الفصل 11 | من 15 فصل

رواية ساكن الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميادة يوسف

المشاهدات
21
كلمة
2,672
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

بطلوا صويت، مش عايز أسمع صوت واحدة بتبكي، ولا بتولول. ربنا أخد عطيته، ولا نقول إلا ما يرضي الله. اسمعي يا سلمى، بطلي بكي، أختك بقت في مكان أفضل. جومي اسندي طولك، واقفي معهم بالغسل. شاهين كان واقف جبل قدام الكل، بس الحقيقة كان جواه نار. كان عايز يهرب لمكان لوحده، بس كان لازم يكون واقف. كان شاهين واقفًا كالصخر قدام الناس، صوته ثابت وعينيه جامدة، كأنه جبل ما تهتز ريحه.

بس جواه كان في زلزال، قلبه مكسور نصين، ودموعه محبوسة في عروقه تحرقه من جواه. موت بنته الصغيرة سحب روحه، خلاه يحس إنه اتشل من جواه، وكأن ضلوعه اتكسرت على بعضها. كل ذكرياتها، ضحكتها، حضنها اللي كان بيدفي قلبه، كانوا بيطوفوا قدام عينه زي شريط موجع. بس رغم الوجع، لملم نفسه بالعافية، لبس وش الصبر والرجولة قدام الناس، وقال كلمته اللي بتقطع القلب: "ربنا أخد عطيته، ولا نقول إلا ما يرضي الله."

وكان صوته، رغم قوته، مليان غصة، وجعه ساكن في نبرة كل حرف بيطلع منه. *** سلمى سلمى كانت منهارة، مكسورة الظهر، صوت بكاها كان مكتوم، وكأن الدموع مش لاقية مخرج. عنيها حمرا من كتر الدموع، ووشها شاحب كأنه مطفي. كانت ماسكة طرحتها بإيدين بتترعش، تحاول تسند روحها اللي بتقع منها حتة حتة. كل ما تفتكر ضحكة أختها أو كلمة قالتها، كانت تنهار أكتر، وكأن الحزن بيخنقها بإيدين تقيلة.

مش قادرة تصدق إن الأخت اللي كانت جزء من روحها، راحت ومش راجعة. عايشة لحظتها بين الذهول والوجع، لا قادرة تبكي بصوت عالي، ولا تسكت. كأن الزمن وقف، والفرح انطفى من حياتها، وبقى قلبها ساحة ألم فاضية إلا من وجع الفراق. *** سميرة الأم كانت قاعدة على الأرض، ضامة طرف جلابيتها بإيدين مرتجفة. عنيها مش شايفة اللي حواليها، نظراتها تايهة، كأنها فقدت عقلها مع بنتها.

صوتها انكتم، لا صرخة ولا آه، بس كل نفس بتاخده كان وجع بيقطع في قلبها. وشها كان مصفّر، شاحب زي ورقة دبلانة، وشفايفها بتتمتم بكلمات مكسورة مش مفهومة. مرة تدعي، ومرة تنوح، ومرة تسكت كأنها خلاص فقدت القدرة على الكلام. كانت تميل بجسمها لقدام، وتحضن هواها، وكأنها بتحاول تحضن روح بنتها اللي طارت. حزنها كان ساكن في كل حركة فيها، حتى صمتها كان بيصرخ من وجع الفقد.

كأن العمر كله وقع من بين إيديها في لحظة، وما بقاش ليها في الدنيا عزاء. *** جمال كان واقف ساكت، متكتف مكانه، مش قادر يطلع كلمة ولا حتى دمعة. عينيه كانت مليانة وجع، والدموع محبوسة على طرف جفونه، بس كرامته ورجولته منعاه ينكسر قدام الناس. كل شوية يكز على سنانه، يشد قبضة إيده، كأنه بيحارب زلزال جواه. كل ذكرى بينه وبينها كانت بتمر قدام عنيه زي سهم بيغرز في قلبه.

