الفصل 37 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
19
كلمة
4,501
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

اليوم هو يوم زيارة الطبيب، أو بمعنى أصح العريس المتطفل. وقفت شذى بداخل غرفة طهي الطعام بأمر من خالتها تصنع بعض الحلوى وتساعدها في إعداد الطعام. جلست الحاجة مجيدة بجانب شقيقتها يتحدثون وهم ينظفون بعض الخضروات. -عايزكِ بقى النهاردة تبقي وردة مفتحة كده. الراجل جاي مخصوص عشان يشوفك ويقعد معاكي، رؤية شرعية يعني يا بت. غمزت ماجدة لأبنتها الواجمة بطرف عينها و أومأت لأختها.

-حاضر يا مجيدة بس أنا مش فاهمة يعني هو مستعجل على إيه، مش قولنا يصبر لحد ما أفُك الجبس. -يا بت ما مالك قالك إن الزيارة دي للتعارف وبس، والله لو حصل قبول، كان بها. ما حصلش خلاص عادي ولا كأن حاجة حصلت. و عندها تركت شذى ما بيدها و جلست بجانبهم مرتسمة على وجهها علامات الغضب. لتردف خالتها: -وإنتي مالك إنتي كمان يا آخرة صبري، سيبتي اللي في إيدك وقعدتي يعني. كورت شذى كفها تحت وجنتها وتنهدت.

-مالك مسافر بكرة للمؤتمر، ومش راضي ياخدني معاه. هذه المرة تحدثت والدتها. -طب ومش راضي ياخدك ليه؟ هو مش قال إن المؤتمر في أسوان؟ بصراحة أنا شايفاها فرصة إنكم تقربوا من بعض أكتر، وتغيروا جو المشاكل والمشاحنات ده بقي. -بس هو بيقول إنه هيبقى مشغول جداً، ومش هيبقى فايق لتغيير جو وإنه يفسحني وكده يعني. -وانتِ رديتي عليه قولتي له إيه؟ -ما ردتش، أنا سكت. بس بصراحة مش عايزاه يسافر ويسيبني وعايزة أروح معاه.

-طالما بيقولك إنه هيبقى مشغول يبقى بلاش تزني عليه، وتزعله منك تاني يا بنت اختي. -طيب. -الله، رايحة على فين يا شذى؟ -خلاص أنا خلصت اللي انتو طلبتوه مني، هاروح أحضر نفسي أنا كمان قبل الدكتور وضيفه ما ييجوا. وفي تمام السادسة مساءً حضر مالك ومعه الدكتور عبد الرحمن. جلسوا الرجال سوياً مع إلقاء التحية الترحيب من الشيخ حسان عليهم. -يا ألف مرحب بيك يا دكتور، دا أنت نورتنا النهاردة. -الله يخليك يا حج، متشكر أوي.

هتف مالك بمرح. -أول مرة أشوف واحد جاي يتقدم لعروسة وهو حاطط رجلها في الجبس. ضحك الرجال على مزحته وأردف الدكتور عبد الرحمن. -والله دا شيء يشرفني إني أنسب ناس زيكم يا شيخ حسان. -الشرف لينا إحنا، بس برضه حضرتك حقك تقعد وتتكلم مع أم شذى زي ما انت عايز، وهي كمان لو عندها حاجة عايزة تقولها يبقى حضرتك تسمعها براحتك. -روح يا مالك هات خالتك وتعالى.

