دخلت العناية المركزة وقضيت أصعب ليلة في حياتي. سهرت الليل كله، أفكر، وأخاف مما هو آتٍ، هذا غير اللخبطة التي لم أفهم منها شيئًا. بابا بالتأكيد ينتظر ليسألني من أين وكيف حصلت على هذه النقود، ولماذا أخفيت عليه. ثم إن زوجته الألمانية ماتت متى؟ وأخته الحيزبون هذه تقول لي إنها في غرفة الإنعاش. ما هو هذا الفيلم الهندي؟ الممرضة دخلت العناية لتعلق لي محلول ملح. أهو أي شيء بديل عن الأكل وخلاص.
أنا خفت بصراحة من وخزة الإبرة، فتحت عيني وكأن الوعي عاد إليّ وقلت لها: _أنا ممنوعة من أي محاليل يا حبيبتي، لو أكل المستشفى نظيف، هاتي لي وجبة العشاء، أو كلمي ماما تشتري لي أكل من الخارج. _بس الدكتور قال المحلول مش هيضرك. _هيضرني، الدكتور مش متابع حالتي منذ زمن، ولا يعرف ما هي الأشياء التي أنا ممنوعة منها. _طيب بالنسبة للأكل، ممنوعة من البيض والجبنة النستو والمربى؟
_كل أصناف الأكل مباحة، ابعثي أي شيء عادي، بس لو الوجبة صغيرة كلمي لي ماما تجيب لي دليفري أحسن. الممرضة مستغربة، ومشيت من جنبي، وجابت لي وجبة المستشفى. أكلتها، وبصراحة لا طعم لها ولا غذاء، ولا حتى أشبعتني، لكن معلش، الصبر حتى النهار ما يطلع. وفي النهار، ماما وبابا طلبا من الدكتور المناوب زيارتي.
والرجل لا يعرف حالتي، والتقارير أمامه تقول إنني كويسة، ومع ذلك رفض أن يدخل بابا، وسمح لماما فقط بالدخول لي، بشرط ألا تتحدث كثيرًا معي. أول جملة قالتها ماما هي أن عادل وصل من ألمانيا، وسأل عني، وأهله قالوا له إني سافرت عند خالتي في دمنهور، ومامته طلبت من ماما أن تقول له نفس الكلام، حتى لا يقلق علي وهو لسه راجع من السفر. قلت لها:
_لا يا ماما، دول مش خايفين أنه يقلق علي، دول عايزين يبعدوه عني بأي شكل، لازم يا ماما عادل يعرف أني هنا في المستشفى، لازم. ماما وعدتني أن تكلمه، وفي وسط الكلام سألتني عن الخمسة آلاف جنيه التي أحضرتهم لبابا من أين، عندما كان عادل قاطع الاتصال. في اللحظة هذه، عملت نفسي بدأت أتعب، وصوتي بدأ يذهب مني، وأتقنت الدور حتى قالت لي ماما: "بلاش تتعبي نفسك"، وقامت خرجت.
ولأن ماما هذه سيدة عظيمة مثل كل أم في الدنيا، ذهبت بنفسها لعادل في البيت وقالت له أمام أهله إني محجوزة في العناية المركزة ونفسي أشوفه، وأنه لازم يزورني. وفي العصر، دخلت ممرضة تبتسم لي، وكان في يدها خمسون جنيه متكرمشة، تضعها في جيبها وهي تفتح الباب، وتشاور علي. وفجأة دخل عادل يبص مكان إشارتها علي. مشى عادل ناحيتي، وفهمت أنه هو الذي أعطاها الخمسين جنيه. وقالت له: "حتى الساعة خمسة لا يوجد دكاترة ستمر".
قعد عادل وبدأ يشرح لي الألغاز التي حدثت في الفترة الأخيرة. وعرفت منه أنه لا يريد أبوه وباقي أسرته أن يعرفوا شيئًا عن الشقة التي كتبها باسم فرح والفلوس التي فيها، لأن أباه للأسف استولى على حقه في الأبراج التي شيدتهم زوجته الألمانية، نسبة ال 25%، مع أن عادل وقع شيكات على قيمة هذه النسبة مع زوجته. ولو عرف أبو عادل شيئًا عن شقة فرح، لن يكف عن زنّه عليه أن يغير عقد الملكية بأي طريقة ويكتبه باسم الأب نفسه.
