عينيها نقابها ويهتف: -اعتذري. *** رمقته بنظرة غاضبة ثم التفتت إليهم وأحنت رأسها ولم تتفوه بأي كلمة. زفر مالك معنفاً لها بنظرة عينيه: -يلا يا شذى، انتي وافقتي على اتفاقنا، وعشان كده جبتك لهنا تاني. عيناها امتلأت بالدموع، وتسمرت مكانها وأردفت له بهمس: -أنا ما غلطتش فيهم ليه عايزني أعتذر عن حاجة معملتهاش. كبريائها يمنعها عن الاعتذار، ومع ذلك هو يريد أن تتخلى عن عنادها: -هاترجعي تعاندي تاني، انتي عارفة دا معناه إيه.
ظلت متماسكة، لم تنظر إليه لتجد يد من أنجبتها، تنتشلها من هذا المأزق وتغمرها بحنانها تجذبها إليها، متكئة على كتفها قبل أن تسقط. ماجدة محتضنة إياها ورافعة نقابها: -وحشتي ماما أوي يا قلب ماما، كده برضه يا شذى هونت عليكي تسيبيني وأنا في الوضع ده وتمشي. شذى بدموع: -انتي اللي عايزة تسيبيني يا ماما. ربتت ماجدة على كتفها وهمت لتحثها على الجلوس: -أسيبك وأروح فين بس وأنا متجبسة كده، تعالي اقعدي جنبي هنا.
جلست مقابل خالتها التي كان وجهها جامداً وكأنها تقول لها أنتِ غير مرحب بكِ. التفتت شذى إلى زوجها الغاضب أيضاً وتحدثت: -مش قلت هنطلع نجيب الشنط ونروح البيت التاني. أردف بلغزٍ لا يعرف حله أحد إلا هي فقط: -أنا قلت بس انتي ما عملتيش. رفعت عينيها لتقابل عين خالتها، لتعاود النظر إلى والدتها تحاول أن تغير الحوار: -عاملة إيه دلوقتي يا ماما، لسة رجلك بتوجعك. تفهمت عليها والدتها التي ربتها على عزة النفس وعدم التخلي عن كبريائها:
-يعني شوية ابتديت آخد على الجبس، بس بقى اللي تعبانة معايا بجد، هي اختي حبيبتي، خالتك تقريباً ما بتسبنيش يا شذى. ابتسمت لها شقيقتها وهتفت توبخها على ما تقوله: -بس يا هبلة، هو إحنا في بينا شكر برضه. انتهزت شذى هذه الفرصة وتدخلت في الحديث: -ربنا يخليكم لبعض، خالتو مجيدة دي أمنا كلنا أصلاً. لم تردف بكلمة، فقط اصطنعت لها ابتسامة صفراء، وأومأت برأسها. تنهدت شذى لتصبر نفسها، ووقفت باتجاهها بقلة حيلة: -طيب انتي تكسب. ثم همست
بصوت خفيض حتى لا تسمعها: -أنا آسفة يا خالتو. لكنها انتبهت لما تقول لتصيح فيها: -آسفة! هو انتي دوستي على رجلي من غير ما تقصدي يا بنت اختي الـ آسفة ال. تدخل مالك جالساً بجوارها بعد أن تنفس الصعداء حين قالتها: -خلاص بقى يا أمي، شذى عرفت إنها غلطانة واعتذرت على غلطها، مش عايزين نفتح الموضوع ده تاني لو سمحتي. ربتت الحاجة مجيدة على فخذه موافقة الرأي وسألته: -خلاص يا حبيبي، بس قولي رديت على الدكتور ولا لسه.
نظر مالك إلى خالته وابنتها التي التفتت لما يقولونه، وقرر أن يفتح الحديث أمامها: -أيوة رديت عليه زي ما ماجدة قالت بالظبط، قولتله إنه ينتظر لما تفك الجبس، وهو في الحقيقة وافق بس طلب إنه يجي يكشف على رجلها ويشرب معانا كوباية شاي. التفتت ماجدة إلى ابنتها بخوف، همست لها: -ما تخافيش، هطفشه. ابتسمت شذى لها وقررت أن تداعبها هي الأخرى: -شكله كده لزقة ومش هايطفش بالساهل، ده باينه واقع من أول نظرة ههههههه.
