رائحة عطره التي تعشقها، هي نفسها الآن التي تشعرها بالدوار وتجعلها مشمئزة منه لدرجة الغثيان. بحركة انفعالية، دفعته وانتفضت مبتعدة عنه. على قدميها، وضعت يدها على ثغرها، لتجري إلى الخارج قاصدة المرحاض بأقصى سرعة. غابت بداخله بضع دقائق، وترجلت منه لتجده يقف أمام الباب، يظهر على وجهه علامات القلق والتوتر، ومن خلفه والدته ووالدتها. كاد أن يقترب منها وهو يهمس لها: -سلامتك يا روحي، بقيتي كويسة دلوقتي.
لِتدفعه بعيداً عنها، مختبئة بين يدي خالتها، وهي تصيح بانزعاج: -ابعد عني، إياك تيجي نحيتي، أنا مش طايقة ريحتك ولا ريحة البرفيوم بتاعك. صُعق من هذا الهوان، تلك التي كانت تعشق عطره النفاذ، الآن لا تتحمل أن تشم رائحته. أراح ظهره على الجدار من خلفه، ضاربًا يديه بالآخري، منتظرًا أن ينتهوا الأخيرات من وصلة ضحكهم تلك. لِتردف والدته بضحك: -ههههههههه أحسن، تصدق فرحانة فيك، يا رب يا بت يا شذى تطلعي شهور الوحم كلها عليه.
ضم حاجبيه منزعجًا من كلام والدته، وإذا به يصرح: -معنى كلامك بقى إني أفضل بعيد عنها طول مدة الثلاث شهور الأولى، مش كده؟ طب إيه يا شذى، تحبي أسافر تاني عشان ترتاحي مني؟ التفتت له بجدية وتكلمت بصيغة الأمر: -وهو انت لازم تسافر يعني؟ ما ممكن تبطل تحط برفان، أو الأحسن إنك تروح شغلك وتيجي تبات في بيتك.
-ده انتي مش طايقاني بجد بقى، حاضر يا أميرة شذى، انتي تأمري. بس ما أنا ممكن أبطل أحط برفان خالص وآخد شاور كمان، أصلي بصراحة مش هقدر أبعد عنك تاني، وعايز آخدك لدكتورة عشان أتابعك وأطمن عليكي. خبأت ابتسامتها في صدر خالتها، لا تنكر أن كلامه أسعدها جدًا وأراح ذهنها. لتضغط والدتها على راحة يدها: -خلاص بقى يا شذى، أهو هايعملك اللي انتي عايزاه أهو، أنا بقول تسامحيه بقى وتخليه يبات هنا. ليهتف مالك سريعًا:
-لأ يا ماجدة، إحنا هنروح بيتنا، صح يا شذى. هذه المرة تحدثت والدته بغضب: -لأ يا عين… عايز تروح بيتك، روح لوحدك، شذى مش هاتخرج من هنا إلا وهي رايحة تولد بأذن الله. رفض مالك هذا الحديث صائحًا: -كلام إيه ده بس يا أمي، ممكن تسيبونا على حريتنا وما تدخلوش في حياتنا. لِترفض والدته حديثه بغضب:
-حياتك وحريتك انت حر فيهم يا عين… لكن حياة بنت اختي وحفيدي دول مسؤوليتي أنا. الكلام اللي قولته هو اللي هيمشي، ولو عايز تروح روح لوحدك يا روح… تعالي يا بت. أسندتها وصعدوا أمام عينيه، ووقف هو يتابعهم متنهدًا. لتضع ماجدة يدها على كتفه تحثه أن يستند هي عليه ليجلسوا سويًا على الأريكة الخشبية: -تعالي يا مالك أما نقعد أنا وانت. -إيه يا خالتي، انتي كمان عندك حاجة أقولها لسه؟
-آه طبعًا عندي حاجات أقولها، أولها إنك أكيد مش هاتخد إجازة من شغلك تسع شهور وتقعد جنب شذى. تاني حاجة إنك مش هتعرف تاخد بالك منها ومن أكلها وتغذيتها. تالت حاجة بقى يا حبيبي إنك مش هتقدر تستحمل هرمونات الحمل، وما أدراك ما هي. تأفف مالك نافيًا: -لأ يا ستي، هاستحمل كل اللي انتي بتقولي عليه ده. وبعدين ماتحسسينيش إن بنتك هي الست الوحيدة اللي حامل في العالم كله يعني، ما بنات كتير زيها كده وقاعدين في بيتهم عادي.
