الفصل 31 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
17
كلمة
4,503
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

نظراً لكبر سنها ومرضها المزمن، لا تقوى على الاستيقاظ مبكرًا لتؤدي صلاتها، فبالله من هذا المزعج الذي قاده القدر ليأتي ويدق بابها الآن. رفعت السيدة مجيدة جزعها العلوي، نافضة غطاءها عنها، تصيح بصوت جهور: -الله يخرب بيتكم، أروح أرتاح منكم فين دلوقتي. إذا كان الرجل الكبير يخاف أن يعمل صوتًا وهو قائم من جانبي كي لا يوقظني، تقومون أنتم وتخبطون عليّ الآن. أتاها صوت شقيقتها المفزع من الخارج: -افتحي يا مجيدة، الحقيني يا أختي.

ضمت السيدة مجيدة حاجبيها واستندت بيديها على الفراش حتى وقفت منه وهي تهتف: -يا لهوي ماجدة ادخلي يا بت، إيه اللي حصل يا أختي. دفعت ماجدة الباب فاتحة إياه، لتفزع شقيقتها بالرعب الواضح على وجهها: -الحقيني يا مجيدة البت اختفت. ضربت الحاجة مجيدة يدها على صدرها بشهقة: -اختفت يعني إيه؟ هي مش كانت نايمة جنبك يا مده… إنتي. ماجدة بدموع غزيرة:

-أيوه طول الليل وهي نايمة جنبي، وحاسة بيها لحد ما المنبه ضرب قمت عشان أديها علاجها وأصلي الفجر. لكن مالقتهاش، قولت يمكن نزلت لوحدها الحمام ومارضيتش تصحيني، جريت عشان أشوفها فين بس برضو مالقتهاش. الحاجة مجيدة فارضة حسن النية: -طب اهدي، يمكن قاعدة لوحدها في ركن هنا ولا هنا، ولا دخلت أوضتها تنام فيها. ماجدة نافية:

-أنا دورت عليها في كل حتة، ومالك جوه في أوضتهم، أنا سامعة بيقرأ قرآن يعني لو كانت دخلت ليه كنت هاسمعه بيكلمها. مجيدة موبخها على تشاؤمها هذا: -إنتي هاتقفليها في وشي وتقعدي تندبي ليه، وسعي أما أقول لجوزها وأخليه يلحق يشوف البت راحت فين.

اندفعت كالسهم نحو الخارج، وهي من خلفها اتجهت إلى بابه قاصدة فتحه دون استئذان، وقبل أن تتفوه إحداهن بكلمة، تنفست الصعداء وهي تراهما على هذا الوضع، هي غافية على قدمه، وهو يتلو القرآن بصوت عذب. أردفت مجيدة مبتسمة بمحبة لهما: -اطمنتي على بنتك يا ماجدة، أهي دورت على أمانها وجات نامت في حضنه أه. جففت ماجدة دموعها براحة يدها، وابتسمت لهما هي أيضًا بفرحة: -أيوه اطمنت يا أختي، ربنا يريح بالهم ويطمنا عليهم دايمًا يا رب.

صدق مالك على آياته والتفت إليهما بانزعاج هامسًا: -أنا بقى اللي خلاص فاض بيا منكم ومن فضولكم إنتوا الاتنين. ثم رفع صوته فجأة: -ممكن تقفلوا الباب ده وتسيبونا في حالنا بقى شوية، اطلعوا برررررره. انفزعت السيدتان وزجتا بعضهما للخارج سريعًا وهما يضحكان. لتهتف مجيدة في أختها: -ادخلي نامي يا ماجدة، واعرفي إن مافيش حد في الدنيا دي هايحب بنتك ويخاف عليها قد مالك، وادعيلهم يا حبيبتي ربنا يهدي سرهم. ماجدة موافقة

