في قصر فريد النجار كان يجلس أمام الحاسوب يشاهد الصفحة الشخصية لليله ويشاهد آخر منشوراتها مع أصدقائها وتعليقاتها الكوميدية، فيبدو أنها مرحة وذات ظل خفيف، محبوبة من أصدقائها.
وجدها قد وضعت صورًا جديدة لها، فقام بطبعها على هاتفه مع الصور القديمة في مجلد خاص به. هي من أعجبت فريد النجار بذاته وجعلته يلهث خلفها يتصيد أي معلومة عنها، ولكن لا يعرف عنها سوى اسمها على فيسبوك، الذي كتبته بدون كنية حتى لا يستدل جدها ومعارفها عليها. زفر بحنق قائلاً لنفسه: "أعمل إيه بس، أوصلها إزاي؟ لا أنساها ولا عارف أوصلها." دخلت عليه أخته ندى، والتي جاءت بابنها للمبيت لديه، فاندهشت عندما وجدته يحدث نفسه.
قالت: "هي مين دي اللي مش عارف تنساها ولا عارف توصلها؟ معقول ده؟ أنا مش مصدقة وداني." فريد بضيق: "شفتي على آخر الزمن حتة عيلة عندها 18 سنة تعمل في فريد النجار كده." انفجرت ندى في الضحك مما سمعته، فقالت وهي تحاول كبت ضحكاتها: "هههههه.. معقول..... ههههه وكمان طفلة.... شوف يا أخي ربنا..... ههههههه اللي عملته طول عمرك بط بط بعتلك طفلة تطلعه عليك وز وز.."
ضحك هو الآخر بسخرية من حاله، فحديثها صحيح، بعدما كان لا تشبعه امرأة ولا تملئ عينيه إحداهن وهن يرتمن تحت أقدامه، جاءت إليه طفلة تكاد تصل لنصف عمره، أرقت مضجعه وهو لا يستطيع الوصول إليها أو معرفة أي شيء عنها غير اسمها وبعض الصور لها، والتي تزيده تعلقًا بها يومًا بعد يوم. فريد: "آه والله عندك حق.. ربنا بيخلص." ندى: "لأ ده انت شكلك واقع بجد." فريد بشموخ ومراوغة: "لأ ولا واقع ولا حاجة... أنا بس
قاطعته قائلة: "لأ واقع واووي كمان... لأ أنا لازم أشوفها اللي عملت فيك كده." فريد بكذب: "مش معايا صور ليها." ندى: "كداااااب، أمال كنت مبحلق في إيه من شوية." ثم اقتربت منه وقالت: "يالا وريني وريني وأنا مش هقول لحد... يالا بقا، ده أنا حتى زي أختك." فتح هاتفه على مضض أمام إصرارها الغريب، وفتح لها الصور، فشهقت بتفاجئ وزهول قائلة: "دي بجد.... هو في بني آدمين كده.... إيه ده إيه ده...
كل ده شعر.. شايلاه إزاي ده.. ينهار أسود، لأ ده انت ليك حق، ده أنا بنت واتبهرت، أمال انت يا عين أمك." فريد: "عين أمك.... انتي بقيتي بيئة كده ليه." ندى: "اتلم، وبعدين ده من المفاجأة.. لأ ليك حق بصراحة.. اسمها إيه." فريد بهمس وتلذذ: "ليله." ندى: "كمان اسمها حلو... لأ كده كتير، ليك حق تبقى هتتجنن كده. طب ما تبعتلها أد." فريد: "لأ ناصحة، بعت وماتقبلش." ندى: "طب ما تعرفش أي حاجة توصلك ليها." فريد: "لأ." ندى: "طب وبعدين."
فريد: "مش عارف.... آه صحيح، مدحت جالي النهاردة يعزمني على فرحه." ندى: "هيتجوز مين." فريد باستياء: "غاده المنياوي." ندى: "إيه ده، أخت فهد المنياوي. أكيد وحيد (جوزها) هيكون معزوم، وطبعًا لازم أروح... وانت هتروح؟ " قالتها بتساؤل. فرد فريد قائلاً: "للأسف مضطر... مش صاحبي." ندى: "مع إن فهد أقوى منافس ليك." فريد: "بس مدحت المنير صاحبي من أيام الدراسة، وكمان ابن وزير الصحة، ما أقدرش أخسره. مضطر."