عادل قال لي أيضًا أن زوجته الألمانية لديها انفصام في الشخصية، وتتحول في أي لحظة. يعني عندما تكون مريضة، تحس بأن الموت قرب منها، وتكون عاطفية جدًا، وتتعامل معي بمنتهى اللطف، وتصرف لي نقودًا كثيرة. وعندما أكون لطيفًا معها وأدعمها حتى تخف، وصحتها تتحسن، نفسيتها تصبح أفضل، لكن تحس بقيمة الحياة، وتخاف أن أتركها. وأهلها يحرضونها أن أجعلها أوقع لها على كل يورو أخذته منها.
حتى نقود الشقة والنقود التي في الخزنة أخذتهم منها في ساعة كانت فيها عاطفية جدًا والمرض شديد عليها، وأهلها لا يعرفون عنها شيئًا، ولذلك لا يوجد ورق وقعت عليه. ولما زوجته تعبت الفترة الأخيرة هذه، حررت له شيكًا بمليون يورو. راح مسرعًا للبنك صرف، وفتح حسابًا باسمه، ورجع فسح زوجته في برلين وميونيخ، وعمل بها جولة برية في أوروبا استمرت عشرة أيام، ولا أحد أخذ باله من أسرتها من موضوع الشيك هذا.
ولما سألته لماذا أهله يريدون أن يخفوا علي أنها ماتت، قال لي وبكل صراحة، أن أهله لا يريدون فرح أن تكمل معه لسببين: الأول هو أنهم يعرفون عادل يحب فرح قدر إيه، وممكن يعمل لها إيه. والسبب الثاني هو أن فرح تعرف كل شيء عن النقود التي عملها عادل من السيدة الألمانية، ومن الطبيعي أنها تنتظر أن تعيش في مستوى أعلى مما هي فيه. وفي هذه الحالة، أهل عادل لن يلحقوا غير دعم منه، ومهما كان قيمته لن يشبعهم. عادل بكى وهو يقول لي:
_للأسف يا فرح، أبى وأمي وأختي يستكثرون علي أن أعيش سعيدًا مع البنت التي أحبها، حتى لا تشاركهم في النقود التي عندي. أنا بسرعة رديت عليه لأوقفه، وقلت له وأنا مقتنعة: _خليهم يا عادل يأخذوا الذي يريدون، مش مهم النقود، المهم أن نكون لبعض وبس. _بس أنا ما ضيعتش سنتين من عمري عايش في قرف، وفي الآخر أعيش حياة صعبة. _ما أنت معك نقود غير الأبراج التي استولى أبوك على نصيبك فيها.
_يا فرح أنتِ مش فاهمة، أبي مش طمعان في الأبراج، لأن النسبة بتاعتي خلاص أصبحت ملكه، أبي طمعان في النقود التي معي نفسه. بصراحة، أنا كنت مصدومة، ومش قادرة أقول له لماذا أبوه يفعل هذا، لأني أنا أيضًا رأيت أبي طمعانًا في خطيبي، وكان يريد أن يرفع عليه قضية ليحصل على أي تعويض. الناس أصبحت وحشة أوي، كله باصص للي في يد غيره، وفي ستين داهية راحة أو سعادة غيره.
