يقولون إن الأيام كفيلة بأن تقسي القلوب وتذيب المشاعر. لكن في حالتها هي كان العكس تمامًا، كلما ابتعد عنها زاد تعلقها به. منذ خمسة أيام بعد أن عادوا من تلك السفرة المشؤومة، وهي محرومة من لقاء عينيه، بحجة أنه قد انشغل في مشفاه ليعوض تلك الأيام التي ابتعد عن مرضاه فيها. حتى مجرد مكالمة عبر الهاتف قد حرمتها منه ومن سماع صوته.
حزينة، مكتئبة، وحيدة. برغم أنها تنام يومياً في حضن والدتها، إلا أنها عادت إلى إغلاق الغرفة عليها طيلة النهار والمكوث وحدها. وهذا ما لم يعجب السيدة مجيدة، وأجبرها أن ترتاب في أمرهم، وبالخصوص بعد أن هاتفتها السيدة فاطمة وحكت لها كل شيء من وقت وصولهم إليها إلى أن عادوا إلى ديارهم. وبعد أن أغلقت معها الهاتف، نظرت إلى شقيقتها متسائلة. الحاجة مجيدة بانزعاج بنتك مالها يا ماجدة؟ ماجدة بعدم فهم
والنبي مانا عارفة يا اختي، من يوم ما رجعوا من السفر، وابنك سابها وراح المستشفى، وهي طول الليل نايمة، وأول ما يطلع علينا النهار تجري على أوضتهم، وتكمل نوم، ولا راضية تاكل ولا تشرب. الحاجة مجيدة والتاني ده اللي من ساعة ما رجع ورمى الشنط من إيده في نص البيت وما شوفناش وشه بعدها، وكل ما أتصل عليه يا يصدر لي صاحبه ويقولي دا في العمليات، يا يرد عليا هو بكل برود ويقولي، اقفلي يا ماما أنا مشغول. ماجدة بشهقة
يعني انتي قصدك إيه، يا لهوي لا يكونوا اتعاركوا يا مجيدة. انتفضت مجيدة من على أريكتها، قاصدة الصعود إلى الأعلى. لسه واخده بالك يا أم المفهموية. دفعت الباب وولجت إليها. أمرت: يا شذى اتعدلي كده يا أختي وقولي لي مالكم في إيه. تفاجأت تلك التي تبدل حالها من سيء إلى أسوأ، وهذا ما ظهر على جسدها الذي كان بالسابق مرمرى، الآن أصبح هزيل. وشعرها التي كانت تعتني به ليصير خلف ظهرها كشلال من الشيكولاته، الآن صار أشعث ملبد.
بماذا ستجيبها الآن؟ هل تقول لها بأنها رفضت تلك الهدية التي منحتها لها؟ هل يعقل أن تقول له بأنها سبته، ذلك الذي تفتخر به والدته أمام العالم أجمع؟ هي وبكل بساطة نعتته بالجبان. الحاجة مجيدة بقلة صبر ما تنطقي يا بت مالكم انتو الاتنين، من يوم ما رجعتوا يا أختي وانتو حالكم ملخبط ليه. شذى بصراخ كعادتها، حتى تهرب من ذلك المأزق ماعرفش يا خالتو، ما تسألي ابنك، جاية تسأليني أنا ليه.
وهو فين ابني يا جلابة المصايب انتي، ما انتي طفشتيه يا بت، خربتيها وقعدتي على تلها يا بنت ماجدة. انطقي وقولي حصل بينكم إيه في سفرية الشوم دي، إلا وربي وما أعبد ما هضربك إلا بالشب... وقفت على فراشها تصرخ وتصيح فيها. بطلو ظلم في شذى بقى شوية حرام عليكم. هو كل اللي عايز يطلع غله، يجي يطلعه في شذى. أموت نفسي عشان أرتاح وأريحكم كلكم مني. شذيييييي.
تصنم جسدها في مكانه. الآن، بعد مرور خمسة أيام، مروا عليها كأنهم خمسة أعوام. قد عاد لها حبيبها. صحيح أن وجهه عابث، وملابسه غير منمقة، وذقنه غير مستوية. هيئته بالكامل تدل على مدى حزنه وأنه مثلها تماماً ويزيد عليه تعصبه الأعمى من جهة أمه. لكن فليفعل بها ما يريد، وإن أطاح بها في الحائط سترضى حتى يصفح هو عنها.