حاسس إنه اتسرق منه ضحكتها، حنيتها، هزارهم اللي كان بيملأ البيت. كان نفسه يصرخ، يكسر الدنيا من وجعه، بس كل اللي قدر عليه إنه يشد ضهره ويقف ثابت، لأنهم علموه إن الرجالة ما تعيطش، حتى لو قلبهم بينزف. ***** في لحظة، شاهين وقف وقال: "الله أكبر، إنا لله وإنا إليه راجعون". وراح يشيل النعش. جه أخوه عبدالله يحمل النعش.

شاهين رفض وقال له: "أنا بزف عروسة للجنة، زي ما دخلت بيها يوم ميلادها، اليوم كمان أزفها، بنتي عروسة في الجنة". *** جمال لما شاف النعش بيتحمل قدامه، حس كأن حد خبط قلبه بشومة من حديد. رجليه اتخلعت من تحت جسمه، والدنيا لفت حواليه. كان شايف النعش، بس عقله رافض يصدق إن اللي جواه دي أخته. أخته اللي كانت تملأ البيت ضحك وكلام، أخته اللي ما كملتش عمرها، والنهاردة شايلينها على الأكتاف.

مد إيده وهو بيرتعش، لمس طرف النعش، كأنه بيودع آخر حتة دفا كانت في حياته. ولأول مرة، دموعه نزلت غصب عنه، دموع كسرت حواجز الرجولة، وصرخت بصمت عن وجع مش هيعرف الزمن كله يداويه. *** أمينة كانت قاعدة وسط الناس، عاملة وشها حزين ومكسور، بس جواها كان في ابتسامة صغيرة خبيثة بتتخبى بين ضلوعها. عينها بترمش كل شوية، مش من الدموع، من فرحة مكبوتة مش قادرة تخبيها. بينها وبين نفسها،

كانت بتقول: ".. وخلاص خلصت من واحدة كانت حجر على قلبي." تحرك صوابعها على طرحتها بحركات عصبية، مش عشان الوجع، إنما عشان تكتم نشوة الشماتة اللي كانت فارشة صدرها. وكل لما حد يعيط حواليها، كانت تهز راسها بحزن مصطنع، وجواها صوت شيطان بيهمس: "يلا، واحدة نقصت من حسابي." ومع كل دعوة صادقة طلعت من قلب مكسور حواليها، كانت تحس بطعنة خفيفة من الخوف، خوف إن ربنا يكشف سترها ويجازيها على سواد قلبها.

وسط الزحام والدموع، كانت ماسكة طرحتها بإيدين ثابتة، مبتتأثرش زي الباقيين. وعينيها، اللي مفروض تكون غرقانة حزن، لمعت لمعة سريعة، زي شرارة انطفت بسرعة قبل ما حد ياخد باله. في لحظة دفن البنت، انفرجت شفايفها بابتسامة خفيفة، لا تكاد تُرى، كأنها نسيت للحظة تمثل الحزن. بس بسرعة شدّت وشها، وزورت أنّة حزينة، ورجعت تلبس قناع الباكية اللي بتندب مع الناس. *** غنيمة لمحتها، راحت لأمينة. أمينة:

(وهي ماسكة طرف طرحتها، عاملة نفسها بتبكي) يا حبة عيني، كانت صغيرة ومسكينة، بس ربك ما يظلمش حد. غنيمة: اللي جنبها، مسحت دموعها وقالت بحرقة: ربنا يصبر قلوبنا كلنا، البنت كانت طيبة وحنينة. أمينة: وهي بتعدل جلستها بنفاد صبر، وبصوت ناعم فيه نغمة ماكرة فلتت منها: آه، الطيبين ربنا بيحبهم بياخدهم بدري، والباقيين الله أعلم بنياتهم! غنيمة: بصت لها بنظرة مستغربة، كأنها شمّت ريحة خبث في كلامها.