رأيها مؤمنة على كلامها: -آمين يا رب يا مجيدة يا أختي. انتفضت الجميلة الغافية، أثر صياحه وغلق الباب بقوة، لتفتح عينيها وتعتدل جالسة، ضامة نفسها بخوف إلى صدره، متشبثة جيدًا بكنزته الرياضية، وبدأ جسدها يرتجف. مالك مهدئًا لها: -بس اهدي يا شذى، مافيش حاجة، إنتي معايا وفي حضني أهو. رفعت وجهها قليلاً لتتقابل ماستيها مع بندقيتيه، حتى تطمئن، هي معه هو حبيبها أمانها ومالك قلبها. تنهدت وأغلقت عينيها وأراحت رأسها على كتفه.

حملها بين يديه، واتجه بها نحو الفراش، مدّدها عليه، وحاول فك يديها من حول عنقه لكنه فشل، لتجبره على التمدد بجوارها رغماً عنه، وهو يتأفف ليهمس في أذنيها: -ما تفتكريش إن كده ممكن أسامح أو أرجع عن القرار اللي أخدته، اللي قولته هانفذه يعني هانفذه يا شذى.

كأنها طفلة صغيرة تصرخ رافضة ما يقوله لها أبوها، غمرت وجهها في صدره، ليشعر بغزارة دموعها على كنزته، فتنهد وأنزل يدها عن عنقه، ليلفها حول خصره قاصدًا أن يضمها بقوة إليه، ليحاول أن يفهمها. -شذى كفاية بقى، أنا بجد حاولت كتير معاكي، بس زي ما إنتي تعبانة أنا كمان تعبان جدًا ومابقتش قادر أتنازل أكتر من كده، ومتهيألي إننا لما نسيب بعض، أقدر آخد بالي وأكون جانبك بصفتي أبوكي أو حتى أخوكي الكبير يا شذى. -للللاء

أخيرًا خرج صوتها الممتلئ بالأهات والشهقات، رافضة ما يقوله أو حتى مجرد التفكير فيه. -مش عايزاك أبويا، ولا حتى أخويا، عايزاك تفضل حبيبي وجوزي، أوعى تسيبني أو تبعد عني، آآآنا آسفة. لمست قلبه بكلمتها التي لا يستطيع ردعها أبداً. -حبني. أغمض عينيه بقوة، متنفسًا الصعداء، واضعًا يده خلف رأسها قاصدًا ضم وجهها إلى صدره بقوة هامسًا لها: -نامي يا شذى، ومن بكرة بإذن الله هاتبدئي تحضري الدروس اللي قولتلك عليها. أومأت له برأسها

متوهمة بأنه قد عفا عنها: -حاضر، بس إنت ماتسيبنيش. نائمة في فراشه براحة تامة، مستمدة الراحة والأمان لمجرد استنشاقها رائحته. فتحت عينيها تبحث عنه بشوق، لتصطدم بالواقع الأليم، أمانها غير موجود. انفزعت برعب من مضجعها وهي تتفقد الغرفة بأكملها، تبحث عنه ولم تجده. جرت للخارج تصرخ باسمه، تريده هو لا غيره. ترجلت على الدرج سريعًا، تكاد تتعثر عليه من شدة سرعتها.

لينفزعوا وهم جالسون من صوتها وشكلها، فهي تترجل بمنامتها الشتوية ذات الأكمام الطويلة، لكن بنطالها ضيق وملتصق جدًا بقدمها، وشعرها مفرود على ظهرها وغير مرتب. وعلى آخر درجتين من السلم، سقطت على وجهها. ليجرو عليها والدتها وخالتها قاصدين إيقافها. ماجدة بشهقة: -اسم الله عليكي يا حبيبتي، حاسبي يا شذى كده برضو يا بنتي. شذي بصراخ: -مالك فين يا ماما؟ مجيدة ساخرة منها ضامة إياها إلى صدرها:

-احمدي ربنا إنه راح شغله وما شافكيش وإنتي نازلة كده، وإلا كان زمانه ماطلع جننونه عليكي. ليصيح الشيخ حسان وهو يرحل خارج البيت قاصدًا تعنيفها: -ولا كان هيتأثر مالك، طول عمره ما يعجبهوش الحال المايل، وخلاص فاق من الغومة اللي كان فيها. لم يفهموا ما يقوله، وبالأصح لم يهتموا بما يقوله كثيرًا، لكنها تفهمت عليه، لتنهار بالكامل وتعود لصراخها، وتشد شعرها كالمعاتيه: -أنا عايزة مالك، عايزاه يجي.

