جلس هاشم في ذهولٍ شديد، لم يتصور أن يأتي اليوم وتضعه ابنته في مثل هذا الموقف. ماذا يقول لهم وماذا يفعل؟ كيف يريهم وجهه بعد الآن؟ لقد كانت طبيعية في الأيام الأخيرة وتصرفاتها توحي برضاها عن تلك الزيجة، على الرغم من تجنبها منه تأثراً بما حدث. ولكن هل يمكن أن تكون هذه خدعة؟ ستار لما تخفيه بداخلها وتنوي عليه؟ لا يصدق ما حدث، لا يصدق. ماذا يقول للمدعوين الذين سيحضرون مساءً؟ "ابنتي هربت ليلة زفافها؟! " لماذا وكيف؟
وتكثر الأقاويل. فهي كارثة فضيحة أكثر من كونها كارثة حلت عليه. صدمة طارق لم تكن أقل من صدمة هاشم أبداً، بل جعلته في حالة هياجٍ كبيرة، ولم يكن قادراً على الاستيعاب بعد. كيف تترك كل شيء بهذه السهولة وترحل بعيداً؟ لقد اتفقا على كل شيء معاً، وإنها مسألة وقت ليس إلا. لما خانت العهد ونكست الوعد؟ لما غيرت قرارها بهذه الطريقة بمفردها دون الرجوع إليه حتى على الأقل؟ لما الصدمة بهذه الطريقة؟
أسئلة كثيرة تدور في مخيلته وليس لها إجابة. لهذه الدرجة تكرهه؟ لهذه الدرجة لم تشعر نحوه بشيء من الألطاف؟ لهذه الدرجة لا تريد العيش معه؟ فما كان يشعر به من لطفٍ في المعاملة أحياناً معها، أكان مجرد تمثيل أم هو جد صحيح؟ لا يعرف ماذا يفعل، فصاح بشدة وعنف: "يوسف.. أنت واعي بتقول إيه؟ إزاي وليه؟ واتفاقنا؟ إحنا كنا خلاص مرتبين كل حاجة، فجأة كده تتصرف من دماغها وتختفي. إللي حصل إيه الغلط في الموضوع؟
صاح به يوسف بغضبٍ هو الآخر، لم يستطع التحمل أكثر من ذلك. فقد مر بالعديد من القرارات والمواقف احتراماً لرغبة والده ولمصلحة الجميع. لكن الآن لا، ففي النهاية هربت شقيقته. "في إنها مقدرتش تتحمل أكتر من كده.. مقدرتش تشوف نفسها أسيرة للمرة التانية. اليوم إللي بتتمناه أي بنت ييجي عليها بالشكل ده.. وليه ها؟ عشان مصالح شخصية؟ قالها وهو ينظر إلى هاشم، ثم تابع:
"ياريتها كانت جماعية قولنا ماشي.. إنما بتدفع ضريبة ملهاش فايدة منها.. أنت السبب في كل اللي بيحصل، أنت السبب.. طالما حبيت توسع أكتر وأكتر جيت على حساب بنتك الوحيدة.. مش كفاية أمها!! وهنا كانت الصاعقة. اتسعت عيناه بشدة وصدمة كبيرة هو ومحمود، كيف يكون على علمٍ بهذه الحكاية ومتى؟
طارق شعر بالاختناق والحزن الشديد مما سمعه للتو. نعم، فيوسف محقٌ بالفعل، تحملت مما لا شخص في نفس موقفها يمكن أن يتحمل. ولكن النتيجة غير محسومة بالنسبة له. ولكن تفاجأ أيضاً بسر وفاة فريدة المبهم هو ونور. طالما كانت تعلم بأن وفاتها غريبة ولا تعرف التفاصيل. حتى سلمى نفسها لا تعلم.
ترك الاجتماع بكل غضبٍ وفتح الباب وخرج. فارتطم الباب بشدة، فانتفضت نور وظلت تنظر لهم جميعاً في صدمة ودهشة وذهول. نعم، إنها في كابوسٍ مخيف لا تستطيع التعبير عما بداخلها من غضبٍ وخوف. سال الدمع من عينيها بغزارة وهي ساكنة في مكانها دون حراك، تحاول استيعاب ما قاله يوسف منذ دقائق معدودة قبل رحيله.
كما توقعت بالفعل، وفاة فريدة أمامه ستارٌ سميكٌ منذ سنوات ولا يوجد أي شخص حتى الآن استطاع إزالته. لكن رويداً رويداً يبدأ بالانسدال.