أما مرات الأب، فابتلعت ريقها، وشدت الطرحة أكتر على وشها، وكملت تمثل البكاء بصوت مخنوق. *** عند محمد وسمر أبو محمد: ألف ألف مبروك يا حبيبي، تتربى في عزك، يارب تفرح بيها هي وأخوها. هتسميها إيه؟ محمد: الله يبارك فيك يا بابا، هسميها سلمى. سمر: إيه سلمى؟ لأ طبعاً مش موافقة، أنا عايزة أسمي حبيبة. محمد: مش باخد رأيك، أنا سجلتها هنا سلمى، وهتتكتب سلمى. انتهى كلامي. أم سمر:

غمزت لبنتها، سلمى، سلمى، على بركة الله، اللي جاب لك يخليه لك، ويا رب تفرح بيها. أبو محمد: العصر أذن، هنزل أصلي في الجامع. محمد: استنى جاى معاك يا بابا، وبالمرة أجيب أكل وعصير. سمر: بعد لما خرجوا. شوفتي يا ماما، أهو عايز يسمي البنت على اسمها. أنا مفروسة. كفاية ساعات ينادي عليها وهو نايم، ويفضل يكتب اسمها على الورق زي المراهقين بالظبط. أم سمر:

خلاص يا بت، هو معك إنتي. الست الشاطرة ماتعملش مشاكل كل شوية. انتهينا، وأهو ربنا كرمكم بعيلين. اشطري إنتي بس، وهاتي التالت والرابع، اغلبيه بالعيال. شدي حيلك إنتي بس. *** عند محمد وأبوه أبو محمد: مالك يا ابني فيه إيه؟ إيه مغيرك كده؟ إيه مش مبسوط علشان جبت بنت؟ محمد: لأ طبعاً، مبسوط. ربنا يبارك فيها، ويحفظها، وأشوفها حاجة كبيرة، تشرف كده. أبو محمد: اومال مالك؟ فيه إيه؟ انت كنت فين امبارح، وجاي زعلان؟

إيه روحت تطلب إيدها تاني، أقصد عاشر، وأبوها رفض؟ محمد: لأ، كنت بعزي بنته الصغيرة اتوفت، كانت مريضة، المرض الخبيث. أبو محمد: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. البقاء لله. ربنا يصبرهم. بس انت متأثر قوي. محمد: أنا حاسس بيها، بتتوجع. قلبي مليان حزن، زمانها تعبانة قوي. أصلك مش عارفها، سلمى إنسانة حساسة ورقيقة، وبتحب أختها قوي. كانت دايما معاها في رحلة العلاج. سلمى إنسانة بتحب أخواتها، وعطوفة و... أبو محمد:

كان بيسمع له، وسايبه يطلع اللي جواه، بس صعبان عليه حال ابنه، ومش عارف يعمل له حاجة. ***** عند أمينة الباب بيخبط. أمينة: روحي يا بت، يا زينب، افتحي الباب، مش سامعة؟ زينب: هسمع إزاي، وصوت التلفزيون عالي كده؟ أمينة: نعم يا روح أمك، بتقولي إيه؟ هتحاسبيني في بيتي؟ زينب:

لأ، بس فيه صبية ميتة، لسه في عز شبابها، يوم نتيجتها ماتت. دا ياعيني ما لحقتش تعرف إنها أخدت البكالوريوس. والبلد كلها حزنانة عليها، وزعلانين على الحاج شاهين والست سميرة قوي. أمينة: جومي فزي افتحي الباب، غوري. سعدية: إيه يا زينب، ساعة يا أختي على ما فتحتي، فين ستك؟ أمينة: والله هل هلالك، إيه فكرك بيا؟ سعدية: جاية لك، حق العيش والملح. وجول ليكِ، مبسوطة دلوجتي؟