وقف ينظر إليها بعين تتصنع الجمود، لكنها بالفعل كانت مشتاقة لرؤياها. يحسب أن ابتعاده عنها سينسيه عشقها، لكنه ما جنى سوى عذاب الاشتياق لتلك الموجة الزرقاء الحزينة. لتخرجه من أفكاره خالته التي ولجت من خلفه وتخطته، لتحاول إنزالها وتهدئة الموقف. ماجدة مجتذبة ابنتها من على الفراش انزلي يا شذى مالك رجع أهو، انزلي يا بنتي ولو في حاجة مزعلاكي قوليها بهدوء.
انزلقت من على الفراش باكية، عيناها متعلقة به، لكنها لا تقوى على التحدث. ليصدمها هو بحديثه الغاضب. اعتذري حالاً لأمي. فاضت أمواج عيناها على وجنتيها، ومن كثرة اغورقهم باتت رؤيتها مشوشة. كما دهشتا هن الاثنتان أيضًا مما تفوه به. هتفت والدته أنا لا عايزة اعتذار ولا ني... أنا عايزة أفهم انتو إيه اللي صابكم هناك. مالك محذراً اسكتي يا أمي لو سمحتي، وانتِ...
قسمًا بدين الله لو ما اعتذرتي لأمي دلوقتي حالاً لتكوني طالقة وبالثلاثة كمان. شهقة جماعية خرجت من ثغرهم. هل يصل به الحد بأن يهددها بهذه الطريقة المهينة؟ لكن لا، هي عاشقة لقلبه نعم، لكنها أيضًا لديها كبرياء وعزة نفس. تصعب عليها أن تطيع أمره ويفعل ما يريد. حاولت تخطيه، ضاربة بما يقول عرض الحائط.
لكنها عجزت عن الحركة حين قبض على معصمها، ليستشعر نبض قلبها الذي يدق كطبول الحرب، بكفه الذي يكاد أن يسحق عظامها. فيه أمرها مرة أخرى. بقولك اعتذري لأمي. أدارت رأسها وبدموع منهمرة قالتها. أنا آسفة يا خالتو. نفض ذراعها من يدها وهو يصيح. غور... من هنا، مش عايز أشوفك قدامي طول ما أنا في البيت. تلقت إهانتها وترجلت سريعًا قاصدة غرفة والدتها، التي وقفت تنظر إليه باندهاش، لتهمس بكسرة قلب.
أمي. كده يا مالك هي دي الأمانة اللي أأتمنتك عليها. انضمت إليها شقيقها تحاول أن تشد من أزرها ولو قليلاً. ماكنش له لزوم دا كله يا بني، البت من يوم ما جيتو وهي حابسة نفسها، وأنا كنت بحاول أفهم في إيه بينكم، فضاغط عليها شوية عشان تتكلم. كفاية بقييييي. يصرخ بها مالك وهو يجلس على الفراش واضعًا رأسه بين راحتي يده. ممكن تبطلو تدخلو في حياتنا شوية. الحاجة مجيدة معنفة ابنها يعني إيه يا واد انت، عايزنا نشوفكم كده ونسكت.
أه تسكتوا وماتدخلوش في حياتنا، سيبونا في حالنا بقى، أحسن و عزة وجلال الله أطلقها بجد. ماجدة مترجلة بغضب لأ وعلى إيه، كتر خيرك يا بني. وقبل أن تتفوه والدته بكلمة واحدة، فاجأها هو. مالكيش دعوة بشذي يا أمي، ومن فضلك ماتحاوليش إنك تدخلي في حياتنا. حايتكم وهي فين حياتكم دي بلا خ... عليك وعليها. تركته وذهبت هي الأخرى، ليجلس هو بوجهٍ مفعم بالوجوم. يحبها لأبعد الحدود ولا يقوى أن يجبرها على حبه أبدًا.
ولجت إليها والدة زوجها. رأتها لازالت على حالتها. كل ما تبدل هو الفراش الذي تجلس عليه وعيناها جاحظة ناظرة للأمام، بينما تجلس في منتصفه صامتة تمامًا. أردفت إليها والدتها بخوف. يا بنتي ردي عليا إيه اللي جرالك بس، اتكلمي يا شذي. ضمتها خالتها إلى صدرها بهدوء، والغريب أنها لم تردها عنها، لتحدثها ويدها تملس على ظهرها بحنان.