ذهب إليهم حتى تستند عليه ويأخذها لتجلس مع ذلك العريس. نبهتها ابنتها بنظرة من عينيها، فشدت على يدها برفق. -ماجدة هامسة لأبنتها: ماتخفيش، أنا داخلة دلوقتي أطفشه. -انتوا بتتهامسوا وبتقولوا إيه؟ كانت هذه كلمة مالك الواقف منتبه لهمسهم. أمالت شذى رأسها للجهة الأخرى وابتسمت له. -هاه، إحنا لا أبداً، مش بنقول حاجة. ربتت ماجدة على يده لتحثه على الذهاب بها إليهم. -يلا يا مالك، هو إحنا هانقعد نتكلم هنا ونسيب الراجل قاعد برة؟

-مستعجلة قوي يا أختي. طب يا ست ماجدة اتفضلي اسندي عليا ويلا بينا. ولجوا سوياً عليهم وأجلسها على الأريكة في مقابل ذلك الطبيب. وبعد أن تبادلوا السلام بينهم، استأذن مالك ووالده وتركوهما يجلسون سوياً. ظلت ناظرة للأسفل وقد طغى عليها حياؤها، تلك التي كانت تنوي توبيخه وطرده من حياتها الذي يريد أن يقتحمها دون إرادتها. كانت تبحث عن الكلمات أسفل قدميها، وكأن القطة ابتلعت لسانها. -إزيك يا مدام ماجدة؟

خرج همسها كفتاة عشرينية يغلب عليها خجلها. -الحمد لله، إزيك أنت يا دكتور؟ ابتسم على خجلها وأردف. -أنا كويس الحمد لله، بس بصراحة أنا مندهش من خجلك ده، بتحسّسيني إننا لسه شباب صغيرين. نظرت إليه شزرًا، وهنا تشجعت ورفعت وجهها مزمجرة مما يقوله. -وحضرتك كل ما بتقابل واحدة ست بتحسسها بحسنها، إيه قلة الذوق دي يا دكتور؟ تفاجأ بردها وتلجلج في كلماته. -أنا ااا.. آسف، أنا ما قصدتش كده خالص، أنا بس كنت... -كنت إيه يا دكتور؟

إنت من قبل ما تتكلم في حاجة أحب أقولك إن طلبك مرفوض. -طب استني بس، هو إحنا لسه قولنا حاجة عشان ترفضي أو توافقي؟ من فضلك اسمعيني للآخر وبعد كده يبقى ليكي حرية الرأي. -اتفضل قول اللي انت عايزه، أما نشوف آخرتها. -بصي يا ست ماجدة، أنا يمكن أكون في نظرك رجل مراهق بيفكر في إسعاد نفسه بأنانية، لكن الحقيقة بقى غير كده خالص. التمست نبرة الحزن في كلماته، وهتفت. -هو حضرتك ليه اتغير صوتك وبقى حزين كده؟

ابتسامة خفيفة لمحتها على ثغره قبل أن تختفي سريعاً. -لأني ببساطة تعبت في حياتي وعايز أرتاح، وبصراحة حسيت إني هلاقي راحتي معاكي إنتِ. -أنا مش فاهمة حاجة، ممكن حضرتك توضح لي أكتر؟

-حاضر، هاوضحلك. بصي يا ست ماجدة، أنا راجل عشت تقريباً عمري كله لوحدي بعد ما إخواتي اتجوزوا. فضلت مع أمي لحد ما قضاء ربنا أذن وسابتني لوحدي. بعدها اتقابلت مع زوجتي الأولى في اليونان، وحصل بينا قبول وحبيتها واتجوزنا. رجعت معايا هنا وبعد مدة قليلة من جوازنا خلفت ليا ولدين توأم، وبعدها بدأت بينا المشاكل لحد ما الحياة بدأت تبقى مستحيلة بينا. خيرتها بين طلاقها مني وإنها تسيب الولاد، لكن في يوم رجعت من شغلي، لقيتها اختفت بيهم. عرفت بعد كده إنها خدت الولاد واتحامت في السفارة بتاعتها وسافرت بيهم على بلدها.