ماجدة محاولة إفهامه: -كل ده يا حبيبي مفهوم، بس صدقني بيبقوا تعبانين ومضغوطين. وإحنا ليه طالما في إيدينا نريحها أول تلات شهور بس مانريحهاش. مرات حملها جايلها بالنوم يا مالك، وبدأت في الغثيان كمان، وشوية وهتبص تلاقيها بتدوخ. افرض بقى حصلها كل ده وانت مش موجود، من اللي هيلحقها. أراد مالك ألا يركز في هذا الكلام حتى لا يرتاعب عليها أكثر:
-انتي بتقولي الكلام ده عشان تخوفيني بس، وأنا بصراحة بقى مش حابب تدخلك انتي وأمي في حياتنا كده. يا ستي اعتبرونا قاعدين بعيد عنكم، ولا آخدها ونرجع الشقة التانية بقى. -لأ أبدًا طبعًا، ما أحبش يا مالك. ويا سيدي ماتزعلش نفسك، أنا وأمك مش هندخل في حاجة تاني، بس مش انت كنت ناوي تقعد هنا الثلاث شهور الحرم؟ اعتبر نفسك بقى لسه ماخلصتش البيت وقاعدين هنا.
تنهد بقلة حيلة مستسلمًا لهذا الخيار الذي طرحته، ووقف من مخضعه قاصدًا باب المنزل بخطوة سريعة. لتضم هي حاجبيها بعدم فهم وتهتف له: -انت سايبني بكلمك ورايح فين. التفت إليها غاضبًا ويهتف: -رايح أتخلص من ريحتي اللي مابقتش عاجبة بنتك عشان أعرف أنام هنا، ولا انتو عايزينها هي لوحدها ومش عايزينيني معاها كمان. ما زالت لا تفهم معنى كلماته الغامضة هذه: -تتخلص من ريحتك! يعني إيه يا واد انت. ليصيح فيها بوجوم:
-ها روح البيت آخد شاور يا ماجدة، عندك مانع انتي كمان من حاجة. انتفضت في جلستها مرتدة للخلق أثر صياحه: -لأ يا مالك، مع السلامة يا حبيبي. ترجل من المنزل صافعًا الباب خلفه، ووقف متنهدًا مستغفرًا ربه على ما تفعله به جنيته الصغيرة. ليسدل هاتفه من جيب بنطاله ليتصل عليها منتظرًا حتى تجيبه، وإذا بها تجيب عليه أخيرًا: -ألو، السلام عليكم يا حبيبتي. ليتفاجأ بالرد الذي زاد من استغفاره: -هههه، وعليكم السلام والرحمة يا روح…
وإذا به يهتف في والدته صاخبًا: -حتى التليفون بتدخلو فيه، من فضلك يا أمي، أنا عايز أكلم مراتي على حريتي، لو سمحتي اديها التليفون وسيبها لوحدها شوية. جحظت عين والدته أثر صراخه عليها وهتفت: -ينيلك يا واد، خد يا خويا المحروسة بتاعتك أها، بس لو نامت وهي بتكلمك متبقاش تزعل. ليسمعها وهي تناديها قبل أن تترك الهاتف: -بت يا شذى، اتعدلي يا بت، كلمي حبيب القلب وأوعي تنامي يا بت. وأخيرًا ما استمع إلى صوتها: -ألو يا مالك.