ماتزعليش يا روح خالتك، حقك عليا أنا، يا بت أنا خايفة عليكم، نفسي أشوفكم مرتاحين، لكن انتو من يوم ما اتجوزتم وانتو على طول في خناق ونقّار مع بعض. دي مابتتكلمش يا مجيدة، حتى عيونها لابترمش ولا بتدمع، البت مالها يا مجيدة. كانت هذه ماجدة التي لم تحيد نظرتها عن ابنتها. مجيدة ناهرة شقيقتها التي بدأت في العويل. اسكتي يا ماجدة انتي هتخضيني على البت ليه، ماهي زي الفل أها يا أختي، سيبيها انتي بس تنام شوية وهي تقوم زي الفل.
مددتها في الفراش، ودثرتها جيدًا على أمل أنها تنام، وأشارت إلى أختها بأن تتبعها للخارج. ترجلوا سويًا مغلقين عليها الباب، تاركينها وحدها، ليروه قد بدل ملابسه، متجهاً للأسفل. أوقفته والدته بهدوء ساخر. على فين العزم إنشاء الله. مالك ناظرًا لهم بطرف عينه، مجيبًا بجملة واحدة. رايح لأبويا في التكية. تمسكت ماجدة بذراعه لأيقافه قبل أن يرحل. مالك ادخل بص على شذى، البت مش بتنطق وعنيها مفتوحة على آخرها، حتى دموعها نشفت.
نفض يده من يدها، ونظر إلى باب الغرفة الموصود عليها بصمت، ثم تركهم سريعًا متجهاً للأسفل. ذهب إلى والده بوجهٍ محتقن من الدماء النافرة في عروقه. وبعد التحية والسلام، جلس مع والده يباشرون الطهاة وهم يعدون الطعام الذي سيوزع على سكان الضريح. لكن لم يغفل الشيخ حسان عن رؤية ابنه هكذا ليسأله. شكلك مش مبسوط، حاسس إنك شايل هم كبير، احكيلي فيك إيه. نظر مالك إلى أبيه مطولاً ثم انحنى بجزعه للأمام يفكر بصوت مرتفع.
أنا هاشتري من حسام بيت جده اللي قصادنا. ضم الشيخ حسان حاجبيه بعدم فهم ثم هتف. تشتري من حسام بيت جده ليه هو إحنا بيتنا صغير يا بني؟ وهو أنا هاشتريه ليا. أومال لمين يا مالك؟ هاشتريه لخالتي ماجدة وشذى. طب هاشتريه لخالتك، ومفهومة دي، إنما مراتك عايز تشتريه ليها ليه، قصدك يعني تكتبه بأسمها عشان تضمن حقك فيه. لأ مش قصدي كده خالص على فكرة، حق إيه يا أبويا اللي هدور عليه، إذا كنت أنا اللي هاشتريه.
أردف الشيخ حسان منزعجًا من ثرثرة ابنه الذي يقول كلام غير مفهوم. يا بني انت عمال تقول كلام غريب، مش فاهم منه حاجة، إيه اللي هاتشتري بيت صاحبك لمراتك وأمها، طب هتكتبه باسمك عشان تضمن حقك، لأ حق إيه مش عايز حقوق، طب ما تفهمني زي الناس العاقلين ما بيتكلموا، قولي أنا هاروح أشتري البيت عشان كذا، قول المعلومة على بعضها يا مالك. أنا هاطلق شذى. قالها بسرعة، لدرجة أن أبيه لم يتفهم ما قاله. لينتبه له قائلاً.
عيد كده اللي أنت قولته ده تاني. أحنى رأسه بحزن جم وهمس بخزي. مش مصدقني ولا إيه، بقولك هاطلق شذى. اندهش الشيخ حسان قائلاً. طب ليه، مانا كنت بقولك كده من الأول وانت تقولي لأ. حسيت إنك عندك حق في كل اللي قولته، هي مش زيي، وطبعها غيري، وحياتها مختلفة بالكامل عن حياتي، فقلت كده هيبقى أحسن ليا وليها. فرحة عارمة اكتست وجه الشيخ حسان، ليربت على ظهره قائلاً.
عين العقل يا مالك، بس لو ناوي فعلاً تعمل كده، يبقى تستنى لحد ما تشتري البيت وتوضبه ليهم، وأهو يكون مر شهر وحاجة وبعدها أبقى طلقها، أصل دي سمعة بنت يا بني والناس برضو ليها الظاهر. هيقولوا طلقها ليه، وهما لسه ما مرش على جوازهم غير شهر. وافق أباه الرأي، واتفقا سويًا ألا تأخذ والدته خبر بهذا الحديث، وإلا ستعترض وبشدة أو ربما تبتعد عنهم، وتفضل الجلوس مع شقيقتها.
