في حديقة قصر فهد المنياوي، كانت الفتيات تجلس بعدما أتت لين لتقضي بعض الوقت معهن. ليله: ها يا منه، ماتنطقي بقى... مش قولتي هحكي لما لين تيجي عشان مافضلش أعيد وأزيد... اخلصي، خنقتيني. منه بفرحة: مش عارفة أجبهالكوا إزاي. لين بنفاذ صبر: يا ستي هاتيها كده، خبط لزق بس اخلصي، أنا بدأت أزهق. منه: طيب بصوا... واحد... اتنين... تلاتة... حسن طلع بيحبني. اتسعت أعين ليله ولين من الصدمة وقالوا في نفس واحد: لأ... مش معقول.
منه: وكمان طلب إيدي من ماما ووعدتنا إننا هنتخطب رسمي بعد فرح آبلة غادة. لين: بجد؟ ... ده إحنا طلعنا عبط بشكل... كل السنين دي بيحبك وإنتي عمالة تحبي فيه في صمت. منه: وإنتي يا ستي يا لين عملتي إيه مع شادي؟ شهقت لين قائلة: اسكتي يا ليله، اسكتي... ده طلع واقع على الآخر. لأ ومن زمان كمان، ههههههه وأنا اللي كنت فاكرة إنه مش ممكن يبصلي. ليله: أنا مبسوطة عشانكوا أوي.
منه: وإنتي يا مزة المزز يا صاروخ أرض جو، إيه مش ناويه تحني على رامي بقى؟ ده الواد هاري كِ مسدجات على فيس بوك. وهنا تذكرت شيئًا، فشهقت قائلة: آه صحيح، عملتي إيه في الراجل بتاع الآيس كريم؟ ليله: ماتفكرنيش... من يوم ما بعت الأده وأنا خايفة موت. بس مش هقبله. منه: ينهار أبيض، ده إنتوا شكلكوا كان يرعب وهو قدامك كده زي الوحش وإنتي عاملة زي القزمة. ده لو فتح بوقه كان هيبلعك. ولا
وإنتي مبرقة بعينك وبتقولي: يا أرض انشقي وابلعيني، يا أرض انشقي وابلعيني. ضحكت الفتيات عند تذكرهن هذا الموقف. *** في أمريكا، داخل إحدى المستشفيات الطبية، كانت رانيا تقف ممسكة بكل الأشعة والتحاليل التي قامت بها، واتجهت إلى الطبيب الأمريكي للمعاينه الأخيرة. طرقت الباب، فسمح لها بالدخول لغرفة الأطباء، حيث كان يجلس طبيب في الخمسين من عمره ويدعى ديفيد، وطبيب آخر يبدو في منتصف الثلاثين، متدرب لديه. دَلفت
رانيا للداخل قائلة: مساء الخير يا دكتور. ديفيد: مساء النور يا مدام. رانيا: هذه كل الأشعة والتحاليل التي سبق وطلبتها منذ أسبوع. ديفيد بعد أن اطلع عليها: اسمعيني جيدًا يا مدام رانيا... لقد سبق واطلعت على حالتك من خلال مراسلاتي مع دكتورك بمصر. ولكن تحاليلك هنا تفيد أنه من المستحيل أن تستطيعي الإنجاب. تحاليلك تفيد بهذا. حتى أن عمليات الحقن المجهري لا تفيد مع حالتك.
رانيا بعصبية: اسمع يا هذا، أنا يجب أن أنجب بأي شكل كان. إن مستقبلي على المحك. افعل أي شيء. ديفيد ببرود وعملية: حالتك متأخرة جدًا. نحن هنا أفضل مستشفى على مستوى العالم في علاج مشكلة العقم هذه، ولكن يؤسفني أن أخبرك أنه استحالة أن تستطيعي الإنجاب. ثارت رانيا بعصبية ما أن انتهى من كلماته، وظلت تسب وتلعن به إلى أن طلب لها الأمن، وقاموا بإلقائها بالخارج.
بعد خروج رانيا، جلس هذا الشاب المتدرب، وهو يكون تلميذ ديفيد، قائلاً: من أي جنسية هي؟ ديفيد ببرود: مثلك يا محمد. محمد بدهشة: مصرية؟ ... اعتقدت أني رأيتها فيما قبل، شكلها مألوف جدًا بالنسبة لي. ديفيد بلامبالاة: لا يهم، لنكمل نقاشنا بشأن رسالتك. محمد متذكرًا: معك حق. ثم أكملوا مناقشة عن آخر الإنجازات الطبية. ***
كان فهد يجلس داخل مكتبه في الشركة وهو منهمك على عمله. دخل عليه كمال قائلاً: فهد، مروان البحراوي كلمني النهاردة عشان عشاء العمل مع الوفد الألماني. فهد: روح إنت، أنا هروح البيت. كمال: لا، اصحى وفوق كده. فيك إيه؟ إنت بتيجي جري وتمشي جري، في إيه؟ عايز تفضل لازق في البيت كده؟ حتى السهر ما بقتش تسهر. فين أيام فهد الدنجوان؟ فهد: فهد الدنجوان بقى معاه ليلته خلاص اللي مكفياه عن أي واحدة تانية. كمال: بصراحة، ليك حق...