-انتي نمتي تاني يا حبيبتي. -لأ يا مالك، أنا صاحية أهو. -طب عاملة إيه دلوقتي، طمنيني عليكي. -أنا كويسة الحمد لله، انت بتتصل ليه بالتليفون؟ هو انت خرجت تاني؟ حاول أن يلعب بأعصابها ليفهم إذا كانت تريده أم هي منزعجة من وجوده معها: -آه خرجت، أنا مروّح بيتنا يا شذى. -كده يا مالك، يعني هاتسبني تاني. قالتها متلهفة بسرعة، لتجعل قلبه يرقص بين أضلعه، ليتحرك سريعًا باتجاه بيتهم، قبل أن يخفق ويعود إليها:
-أعملك إيه، مش انتي اللي مش طايقة ريحتي؟ هاروح أتخلص منها عشان أعرف أضمك من غير ما تبعديني عنك بقى. زفرت أنفاسها براحة، أثر تصريحه، همست له بنعومة تجبر الحديد أن يلين: -آه، طب ما تتأخرش عليا لو سمحت بقى، عشان أنا عايزة أحط راسي على رجلك، وتقرا ليا قرآن. فتح باب البيت بمفتاحه وولج منه، ليهمس لها بحب: -عيوني يا روحي، قوليلي محتاجة حاجة من هنا أجبهالك. لِتردف سريعًا مغيرة مود الحب والهفة إلى مود الشهية المفتوحة:
-أيوه، بقولك إيه، في كيس مكسرات وكاجو كبير انت كنت جايبه ليا عندك، أنا عايزاه لو سمحت، وكمان عايزة رنجة، ومعلش ممكن تشتري ليا موز من عند الفكهاني وانت جاي. ليتأفف من هذا المود المتقلب المسمى بالوحم ويهمس ساخرًا: -وأرفان من ريحتي يا شذى. لتصرخ فيه منزعجة: -قصدك إيه؟ خلاص مش عايزة منك حاجة. ضحك من قلبه على تقلبها ليردف لها:
-أنا مش قصدي حاجة يا روحي، ده أنا عيوني ليكي، كل اللي تطلبيه أوامر بالنسبة ليا، وهاجيبلك كل اللي انتي عايزاه. -تسلملي يا حبيبي، ماتتأخرش عليا بقى. -حاضر يا ستي، اقفلي بقى عشان أجيلك بسرعة. أغلق معها بعد السلام، راضيًا كل الرضا بهذه الكلمات الرقيقة التي أراحت قلبه، ذهب سريعًا إلى المرحاض. هل يعقل أن ينسى صاحبه، وألا يشكر ربه على هذه الهدية التي وهبه إياها. لا والله لن تحدث له في يوم حتى يفعلها الآن.
ليترجل من بيته مرتدياً جلبابه وعباءته الصوفية مطوية على كتفه، متجهًا نحو ضريح الحسين. صلى فرضه وركعات لا حصر لها شكرًا لربه، وجلس بجوار الضريح يهمس لصاحبه:
-ياه يا حسين، أنا فرحان جدًا، لأ مش بس فرحان، أنا هطير من فرحتي. أخيرًا حسيت إني مطمئن وبالي مرتاح، وإنها عمرها ما هتحاول تبعد عني تاني. مش كده وبس، دي كمان هتجيبلي طفل منها، روح تانية هتربطنا ببعض وتخلينا عمرنا مانفكر نسيب بعض مهما حصل. أنا حاسس إني كل مدى بحبها أكتر، ربنا يخليها ليا ويحفظها هي واللي في بطنها يا رب.