وبعد كده رجعت أبقى لوحدي تاني لحد دلوقتي، بس بقى من ساعة ما شوفتك وأنا حسيت إن هعوض كل اللي مريت بيه مع إنسانة هادية وجميلة ومناسبة ليا زيك كده. ساكتة ليه؟ عايز أسمع ردك. كانت تسمعه بكل حواسها، التمست هذا القلق المسيطر على حياته. تنهدت بحزن ثم هتفت. -أرد أقول إيه بس يا دكتور؟ أقول لحضرتك إني مش ناقصني هم أو حزن؟ أنا عندي مشا مشاكل في حياتي تكفيني اللي باقي من عمري، ومش ناقصة حد يزود همومي.

-هههههه، لاء يا ستي اطمني، أنا مش جاي أزود همومك ولا حاجة، أنا جاي أحط إيدي في إيدك وندور على السعادة اللي فاضل من عمرنا سوا. -بس حضرتك ما تعرفش حاجة عني. -زي ما حكيت لك كل حاجة عن حياتي، احكيلي إنتي كمان. تبدلت حالتها من الرفض إلى رضا النفس قليلاً وبدأت تحكي له كل شيء عن حياتها السابقة. أما بالخارج جلس بجانبها يعبث في هاتفه في صمت. وفي مقابلته كانت تجلس والدته، بينما تركهم والدهم وذهب لصلاة المغرب. لتهمس والدته:

-ربنا يثبت أقدامك يا دكتور، وتوافقي يا ماجدة يا أختي، رب. همست شذى وهي تلوي ثغرها. -ربنا ما يسمع منك يا خالتو يا رب. التفت لها زوجها مالك الذي استمع إلى همسها جيداً، وهمس لها ساخراً. -سمعتك على فكرة. نظرت له شزرًا تقذفه بسهام نارية فهي فيها ما يكفيها مما يسببه لها من حزن. -عادي يعني ما تسمعني، هو من إمتى وأنت بتوافقني الرأي في أي حاجة بقولها؟ -كويس إنك عارفة إن كل اللي بتقوليه ده غلط.

قررت أن تتغاضى عن موضوع والدتها لتغير الحديث إلى حوار سفره. -على فكرة بقى أنا مش بتكلم معاك، خليك في تحضير مدوناتك الطبية وسفرك ده. أغلق هاتفه ونظر إليه بطرف عينه مخفضاً صوته. -ممكن تبطلي تلمحي بالكلام ده، لآني مهما تعملي برضه مش هتسافري معايا، تمام؟ رمقته بنظرة جانبية محاولة إخفاء حزنها. -ومين قالك إني عايزة أسافر معاك؟ ما تسافر يا أخي ولا تقعد، الموضوع كله ما يهمنيش. وهنا تدخلت الحاجة مجيدة ملفته نظرهم.

-بس إنت وهي، الله يخرب بيتكم، إنتوا مش واخدين بالكم إن في واحد غريب في البيت؟ اخرسوا بقى. همت شذى واقفة لتذهب من أمامهم. -حاضر يا خالتو، اديني سكت أهو. أقولك أنا هاقوم أدخل أقعد في المطبخ أحسن لحد الراجل ده ما يمشي بقى. سريعاً ما اختفت من أمامهم، لتهمس له والدته وهو يراقب طيفها. -مش عايز تاخدها معاك ليه؟ التفت إلى والدته وأغمض عينيه مستنشقاً نفس طويل.

-لو أخدتها معايا هاتتحبس في الفندق، أنا الأسبوع ده هبقى مشغول جداً ومش فاضي ليها، مش رايح فسحة يا أمي. -يبقى تعرفها ده وتحاول تاخدها بعد ما ترجع من السفر وتعوضها بقى بفسحة حلوة، يلا مستني إيه؟ قوم ادخلها وقولها كلمة حلوة. كيف يفعل ذلك وهو يعلم جيداً مدى الألم منها؟ رفع رأسه لوالدته وهتف. -سيبك منها دلوقتي يا أمي، وخلينا في دكتور عبد الرحمن اللي طول جوه ده، الراجل ده نسي نفسه ولا إيه؟ دا بيناوي يبات هنا.