ليتفاجأ من اتصالها على هاتفه. نظر إلى والده، وفضل رفض المحادثة معها، لكنها أصرت أن تزيد من اضطراب أعصابه، معلنة الاتصال مرة أخرى. ليجيب هو بصوتٍ شبه مرتفع. الو في إيه يا أمي عمالة تتصلي بيا ليه؟ الحاجة مجيدة موبخة له. في إن مراتك لا بتصد ولا بترد يا مدة.. إنت عملت إيه في البت خلاها توصل للحالة دي، البت مسبلة عينيها لا بتدمع ولا حتى بترمش، ولا راضية تتكلم وترد على حد فينا يا مالك. بكل هدوء عكس ما في داخله أجابها.
وحضرتك عايزاني أعملها إيه بقى، أسيب كل حاجة ورايا وأجي أقعد بيها عشان ترتاحي، ولا تحبي أسيب مهنة الطب وأشتغل دادة للأميرة شذى عشان أقدر أبسطها وأخليها ترضى عني؟ يخيبك. كان هذا اللفظ المناسب الذي وجدته السيدة مجيدة لتجيب به ابنها المتعجرف. لتكمل بإحباط. يا بني تعالي شوف البت فيها إيه، دي شكلها كده يقطع القلب، وأمها هاتموت نفسها من العياط عشانها. تأفف بنفاذ صبر مردفًا.
حاضر اقفلي التليفون وأنا هاطلب ليها دكتور وأجيبه وأجي. لتوقفه قبل أن ينهي المكالمة بسرعة. وتجيب ليها دكتور غريب ليه بس، ماتيجي تكشف انت عليها دي مراتك يا ولاااا. مالك مستغفرًا. استغفرك ربي وأتوب إليك، ممكن تقفلي يا أمي لو سمحتي. عاد بالطبيب النفسي إلى المنزل، فهو يعلم جيدًا أن ما بها ليس بمرض عضوي. لكنه فضل ألا يلج معه إليها، حتى لا يرق قلبه لها، وظل واقفًا بالخارج منتظره.
إلى أن وجد والدته تترجل إليه سريعًا، تسحبه من يده معها للداخل. مالك محاولاً إيقافها. استنى يا أمي انتي سحباني كده على فين. الحاجة مجيدة بغضب. سحباك على جوه يا حيلة عند مراتك ادخل يا خويا قدامي الدكتور طالبك عنده. أغمض عينه بتنهيدة يزفر بها شوقه لها، ثم أومأ برأسه وولج إليها. كانت نيران شوقه وقلقه عليها تشعل لهيب قلبه الذي احترق بأكمله، وهو يرى وجهها الشاحب، عيناها المنفرجة على آخرها، وبالرغم من ذلك يعلم أنها لا تراه.
نظر إليه الطبيب وتحدث معه بلغته، حتى لا تفهم كل من والدته ووالدتها ما يقولونه، ليهمس لنفسه بهدوء. كنت عارف. استمعت ماجدة لما همس به، أردفت ببكاء متمسكة بعضّه. هو إيه ده اللي كنت عارفه يا مالك، ماتفهمني بنتي فيها إيه. مالك مزمجرًا. ممكن تهدي شوية، مافيش حاجة لده كله يعني. طب قولي هي ليه مش بترد عليا، طب قولي انت يا دكتور، حد يطمني عليها طيب. مالك آمرًا لهم.
ممكن تخرجو بره دلوقتي، ولما الدكتور يخلص كشف هقولكم على كل حاجة. أمسكت شقيقتها بيدها، وأجبرتها على الترجل معها، ووقفت تحاول أن تهدئها، إلى أن ذهب الطبيب ومعه مالك ودلفوا سويًا إليها. ضمت ماجدة ابنتها بين ذراعيها تربت على حجابها وذراعيها باكية على كل ما تقاسيه في حياتها. همت مجيدة تعاتبها على بكائها. بتعيطي ليه دلوقتي بس، ما انتي سمعتي الدكتور وهو نازل قال إيه. ماجدة رافضة حديثها.