الله يكون في عونك. فهد بغضب وصراخ: كمال! كمال: خلاص خلاص، اهدى. فهد: كمال، أنا أصلاً مش على بعضي. كمال: إيه بس، في إيه؟ فهد: الحراس كلموني، قالوا لي إنها قاعدة في الجنينة مع أصحابها لين ومنه. ومن ساعتها وأنا هتجنن... إزاي تقعد كده قدام الحراس ويشوفوها؟ وصحابها دول اللي بيقدروا يقعدوا معاها وقت... كمال: وفيها إيه؟ ما هم أصحابها... بنات زيها يعني. فهد بغضب: مش قادر... حاسس بغيرة منهم...
عشان بيقضوا معاها وقت، عشان ليهم مكان في قلبها. كمال: ينهار أسود ومنيل... لأ، فهد اهدى كده واستهدى بالله. إنت ليه مصر تنسى إنه جواز مؤقت؟ كده وكده يعني. فهد بحدة: لأ، مش مؤقت. ليله خلاص بقت بتاعتي... بتاعتي لوحدي. كمال: يا فهد، ده إنت اتجوزتها بالعافية وماكنتش موافق ومش عايز الموضوع يطول. فهد: ماكنتش شوفتها ولا عرفتها... أنا متأكد إني لو كنت شوفتها صدفة في أي شارع أو أي مكان، كنت هقع في حبها برضه.
كمال: بس هي أكيد معتبرة إن ده جواز مؤقت، ولما المدة تخلص هتمشي. قاطعه فهد بصراخ قائلاً: ده على حثتي. ثم أكمل بغضب وجنون: تمشي... تمشي إزاي؟ تمشي إزاي ومين أصلاً هيسمحلها تمشي؟ ثم التقط مفاتيحه وهاتفه وخرج بخطوات غاضبة أشبه للركض، فقد شعر بأنه على حافة الجنون من مجرد التفكير بفكرة ابتعادها. أحس أن الهواء يُسحب من رئتيه. خرج كمال خلفه يلاحقه، فمظهره مقلق للغاية.
انطلق فهد بسيارته بسرعة البرق إلى قصره، وخلفه كمال. بعد دقائق، كان يدلف من بوابة قصره وهو يلمح ليله تجلس مع صديقاتها. نزل من سيارته سريعًا وركض إليها مناديًا إياها، فنهضت من مكانها لترى ماذا يريد. فركض هو إليها بلهفة وبدون أي مقدمات، احتضنها بشوق وخوف، وكأنه يخشى عليها من ضياعها، كالأم التي تحمي طفلها من شخص سيخطفه منها. كان يعصرها داخل ذراعيه، وكأنها الهواء الذي يبقيه على قيد الحياة.
كانت منه ولين وكمال أيضًا يشاهدون ما يحدث بفم مفتوح وأعين متسعة من الصدمة من هذا الذي أمامهم. كذلك ليله، كانت الصدمة من نصيبها من طريقة فهد معها واحتضانه لها بهذا الأسلوب، فلم يسبق أن فعل هذا أمام أحد. كان فهد ما زال على وضعه. فاجأت ليله صوته قائلة: احم... عمو فهد... عمو. فهد بصوت خافت لا يسمعه غيرها: إحنا في الجنينة... الناس بتتفرج علينا.
ابتعد عنها على مضض. ثم نظر حوله لمنه المصعوقة، ولين أيضًا، وكمال الذي ينظر له بذهول. فاحتضنها بذراعه وجذبها معه للداخل، ولم يبالِ لحديثها ودهشتها شيئًا، إنما ظل يسير وهو محتضنها إلى أن دلف إلى داخل القصر في مكتبه. فهد: وحشتيني. ليله: عمو فهد... هو فيه إيه؟ فهد بحب: فيه إنك وحشتيني جدًا، فجيت جري عشان أشوفك. ابتسمت ليله له بحب. ثوانٍ وتعالى صوت هاتفها باتصال من والدتها. فنظر هو للهاتف بغضب، في حين فتحت
هي المكالمة بفرحة قائلة: ماما، وحشتيني أوي. احتدمت ملامح فهد من حديثها هكذا مع والدتها، فهي لا يحق لها أن تشتاق لأي أحد. هو فقط من يسمح لها بالاشتقاق له. استمع إلى باقي حديثها بغضب. ليله: أنا الحمد لله كويسة. منال: ... ليله: بجد يعني العملية نجحت. منال: ... ليله: يعني كده قربتوا تيجوا. منال: ... ليله: بجد يا ماما، ياريت والله. منال: ... ليله: حاضر يا ماما... سلام.