أحضر لها ما تريد وبعثه إلى البيت مع طفل من أطفال الحي، وظل يبحث عن أبيه، فهو لم يراه من وقت حضوره حتى الآن. كان يظن أنه سيجده في الضريح، لكنه خاب ظنه. ثم ذهب إلى التكية ليبحث عنه هناك، وأيضًا خاب ظنه. وحين التم عليه بعض الرجال اضطر أن يقف معهم ليلقي منهم الترحيب ويرد عليهم بمثله بكل محبة ولباقة في الحديث. حتى ظهر والده أمامه ممسكًا بحقيبة ورقية مغلقة يحملها على ذراعه. وبعد أن احتضن والده ملقيًا عليه السلام،
بدأ يسأل عما بيده: -وحشتني أوي يا حاج والله. -يلا يا بكاش بقى، أنا برضه اللي وحشتك، على العموم هاعديها ليك دي، بس قولي انت جيت امتى. -من بدري، بس انت اللي كنت مختفي، ده أنا لفيت عليك الحي كله وانت اللي كنت مختفي، انت كنت فين صحيح. فتح تلك الحقيبة بيده مخرجًا منها بعض الحلوى، مردفًا بلمعة عينيه والفرحة تشع منها:
-شكلك ناسي النهارده إيه في الأيام يا دكتور. أنا كنت بزور السيدة زينب رضي الله عنها، وكمان يا سيدي كنت بجيب شوية طلبات طلبها مني أعز إنسان على قلبي دلوقتي. أومأ له يظن أنه مستفهمًا عن حديثه: -أعز إنسان على قلبك تبقى أمي، خير يا أبويا، أمي طلبت إيه منك ورحت المشوار ده عشانها. ليهتف والده بمرح ضاحكًا:
-أمك مين يا دكتور، صحيح هيا كانت أغلى حاجة عندي، بس جايلي بقى بعد كام شهر اللي أغلى منك ومنها، حفيدي المنتظر، اللي لو طلب عيوني هقدمها ليه عن طيب خاطر. فرح جدًا بكلام والده، وهذا معناه أنه لا يحمل لزوجته أي ضغينة في صدره. ليسأله بهدوء: -طب وتري حفيدك بقى طلب منك إيه، روحت تجيبه يا أبويا. ليمد له يده بما يحتويه الكيس قائلًا: -شذى طلبت مني حلاوة المولد وحب العزيز، ورحت جبتهم ليها.
عاد إليها حبيبها، وعادت لها الطمأنينة وراحة البال. رأسها مستكينة على فخذه، هادئة مستمتعة وحدها بصوته العذب وهو يتمتم لها بقراءة سورة مريم كاملة. كأنها نائمة على بساط من الحرير، طائر بها وسط السحاب، ترى على يمينها أنهارًا وعلى يسارها حدائق ممتلئة بالأشجار والأزهار الجميلة. كل هذا وهو يربت على جسدها بيده، يسترسل قراءة آيات الله الحكيم، يشعر بحلمها، بتغير علامات وجهها، بسعادتها وتقربها منه.
ليصدق على آياته، ويحملها بين يديه متجهًا بها نحو الفراش. وفي وقت الضحى، استيقظ الطبيب قبلها وتحضر ليذهب إلى عمله، تاركًا هي غارقة في نومها الهادئ. اتجه نحو الدرج قاصدًا الهبوط، ليضم حاجبيه بريبة وهو يرى خالته جالسة على أول الدرج، منحنية على نفسها، تفعل شيئًا غريبًا. -بتعملي إيه عندك يا ماجدة. انتفضت بشهقة ناظرة للأعلى وهي تصرخ: -إيه يا واد انت ده، خضتني، الناس تقول صباح الخير، مش بتعملي إيه.
-هههه، طب يا ستي صباح الخير، ها بتعملي إيه بقى، إيه اللي في إيدك ده، سكينة؟ -آه سكينة، بقطع بيها الجبس اللي زهقني ده. قذف الدرجات سريعًا، وجلس بجانبها محاولًا جذبها من يدها ليردها عن ما تفعله: -تقطعيه ليه بس يا جبارة انتي، هو انتي مش قادرة تصبري لما رجلك تخف وبعدها آخدك أفكيه في المستشفى، والدكتور عبد الرحمن يفوكهولك بنفسه. على ذكر اسمه، انفزعت صارخة، تنفي ما يقوله:
-لأ مش هاروح في حتة، ومش عايزة الراجل ده أصلًا يكلمني تاني، أنا أصلاً حاسة إني بقيت كويسة يا سيدي وخفيت خلاص. ليردف هو بجدية: -نعم يا ختي، هو الراجل ده مش في حكم خطيبك وجيه واتكلم معاكي وكنتي راضية؟ ممكن تفهميني بقى إيه اللي جد. وعلى ارتفاع صوتهم، ظهرت أمامه والدته قادمة من غرفة الطهي. كما طالت عليهم حبيبته المنزعجة من صياحهم، وصاحت مرتعبه: -هو في إيه؟ انتوا بتتخانقوا.