ماليش دعوة باللي قاله، أنا ليا بنتي واللي هي فيه ده، يا ريتك ما جوزتيها لابنك يا مجيدة، بقى هي دي شذى، الوردة المفتحة فاجأة كده وشها يدبل وتطفى، يا ريتهم ما اتجوزوا يا ريت. حاضر يا خالتي، بإذن الله أول ما بنتك تخف هعمل ليكم اللي انتو عايزينه. هبت مجيدة واقفة بعين كالجمر وإذا به يفزعهم بصوتها العالي.
بس انت وهي اخرسوا خالص، وانت حسك عينك أسمعك تقول الكلمة دي تاني مرة، وانتِ يا أختي سيبي البت لجوزها يديها علاجها، واطلعي قدامي وحسابنا بره مش هنا. ماجدة رافضة. لأ مش هاسيب بنتي لحد، ما كانت معاه وهو اللي عمل فيها كده، ولازم يقولي حصلها إيه. مد مالك يده بحقيبة الدواء لها وأردف. ما تسيبهاش خليكي معاها زي مانتي عايزة، بس لازم تعرفي إن بنتك عندها اكتئاب هو اللي خلاها رافضة الحياة وسطنا. والهروب بالطريقة دي.
قال كلمته وتركهم وحدهم وذهب إلى مكانه المفضل، محاولاً أن يهدئ من نبضات قلبه التي تتقاذف سريعًا كعقرب الثواني. جلس بجانب الضريح يناجي ربه بأن ينجيها من أزمتها هذه. يعلم أنها تريد الهروب من حزنها، خائفة من أن ينفذ ما قاله لها، لا تعلم أنه يتمزق أكثر منها وشوقه إليها يقتله مثلها تمامًا. أخيرًا أسدلت أهدابها وغفت بعد أن أعطتها والدتها دوائها، لتتفاجأ بشقيقتها التي زجتها أمامها لتخرجها من الغرفة بأكملها.
ماجدة متحدة إياها بوجه متهجم. بقولك إيه يا مجيدة ابعدي عني الساعة دي، أنا مش ناقصني خناقك وصوتك العالي، كفاية عليا بنتي واللي هي فيه. مجيدة مؤكدة بهدوء. أيوووة اللي هي فيه، هو دا بقى مربط الفرس يا بنت أبويا. قصدك إيه يعني؟
قصدي يا أختي أقولك إن اللي بنتك فيه ده، أساسه انتو جاين لنا بيه، والواد يا عين أمه حماها ودافع عنها، وشال همها من يوم ما اتجوزها، لكن تيجوا كل شوية، وترموا بلاكم عليه، دا بقى اللي مش هاسمح ليكم انتي وبنتك بيه أبدًا. ماجدة ساخرة. نرمي بلانا عليه! لأ كتر خيرك يا أختي، بس اطمني أول بنتي ما تخف من اللي هي فيه ده، أنا هاخدها وأمشي. مجيدة بنفاذ صبر.
تخديها وتمشي على فين يا أختي هو انتو ليكم مطرح تاني تروحوه، ولا ناوية ترجعي للي عايزين يقتلوا بنتك، اللي هي أساسًا في عصمة راجل، وماتقدرش تروح في حتة من غير ما تقوله. ماجدة منية الحديث، ولجت إلى غرفة ابنتها. لأ اطمني إن كان على ابنك هو قالها بعضمة لسانه، هايطلقها يا مجيدة. عاد إلى المنزل في تمام العاشرة، ليجد والدته تجلس في انتظاره بمفردها، ليلج إليها وهو يعلم جيدًا ما يدور برأسها. مالك بوجه حزين.
السلام عليكم يا أمي. مجيدة ناظرة إليه بجمود. وعليكم السلام والرحمة يا شيخ مالك، يا طبيب الغلابة، يا ساكن الضريح، يا حافظ كتاب ربنا. مالك زافرًا بغضب. اممممم هانبتدي بقى، خير يا أمي، لازمته إيه الكلام ده. لازمته حالك المايل يا عين أمك، لازمته مراتك المرمية فوق وتايهة في ملكوت تاني، وحضرتك بدل ما تحاجي عليها، وتخرجها من اللي هي فيه، ال إيه عايز تطلقها، ياخي جاتك طلقة في دماغك انت وهي تخلصني منكم انتو الاتنين.