أنهت ليله الاتصال، فنظرت لهذا فهد الغاضب، الذي تحدث قائلاً: دي مامتك. ليله بفرحة واندفاع: أيوه... قالت لي إن عملية تيتا نجحت، وإنهم في خلال شهر هيبقوا هنا. ابتسم فهد بغموض قائلاً: كويس أوي. كانت ليله تهم بالخروج، لكنه أمسك بها وهو يحتضنها هامسًا بالقرب من شفتيها: رايحة فين. نظرت له بتوتر قائلة: هروح لأصحابي. فهد وهو يستنشق رائحتها: لأ، إنتي مش هتفارقيني، ومكان ما أنا موجود هتكوني معايا.
في الخارج، وقف كمال وهو يتطلع إلى هذه الجميلة التي سحرته من أول لقاء. فجلس بعد أن ذهبت منه لأمها التي استدعتها من الداخل. فابتسم للين قائلاً: إزيك يا آنسة لين. لين بابتسامة: الحمد لله. إزاي حضرتك؟ كمال: الحمد لله... احمممم، ممكن رقم موبايلك عشان لو حبيت أطمئن عليكي. لين باستغراب: تطمن عليا؟ لي...
قطع حديثهم دخول سيارة حسن وتوقفها، ثم ترجل من سيارته ونزلت معه فتاة في التاسعة والعشرين من عمرها، بجسد نحيف جدًا وشعر أسود يصل لأكتافها، تشبه فهد إلى حد كبير. فسألته لين: يا نهار أسود! مين دي اللي مع حسن؟ ده لو منه شافته هتقتله. ضحك كمال على حديثها وقال من بين ضحكاته: ههههه، دي غادة، ههههه، أخت حسن وفهد. لين: يا سلام، وماشفناهاش قبل كده ليه؟ كمال: وإنتي مالك محموقة كده ليه؟
لين بصياعة ورفعة حاجب: اللي يخص صاحبتي يخصني. كمال: ههههههه... ده إنتي مشكلة. تقدم منهم حسن وغادة، التي ألقت السلام عليهم جميعًا، فسألته كمال قائلة: مش تعرفنا يا أستاذ كمال. فقالت لين بترحاب، معرفة نفسها بدلاً من كمال: ويعرفك هو ليه يا قشطة إنتي؟ ما أعرفك أنا يا جميل. قالتها بمرح وغمزة مشاكسة، فانفجرت غادة في الضحك. فردفت لين قائلة: أنا لين، صاحبة منه وليله. عقدت غادة حاجبيها باستغراب قائلة: ليله مين؟
في هذه الأثناء، كانت وفاء تخرج وهي تهتف باسم غادة، فجرت عليها بفرحة واحتضنتها. غادة: عمتو... وحشتيني أوي... إيه يا ست إنتي، ده مش بتكبري خالص. وفاء: بس يا بكاشة... وحشتيني أوي يا غادة... كل دي غيبة يا بنتي. غادة: خلاص، اديني رجعتلك أهو يا جميل. ثم نظرت إلى منه فاحتضنتها قائلة: منه... كبرتي يا بنت اللذينة واحلويتي. منه: شكرًا يا أبلة غادة... إنتي كمان حلويتي أوي. نظرت غادة حولها، فردفت: أمال فين فهد؟ ده وحشني أوي.
وفاء: جوه في المكتب، بعت حد يناديه. في الداخل. طرقات الباب تعالت من جديد. فزفر بحدة قائلاً دون أن يتحرك: نعم. الخادمة: وفاء هانم بتبلغ حضرتك إن غادة هانم وصلت. لعن تحت أنفاسه، فقد أنسته ليلته أمر أخته الغائبة عنه لسنوات. حقًا، هو بجانبها ينسى كل همومه، وينسى العالم، حتى أنه ينسى من هو. نظر إليها وهي تكاد تذوب خجلًا، فاعتصرها بأحضانه وهي مستمتعة بقربه. ثم أبعدها ونظر إليها قائلاً: كده تنسيني أختي وتنسيني نفسي.
ابتسمت بخجل، فاحتضن هو كتفها ونهض بها قائلاً: يلا عشان نسلم عليها، وكمان أعرفك عليها. لم تستطع النطق بحرف من شدة خجلها، فقط تبتسم بخجل وتومئ برأسها. خرج إلى الحديقة وهو ما زال محتضنها بتملك، وهي تذوب خجلًا من هذا الوضع. كانت أعين غادة متسعة بذهول من شدة جمال ليله، وأيضًا احتضان فهد لها بتملك. فقالت باندهاش وهي تقترب للسلام على فهد: إزيك يا فهد.
ثم وكزت ليله على كتفها بإصبعها، وكأنها تختبر إن كانت إنسانة أم عروسة باربي. غادة بذهول شديد: فهد، هي حقيقية. قهقه فهد برجولة قائلاً: آه. ابتسمت ليله لها قائلة: أيوه، حقيقية. غادة ببلاهة وفم مفتوح: وكمان بتتكلمي زينا. انفجر الجميع في الضحك عليها، ولكنهم يعذرونها، فالليلة جمالها ساحر ونادر الوجود. وفاء: براحة عليها يا غادة. غادة: طب مش تعرفونا يا جماعة.
كانت ليله ستهُم بالرد وتخبرها أنها صديقة منه. ولكن سبقها فهد قائلاً بوضوح لا يقبل النقاش: دي ليله مراتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!