أبو عادل مش طمعان في ابنه، هو يستكثر على فرح المسكينة أن تعيش في عز. وبابا أنا مش طمعان فيا، هو بس يريد أن يأخذ قطعة من العز الذي يعيش فيه عادل. لكن هذا الطمع هو كل الخراب، وحصلت كارثة أكبر مما كنا نتخيل كلنا. أنا خرجت من المستشفى، وكان أبي وعادل اتفقا على مواعيد الفرح، وأهله كانوا موافقين غصب عنهم. بالرغم أن عادل كان قال لأبيه أنه مسامح في نسبة ال 25% بتاعته التي في أبراج السيدة الألمانية،
والأب بغير رضا قال له: "يعني أنت فكرك أنهم بيعملوا كام في الشهر؟ ومع أنهم لا يعرفون شيئًا عن المليون يورو، إلا أن أباه لم يفكر أن يصرف له مبلغًا للفرح والشقة والجواز، وكل هذا لأن العروسة هي فرح. لكن كل هذا تطربق فوق رؤوسنا.
أهل السيدة الألمانية أرسلوا خطابًا للسفارة الألمانية في القاهرة، يبلغوهم أن شابًا مصريًا كان متزوجًا من ابنتهم، وهي ماتت بالسرطان، وأن لها خمسة أبراج منفصلة والأرض باسم أحد في أسرته، وأنه وقع على شيكات بقيمتها، والأسرة تطالب السفارة بإرجاع كل هذا للشاب عادل. السفارة الألمانية طبعًا رشحت محاميًا مصريًا عنها ليذهب للتفاوض مع عادل وأهله، وهنا كانت صدمة كبيرة جدًا. المحامي ذهب للبيت عند عادل، وقابله وكان معه أبوه،
والمحامي قال له: _السفارة تطالبك بتسليم الأبراج بأوراق ملكية الأرض، بأوراق نسبة ال 25% للأسرة الألمانية، لأنك وقعت على أوراق تثبت أن زوجتك هي التي دفعت نقود كل هذا. عادل سألهم إن لم يسلمهم ماذا سيحدث؟ المحامي قال له: "سنرفع قضية أمام المحاكم المصرية بالأوراق التي وقعتها، وممكن تتحبس، وبردو ستُسحب منك كل هذه الأشياء". عادل طلب من أبيه أن يسلمهم الأوراق، ويرجعوا يبدأوا حياتهم من الأول. وقام أبو عادل يصرخ ويزعق ويقول:
_الأرض هذه أرضي أنا، وباسمي أنا، والمباني حق الأسرة الألمانية بنسبة شراكة 25% لي، والأوراق بتاعتي مش هأسلمها لحد. المحامي قال له: _بس السيدة حصلت على توقيع ابنك على أوراق تثبت أنها مالكة كل شيء وأنه أخذ منها نقودًا للغرض هذا. أبو عادل قال: _أنا ماليش علاقة بابني، أنا المالك. ومشى المحامي، رجع للسفارة ينوي على إيه، وكانت صدمته في أبيه كبيرة.
عادل كان منهارًا جدًا، وجاء لي البيت وكان يبكي، واعتذر لي عن تأجيل الفرح، وأنه مضطر أن يأخذ الورق من أهل زوجته مقابل المليون يورو الذي أخذه منها، حتى يجنب نفسه القضايا والحبس. وأنا قلت له: "بيع الشقة وخذ أي نقود، والفرح يتأجل مليون سنة، المهم سلامتك". عادل حس نفسه قوي بكلامي وأخذ الثقة، وذهب ليتواصل معهم يقول لهم أنه مستعد أن يدفع لهم مليون يورو مقابل الأوراق.
وكانت المفاجأة أنهم رفعوا قضية عليه في ألمانيا والمحكمة جمدت رصيده في البنك، بدعوى أنه خدع ابنهم في مرضها الأخير وجعلها توقع له على شيك بمليون يورو، والمحكمة الألمانية جمدت رصيده لحين مثوله أمامها. صدمة هزت عادل، وهزتني، وكان يا عيني منها. وقلت: "يا ريته ما حدد ميعاد تاني للفرح النحس اللي كل ما نحدده تحصل مصيبة".
وللأسف الحل الوحيد الآن في يد أبو عادل، لو سلم أوراقه للسفارة كل شيء سيخلص، لكن الطمع خلاه متمسكًا، وفي ستين داهية سلامة ابنه وحريته. يا ترى ستتصرف في الورطة هذه إزاي يا عادل؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!