الفصل 15 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
18
كلمة
3,148
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

أدرك منذ اللحظة الأولى لتأكده من تنفيذ قراره، بأنه على وشك دخول دوامة ليس لها آخر. سيرهق حقًا من علاقته بسلمى، تلك الفتاة الجادة التي تتسم بالعناد والكبرياء. فشل في ترويضها، وكلما يقوم بذلك يزداد عنادها أكثر من ذي قبل، فماذا هو بفاعل مع تلك القطة الشرسة التي كلما تراه تشتد بينهم الخلافات وتحوم عليه بغضبها وانفعالها.

فمنذ أن تركها وهو يفكر في حياته معها فيما بعد. لم يشعر بالوقت وهو يفكر ويتحدث مع إيهاب، فهو قام بالاتصال به عقب رحيلها كي يستنشق هواءً نقيًا، إلى أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، على إحدى صخور شواطئ البحر. إيهاب بضحكة عالية وهو يحتسي رشفة من مشروبه الغازي: -مش قلتلك من الأول أن الحكاية دي آخرتها جوازة مصدقتنيش. عشان تسمع كلامي بس. رشف طارق هو الآخر ليقول بضيق:

-كنت فاكرها صفقة زي أي صفقة. متوقعتش إنها ممكن تقلب بالشكل ده أبدًا. نظر له إيهاب بهدوء وهو يقول: -بس سلمى مش وحشة أوي زي ما كلمتني عنها يا طارق. نظر له طارق باندفاع ورد بتذمر: -أنا مقولتش إنها وحشة بالعكس. هي بس اللي جد أوي وعصبية ومبتقبلش كلمة. مش عارف هعيش ولا هتعامل معاها إزاي بس. نظر له إيهاب بعد تفكير ليقول: -هي كده فعلًا ولا معاك بس؟! تنهد طارق وقال دون أن يلتفت إليه بلامبالاة: -هي تفرق يعني؟!

رد إيهاب بثقة وتأكيد: -طبعًا تفرق... خد بالك وراجع ده كويس. ******************* عاد محمود من الشركة ويبدو عليه الغضب، لاحظته نور التي كانت تجلس في الحديقة بصحبة تهاني، شاهدته وهو قادم. نظرت تهاني لنور بتساؤل: -هو بابا ماله يا نور؟ تذكرت نور ما حدث في الاجتماع، ثم قالت بحزن: -حالنا كلنا متلخبط يا ماما اليومين دول، دعواتك. قومي خففي عنه شوية دلوقتي محتاجك. دق قلب تهاني بشدة ثم قالت بقلق: -هو اللي حصل صحيح في الاجتماع؟

رسيتوا على إيه؟ ابتسمت نور بحيرة وقالت: -من الأفضل تسمعي منه لأني مبقاش فيا طاقة عشان أحكي. ***************** نهضت وذهبت إليه تتفقد حالته، وعادت تهاني تضع سماعة الأذن من جديد لتذهب إلى عالمها من جديد. تستعيد الوقت قبل مجيئها إلى المنزل مع يوسف. يوسف باسمًا: -تعرفي أنت ساعات بتصعبي عليا. قضبت نور حاجبيها بغرابة ثم قالت بتساؤل: -بصعب عليك ليه يعني؟ استرد يوسف حديثه بنفس البسمة:

-بتحاولي توفقي مع الكل. تقفي جنب سلمى وتساندي طارق، وتخففي عن باباكي شوية. وفوق ده كله شايفة شغلك مع سلمى ودراستك. وناسية نفسك خالص يا نور. اندهشت نور كثيرًا من حديثه، شعرت بفرحة داخلية. ولأول مرة تشعر باهتمام أحدهم بها والتمعن بحياتها بهذه الدقة. ملامحها أوحت ليوسف بأنه أخطأ في اختيار كلماته، أو أنها شعرت بالضيق. فقال سريعًا بارتباك وقلق: -أنا آسف... نور كده من غير آنسة. شعرت بالخجل ثم قالت سريعًا

كي لا تشعره بالذنب: -لا أبدًا مفيش داعي للأسف. مقدرة تلقائيتك. ارتسمت على محياه ابتسامة عريضة، شعر بسعادة تدف إلى قلبه من بسمتها ورقة تعبيرها. تطال النظر إليها فشعرت بالخجل والارتباك. فقالت على الفور: -ممممم مش يلا بقى... أنا بقيت كويسة. لاحظ خجلها فابتسم وقدر حالها. فقال وهو ينهض: -تمام زي ما تحبي. نهضت هي الأخرى واستقلا السيارة، طوال الطريق وهما صامتان تمامًا. أغمضت عيناها وغاصت في أحلامها. ******************