ندى: "أوكي، أنا هروح أنام، تصبح على.... ليله هههههه." قالتها وتركته يضحك باستهزاء على حالته التي وصل إليها، ثم فتح هاتفه وشاهد صور ليله للمرة المليون لهذا اليوم. *** في صباح يوم جديد في قصر فهد المنياوي. خرج فهد من جناحه على عجلة من أمره ذاهبًا إلى غرفة ليلته، فقد اشتاق إليها حد الجحيم. وفي طريقه اصطدم بعمته وفاء. فقال على استعجال: "معلش معلش ياعمتو." وفاء: "استنى استنى، رايح فين." فهد: "أ.. أ. احمم، هي ليله صحت."
وفاء: "ههههههه لأ لسه... لسه بدري.. ماحدش صحي غيري.... حتى انت كمان ده مش معادك." فهد بثبات زائف: "احمم. آه ده المنبه رن بدري فاصحيت وخلاص.. إيه فيها مشكلة دي." وفاء: "ههههههه لأ ولا مشكلة ولا حاجة." ثم أردفت بمكر: "طب انزل انت وأنا هصحى ليله... تذكر فهد ما كانت ترتديه ليله بالأمس، فاحتقن وجهه من الغضب والغيرة، فقال بحدة لا تقبل النقاش: "لأ أنا اللي هصحّيها...
اتفضلي انتي ياعمتو وخليهم يجهزولنا الفطار." قالها واتجه في طريقه لغرفة حبيبته، بينما وقفت وفاء مزهولة لا تعي شيئًا ولا تدرك سبب تحوله فجأة بهذه الصورة، فضربت كفًا على كف بزهول ونزلت للمطبخ لكي تتابع تحضير الطعام مع الخدم. دخل فهد إلى جناح حبيبته بهدوء. فوجدها تنام بعمق، فجلس بجانبها على الفراش، واقترب منها ومسح على شعرها بحب وابتسامة قائلاً بصوت خافت: "إزاي بتقدرى تنامي كده وانتي مطيرة النوم من عيني.....
إمتى هييجي اليوم اللي أنام فيه في حضنك، يمكن ساعتها بس يجيلي نوم." ثم مال عليها وقبل جبهتها وهو مغمض العينين. رفع رأسه ونظر إليها يتأمل ملامحها، ثم نادى عليها بخفوت: "ليله..... حبيبتي..... ليله..... اصحي يلا يا ليلتي كفاية نوم بقا، وحشتيني." ولكنها مازالت غارقة في نومها. فهد: "ليله..... ليلتي." بدأت ليله تستفيق فشعر بها. فهد: "يلا اصحي بقا كفاية نوم.... ليله." ليله: "امممم... فهد: "اصحي يلا.."
فتحت عيناها بصدمة حين أدركت أنه من يقوم بإيقاظها، فقالت بصدمة: "عمو فهد.... هو حضرتك اللي بتصحيني." تدارك فهد خجلها، فضمها أكثر بذراعيه بين أحضانه وأجاب الخادمة دون أن يفتح الباب. فهد: "نعم.... ارتبكت الخادمة فقد تفاجأت بوجود فهد بالداخل، فقالت: "وفاء هانم قالتلي أقول للآنسة ليله إن الفطار جاهز." فهد: "قوليها نازلة كمان شوية." الخادمة: "حاضر يا فهد باشا." ليله: "عمو فهد... لو سمحت. ممكن تبعد."
فهد: "لأ أنا مرتاح كده." ليله بخجل: "لأ كده غلط.. وكمان كان ممكن البنت تدخل وتشوفنا كده." فهد: "تدخل إزاي من غير ما تأذني لها... ليله: "عادي أنا بسيبهم يدخلوا عادي ومصحباهم كلهم." فهد: "آه ما أنا لاحظت إن ماحدش فيهم بيقولك ياهانم." ليله: "مش كل الناس زي رانيا يا فهد بيه. أنا حاجة وهي حاجة." فهد: "انتي غير الناس كلها... ثم تعالي هنا، هي كانت ممكن تدخل وتشوفك كده باللبس ده." ليله ببساطة: "آه...
