في صباح اليوم التالي، كانت ليلة تسير في الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب. ما فعله قد تخطى كل الحدود. لقد قبلها وسط الحفل وأمام الجميع. أي مرحلة من الجنون قد وصل إليها؟ لا، لا، ليس جنوناً وحسب، بل تبجح أيضاً. التقطت هاتفها واتصلت بلين. ثوانٍ وأتاها الرد: "الو." "صباح الخير يا ليلة." "صباح الزفت." "اهدئي.. اهدئي." "ما تقوليليش اهدئي." "يا ليل.." قاطعتها قائلة: "من غير كلام، نص ساعة والاقيكي عندي. كوم كمان منه. صحيت؟
أنا مش عارفة جالها نوم إزاي بعد اللي حصل." "طب اهدئي." "برضه هتقولي اهدئي." "طب ناويه على إيه؟ "ناويه أخلص المسلسل ده." ثم أغلقت الهاتف وهي تزفر بحنق. ظلت تدور حول نفسها بغضب وعصبية وهي تخبط يدها بالأخرى، ثم قالت محدثة نفسها بجنون: "ومنه دي كمان اللي نايمة ولا كأن في مصيبة حصلت؟ لا لا مش قادرة، لازم أروح أصحّيها، مانا مش هتشل لوحدي." خرجت من غرفتها وهي تسير بغضب، فقابلت رانيا في الطريق. أمسكت
رانيا بيدها بحدة قائلة: "أهلاً أهلاً بالهانم." "ابعدي إيدك عني أحسن لك. أنا مش طايقة نفسي ومش فايقة لأشكالك على الصبح." "أشكالي؟ أشكالي أنا يا زبالة؟ احتدت عينا ليلة وهجمت على رانيا وهي ممسكة بملابسها حتى ألصقتها بالحائط، وعينا رانيا متسعتان بذهول وخوف من هيئة ليلة التي نطقت وهي تضغط على أسنانها: "أنا دلوقتي حالا على أتم استعداد إني أرتكب جريمة عادي جداً.. فابعدي عن وشي أحسن لك...
اللي قدامك دي هتوريك أسود أيام حياتك، واستني رد مني قريب قوي على اللي عملتيه زمان." ألقت كلمتها ثم تركتها بحدة وذهبت في اتجاه غرفة منه، بينما كانت رانيا، لأول مرة، ترتجف خوفاً من طريقة حديث ليلة ونيران الانتقام والغضب تشتعل في عينيها. عازمة على تأمين نفسها وإكمال خطتها لضمان حماية فهد لها. دخلت إلى غرفة منه، وجدتها تنام براحة وعمق وكأن على رأسها الطير. أمسكت بالوسادة وألقتها عليها من بعيد بغيظ وغضب.
انتفضت منه من نومها فزعاً: "إيه؟ في إيه؟ مين قتل مين؟ مين موت مين؟ "إنتي بنى آدمة انتي؟ إنتي عندك دم؟ "في إيه يابنتي؟ مالك أمك على الصبح؟ "يا برودك ياشيخة... إنتي صحاب انتي؟ ده انتي جبله." "افهم بس أنا عملت إيه." "نايمة ورايحة في سابع نومة ولا كأن في كارثة حصلت امبارح.. جايلك نوم وأنا هموت من الغيظ.. لأ، وكله كوم والست رانيا دي كوم تاني... أنا ناقصها على الصبح... ده أنا مسكت نفسي عنها بالعافية ده أنا...
قطعت كلامها صارخة في وجه منة التي نامت مجدداً. "مننننننننننه." "هااا... قمت.. قمت أهو." "خلي عندك أهل دم وقومي." "عايزة أنام شوية، حسن فضل سهران وقافش فيا لحد الصبح ماسابنيش إلا لما النهار طلع، صدعني ابن الورمة." "أصوت؟ أصوووووت؟ قومي شوفي الفضيحة اللي أنا فيها." "يوووووه.. حاضر حاضر."