بوجهٍ متجهمٍ وبدون إبداء أي كلمة، حملت حقيبتها ورحلت على الفور. فقط رمقتهم نظرة غاضبة عنيفة مصحوبة بالاشمئزاز. مسحت عينيها بسرعة ورحلت من الشركة على الفور. حاولت الاتصال بيوسف ولكنه غير متاح الآن، فتوقعت أن يفعل شيئاً مثل هذا، رد فعل طبيعي. الضغط هنا سيد الموقف وصل إلى حد الانفجار لكل منهم. سلمى لم تتحمل القيود ففكت قبضتها وهربت، ويوسف لم يتحمل السكوت أكثر من ذلك وطاح في كل الحضور بهذا الاجتماع المخيف، الذي بمثابة كشف عن صحفٍ سوداء بما تحمله من أنانية وطمع وحب السلطة بما فيها المال والنفوذ.
قاد بسرعة جنونية لا يعرف إلى أين يؤل، جن جنونه بالفعل. إلى أين ذهبت يا ترى؟ أين أنتِ يا سلمى؟ لما اختفيتي بهذه الصورة؟ حاول الاتصال بها لعدة مرات ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح. بدأ القلق يستجمع ويتسرب إلى قلبه وهو يشعر بالرعب الشديد من المجهول. شقيقته الصغرى ولا يعرف أين هي وماذا تفعل. فكر أولاً أن يسأل عنها عند أحدٍ من أقاربه، ولكن ما يقول؟ "أبحث عن شقيقتي في ليلة زفافها؟
" بالتأكيد يقلقون ويدب الشك في عقولهم قبل قلوبهم ويضطر في نهاية الأمر للبوح بالحقيقة. ولكن لا، فليكن ما يكون، سوف يفعل ذلك فلا يوجد خيار بديل. فلا يستطيع إبلاغ الشرطة عن فقدانها قبل أن يبحث عنها هو أولاً جيداً.
فأقرباؤهم محدودون والأقرب لهم خاصة لسلمى السيدة سميحة عمته. توفى زوجها قرابة خمس سنوات وتعيش مع ابنها الوحيد، يعمل ضابط شرطة ولم يتزوج بعد. احتمال كبير يكون قد ذهبت إليها، خاصة أن أمير يعود من عمله في وقت متأخر، فيمكنها المكوث راحة. تردد كثيراً قبل ذهابه إليها ولكن حسم الأمر وذهب بالفعل.
بدون أي كلمة رحل طارق هو الآخر والجنون يسيطر على تفكيره بمعنى الكلمة. حقاً شيء لم يكن في الحسبان على الإطلاق ولا يعرف كيف يفكر بطريقة سليمة حتى. لهذه الدرجة تكرهه إلى أن فكرت بالهروب؟ بالرحيل؟ فجأة ومتى؟ ليلة زفافهم. لا يبالي بالمدعوين أكثر من اهتمامه وانشغاله بها. لا يفهم بعد سر المشاعر التي يشعر بها الآن ولماذا قلبه منقبض لهذه الدرجة؟ أحقاً أنه انجذب نحوها وشعر بالضيق الشديد والغضب لفراقها؟
كان يجب أن يفرح بأنه تخلص من هذه الزيجة، ولكن لا، بداخله شعورٌ مغايرٌ حقاً. هو منزعجٌ من ذلك، حقاً يريدها. فهي ليست بمشاعر شفقة أو عطف كما شعر بها لأول لقاءٍ بهما في المشفى. حاول الاتصال بها ولكن الهاتف مغلق أو غير متاح هو الآخر. ماذا يفعل يا ترى وأين يمكن أن يجدها؟
بالتأكيد الخبر انتشر ووصل إلى مسامع عاصم، الذي لم يصدق ما حدث في بادئ الأمر ولكنه كان سعيداً حقاً بتلك النتيجة التي كان يرجوها بشدة منذ أن علم بالشرط العجيب الذي وضعته الشركة في الصفقة. ولكن إلى أين قد ذهبت يا ترى؟
لا سبيل لها كي تؤول. مهما يكن، يرى أنه ببساطة شديدة يمكنه الوصول إليها مهما كانت، وفي هذه الحالة سوف تكون له في النهاية. ولكن احتمال كبير أن ترفض العودة له بعد كل ما حدث. لفترة طويلة يفكر كيف يمكنه استعادة سلمى مرة أخرى. يعلم أنه تم خسارتها بالفعل، ولكن لن ييأس من استرجاعها بأي شكل وأي ثمن. بعد أن أغلق المكالمة الواردة له، جلس على مكتبه بهيبة وهو يضحك بشدة ويطلق دخان سيجاره بثقة وغرور.