التفت إليها تاركًا يد والدتها، ثم التفت إلى والدته التي بدورها تنبأت ما يفعلونه: -يا لهوي، بت يا ماجدة، سيبي السكينة من إيدك يا بت، انتي بتنتحري ولا إيه؟ امسكها كويس يا واد يا مالك. كانت طريقتها في سرد الإشاعة مقنعة، فزعت الجميع، ومن ضمنهم شذى التي صرخت وهي تجري نحو الأسفل: -ماما، أوعي تعملي كده، أنا ماقدرش أعيش من غيرك يا ماما. وقف سريعًا يحلق عليها، وكأنها فرخ صغير:
-بس أهدي انتي الله يرضى عليكي، مامتك مش بتعمل حاجة. -أوعى، سيبني أنا عايزة أمي. ظلت ماجدة جاحظة عينيها وقد تشنج جسدها وشُل لسانها أمام هذا المشهد الدرامي. تتابع فقط حركاتهم السريعة من حولها، شقيقتها تنحني عليها تجذب السلاح من يدها، وابن أختها يقف يُحلق على ابنتها حتى يحول بينهم. لِتردف قائلة بتذكر: -أنا عرفت مين اللي قتل محمد جوزي، أيوه أنا افتكرت، افتكرت يا بت يا شذى. صمت تام عم المكان، وتيبس الجميع بأماكنهم.
جلس الجميع حولها على الأرائك الخشبية منتبهين إلى ما تقوله، إلا هو كان متحفزًا لما تقوله ويريد أن لا تفصح به. بل لا يريد التحدث بهذا الموضوع مرة أخرى، كان يظن أنه قد تخلص منه ومن ذكراه السيئة. لتنبش هي في الماضي مرة أخرى. تأهبت هي وكأنها تعود بكل حواسها للماضي، وتهمس وهي تنظر للأمام:
-فاكرة يا شذى ليلة الحادثة قبل ما الظابط يجي وياخدنا، لما أخدوني من الشارع وأنا بصرخ وشايفة أبوكي مرمي غرقان في دمه. انتي كنتي ساعتها لسه مافقتييش كويس. وأنا كنت عاملة زي اللي ضاربينها على رأسها، وساحبينها في إيديهم، ماشية معاهم، شايفة كل حاجة بس عقلي واقف ومش قادر يشوف أو يسجل أي حاجة من اللي بتحصل. كانت على وشك التحدث، لكن مالك كان له رأي آخر، حين لاحظ تشنج جسد زوجته التي بدأت تبكي:
-أرجوكي يا ماجدة، ماتفتحيش الموضوع ده تاني، إحنا ما صدقنا إننا نخلص منه ونقفله بقى. بحركة واجمة لا إرادية، استدار وجهها فقط له: -بس ده معناه إن ممكن إنسان بريء يتعدم من غير سبب. شهقت شذى مما تقوله: -بس أشرف مش ممكن يكون بريء يا ماما، كل اللي حصل ده أصلًا بسببه هو. -ماتخليش كرهك ليه يخليكي ماتسمعيش لكلمة الحق يا شذى. لتتحدث الحاجة مجيدة وكأنها تشاهد مسلسل درامي وتتابع أحداثه بحماس:
-استنى بس يا بت يا شذى، ماتقطعيهاش يا ماجدة، اخلصي بقى وقولي شوفتي إيه. -شفت السيد أخو محمد الله يرحمه وهو واقف تحت السلم بتاع البيت، ماسك في إيده سكينة غرقانة دم، وبيوطي عشان يشيل البلاط المكسر، يا شذى، فاكراه. -آه يا ماما، فاكراه. ليهتف مالك: -وإيه حكاية البلاط المكسر ده كمان. ابتسمت شذى من بين دموعها: -ده ذكرى سودة من ذكريات أشرف ابن عمتي. -إزاي يعني.