ضحكة خفيفة بانت على وجهها وهمست. -يا واد سيبه قاعد يمكن ربنا يهديها، و تديك موافقتها الليلة. هب واقفاً رابتاً على كتفها بمشاكسة. -لاء ياستي أنا بقول كفاية عليهم كده، دول قربوا يجيبوا عيال في الوقت ده كله. -ههههههه، خد يا واد، استنى يا مالك. لم يلتفت إليها وولج إليهم من ذلك الباب الزجاجي المفتوح على مصرعيه أمامهم. -إنت نورتنا النهاردة يا دكتور.

قال كلمته وهو يجلس على المقعد الجانبي لمقعد خالته التي لمح على وجهها الدموع التي تغرق وجنتيها. -خير، هو في حاجة ولا إيه؟ هتف الطبيب بجدية. -لا لاء أبداً، مافيش حاجة. كل الحكاية إني حكيت للمدام كل حاجة عني، وللأسف ذكرتها بالماضي الأليم بالنسبة ليها، واللي من وجهة نظري ما يهمنيش في أي حاجة. رفعت عينيها لتقابل عينيه الممتلئة بالحب، فأومأت له بالموافقة دون إرادتها.

رحل الطبيب وجلسوا سوياً يتسامرون في الحديث، ويعرفون مدى انطباعها عن هذه المقابلة، لتقول شقيقتها. الحاجة مجيدة: -يعني إنتي قدرتي تكوني رأي عنه في المقابلة دي؟ نظرت ماجدة إلى ابنتها المتحدية لها وقالت. -ما قدرتش أقول إني كونت رأيي بالسرعة دي، بس أقدر أقول إني حاسة براحة ومتقبلة للمقابلة دي. شذى بتحدي وصوت مرتفع. -يعني إيه يا ماما؟ يعني هتوافقي وتتجوزي الراجل ده؟ إنتي مش قولتي إنك هاترفضيه.

توارت عينيها عن النظر لابنتها وهمست بخجل. -مش مهم موافقتي من رفضي أنا دلوقتي، المهم رأيه هو يا شذى. وقفت من مقعدها مندهشة مما ألقته والدتها في جعبتها، ما الذي حدث لها في هذه المقابلة، ولماذا تبدل رأيها من النقيض إلى نقيض آخر بهذه السرعة؟ لن تحظى بأي إجابة ترضيها الآن، لذا فضلت الهروب من أمامهم جميعاً متجهة إلى بيتها. لتهم والدتها بالنداء عليها حتى ترجعها. -شذى، استني، إنتِ رايحة على فين لوحدك كده؟

أسرعت في خطاها هاتفة: -مروحة، أظن مافيهاش حاجة دي. جرت من أمامهم تحت نظرات هذا المستشاط غيظاً منها، ليتتبع أثرها ملقياً عليهم السلام. -طب يلا أسلم عليكم أنا كمان عشان بكرة هسافر بدري، والحق أروح أسلم على أبويا في المسجد. أومؤوا إليه جميعاً بالسلام وتبادل القبلات معهم، مستمعاً إلى إرشادات والدته جيداً. -تخلي بالك من نفسك، وتدفي روحك كويس، وتلبس فالنتين عكس بعض عشان تحمي نفسك من البرد.

ابتسم لها وأمسك جبينها بين راحتي يده ليقبل رأسها بكل حب. -حاضر يا ست الكل، إنتي تأمري، يلا السلام عليكم. أردفوا إليه. -وعليكم السلام. لحق بها قبل أن تبرح ساحة الشارع الرئيسية، وإذا به يقبض على راحة يدها بتملك. شهقت من الخضة، وحاولت جذب يدها من قبضته، فزجرها بنظرة جامدة ألجمتها لتصمت. وحين وصلوا إلى بيتهم فتح الباب وزجها للداخل بدفعة قوية من يده. كادت أن تسقط على وجهها لذا اندفعت فيه صارخة.