وقفت والدتها تحاول تهدئتها، بينما فتحت خالتها الاتصال بينها وبين ابنها. أجاب مالك الاتصال وهو بزي العمليات، مستعد لإجراء جراحة عاجلة: -الو، أيوه يا أمي. السيدة مجيدة برجاء: -مالك سيب اللي في إيدك وتعالى بسرعة، شذى من ساعة ما صحيت من النوم، وهي عمالة تصرخ وتنادي عليك، ولما عرفت إنك مش موجود، عمالة تصرخ وتشد في شعرها ومنهارة على الآخر. مالك باندهاش:

-دا على أساس إني قاعد في البيت اللي جنبكم، اقفلي يا أمي، وقولي للهانم إني مش هاسيب شغلي، وأشتغل دادة ليها. مجيدة محاولة استعطافه: -طب حتى قولها كلمتين هديها بيهم يا بني عشان خاطرها، يا مالك دي شذى برضه يا ولاا. آه يا شذى يا من يرى الجميع كيف أحبك، لكن إنتي تغلقين عينك وتطلبيه دائمًا. مالك بهدوء: -افتحي الكاميرا زي ما علمتك وأديها الموبايل يا أمي. مجيدة بموافقة: -حاضر يا حبيبي.

فعلت مثلما قال واقتربت منها، ليراها هو على وضعها هذا ويستمع إلى والدته التي تحاول تهدئتها: -بس يا حبيبتي امسكي التليفون، بصي مالك أهو يا شذى. صمتت عن صراخها ملتفتة إلى ما في يدها، لترى حبيبها عبر شاشة الهاتف، لتردف هامسة وهي تعض على طرف إصبعها: -مالك. أغمض مالك عينيه يحاول ألا يثور عليها: -ممكن أفهم إيه اللي إنتي عاملاه في نفسك ده، هو أنا مت يا شذى. شذى ببراءة: -لاء إنت سبتني. مالك منزعجًا: -سبتك وروحت فين؟

أنا في شغلي، وعندي عملية مهمة دلوقتي، ومش ناقص ضغط على أعصابي، ممكن تبطلي بقى صريخ وعياط، وتاخدي علاجك وتفطري يا شذى. شذي كاتمة صراخها: -تعالي يا مالك، أنا خايفة ماتسبنيش لوحدي. مالك مهدئًا لها ولنفسه: -هأخلص شغلي وأجي، بس يا ريت إنتي بقى تسمعي الكلام وتاخدي العلاج بتاعك. ما كان منها إلا أن تطيع أمره، لكنها انزعجت لأنه لم يعقب على مظهرها، ظنت أن والده قد صدق في قوله. فهمت واقفه من على الدرج لتظهر له جسدها بالكامل.

ليلفت نظره جلوسها على الدرج بالأسفل، وبهيئتها الخاصة به هو فقط. مالك بصوت مرتفع: -ثانية واحدة كده، إنتي نازلة لحد تحت بالبيجامة، وبشعرك كمان يا شذى. الآن تهطل دموعها على وجنتيها، لا لانزعاجها بل فرحًا لالتمسها غيرته عليها. مالك بزمجرة: -إنتي لسه واقفة مكانك يا هانم، طب أقسم بالله يا شذى لما أجلك لأكسر دماغك الناشفة دي. انفزعت أثر صراخه عليها، وألقت الهاتف لوالدتها وجرت صاعدة للأعلى سريعًا.