-كان لسه عيل في إعدادي واتعارك مع عيال معاه في المدرسة، أم الواد حلفت ماضيها ضربه في المدرسة يعلم عليه كمان في قلب منطقته، وجه بدري في معاد ما العيال بيروحوا المدارس هو عيلين كمان واستخبوا تحت السلم بتاعنا يستنى أشرف وهو نازل. ساعتها البيت كله نزل على صوت صريخ وتكسير البلاط، واتفاجئنا أنا العيال كانوا جايبين معاهم بلطة كبيرة وكانوا ناويين يقتلوه ويدفنوه تحت السلم. -يا نهار أس… ده إيه الإجرام اللي كنتوا عايشين فيه ده.
شعرت الحاجة مجيدة بالازعاج أثر ذلك التدخل بين الأحداث لتهتف: -يوه، بقولكم إيه، ماتوهنيش معاكم، انتوا مش كنتوا بتحكوا عن السيد والسكينة اللي بيحطها تحت البلاط. عادت ماجدة إلى روايتها السابقة لتستجمع قوتها وتقوم من على الأريكة متكئة على يد مالك:
-أيوه، أنا شوفته بعنيا دول، استنوا، دي مراته واخته كمان شافوه ساعتها، بصوا لبعض ورجعوا بصوا لي، وعمتك أم أشرف زقتني قدامها بسرعة عشان أطلع وما آخدش بالي من اللي بيحصل، واللي طلع عليها ساعتها لازم تمشوا من هنا، انتوا مبقاش ليكم مكان هنا. -فين السكينة يا مالك؟ أنا عايزة أفك الجبس ده، لازم أسافر بنفسي وأحكي للظابط كل حاجة. وهنا تدخل مالك متذكرًا:
-استنى بس واقعدي يا ماجدة، ركزي كده كويس في الكلام، اللي بتقوليه. انتي مش قولتي ليا قبل كده، إن الراجل اللي اسمه السيد ده كان جايب لبنتك الدكتور وكان معاكم فوق، ولما الدكتور قاله الحقيقة، نزل يجري عشان يلحق أخوه ولقاه اتقتل ساعتها. -يبقى إزاي بقى هو اللي قتله؟ تذكرت ماجدة بالفعل هذه النقطة، لكنها أكدت على كلامها:
-حتى لو مش هو اللي قتله، هو معاه أداة الجريمة، يعني عارف القاتل وكاظم الشهادة، وأنا لازم أروح وأشهد باللي أعرفه، وإذا كان أشرف هو اللي عملها وهتكون بصماته على السلاح، وإذا كان مش هو هايخرج ونعرف مين القاتل. -وأنا مش مستعد أعرضكم للخطر تاني. صاح بها مالك الذي هب واقفًا، آمرًا للكل: -الموضوع ده اتقفل خلاص، ومبقاش لينا بيه أي علاقة سواء من بعيد، أو من قريب. تحدته ماجدة بنظرتها: -يعني عايزني أضيع حق جوزي؟
عايزني أكتم الشهادة يا شيخ مالك. وقفت شذى بجوارها، تتحداه هي الأخرى هامسة: -هاترجع في كلامك ولا إيه يا شيخ مالك؟ مش انت اللي قولت إن حرام نبقى عارفين كلمة حق ونخاف نقولها. رمقها بنظرة لا تعلم إذا كانت واجمة أم خائفة، ليبتعد عنهم جالسًا على الدرج: -كفاية بقى حرام عليكم، أنا أعصابي تعبت من كل الأحداث دي، انتوا إيه، كل ما أقول خلاص الموضوع هدى من ناحيتكم وهبطل أخاف عليكم شوية، ترجعوا تقلقوني عليكم ليه بس.