تفاخرت ماجدة بنفسها مجارية ابنتها في هذا الحديث الخاص بهم: -طبعاً يا بنتي، هو هيلاقي في جمالي فين؟ اعتلت ضحكاتهم سوياً، وبدأت شذى تداعبها بيديها وهي تهمسها: -أيوة يا جوجو يا أسرة قلوب الرجال ههههههه. -ربنا يبسطكم وبلاش أنا. كانت هذه كلمة الحاجة مجيدة الصاخبة بنظرها عليهم. لتلوي شذى ثغرها لوالدتها بعلامة الخوف، كتمت ماجدة ضحكتها على ابنتها وهتفت: -دانتي الخير والبركة يا حبيبتي، هو إحنا لينا غيرك يا مجيدة.
ضرب مالك على قدمه ضربة خفيفة ووقف جاذباً زوجته من يدها: -طيب يلا شذى تعالي شوفي البيت الجديد. ضمت شذى حاجبيها بعدم فهم: -مش قلت هنجيب الشنط من فوق. مالك ضاحكاً: -شنط إيه يا بنتي، الشنط راحت هناك من زمان. *** رتب البيت بأكمله ليصبح بيت يليق بالحياة الزوجية. فعل لها ما تريد دون أن يحرم نفسه من المكان الوحيد الذي يعشقه ويرتبط به جداً. فعل كل هذا بعد أن أخبرته بموافقتها على ما قاله، بعد حديثها مع والدتها عبر الهاتف.
فلاش باك قررت الاتصال بها للمرة التي لا تعرف كم عددها الآن، ليأتيها صوت رنين أخيراً. أتاها صوتها الهادئ الباكي من الجهة الأخرى: شذى بهدوء حزين: -الو، أيوة يا ماما. تهللت أساريرها وأجابت بلهفة: -أخيراً فتحتي تليفونك، كده برضه يا شذى، هانت عليكي ماما. -وإشمعني أنا، هانت عليكي عايزة تتجوزي وتسبيني يا ماما. -أسيبك! انتي مش واخدة بالك إنك اتجوزتي قبلي ليه يا شذى، بصي انتي فين دلوقتي وأنا فين يا شذى.
-يا حبيبتي، انتي قاعدة في بيتك ومع جوزك، وأنا بقى كل اللي بعمله إني قاعدة عالة على اختي يا شذى. -لا، يا ماما أنا مش هاخليكي عالة على حد، هاخدك تقعدي معايا في البيت الجديد، بس والنبي اوعي تتجوزي يا ماما. -يعني انتي عايزاني بدل ما أكون عالة على اختي أبقى عالة على ابنها مش كده يا شذى. -انتي ليه بتفهميها كده؟ ليه مش تقولي إني محتاجة ليكي أكتر من أي حد تاني.
-يا حبيبتي يا بنتي، انتي بتعيطي يا شذى، خلاص يا حبيبتي أنا شيلت الموضوع ده من دماغي ومش هافكر فيه. -انتي بتاخديني على قد عقلي يا ماجدة، منين بتقولي لي كده وإنتي قلتي لمالك إنك موافقة. -هاه، بصراحة أنا قلتله كده عشان يبطل يزن عليا، بس ماتخفيش، أكيد هنلاقي حجة نلغي بيها الموضوع ده قبل ما يبدأ. فرحت شذى من كلام والدتها وهتفت: -يا رب يا ماما ونرجع نقعد مع بعض تاني، ومافيش حاجة تفرق ما بينا أبداً.
أغلقت معها الهاتف، وترجلت من الغرفة لتخبره بموافقتها. كان منهمك في عمله ويمضي بعض الأوراق الخاصة بالمشفى، وقفت بجانبه منحنية الرأس صامتة حتى لاحظ هو وقفتها. مالك بانزعاج: -خير، واقفة كده ليه؟ شذى بتنهيدة: -عايزة أتكلم معاك. -مش فاضيلك دلوقتي. -مالك لو سمحت؟ قذف القلم من يده ليسقط على الأوراق المرصوصة على الطاولة وهتف: -أفندم، في إيه. جلست بجانبه على الأريكة وهمست له: -أنا موافقة. اعتدل في جلسته
حتى يشملها بنظرته القوية: -موافقة على إيه بالظبط. -على جواز ماما من صاحبك الدكتور ده. -وليه دلوقتي اتنزلتي ووافقتي. صمت المكان لمدة دقيقة كاملة، يعلم أنها وافقت حتى تتم باقي الاتفاق بينهم، ولكنه أراد أن يسمعها منها. أردفت شذى وهي ناظرة في عينيه: -عشان مش عايزة أطلق يا مالك. ثم أجهشت في البكاء وجرت من أمامه لتختبئ في غرفتها مرة أخرى. مالك معاتباً لها: -ولسه لما تكملي باقي الاتفاق يا شذى. باك. ***
وقفت في بهو البيت المكون من طابقان، معجبة جداً بديكوره وطرازه. من يشاهده من الخارج، يراه كأي بيت من بيوت الحي العتيقة، لكنه حرص أن يكون من الداخل على أحدث طراز عصري بلمسة هادئة. أردفت شذى بإعجاب: -الله، البيت حلو قوي يا مالك. استند مالك بجذعه على حافة المقعد وعقد ذراعيه في بعضهم: -طب الحمد لله إنه عجبك. ابتسمت له واقترب منه واضعة يدها على رسغه: -بصراحة، زوقه حلو أوي، من بره حاجة ومن جوه حاجة تانية خالص.