أدارت والدتها الهاتف، ليراها هو تصعد الدرج بسرعة فائقة. ليبتسم هو على حب صغيرته، وخوفها منه، ويغلق الهاتف دون الحديث مع أحد. كانت عيون صديقه المندهش تمامًا، متعلقة به. ليستفهم قائلاً: -بتبص لي كده ليه؟ حسام بعدم تصديق: -هي دي شذى مش كده، اللي إنت لسه كنت بتقولي هاتكتب البيت بتاعي بعد ما تشتريه باسمها وهطلقها؟ مالك متنهدًا بقلة حيلة:

-أنا عارف بقى يا حسام، هاتجنني معاها، لا قادر أبعد عنها ولا قادر أقرب ليها وأنسى إهانتها ليا. أنا حكيتلك إنت عشان كنت حاسس إني لو ماتكلمتش، هايحصلي حاجة، وخوفت من كتر ما أنا ضاغط نفسي إني آخد قرار غلط. حسام موضحًا له: -القرارين غلط يا مالك. مالك ناظرًا إلى صديقه: -مالهاش قرار تالت يا حسام، يا إما أتغاضى عن إهانتها ليا وأسامحها. يا إما أطلقها وأبعدها عني، بس لازم تكون تحت عنيا برضه. أردف حسام:

-وفي الحالتين ده هيكون عقاب ليك إنت مش ليها يا مالك، تقدر تقولي عايز تطلقها إزاي وإنت بتحبها كل الحب ده. هاتقدر تشوفها رايحة جاية قصاد عينك، وتغض بصرك عنها يا مالك. بلاش دي حتى لو ده حصل وطلقتها، جبت منين فكرة إنها هاتقبل تعيش في البيت اللي إنت شاريه ليها. ًََ❈ يقولون إن مريض الاكتئاب دائم العزلة، منطويًا على حاله، لكن أميرتنا الجميلة عاندت حتى في هذا.

وإن كان الاكتئاب يسجن صاحبه في قفص الحزن، ستبدل هي هذه القاعدة وتفتح لنفسها باب القفص، لتطير بحثًا عن السعادة. صعدت مهرولة إلى غرفتها، بعد أن ألقت الهاتف بين يدي والدته. أغلقت الباب خلفها واستندت بظهرها عليه، ضامة كفيها إلى صدرها، لتحاول ضبط شهقتها وهي تبتسم بحب، وسماء عينيها تمطر دمعًا.

نظرت إلى فراشهم واتجهت إليه، تمددت في مكانه تستنشق رائحته العالقة في وسادته، بالأساس لم يتركها منذ الكثير، لكن هي تشعر أنه غائب عنها دهرًا من الزمن. تريده هو لا غيره، وستغير تلك الفكرة التي امتلكت عقله، لن تتركه يفعل بها هذا. يقول إنه سيعطيها حريتها، بل هي تريد أن تظل سجينته هو. اعتدلت من مضجعها مفاجئة، ولمعت عيناها بفكرة، ابتسمت وانطلقت إلى المرآة تنظر لنفسها فيها وتتحدث بصوت مسموع:

-براڨو عليكي، يلا جهزي نفسك بسرعة، عشان تقدري تجهزي كل حاجة قبل ما يجي. أمسكت بفرشاتها وبدأت تمشط شعرها، جمعته بالكامل في كعكة كبيرة، وجذبت أول شيء أهداها زوجها به، إسدال الصلاة ارتدته على عجالة، والتفتت لتتجه للخارج سريعًا. دَلفت إلى غرفة والدتها، وفعلت مثلما طلب منها تمامًا. جذبت حقيبة دوائها وبدأت تبتلعه حبة تلو الأخرى، كما هو مدون عليه، ثم جرت للخارج سريعًا.