-آآآه، حاسب هتوقعني على وشي. ألقى بمفتاحه على الطاولة، وبدأ في تعنيفها كالعادة. -لما تبقي قاعدة في أي مكان ومعاكي جوزك يا هانم يا محترمة، أوعي تقومي من مكانك وتحاولي تمشي وما تعمليش ليه أي اعتبار كده. -لا والله، يعني كنت عايزني أقعد ويتحرق دمي لحد ما حضرتك تتكرم وتتعطف عليا وتقوم مش كده؟ -تمام، هو كده. والله يا شذى لو عرفت إنك عملتي أي مشاكل وأنا مش هنا، لهتشوفي عقابك بجد لما أرجع من السفر. -هاتعمل إيه يعني؟

إنت أصلاً مش قولت إنك هتسافر لوحدك، خلاص بقى مالكش دعوة بيا. -يا سلام، أومال ليا دعوة بمين أنا؟ أولاً لازم تحترمي غيابي زي وجودي بالظبط، وحسك عينك أعرف إنك عملتي مشكلة مع والدتي أو والدتك. رفعت وشاح وجهها بعنف وجلست على الأريكة مكورة يديها أسفل وجنتها وأردفت بهدوء حزين. -اطمني، أنا مش هاخرج من البيت أصلاً. مد خطاه وجلس بجانبها، مريحاً رأسه على حافة الأريكة من خلفه. -ومين قالك أصلاً إني هاسيبك تقعدي هنا لوحدك؟

إنتي هاتحضري نفسك، والصبح قبل ما أمشي هاوديكي البيت التاني، وها تقعدي هناك لحد ما أرجع. -لاء معلش بقى، أنا آسفة مش هانفذ ولا كلمة من اللي انت قلتها دي، أنا مش هاسيب بيتي وأروح أقعد عندهم. -وإنتي يعني ماينفعش تقعدي من غير مشاكل يا شذى؟ حرام عليكي بقى، أنا ما بقتش طايق خناقك كل شوية وصوتك العالي ده. رمقته بنظرة طويلة صامتة وهبت واقفة، وبخطوات سريعة اتجهت لتصعد إلى الأعلى، وهي تصيح.

-اديك هترتاح مني أسبوع بحاله، افرح بقى وريح دماغك بعيد عني. التوى ثغره وهم بالوقوف هو الآخر، لكن ليرحل عن البيت بأكمله. وكأن خطاه تأخذه إلى مكانه المعهود، حضر إلى الضريح ليودع صديقه ورفيق دربه مثلما عُهد على ذلك. صلى فرضه وجلس بجانبه يقرأ في كتاب الله العزيز، وينتظر والده إلى أن يفرغ من صلاته، ويتحدث مع صاحبه هامساً.

-ما بقتش قادر من كتر المشاكل معاها يا حسين. تعبت من جنانها ده. هي عارفة وواثقة إني بحبها، بس شقاوتها وصوتها العالي دول هما سبب المشاكل بينا. ربنا يهديها ليا. شعر بيدٍ تربت على كتفه، لتطمئنه بأنه بجانبه، فالتفت لصاحبها مبتسماً. -حرماً يا أبويا. -جمعاً يا حبيبي. إن شاء الله بتكلم نفسك ولا بتسلم على صاحبك كالعادة يا دكتور؟ -إن جيت للحق، الاتنين يا حج. قولت أجي أقعد هنا وأصلي ركعتين لله، وأسلم عليك لأني هسافر بكرة بدري.

-تروح وترجع لينا بالسلامة يا حبيبي. بس إنت ما عملتش اللي قلت عليه يعني. رفع عينه له ليحاول فهم ما يدور برأسه. -تقصد إيه يا حج؟ -قصدي إنك جيتني وانت حزين وقعدت تقولي إنك هتطلقها وتخليها تحت عينك بعد كده عشان تبقى مطمن عليها، بحكم إنها بنت خالتك وعشان مالهمش سند. وقولت ماشي، بس اللي أنا شايفه إنك ما عملتش حاجة من دي. أحنى رأسه صامت أمام أبيه، ليندهش ويهتف بضجر. -ارفع راسك يا مالك، أنا ماتعودتش أشوفك مكسور كده يا بني.