-آه قول كده بقى، إنك خايف. تحولت نظرته سريعًا إلى الغضب، ولا شيء إلا هو، ليصرخ فيها: -آه يا شذى خايف، ارتحتي كده، قولي عليا جب… قولي مش را… لكن برضو مش هعرض واحدة فيكم للدخول وسط الناس دول تاني. لتصرخ والدته مدافعة عنه هذه المرة: -لا عاش ولا كان اللي يقول عليك كده، اسمعي كلام جوز بنتك يا ماجدة، وكفاية يا ختي عليكي اللي جري ليكم. جلست ماجدة بإحباط متمسكة بذلك السلاح بيدها، لتنحني على قدمها سريعًا: -برضو هافك الجبس.
وكأنهم أصبحوا عاتقًا ملازمًا له، يضطر على حمله فوق أكتافه. لازمه الذهاب إلى عمله، زوجته، والدتها، والدته، هن الثلاثة يثرثرن داخل السيارة بجواره ولا ينفكن عن النقاش. تلك الجالسة بجواره مازالت تبكي من تحت نقابها، ولا يعلم كيف يتعامل معها الآن بسبب هرمونات الحمل الزائدة هذه. والأخرى تبكي من خلفه، وتهتف بكلمات عكس التي سمعها منها من قبل، وفجأة تريد أن تلعب دور الطبيب، ويخشى أن تكون سببت عاهة بقدمها.
والثالثة تلومه وتزجره بنظرتها وكلماتها اللاذعة التي لم تنفك عن اتهامه بالإهمال لهم وإزعاجهم. ليهتف فيهم مزَمجرًا قبل أن يوقف السيارة، منبهًا عليهم بشدة: -بس اسكتوا شوية بقى انتوا التلاتة. رقم واحد الأميرة شذى: بطلي عياط يا هانم، أنا من ساعة ما خرجنا من البيت لحد دلوقتي مش فاهم انتي عماله تنوحي و تعيطي ليه، جوزك مات يا شذى! كادت أن تجيبه نافية بالصراخ والدعاء على نفسها، إلا أنه ألجمها بنظرة غاضبة: -إن شاء الله أنا يا…
-قولت اخرسي، مش عايز أسمع صوتك. رقم اثنين الليدي ماجدة: سبب النكسة كلها وصاحبة الليلة النهارده، ممكن تبطلي انتي كمان عياط لحد ما نفهم عملتي في رجلك إيه. -أنا ماعملتش فيها حاجة، قولتلك مش عايزة أجي معاكم، جايبني بالعافية ليه يا أخي. -ليصيح ساخرًا: عشان أشوف عورتي رجلك إزاي يا دكتورة، وانتِ بتفكي الجبس.
رقم ثلاثة الملكة الأم: أمي حبيبتي، نبع الحنان كله، ممكن تحافظي على هيبة ابنك شوية وتديني برستيجي وسط الموظفين اللي تحت إيدي، وتبطلي شتمه فيا. أومأت له مطيعة أمره: -حاضر يا حبيبي، طبعًا لازم أعلى قيمتك قدام الناس، ده انت دكتور قد الدنيا، إنما برضه لازم تفهم إني مش هاعديلك زعيقك في البت وهي حامل وتعبانة كده. -آه يا خالتو، أنا حاسة إني هيغمى عليا.