-ما حبتش أعمله كله على الطراز القديم، بصراحة خوفت لأ تزهقي منه، أصل انتي قلابة وبتزهقي بسرعة. ضمت شذى حاجبيها وأغمضت عينيها بتفكير: -قصدك تقول عليا إني ماليش أمان مش كده. -كويس إنك قولتيها، دا معناه إنك متصالحة مع نفسك جداً يا شذى. ابتعدت عنه وتنهدت هذه المرة بزهق لتهتف بضجر مما يفعله بها زوجها:
-بص، أنا مش هاخد كلامك ده على إنه جد أو إنه زم فيا، بس أنا هاقولك حاجة، أنا يمكن أكون متهورة ومندفعة في كلامي، بس أنا مش خبيثة ولا كدابة يا مالك. مالك بغضب: -متهورة ومندفعة ومترددة وأنانية يا شذى، أيوة انتي أنانية وطماعة كمان. عايزة كل حاجة ليكي، مش مهم أي حد تاني، المهم انتي وبس، ماشية على المنهج اللي بيقول نفسي ثم نفسي ثم يأتي الطوفان، مش كده يا شذى هانم. أدمعت عيناها وزفرت بحزن:
-أنا أبسط من كده بكتير، أنا مش عايزة حاجة من حد، كل اللي أنا عايزاه إني أعيش حياة بسيطة في هدوء معاك ووسط عيلتي، مش طالبة حاجة أكتر من كده. -حتى في طلبك ده انتي أنانية يا شذى. -ليه بتقول كده؟ -لأنك عايزة تملكينا، بتربطي أمك بيكي مع إنك بقى ليكي حياتك الخاصة ومع ذلك مش عايزها تفارقك ثانية، دي مش اسمها أنانية يا شذى. -وأنا! -انت، انت إيه يا مالك! هو انت مش جوزي. -جوزك! اللي قولتي عليه مش را...
، وأول ما قولتلك هاننفصل قولتي لأ، أنا مش عايزة أطلق، تبقي أنانية ولا لأ يا شذى، دا انتي حتى ما فكرتيش تعرفي رأيي أنا إيه. -هو انت ليك رأي تاني يا مالك. صمت ولم يجيبها، لتنفزع في وقفتها وتجري عليه تفك حصار يديه من حول صدره رغم عنه وتحتضن خصره بذراعيها معلنة تملكها إياه. -مالك، أنا اتعودت على إحساس الأمان جوه حضنك، حتى لما كنت لوحدي في الشقة، كنت مطمنة ومبسوطة وأنا شامة ريحتك في كل مكان فيها.
وضع مالك يديه في جيوب بنطاله ووقف صامداً كجبل من جليد. وعندما طال الصمت بينهم رفعت عيناها الدامعة له تحاول أن تطلب منه السماح: -طب لو عايز تفضل زعلان أنا موافقة، لكن ما تبعدش عني، ماتحاولش تسيبني يا مالك. هتف مالك بأمر مغيراً مجرى هذا الحديث بينهم: -اثبتيلي إنك بتحبيني وعايزاني بالفعل، مش بالكلام والعياط كل شوية يا شذى. شذى بحب واضح عليها: -اعمل إيه، كل اللي هتقولي عليه هاعمله. مالك بصبر:
-اطلعي غيري هدومك وحضري نفسك عشان تروحي الدرس. ابتسمت له وأومأت برأسها: -حاضر، هاعمل كل اللي انت عايزه. جرت من أمامه صاعدة للأعلى، لتفعل ما طلبه منها ليهمس هو لنفسه: -عارف إنك مع أول مشكلة هتحصل بينا هترجعي في كلامك ده تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!