نظرت له سارة بغرابة وهي ترفع إحدى حاجبيها لتقول بعدم فهم: "الله إللي يضحك للدرجادي؟ توقف عن الضحك ومال عليها ورد بابتسامة خبيثة وبكل ثقة: "معذورة يا حبيبتي.. أصلك متعرفيش إللي حصل." دب الشك والقلق بداخلها، وشعرت أن الحديث يدور نحو طارق. فصاح بلهفة واهتمام: "في إيه.. إللي حصل؟ ضحك وعاد لوضعيته الأولى وقال: "الظاهر كده يا سارة إنها بتهربلك في القفص وأمك دعيالك." لم تفهم بعد إلى أي مدى يتحدث ولم تفهم شيئاً.
فصاحت به بضيق وقالت: "هو ده وقت غموض يا عاصم؟ ما تقول في إيه؟ أنا بدأت أتوه." ابتسم عاصم وقال بثقة: "واضح كده هيخلالنا الجو.. سلمى هربت." اتسعت عيناها في صدمة ودهشة، لم تصدق ما سمعته للتو. لما ومتى؟ فانتفضت وهي تقول: "نعم؟ بتهزر؟ ضحك عاصم شدة من الحالة التي تبدو عليها، فقد كانت فقدت الأمل بالفعل من الوصول لطارق، فرد فعل طبيعي لما صدر منها. أردف قائلاً: "للدرجادي كنت فاقدة الأمل؟
صاحت به بعنف تريد أن تعرف أدق التفاصيل عما حدث، لأنه لو كان صحيحاً لتغير مجرى علاقتها بطارق. بلهفة واهتمام قالت: "هربت إزاي وأمتى؟ رد عاصم بعدم تأكيد مصطنع: "امتى حوالي الضهر.. ازاي الله أعلم ده إللي محدش عارفه لغاية دلوقتي.. بس مصيري أعرف متقلقيش."
شرُدت سارة بشدة وبدأت تفكر كيف تقترب من طارق من جديد حتى لا يبحث عنها ويصبح لها وحدها. فقامت بدون إبداء أي كلمة. وأخذ عاصم ينادي عليها وهو يضحك بسخرية وبشدة إلى أن اختفت عن ناظره.
وصل يوسف إلى منزل السيدة سميحة. رن جرس الباب بتردد فكاد أن يرحل إلا وأن فتحت له الباب. ارتسم على وجهها ابتسامة تلقائية مجرد رؤيته. بعد السلام والترحيب دخل يوسف وجلس معها يتلفت حوله كأنه يبحث عن شيئاً ما. لاحظت سميحة توتره وبدأت تستفسر منه ولكنه أجاب إنه بخير. جلسته غير منتظمة، يفرك بيديه بشدة ولا يعرف من أين يبدأ: "إزيك يا عمتو؟ شعرت سميحة بالقلق ولكنها تماسكت حتى تفهم ما الأمر. فردت على الفور باسمة:
"الحمد لله يا حبيبي.. بابا كويس؟ في حاجة؟ رد يوسف بقليل من التوتر: "لا لا كويس، كله تمام." اعتدلت جلستها وقالت بقلق: "أومال مالك قاعد مش على بعضك ليه؟ غضب بأنه انفعالاته بدت تظهر عليه بشدة. فأجاب سريعاً بسؤال كي يخفي ما يبدو عليه: "اها بالحق أمير فين وأخباره إيه؟ قبضت سميحة عينيها بشدة بغضب وشك وبدأت تشك في إخفائه لشيء ما. فردت بنبرة يعرفها جيداً:
"ما أنت عارف يا يوسف.. أمير مبيجيش غير متأخر وفين وفين لما بيرجع بدري يتغدى وينزل.. عايزة أعرف إللي بيحصل؟ بتلف وتدور على إيه؟ (كاد أن يتكلم فقاطعته) "ومتكدبش عليا." هو يعرف عمته جيداً، فهو لا يعرف الكذب ويظهر عليه بشدة. وبهذه النظرة وتلك النبرة سوف يقر لها بكل شيء. فتسائل بحذر: "هي سلمى مش عندك؟ قبضت جبينها بدهشة وشك وقالت: "وإيه إللي يجيب عروسة في يوم فرحها عندي الساعة دي؟
ابتلع غصته بصعوبة ولا يعرف ماذا يقول. بتحكم في انفعالاته قائلاً بتعلثم والعرق ينصب من جبينه: "أصل.. أصلها يعني.. هي.." قاطعته وهي تصيح: "أصلها إيه وهي إيه؟ ما تنطق يابني." استجمع قواه وقال سريعاً بتوتر وارتباك: "أصلها هربت." تحولت قسمات وجهها من القلق إلى الحزن الشديد، ونوعاً ما من الهدوء الغريب المصاحب في هذه الحالة. الشيء الذي أثار دهشة يوسف كثيراً، فلم تندهش أو تصد كما فعل الآخرون. فتسائل يوسف بحذر:
"شايف يعني حضرتك مش متفاجئة؟ ردت سميحة بهدوء وحزن شديد: "وأتفاجئ ليه.. ما ده المتوقع إنه يحصل." اتسعت عيناه دهشة ليستوعب كلمات عمته: "متوقعة إنها تهرب؟!!!! ردت سميحة بنفس الحالة: "شايف أخت سعيدة أوي في حياتها ولا في اختيارات أبوها؟!! متوقع منها إيه إنها تستسلم وتخضع للأمر الواقع؟! يحاول جاهداً استيعاب حديثها ويحلل هدوءها النفسي ليقول بتعجب: "لا مش سعيدة بس مش لدرجة الهروب.. عمري ما تصورت إنها توصل لكده."