جحظت عينه وسريعاً ما رد على أبيه. -لاء يا أبويا، أنا مافيش حاجة كسراني، وشذى زي الفل. أنا بس كل الحكاية... -بتقول كلام مش مفهوم وعمال تتلجلج ليه يا دكتور؟ -عشان بحبها يا أبويا. أيوه حبيتها، حبيت فيها برائتها وطفولتها، حتى جنانها. بقيت بخاف عليها زي ما تكون بنتي مش بس مراتي يا أبويا. فاجأه برده القاطع لينفض يده برجفة عن كتفه وينظر إليه لبرهة ليست بقصيرة.

عم السكون بينهم وكل منهم مندهش على حاله، ليعيد والده الحديث محاولاً جذبه من متاهته التي أدخل نفسه بها. -بص يا مالك، أنا مش هاقولك إنك غلطان في اختيارك، بس هاقولك إن الحب عمره ما كان ضعف يا بني، الحب طول عمره بيقوي صاحبه. أهم حاجة إنه يكون للي يستاهله. وهنا رفع رأسه ليجيب أبيه سريعاً في الرد.

-صدقني يا أبويا، شذى هي اللي تستاهل قلبي، وأنا واثق إنها بتحبني قد ما بحبها ويمكن أكتر كمان. وإن كان على تهورها وصوتها العالي، فسنها الصغير واللي شافته من عيلة أبوها يشفعوا ليها يا حاج. ابتسم الشيخ حسان ساخراً وهمس له وهو يربت على قدمه.

-وبقيت تدور ليها على أعذار كمان يا شيخ مالك. على العموم، ما تكملش حياتك وانت حر فيها. أنا المهم عندي واللي أتمناه في حياتي إن أشوفك مبسوط ومهني في عيشتك يا بني. و قبل أي حاجة إنك تكون محافظ على تفوقك في مركزك وشغلك يا دكتور. رد إليه الابتسامة وانحني على يده ليقبلها قائلاً. -ربنا يخليك ليا يا حج وما يحرمنيش من دعواتك أبداً.

-ههههههه، طب يا سيدي، ربنا يريح بالك ويرضى عنك ويرزقك بالذرية الصالحة اللي تملي عليا أنا وأمك البيت. ضحك مالك لوالده وتملكته السعادة أثر تلك الدعوة التي أراحت باله بعض الشيء. عاد إلى بيته وعلى وجهه ابتسامة الرضا. لقد أراح كلام والده ذهنه بعض الشيء، على الأقل قلل من غضبه وقلقه الذي كان يخشى أن يتفاقم للأسوأ بينه وبين زوجته، وعليه الآن أن يريح ذهنها هي تجاه والده.

كان الهدوء يعم البيت، على ما يبدو أنها لم تنزل إلى الأسفل من وقت خروجه منه. صعد الدرجات بروية وهو كله يقين بأن لا يحزنها هذه الليلة، على الأقل حتى لا يذهب ويتركها حزينة. فتح باب غرفة نومهم المظلمة بالكامل، اتجه إلى زر المصباح الموضوع بجانب الفراش وأنار ضوءه الخافت حتى لا يزعجها، لكنه تفاجأ بعدم وجودها فيه. ارتعب قلبه عليها وانتفض في مكانه، هماً بالذهاب للخارج مفتشاً عنها بجميع الغرف وهو يناديها. -شذى، إنتي فين؟

ردي عليا، روحتي فين يا شذيييييي. كانت ممددة بحوض الاستحمام تنعم بحمام دافئ يريح أعصابها من كل هذا الأرق الذي قد ملأ رأسها، وعلى ما يبدو أنها من كثرة الراحة الذهنية التي تحصلت عليها، قد غفت ولازمها النوم. لتنتفض جاحظة العينين أثر سماع صياحه المدوّي كقذائف تنزل فوق رأسها، غير مبشرة بأي خير.