هاتان الشقيقتان لا يهدأن أبدًا، حيث جلست كل منهن تشغل نفسها بإعداد شيء معين من الطعام، وهن يثرثرن كعادتهن. الحاجة مجيدة بضحك: -ههههههه، طب والنبي هما الاتنين عاملين زي القط والفأر. ماجدة تاركة السكين من يدها: -والله يا أختي أنا اللي زهقت منهم هما الاتنين، شوية يبقوا عاملين زي عصفورين الكناري لذاذ كده وهما مع بعض، وتحبي تملي عينيكي منهم، وشوية بقى أجارك الله، يبقوا مش طايقين بعض ويقلبوا على بعض لما جننوني.

-ههههههه، ما هو الحب كده يا بت، إنتي نسيتي ولا هو محمد العسال مكانش قط معاكي، قال علي رأي الست…. الحب كده وصال ودلال. -الله الله يا حاجة مجيدة يا عسل، اعدي يا ست اعد. كان هذا صوت المشاغبة الصغيرة، التي ولجت عليهم وهي تتمايل على صوت دندنة خالتها. أردفت ماجدة بنظرة ضجرة: -بقى دي اللي كانت عاملة تصرخ وتشّد في شعرها من شوية. شذي بدلع: -الله بقى يا ماما، هو إنتي يعني عجباكي رقدتي في السرير قوي. تدخلت الحاجة مجيدة نافية:

-لاء يا روح خالتك، إحنا مش عايزين غير سعادتك وإن ضحكتك الحلوة دي ماتفارقش وشك أبدًا. شذي ضامة حاجبيها: -شوف شوف مين بيتكلم، مش دي مامتي اللي كانت هاتضربني بالشب.. شب امبارح. تصنعت مجيدة الغضب وعلا صوتها بغضب: -بت اتعدلي لأحسن أقوم أقطعه عليكي، مش أضربك بيه بس. جرت عليها تقبل رأسها وهي تضحك بمرح: -هههههه بهزر معاكي يا مجودة، هو إنتي علطول خلقك ضيق، ونرفوزة كده. ماجدة مصدقة على كلامها:

-آه أختي مجيدة طول عمرها عصبية ونرفوزة، ويا هاه لو حد وقف قصادها، وماعملش اللي هي عايزاه. شذي جالسة على مقعد بجوارهم ناظرة إلى خالتها: -إنتي هاتقوليلي يا مامتي، ده أنا من ساعة ما جينا هنا، وأنا واخده بالي من الموضوع ده كويس أوي. الحاجة مجيدة بحزم: -إنتو هاتلفوني لبعض يا أختي إنتي وهي ولا إيه، يلا يا ماجدة اخلصي خلينا نخلص الأكل، وإنتي ناوية تساعدينا ولا هاتطلعي تجهزي نفسك لحد ما نخلص الأكل، وبعدين نروح الدرس سوي.

شذي بابتهاج: -لاء أنا عايزة أعمل حاجة تانية غير اللي إنتو بتعملوه ده، وبعدها هاجهز وأروح معاكم. ماجدة: -حاجة إيه دي اللي عايزة تعمليها يا شذى. شذي بمرح وعين براقة: -عايزة أعمل رز بلبن. وضعت الحاجة مجيدة قبضتها تحت ذقنها مبتسمة لها مردفة: -بت يا شذى إنتي بتطبقي المثل إياه. شذي بمكر: -مثل إيه دا يا خالتو. -المثل اللي بيقول إن أقصر طريق لقلب الراجل معدته يا روح خالتك.

حضرت معهم تلك الجلسة التي يطلقون عليها بالدرس، هي عبارة عن جلسة تفسير وتحفيظ للآيات، يتضمنها بعض النساء، ومن تعطيهم هذا الدرس وتحفظهم سيدة ذات وجه بشوش. وبعد أن انتهوا وعادوا سوياً، أعدوا طعام الغذاء على الطاولة، لتجلس ماجدة ومجيدة والشيخ حسان على مقاعدهم يستعدون لتناول طعامهم. بينما جلست هي على الأريكة الخشبية عيناها على الباب الكبير. حزنت والدتها من أجلها، فهي علمت ما يدور بعقلها وأردفت:

-شذي تعالي يا حبيبتي كلي، إنتي ما فطرتيش وأخدتي علاجك على معدة فاضية. شذي مؤكدة: -هأستنى مالك لما يجي يا ماما. لتحدثها خالتها: -طب اتصلي بيه وشوفيه خرج من المستشفى ولا لسه، ولو لسه هناك يبقى تيجي تاكلي ولما يجي أبقى كلي تاني معاه. شذي وقد أدمعت عيناها: -كلمته كتير ومش بيرد عليا. -يبقى ماتتصليش بيه تاني. كان هذا صوت الشيخ حسان، الذي أفزعها ونفضها عن جلستها لتهب واقفة، وتنال عنها خالتها حق الرد، تتحدى زوجها أمامهم:

-أومال تتصل بمين يا شيخ حسان، دا جوزها وليها حق عليه، تتصل بيه وقت ما تحب يا خويا. الشيخ حسان معنفًا: -وهو جوزها ده ص… ولا بلطجي ماورهوش حد غيرها، ده دكتور جراح قد الدنيا، بيداوي قلوب الناس مش فاضي للعب العيال ده. لقد ظهر كرهه لها أمام الجميع، ولا تعلم ما السبب، كيف لذلك الكهل المحب للجميع، والذي يحبه الجميع أن يحمل لفتاة صغيرة مثلها في قلبه ضغينة.

نظرت إليه تلومه بدموعها، وتطلق سراح قدميها صاعدة إلى مخبئها، هاربة من أمامهم جميعًا. عاد حبيبها إلى البيت، في تمام الرابعة فتح باب غرفته ليجدها جالسة على الأرض، مستندة بظهرها على خزانة ملابسهم، ضامة ركبتيها إلى صدرها، ووجهها أحمر أثر الدماء المحتقنة به. انقبض قلبه عليها، جلس على الفرش في مقابلها سائلاً: -قاعدة لوحدك كده ليه. لم تلتفت إليه وهمست: -مش عايزة أقعد مع حد. -طب ليه حصل حاجة ضايقتك؟

هذه المرة تولت هي لغة الإمارة لتقول كلمتها ناظرة له بتحدي وأمر: -أنا عايزة أرجع بيتي، مش عايزة أقعد هنا. بمجرد أن تفوهت بتلك الكلمة، علم أنها اصطدمت في الحوار مع والده. -برضو ليه يا شذى. وقفت أمامه صارخة، تنهمر الدموع من عينيها بشدة، منفعلة بطريقة هستيرية، لدرجة أنها بدأت تخدش وجنتيها بأظافرها: -كده مش عايزة أقعد هنا وخلاص، أنا أصلاً مافيش حد بيحبني هنا، حتى إنت كمان مش بقيت تحبني، وأصلاً إنت عمرك ما حبتني.

مالك محاولاً السيطرة عليها، ضاممها إلى صدره بانفعال: -إيه اللي إنتي بتعمليه ده، حرام عليكي بقى إنتي بغبائك ده تعبتي نفسك وتعبتيني معاكي. جلس بها أرضًا وأجلسها على قدمه، وهو مغلق على جسدها بيديه. شذي بدموع تحرق صدره: -حرام عليك إنت، أنا حاسة إني بتخنق هنا، مشيني من هنا وإلا هاموت نفسي. تبًا لهذا المرض اللعين، أبهذه السرعة تملك منها الاكتئاب، لتصل إلى آخر مرحلة به ألا وهي الانتحار. أبعد مالك وجهها عن صدره، مندهشًا

مما تقوله: -اوعي تجيبي السيرة دي أو تقولي كده تاني، مش عايز أسمعك بتجيبي سيرة الموت على لسانك تاني. عادت مرة أخرى تلتصق بصدره، بعد أن شعرت بخوفه عليها: -طب لو بتحبني بجد خليني أمشي من هنا، رجعني شقتنا. ضمها مالك إلى صدره أكثر مهدأً لها رابتًا على جسدها بيديه: -طب ممكن أفهم حصل إيه بس عشان أبقى فاهم. -مافيش بس مش عايزة أقعد هنا وخلاص. قالت جملتها هذه وهي تحاول التودد له مثل هرة صغيرة تلتمس الحنان من صاحبها.