فهد بغضب: "آه إزاي يعني." ليله: "ماهي بنت زيي." فهد: "ولا أي حد... ولا مخلوق يشوفك كده غيري." ليله: "ليه يعني ماهو حضرتك... قاطعها قائلاً: "ليله ماتختبريش صبري، قولت ماحدش يشوفك كده غيري، ويلا عشان ننزل نفطر." ليله بغضب: "لأ مش نازلة. شبعت." فهد: "ليله... يالا اغسلي وشك والبسي عشان ننزل بدل ما أغيرلك هدومك أنا." شهقت بفزع وذهبت مسرعة إلى الحمام وأغلقته خلفها... فضحك فهد عليها وعلى شقاوتها التي تذهب عقله،
فقال: "متتأخريش عشان مش خارج ولا هنزل من غيرك." بعد دقائق خرجت من الحمام وهي ترتدي تي شيرت أخضر وبنطلون برمودا. فنظر لها بتقييم ثم قال: "يالا بينا." أومأت له بخجل، فأمسك بكفها ونزل إلى الأسفل. على طاولة الطعام كانت منه تجلس بجانب حسن، الذي مال عليها وقال بمشاكسة: "إمتى هنتجوز بقا يا جميل." منه بتفاجئ: "إيه..... في إيه.... بتبصلي كده ليه." حسن: "عايز أتجوز."
شهقت منه من جرأته معها الغير معهودة. فاردف قائلاً: "عليا النعمة من نعمة ربي لكون متجوزك." منه بثقة وغرور: "ومين قالك إني هوافق." حسن بفخر وغرور مماثل: "ومين قالك إني مستني توافقي." نظرت إليه بحدة قائلة: "إيه هتتجوزني غصب." وضع خياره مقطعه في فمه واردف ببرود ولا مبالاة وهو يأكلها: "آه."
أشاحت منه وجهها وهي تداري ابتسامتها عنه، فالطالما كانت تعشقه وتتمنى أن يشعر بها، وها قد تحققت أمنيتها، ولكن لا بأس من بعض الدلال، ستنتقم لنفسها ولسنوات عشقها له في الخفاء، وهذا عديم الشعور لم ينطق بنص حرف. ثوانٍ وكان ينزل فهد من على درج السلم وهو ممسك بكف ليله ويبتسم براحة. نظر لهم منه وحسن بذهول وتفاجئ، يبدون كزوج وزوجة وهم بهذا الوضع.
نزل فهد وأجلس ليله أولاً إلى جانبه، ثم جلس هو على رأس الطاولة. ثوانٍ وانضمت لهم وفاء وهي تأتي مع الخادمة بالأطباق الأخيرة. فنظرت إلى فهد بمكر وقالت: "صباح الخير ياليله." ليله بخجل: "صباح الخير يا طنط." وفاء: "بعتلك الخدامة تصحيكي... بس فهد مادخلهاش." نظرت ليله لفهد ولم تدرِ ما تقول، فقال فهد بحدة: "ممنوع أي حد يدخل لليله." وفاء بتبرير: "يابني ليله هي اللي سامحا لهم بكده...
يعني البنت متواضعة وحبوبة ومش بتحب تعمل فروق. مش زي ناس تانية مابتصدق." قالت هذا في إشارة منها لرانيا التي تتعامل بعنجهية وغرور مع الجميع.
فهم فهد وكذلك الجميع ما تلمح إليه، فنظر إلى ليله، ابتسم بدفء وحب، فهي جميلة الروح كما أنها بديعة الشكل. تساءل كم هو محظوظ إلى هذه الدرجة، فليله فاقت كل توقعاته وما كان يتمنى. فهي بجمالها سرقت أنفاسه من أول مرة وقع نظره عليها، وكذلك روحها جميلة مرحة وحبوبة، ولكن كل ما يشغله هو سنها؛ يخشى فارق السن كثيرًا. أفاق من دوامة أفكاره على سؤال حسن الملح: "هي غاده هترجع إمتى يا فهد." نظرت ليله لهم باستغراب قائلة: "غاده مين."
ابتسم فهد لها قائلاً: "دي أختي." ليله: "طب وهي فين." فهد: "هي كانت مسافرة كام سنة أوروبا بتاخد الماستر من هناك." اندهش الجميع من هدوء فهد في الإجابة على ليله وسعة صدره لجميع تساؤلاتها. فقد عهدوه عصبي حاد الطباع لا يحب كثرة الأسئلة، بل لا يستمع لها من الأساس، ولكن يبدو لليله وضع خاص بها وحدها.
فأردف حسن قائلاً: "ياريت تيجي بقا وتتجوز.. خليني أتجاوز أنا كمان.." قال هذا بغمزة مشاكسة لمنه التي ذابت خجلاً من حديثه. فابتسم فهد ووفاء عليهما، بينما تجلس ليله لا تفهم شيئًا ووجهت نظرها لمنه التي نظرت لها بمعنى سأخبرك فيما بعد....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!