هبت واقفة من الحوض نافضة لقطرات المياه التي تسترسل على جسدها الناعم العاري تماماً والمرتجف أيضاً من تلك الرهبة التي تملكتها، ولا تعرف السبب. وقفت مسهمة وسط المياه لاتقوى على التحرك وكأن قدميها متيبسة في أرضٍ جامدة، فقط عينها جاحظة نحو الباب الذي يرتج أثر دقه عليه ومقبضه الذي يهتز صعوداً وهبوطاً، وهي تسمع صياحه المندفع من الخارج باسمها. -شذى، إنتي جوه.. افتحي الباب ده، قافلة على نفسك ليه؟

بقولك ردي عليا لأكسر الباب يا شذيييييي. خرج صوتها أخيراً بنبرة متحشرجة مرتجفة أثر صراخه عليها. -حاضر، حاضر. تنفس الصعداء وهو يقف بالخارج عندما سمع صوتها. حاول أن يسيطر على قلقه واخفض صوته عندما التمس خوفها. -إنتي قافلة على نفسك ليه؟ افتحي الباب واخرجي من عندك.

لفت جسدها داخل هذا الشرشف الكبير وعضت على شفتها السفلى بخجل. إن خرجت هكذا الآن سيظن أنها تفعل ذلك عمداً لتغويه إليها. وقفت خلف الباب الموصود لا تدري ماذا تفعل الآن. تلك الطائشة لا تتعلم أبداً من أخطائها، ماذا سيظن بها ويقول عليها وهي على حالتها هذه؟ خرج صوتها مرتجفاً خائفاً وتسمرت مكانها تضع أذنيها على الباب وهي تهتف كفأر مذعور. -اطلع بره الأوضة الأول. -إنتي عايزة تجننيني؟ اخرجي بقولك من عندك.

هكذا جائها رده القوي مصحوباً بركلة من قدمه، لتزيد من رجفتها بالداخل. -بطل زعق يا مالك، إنت بتخوفني ليه؟ أنا كويسة، مافيش حاجة فيا. أخيراً ما هدأت روعونته، وضع جبينه على الباب هامساً لها ساخراً منها في ذات الوقت. -بتخوفني ليه؟ اخرجي طمنيني عليكي. -حاضر، طب لو سمحت اخرج من الأوضة، أنا أنا... علم أنها خجلة منه، طبعاً وكيف يسهو عن تلك العادة السيئة التي قد بدأ يعتاد عليها هو الآخر. فقرر أن يشاكسها بمرح. -إنتي إيه؟

كنتي بتاخدي شاور ونسيتي لبسك كالعادة مش كده؟ تنهدت بقلة حيلة نافخة زفيرها بضجر. لقد علم بفعلتها وقضي الأمر. ضمت حاجبيها بغضب، وعزمت على أن لا تنوله ما يفطن في باله، إذا كان هو يزعجها فهي ستطير النوم من رأسه هذه الليلة. -مش هاخرج وأنت موجود في الأوضة. اطلع بره بقى، الجو برد وأنا عايزة ألبس.

تصنمت منصته خلف الباب الخشبي، تستمع إلى صوته وحين لم يأتها الرد فتحت الباب بروية لتتأكد من عدم وجوده. مشطت الغرفة بأكملها لتجده، وعندما لاحظت خلوها ترجلت من المرحاض تتغنج منتصرة وهي تهمس. -الـ.. اخرج وأنا كده وأنت موجود؟ الـ.. دا بعينك، عشان تبقى تسافر لوحدك كويس. وبلحظة وجدت قدمها لا تلمس الأرض وهي محمولة بين يديه ليصيح بانتصار عليها. -دا بعينك إنتي يا قلبي إني أسيبك النهارده، طب وحياة خوفي عليكي ما هاسيبك يا شذى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...