مالك وهو يبتلع لعابه ويبعدها عنه برفق: -احمم مش هاينفع يا شذى، أنا قولتلك قبل كده إننا هانقعد التلات شهور الحرم هنا، وبعدين ماتستعجليش قريب قوي هاتروحي بيتك. وقف من على الأرض معطيها ظهرها، مستندًا على مكتبه. لم تعِ ما يدور برأسه، وقفت تضمه من الخلف محتضنة خصره النحيل بين يديها الرقيقتين، مريحة رأسها على ظهره:

-طيب هاستنى لحد ما تخلص اللي وراك ونروح سوا من هنا، عارف أنا عملت ليك حاجة إنت بتحبها أوي، عملتلك رز بلبن، ها روح أحضر ليك الغدا وأجبلك كل الأطباق من تحت. لتتركه وتجري نحو الباب ليفاجئها هو بإيقافها قبل أن تفتح الباب: -أنا صايم يا شذى. تفاجئت برده هذا، وضمت حاجبيها له متسائلة: -صايم ليه؟ إحنا مش في رمضان، ولا النهاردة الاتنين ولا الخميس. مالك وهو يفهمها:

-بس النهاردة الثالث عشر من شهر رجب أول الأيام القمرية زي ما بيقولوا. طب ليه إنت لوحدك بس اللي صايم، ما قولتليش ليه عشان أصوم معاك، أو حتى خالته وباباك هما كمان مش صايمين. مالك موضحًا لها: -باختصار لأن أبويا وأمي أصحاب أمراض مزمنة، وما قولتش لحضرتك عشان العلاج اللي إنتي بتاخديه. عادت شذى إليه منحنية الرأس تفرق أصابعها ببعضهم: -خلاص مش هاخد العلاج ومن بكرة هاصوم معاك. جلس مالك على مقعد مكتبه يشلح حذائه، وهتف ساخرًا:

-لاء والنبي، إذا كنتي وإنتي بتاخديه عامله فيا كده ومطلعة عليا جنونتك دي، اومال بقى لو بطلتيه هاتعملي فيا إيه. تألمت من سخريته وجلست على الفراش بهدوء. مالك وهو يتمدد بجوارها: -حاضر مش هقول كده، ممكن بقى تسيبيني أنام الساعة دي، وأبقى صحيني على أذان المغرب، عشان أفطر على الرز بلبن بتاعك. سريعًا ما اقتربت جالسة منه، وبفرحة عارمة أجابته: -حاضر أنا هفضل قاعدة جنبك هنا وأول ما المغرب يقرب يأذن ها روح أحضر ليك كل حاجة.

أومأ لها وأغمض عينيه، ليشعر بأصبعها الرقيقة وهي تتشابك في أصابعه القوية. شعر بالراحة الكاملة الآن، وكأن تعب اليوم كله ذهب هباء عنه، لينعم بقسط من الراحة ويغض في نوم عميق. أعدت له صينية ممتلئة من الأطباق التي يشتهيها ويحبها، ولم تسهو بالطبع عن حلواه المفضلة، وصعدت بها إلى الأعلى حيث غرفته. وبكل رقة غلغت أصابعها في شعراته القصيرة هامسة له بهدوء: -مالك حبيبي اصحي الأذان بيأذن.

فتح عينيه لتقابل عيناها، شاملاً وجهها بالكامل، ثم ارتكزت على شفتيها الرقيقتين التي تهمس له دائمًا بأرق كلمة. شذي مستغلة نعاسه وعدم تركيزه: -حبني. مالك كالمسحور بها: -بحبك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...