-يا قلب أمك، جرالك إيه يا شذى، مالك يلا ننزل أحسن، رجلي كمان بدأت توجعني أوي. -منك لله يا مالك، عملت إيه في البت يا ولاااا. وأخيرًا ما ألجمهم بصوت جهور داخل السيارة: -اسكتووووووووو…. ولج بهم إلى مكتبه ولا زالت ثرثرتهم تصدع رأسه، جلس على مقعده واضعًا رأسه بين راحتيه محاولًا كبت غضبه. لتصيح والدته فيه آمرة: -هو انت يا ابني جايبنا هنا عشان نقعد في مكتبك؟ ما تقوم تشوف هاتكشف على مين فيهم الأول. رفع رأسه موافقًا حديثها:
-بالنسبة ليا ما عنديش مشكلة، هما بس أي واحدة فيهم تبطل رغي وتتحرك معايا عشان أوديها للدكتور المتخصص. -يلا بينا يا شذى. -لأ، لما أطمن على ماما الأول. -طب يلا انتي يا ماجدة. -لأ، لما أطمن على بنتي الأول. -حلو أوي كده، تقدري بقى تقوليلي أتصرف معاهم إزاي يا أمي. لتوجه لهم والدته الحديث بأمر:
-ما تخلصونا يا أختي انتي وهي بقى، يلا يا مالك هانخرج كلنا سوا ونروح مع ماجدة تفك الجبس ونطمن على رجلها الأول وبعدين نحضر الكشف مع شذى بقى. هكذا قسمت الحاجة مجيدة الأدوار، وينطاع الجميع لأمرها. ولج عليه غرفة الكشف ليتفاجأ بهم أمامه، وإذا به يصيح مرحبًا: -أهلًا وسهلًا، ده إيه النور ده، مش كنت تبلغني يا دكتور مالك. -معلش بقى يا دكتور عبد الرحمن، إحنا حبينا نعملها ليك مفاجأة.
كان يحاول أن يمازح كي لا يلاحظ الآخر تهجم وجهها، لكنه تساءل: -طب إن شاء الله تكون الزيارة دي سعيدة وتكون زيارة خير. -لأ اطمن، دي خالتي بس مش متحملة الجبس وعايزة تفكه وبتقول حاسة إنها كويسة. -كده، طب اتفضلي أشوف رجلك. وكانت تلك هي القشة التي قسمت ظهر البعير، لتنطق ماجدة: -إيه تشوف رجلي دي؟ نقي ألفاظك يا دكتور، يلا يا مالك نمشي الـ يشوف رجلي الـ. تفاجأ بردها المتهجم هذا، شعر بالحرج وتلجلجت نبرة صوته:
-أنا آسف، ما قصدتش حاجة، أنا قصدي يعني أشوف الجبس، وأفكه ليكي. شعر مالك بإحراجه فحاول تحسين الموقف: -طب يلا نبدأ أحسن، مدام ماجدة استعجلت وحاولت تفك الجبس فعورت نفسها. -يا خبر، طب اتفضلوا. جلست أمامه على الفراش النقال، ومدت قدمها بخجل أمامه، ليخطف هو النظرات السائلة من عينيها. ليفطن مالك ما بهما وزج زوجته ووالدته معه للخارج: -طب إحنا هنستناكم بره، اتفضلي يا أمي، يلا يا شذى.
ترجلت والدته للخارج، ولكن شذى وقفت تسقط عليهم نظرات نارية تكاد أن تشعلهم هم الاثنان: -يلا يا شذى، بقولك اتحركي قدامي. -لأ، أنا مش هاتحرك من هنا من غير ماما. اكتفى بنظرته الغاضبة التي بادلها إياها، واخفض صوته ليصل إليها وحدها: -يلا يا شذى، إحنا هنستناها بره، مش هاتروح في حتة تانية. ترجلت معه وتركت والدتها تجلس متحفزة كما هي. ليردف الطبيب متسائلًا:
-خير يا مدام ماجدة، أنا شايفك المرة دي مش مبسوطة كده، هو أنا صدر مني حاجة زعلتك. شعرت بمدى قسوة كلماتها وأحنت رأسها بخجل: -لأ حضرتك مالكش أي حق عندي، ولو حابب تعرف سبب زعلي فهو انت يا دكتور… كان ردها هذا بمثابة اعتراف بفشل تلك الزيجة، ليرفع حاجبه كالعادة ليستفهم عن السبب: -يا ساتر، طب أنا زعلتك في إيه من غير ما أشوفك. تنهدت بفرح ثم عبث وجهها مرة أخرى: -أصل شذى حامل، يعني أنا هبقى جدة، وهايجيلي حفيد كمان كام شهر.
ابتسم لها مهنئًا: -إيه ده بجد، طب مش كنتي تقولي قبل ما يخرجوا، كنت باركت ليهم. -الله يبارك فيك يا سيدي. شكرًا، أنا هابلّغهم. -طب هو دا السبب يعني اللي خلاكي رافضة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!