صاحت به سميحة بغضب: "لا توصل يا يوسف.. أجبارها إنها تعيش مع إنسان مبتحبوش ولا عايزاه للمرة التانية وتبقى مسلوبة الإرادة تتجوز إللي على مزاج أبوها يخليها توصل للقرار ده. هي لعبة في إيده ولا إيه؟ مكنش متصور يعني إنها هايجي في يوم وهتثور عليه من ديكتاتوريته وتتحرر زي الشعب إللي اتمرد على رئيسه؟ هي كده بالظبط خلاص فاض بيها إنها تضحي بحياتها وشبابها عشان خاطر السلطة والفلوس وبأمر الحاكم.. أبويا."
يستمع يوسف إلى حديثها باهتمام وكل أذن صاغية وقلبه يعتصر ألماً وحزناً على حال شقيقته وما وصلت إليه. فالسيدة سميحة حقاً محقة في كل كلمة تفوهت بها، ولكن ما العمل إذا وأين هي حتى يصلح على الأقل ما تم إفساده. فرد بألم وحيرة:
"عندك حق يا عمتو.. بس أنا في إيدي إيه أعمله ومعملتوش.. ياما وقفت قصاده ومفيش فايدة إللي في دماغه في دماغه مهما قولتي أو عملتي.. أخرتها لما سلمى انفعلت عليه ضربها وفقدت وعيها.. أعمل إيه بس يا ربي أعمل إيه."
شعر بكسرة نفسه وضعفه، فبكى. فشعرت هي بحسرته وألمه وبكت هي الأخرى. فهي تعرف جيداً أن محاولات يوسف مع أبيه باتت بالفشل وفعل كل ما في استطاعته. نهضت واقتربت منه وضمته إلى صدرها فبكيا معاً وهي تربت على ظهره بعطف وحنان، تعوضه عن ضمة وحنان فريدة رحمة الله عليها. فقد شعروا باليتم حقاً بها، فهي كانت لهم كل شيء ومن بعدها فقدوا كل شيء. حاولت تهوين عليه قدر المستطاع وهي تقول:
"مكنتش أقصد إللي قولته بيك يابني.. أنت عارف كده كويس أنا مقهورة عليكوا أنت وأختك المسكينة قليلة الحيلة من أبوكوا.. الفلوس لحست دماغه لدرجة إنه نسي إنكم ولادوا.. حقك عليا أنا يا حبيبي." ابتعد عنها وهي يمسح دموعه قائلاً: "أنا مشوفتش في حنيتك بعد أمي.. كأن ربنا عوضني بيك.. بس إحساسي بالعجز مموتني حقيقي مموتني ومش عارف أعمل إيه." مسحت دموعها هي الأخرى وارتسمت بسمة صغيرة على شفتيها لتقول:
"بكرة ربنا يفرجها من عندك متقلقش.. ارمي حمولك عليه." تنهد بعمق فقد شعر بكثير من الراحة كلما تحدث معها. فابتسم هو الآخر وقال: "ونعم بالله.. بس متعرفيش ممكن تكون راحت فين؟ أنا توقعت إنها تكون عندك." ردت سريعاً: "ربنا يعثرنا عليها إن شاء الله.. ولو في جديد هكلمك." نهض على الفور وسميحة على نهوضه ليستعد للنهوض: "طيب متشكر أوي يا عمتو.. هستأذن أنا بقى أحاول أتصرف." خطى بضعة خطوات وهي تتبعه عند الباب لتقول:
"ابقى طمني يا يوسف." رد قبل أن يخرج ودون الالتفات إليها: "إن شاء الله." خرج وقفل الباب وهي تنظر أمامها بحزن شديد. لتنظر إليها تقف ووجهها مليء بالدموع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!