انفجر مالك ثائرًا رغما عنه. ارحميني بقى يا أمي، تقدري تقوليلي أتمسك بيها ليه إذا كانت هي مش عايزاني. مجيدة بغضب. هي قالتلك كده، لأ شذى لا يمكن تقول كده أنا عارفه ده كويس، هي بتحبك يبقى إزاي تبقى عايزة تسيبك بس. مالك مؤكدًا متذكرًا ما حدث بينهم. لأ صدقي، مع أول مشكلة حصلت بينا قالتها. مشكلة إيه دي بقي اللي تخلي مراتك تقولك حاجة زي كده.
لن يجرؤ أن يحكي لها ما حدث، فبرغم من ثقل ما قالته له، لكنه يعلم أنها ستنزعج كثيرًا، إن لم تهب واقفة صاعدة إليها ومبرحة إياها ضربًا.
مافيش يا أمي كل الحكاية إننا بعد ما خلصنا حوار النيابة ده ونجينا منه بأعجوبة، خوفت عليها لما تروح الكلية عشان تمتحن، وأنها هتبقى لوحدها هناك ومش هاقدر آخد بالي منها، فروحت الكلية وسحبت ورقها عشان أقدم ليها هنا، وتبقى تعيد السنة مش مشكلة يعني، بس للأسف الهانم ما عجبهاش الكلام ده وطلبت مني إني أسيبها. وطبعًا حضرتك بدل ما تفهمها، قولتلها هاطلقك واتخانقت معاها مش كده.
واحدة بتقولي هاسيب ليك البيت وهترجع مش هتلاقيني فيه، أقولها إيه؟ قولتلها استنى لما أرجعك لوالدتك، وأنا هابقى أطلقك. مجيدة مشتعلة من الغضب. إنت إيه يابني آدم البرود اللي بتتكلم بيه ده، يعني حتة عيلة لسه مش عارفة تاخد قرار صح في حياتها، أول ما تقول كلمة تزعلك، تقولها هاسيبك وأطلقك، دا أنا قايله ليك ومنبهه عليك تكون ليها أب قبل ما تكون زوج.
لأ لازم يا بني افهم بقى، الأب مش دائمًا بيبقى حنين، ساعات بيرفض ويقسي عشان يربي ويعلم، وشذى لسه صغيرة معندهاش خبرة في التعامل يا مالك، واللي شافته من عيلة أبوها مش شوية برضه، يبقى ماتجييش انت بقى وتزود عليها. ابتسامة صفراء ارتسمت على ثغره، كيف يقول لها، أن زوجته الصغيرة قد فضلت عليه تلك العائلة، وذلك المجرم. لكنه لم يقل شيئًا سيظل صامتًا كاتمًا جرحه في قلبه إلى أن تتعافى ويفعل ما يصر عليه، ليصرح قائلًا.
أول ما تشد حيلها ابقى خديها تحضر الدرس وخليها تحفظ قرآن يمكن ده يريح نفسيتها شوية. مجيدة بتعجب. طب ما تاخدها انت وتعلمها انت، ولا ناوي تفضل باعد نفسك عنها كده. وبعد أن أنهى حديثه معها تركها تتعجب منه، صعد الدرج وتوقف أمام غرفتها وقلبه ينشد بلحن اسمها، يريد الولوج إليها حتى يطمئن قلبه عليها، لكنه سيتقابل مع والدتها أيضًا، وربما يتفاقم الأمر بينهم أكثر من ذلك.
ضم قبضة يده بقوة حتى نفرت عروقه، واتجه نحو غرفته مغلقًا بابها عليه بخيبة أمل. وفي تمام الخامسة والربع، أصدح صوت المؤذن يعلو في الأرجاء معلنًا عن أذان الفجر. كانت هي مستيقظة بجانب والدتها الغافية لا تشعر بها، انزلقت من جوارها وكأنها مبرمجة على ما تفعله، فتحت الباب بهدوء واتجهت نحو غرفتهم، لتجد أمامها حبيبها يسجد لربه، ويؤدي صلاته في خشوع تام. انتظرت قليلاً إلى أن انتهى، وكأنها اعتادت على شيء تفتقده بشدة الآن.
وثبت على ركبتيها جالسة أمامه تنظر إليه بنظرة ألم، وكعادتها تكورت على نفسها أمامه آخذة وضع الجنين، وضعت رأسها على فخذه تريد أن تريح قلبها ولو لبضع دقائق. تنهد بقلة حيلة، لا ينكر أنه فرح من داخله للجوئها لهذه العادة الجميلة بينهم. وضع يده على وجنتها يربت عليها بخفة، وبدأ يتلو آيات الله الحكيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!