"منه أنا كلمت لين وهي جاية، وإنتي خمس دقايق والاقيكي عندي في أوضتي عشان نخلص التمسلية دي، ولو اتأخرتي قسماً بعزة جلالة الله لأكون جاية ومطلعة غيظي وجناني كله فيكي وأنا بتلكك أصلاً." "طيب طيب.. ياساتر يارب.. في إيه انتي هتتحولي ولا إيه." "منننننه.. اخلصي.. خمس دقايق فاهمة." "خلاص خلصنا فاهمة." خرجت وأغلقت الباب، فتسطحت منه مجدداً لتكمل نومها، ولكن ليلة فتحت الباب مرة أخرى صارخة: "إنتي يا زفتتتتتته."
"أووووف. خلاااااص غووري بقا." "خمس دقايق وإلا انتي عارفة." "أووووف.. ربنا على القوي.. صحيت خلاص غورى بقا من خلقة أمي على الصبح." قذفتها ليلة بالوسادة مرة أخرى قائلة: "لمي لسانك.. لمي لسانك ياحيوانة.. أنا خارجة ولو اتأخرتي انتي حرة." ثم خرجت وهي تسير بغضب باتجاه غرفتها. فتحت الباب للدخول فوجدت يداً صلبة تجذبها للداخل. ثوانٍ وكانت غارقة في سيل من القبلات، ولم يكن غيره فهد. "ليلة... وحشتيني.. وحشتيني أوووي...
حابسة نفسك من امبارح ليه؟ ليلة..... ليلة... وحشتيني أوووي." كانت تائهة، تارة تذوب بين يديه وتستسلم لقبلاته، وتارة تبعده عنها بيديها الصغيرتين. فتحدثت وهو يقبلها: "أأب.. أبعد عني... مش كفاية اللي عملته امبارح.. ابعد عني." "غصب عني.. غصب عني.. أعمل إيه... كل الناس باصينلي فيكي... كلهم مستكترينك عليا... ليلة.. ليلة.. غصب عني بجد." "عمو فهد... إنت فضحتني.. خلتني مش قادرة أرفع عيني في الناس." "إنتي مراتي... مراتي...
مراتي... بتاعتي لوحدي... مراتي... بتاعتي ياليلة بتاعتي." "عمو فهد... سيبني لو سمحت." لم يستمع لها وظل يقبلها بجنون. "عمو.. عمو فهد.. منه جاية دلوقتي." فهد: "طب ماتيجي." "ماهو... قطع كلامها طرقات منه، وتفاجأت بفهد يأذن لها بالدخول وهو مازال على وضعه مع ليلة. دخلت منه وشهقت بخجل وهي ترى فهد محتضناً ليلة. ارتبكت ليلة كذلك من هذا الوضع المخجل. إلا ذلك المتبجح الذي نظر للخادمة التي تنظر أرضاً بخجل وقال: "احمم.. في إيه."
"كمال بيه تحت عايز حضرتك." "تمام.. اعملوله قهوة على ما أجي." يومأت له الخادمة وذهبت سريعاً، بينما ليلة تذوب خجلاً ومنه وجهها محمر وتنظر أرضاً. فهد بثبات: "ليلتي ماتتأخريش على الفطار... وإنتي كمان يا منه." يومأت منه برأسها وهي تنظر أرضاً، وخرج هو بكل ثقة وغرور يليق به. نظرت منه إلى أثره بذهول، ثم إلى ليلة وقالت: "احمم.. احم.. هو عمو فهد كان بيعمل إيه.. ده.. ده كان.. لازق فيكي زي اللي لازق بغرة."
"مش عارفة أقولك إيه يا منه والله." "هتقولي إيه يعني ياليلة... اقعدي اقعدي وكلمي لين... آه يا خوفي من اللي جاي." نظرت لها ليلة وتبادلتا نظرات تنم عن الخوف مما هو قادم.