نارك بردت، شايفهم بيجوا إزاي، الحزن والمرض هلكوا روحهم، وهما عمرهم ما قصروا معاكِ بشيء، بالعكس، دول دايما جنبك. ارجعي، وكفاية. أنا شفتك وإنتي رايحة للشيخ تاني، كفاية عايزة منهم إيه؟ خافي ربنا. أمينة: خلصتي خلاص كلامك؟ لسه لما أشوفهم بيتقطعوا قدامي كده. إيه مش شبعوا حب وانبساط وعيال وفلوس وفسح ودهب وبيت جديد؟ ماهو لازم هما كمان ينحرموا، اشمعنى أنا؟ سعدية:

أبوس إيدك يا ست أمينة، كفاية شر. سي شاهين راجل طيب، وست سميرة تنحط على الجرح يطيب. أمينة: اطلعي برة، جاية تقولي كده في وشي؟ غوري، داهية تاخدك. *** بعد عشر سنين عند غنيمة وإبراهيم إبراهيم: أمااااا يا غنيمة. غنيمة: فيه يا ود انت، يا ميّلة بختي، بتزعق ليه؟ مش كفاية خدت للميالة مراتك دار لوحدها؟ إبراهيم: آه كده أحسن، كل واحدة في عيشة، وهي شافت كتير، والعيال تعبينها. دانا واخدة عيلة صغيرة، اتحملت كتير. غنيمة:

😏😏 طب يا أبو جلب حنين، عايز إيه، خير؟ إبراهيم: أنا جاي أقولك، والنبي يا أما، لو كان لي عندك خاطر، لو كلامك اللي جولتيه زمان حصل، روحي وفكيه. غنيمة: كلام إيه؟ إبراهيم: العمل. لو إنتي عاملة عمل لسلمى، فكيه. سلمى بنت كويسة وزينة، وألف مين يتمناها. وحرام وجف حالها كده. دانا لو فتحت باب الجواز لبناتي، يتجوزوا من الصبح. بتصعب عليا سلمى. كل واحد واخد نصيبه، وأنا عندي بنان برضوا، وأرضاش ليهم كده، عشان ربنا يرضى عنا. غنيمة:

موكوس وخايب، إنت. مش شفت اللي هما فيه، دا العز زاد عندهم، وفلوسهم كترت. لاء، وابنه بجى دكتور كبير، وبيعمل له مستشفى كمان. وجوزوا جوازة إيه، بنت النايب، مال وجمال. وخلفت له ولاد، خلفتها كلها ولاد، واحد ورا التاني. وانت جاي تجولي حرام. روح يا موكوس، امشي روح لمرتك. إبراهيم: أنا جولت اللي عندي، وارجعي وخافي ربنا، بطشه عظيم. ارجعي لربنا، أنا ماشي. ¤¤¤¤¤¤ عند سلمى اتعينت أوائل الخرجين في مدرسة القرية بتاعتها. سلمى:

بس الدوشة يا ولاد، اقعدوا، ولا أسيب الفصل ده وأجيب لكم مس ابتسام؟ الطلاب: لأ لأ، خلاص هششش. سلمى: ههه، تمام، كده إنتوا حبايبى. طلعوا بقى كراسة الرسم، هنرسم النهاردة عن الطبيعة المحيطة بينا. كل واحد فيكم يتخيل الطبيعة ويرسم، وأحلى رسمة هتفوز معانا، وهتدخل مسابقة الموهوبين بالإدارة. ***** في الفسحة العامل: مس سلمى، المدير عايزك في المكتب. سلمى: حاضر، رايحة. دخلت سلمى مكتب المدير. المدير:

اتفضلي يا مس سلمى، فيه ضيف ياسيدي، جاي يشكرك على مجهودك، بسبب إننا خدنا المركز الأول على مستوى الجمهورية في الرسم. قال وعايزين ياخدوا حضرتك أكاديمية المعلم، وإحنا نلوص هنا. الضيف كان قاعد وظهره لسلمى. سلمى: معلش، أنا مش هسيب المدرسة، ولا البلد. الضيف: قام وقف وهو مبتسم. ليه بقى؟ دي تعليمات وزارة. سلمى: إنت... ياترى مين الضيف؟ وياترى إبراهيم هيعمل إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...