في قصر فريد النجار. كان يقف أمام النافذة المطلة على المسبح ينفث غضبه في سيجارته التي لم يعد يعلم عددها، رغم أنه لم يكن مدخناً في يوم من الأيام. يشرب فقط كل يوم سيجارة أو اثنتين على الأكثر وليس بانتظام أيضاً، ولكن هو تخطى العشرين سيجارة منذ الأمس، فهو لم يذق طعم النوم في ليلته. أصبح الغضب والحقد يملأ قلبه. ينظر في الفراغ بشرود، حتى أنه لم يستمع للخادم الذي يناديه لتناول الفطور، حتى يأس وانصرف. ولا دخول سيارة أخته لمحيط قصره ودلوفها للداخل، وها هي تقف منذ بضع دقائق تحدثه ولكن لا حياة لمن تنادي.
"فريد... فريد." "ها... إنتي هنا يا ندى." "يانهار أبيض... يابني بقالي ساعة بنده عليك.. مالك... وعم عبده بيقولي إنك مش عايز تفطر ولا بترد على حد.... وإيه ده إيه ده كل دي سجاير مش عوايدك... استنى استنى... إنت لسه ببدلة امبارح.... لاااا ده كده في مصيبة... إيه اللي حصل يا فريد... أنا كنت بكلمك وفجأة قفلت في وشي.. كلمتك كتير بعدها مش بترد." "قابلتها." "هي مين." "ليلة." "البنت اللي... "أيوه." "طب كويس... كلمتها...
أوعى تكون مخطوبة أو مرتبطة." ضحك بمرارة قائلاً: "ههه.. متجوزة." شهقت بتفاجؤ: "متجوزة.... معقول... بس دي سنها صغير... وكمان أنا فاكرة صورها جدا... إيدها مافيهاش أي دبلة." سرد عليها فريد كل ما حدث وسط زهولها. "فريد أنا دارسة طب نفسي كويس أوووي وإنت عارف... التصرف اللي عمله ده يدل على شخص يائس بيحب بس خايف وحاسس إن حبيبته هتبعد أو محكوم عليهم بالبعد.. كان بيحاول يثبت حاجة للناس ولنفسه." "أيوه فعلاً."
"أنا رأيي تتكلم معاها وتعرف إيه اللي حصل." تهلل وجه فريد بالأمل من جديد: "فعلاً... لازم... لازم أعرف إيه اللي حصل." في فيلا البحراوي، جد ليلة، كان يجلس يقلب صفحات الجرائد إلى أن وصل إلى صورة فهد يقبل فتاة. فاسترعى الاسم انتباهه. فهد المنياوي، وهو شريك حفيده مروان. أما ما أثار ذعره وخفقات قلبه هو اسم الفتاة التي بجانبه، وقد كتب اسمها ليلة ماجد. استدعى الجد أحد الخدم سريعاً وأمره بإيقاظ مروان من نومه سريعاً.
بعد دقائق كان مروان يهبط الدرج سريعاً خوفاً على جده خشية من سرعة مناداته. "خير... خير يا جدي.. إنت كويس.. فيك حاجة؟ "أنا كويس.. أنا كويس... إنت كنت في فرح أخت فهد المنياوي صح." "أيوه... ده كان فرح عجيب. وقفل قفلة غريبة." الجد وهو يفتح الجريدة على صورة فهد وليلة: "إنت شوفت البنت اللي معاه دي." "أيوه... ده كان قافش فيها طول الفرح كأنها هتتخطف منه وممنوع أي حد يقرب منها...
بس بصراحة عنده حق دي تهبل فتنة ماشية على رجلين.." ابتسم الجد على حديث حفيده فقال: "ولما شوفتها ما حسيتش بحاجة... بلاش... طب ما شبهتش عليكي... ما حسيتش إنها شبه جدتك اللي هي مراتي." "أييوووه.. آه والله.. أنا برضه بقول كده بس استبعدت." "بص كده في الخبر. شوف اسمها وسنها.... ليلة ماجد.. 18 سنة." اتسعت عينا مروان قائلاً: "لأ... تقصد إن البنت دي هي ليلة بنت عمي اللي بندور عليها." الجد بعينين
دامعتين وهو ينظر للصورة: "هي.. هي جدتك.. ماجدة مراتي وحبيبتي... نفس العينين... نفس الشعر حتى، وارثة منها لونه وطوله... نفس البياض نفس الخدود... كل حاجة هي ماجدة... أنا عايز حفيدتي يا مروان." "اهدأ.. اهدأ يا جدي.. أنا هتصرف...
في المبنى السكني الذي تسكن فيه ليلة مع والدتها، وحيث يسكن لين وشادي أيضاً، توقفت سيارة أجرة ونزلت منها والدتها منال وجدتها. استقبلهما حارس العقار بترحاب شديد وصعد بالشنط لأعلى وهما خلفه. وصلوا الشقة، فتحت منال الباب فقالت الجدة: "مش كنا عرفنا ليلة أحسن يا منال." "لأ لأ خليها مفاجأة أحسن." ثم بدأت تنادي ليلة ولكن ما من مجيب. "تلاقيها نايمة كالعادة. القطة دي." "هههههههه مش بتشبع نوم أبداً."
دخلت الغرفة ولكن ما من أحد. وجدت خزانة الملابس فارغة، فشهقت بفزع. "ليلة.... ليلة مش موجودة يا ماما.. ولا لبسها." "يانهار أبيض... طب كلمي شادي بسرعة... هو أكيد عارف. مش هو كان بيقولك إنه متابعها وعارف كل أخبارها؟ كلميه يلا.... هات العواقب سليمة يارب.... استرها يا ستار العيوب." أسرعت منال للهاتف للاتصال بشادي. في فيلا البحراوي. أنهى مروان مكالماته الهاتفية، ثم التفت إلى جده قائلاً: "خلاص يا جدي عرفتلك كل حاجة."
"إيه.. قول بسرعة." "هي عايشة عند فهد المنياوي." "ليه." "ده اللي عرفته من حارس شغال هناك، معرفة كده عند مكتب من مكاتب الأمن، واللي قدر يوصله إنهم متجوزين وهي عايشة عنده من كام شهر... وبيقول كمان بيغير عليها موت.. مانع أي راجل يدخل القصر عشانها." ابتسم الجد بمرارة قائلاً: "عارف ومقدر، ما أنا كنت زيه في يوم من الأيام." سكت قليلاً ثم قال: "يالا يالا نروح لها." "حاضر.. حاضر... بس ربنا يستر وما يموتناش."
عودة إلى قصر المنياوي، حيث يجلس فهد في مكتبه مع كمال يجادله فيما فعل. "يوووووه يا كمال... كنت عايزني أعمل إيه يعني وأنا شايف كل واحد عمال يتغزل فيها و... قطع حديثه صوت صراخ قادم من الخارج، واحد ينادي اسم ليلة بقوة وغضب. فرج الاثنان ليروا من بالخارج ولما ينادي بهذه الطريقة.
في الأعلى عند الفتيات، بعد أن قدمت لين وجلسوا ثلاثتهم يتحدثون، قامت ليلة وأخذت شيئاً من بين ثيابها، دثته في جيب بنطالها، وهمت للهبوط لأسفل. لكن شحب وجهها وهي تسمع صوت يصرخ منادياً باسمها بغضب... صوت هي تعرفه عن ظهر قلب. "ماما." جرت لأسفل وخلفها الفتيات. هبطوا الدرج فوجدوا الجميع مجتمعاً بذهول على صوت هذه المرأة، ولا يعرفون ماذا يحدث.
بهت وجه ليلة وهي تقف أمام والدتها التي تنظر لها بغضب ولا ترد على أسئلة فهد المتكررة بمن هي وماذا تريد. ثوانٍ ودخل البحراوي بصحبة مروان وهو يتساءل أين حفيدته......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!