دخلت تهاني لغرفة المكتب، وجدت محمود يقف أمام النافذة مصدرًا إياها ظهره. قطعت الصمت الذي يحوم حوله قائلة: -حمد لله على السلامة. رد محمود بهدوء وجدية: -الله يسلمك... ابنك فين؟ لم تطمئن تهاني من نبرته، فأجابت بقلق وترقب: -لسه مجاش لحد دلوقتي... مالك حصل إيه؟ أدار إليها وطرق على سطح المكتب بغضب: -والله عال الدنيا مقلوبة والبه ولا على باله. فين نور هاتيلي نور حالًا. تهاني بقلق: -طيب أهدى بس يا محمود.

فقامت بمناداة الخادم وطالبت منه أن يخبر نور بالحضور إلى غرفة المكتب على الفور. ذهب الخادم إلى الحديقة واقترب من نور وظل ينادي عليها وهي لا تسمعه. إلى أن نادى عليها لآخر مرة إلى أن شعر بصوت خارجي ينادي عليها. رفعت رأسها بعدما تم نزعها جبرًا من أحلامها وقالت بجدية: -في إيه؟ الخادم: -محمود بيه عايزك حالًا في مكتبه. نور بجدية قالت: -تمام جاية. ****************** نهضت نور وذهبت إلى الغرفة، وجدت حالة غضب محمود. اقتربت منه

وهي تحاول تهدئته بعدم فهم: -حصل إيه بس يا بابي أهدى طيب. رد محمود بانفعال وغضب: -اطلبي أخوكي حالًا، بقالي ساعتين وشوية مبيردش عليا. قالت نور بتوتر وهي لم تفهم بعد ماذا حدث: -حاضر طيب طيب. خرجت نور وقامت مسرعة بالاتصال بطارق، وتنتظر الرد بتوتر شديد. سمعت صوته فصاحت به في قلق ولهفة: -ألو أيوة يا طارق أنت فين؟ قلق طارق من نبرتها، فرد بهدوء كي يفهم ما يحدث: -خلصت الشركة وطلعت مع إيهاب شوية.

صاحت به بانفعال وهي تحاول ألا يعلو صوتها حتى لا يسمعها محمود لتقول: -يا نهار مش فايت... بابا جاه متعصب وقالب عليك الدنيا. قلق طارق ورد بقلق ولهفة: -يا خبر إيه اللي حصل؟ ردت نور بنفس الحالة القلقة: -معرفش تعالي قوام يلا بسرعة. طارق بقلق: -ماشي جاي يلا سلام. نور سريعًا: -سلام. تنهدت بقوة وهي تقول في سرها: (سترك يا رب الليلة دي) عادت نور إلى الداخل في توتر شديد، تريد معرفة ما حدث لوالدها وسر تحوله بهذا الشكل.

قال محمود بخشونة وصرامة: -ها هو فين؟ ردت نور بتوتر: -جاي في الطريق مسافة السكة. جلس محمود على مقعده وهو يعود بظهره إلى الخلف، وهو يقول بغضب: -أما نشوف آخرتها إيه. جلست تهاني وهي تقول بقلق محاولة تهدئته: -أهدى بس شوية كله خير. نظرت نور لتهاني بقلق، ففهمت نظراتها. ساد الصمت ومرت خمس عشرة دقيقة إلى أن وصل طارق. دخل إلى غرفة المكتب بعدما أخبره الخادم بذلك، بناءً على أمر محمود له بوصول طارق. وجد صمت شديد يحوم في المكان،

فقطع الصمت وقال: -السلام عليكوا خير يا بابا. محمود رفع رأسه وقال بضيق: -وعليكم السلام آخر ما شرفت!! أغلق طارق الباب وهو ينظر إلى تهاني ونور بتساؤل عما حدث، ولكن لم يحصل منهن على إجابة. فهن الأخريات لا يعرفن ما حدث. جلس قبله ورد بقلق: -حصل إيه؟ قال محمود بانفعال: -حصل إن لو مفيش حاجة اتنفذت في ظرف يومين من اللي اتفقتوا عليها أنت وسلمى هيحطونا احنا قدام الأمر الواقع. قالت نور مسرعة باهتمام:

-وضح أكتر يا بابي إيه اللي جد في الموضوع؟ محمود حاول أن يتماسك قليلًا ثم قال بهدوء نسبي: -بعد الاجتماع الشركة بعتت فاكس بتطالب فيه بتنفيذ الشرط على الرغم إني قولتلهم إنكوا مخطوبين وجوازكوا على وشك... والأساتذة لسه مفيش أي خطوة بينهم، يبقى من حقهم الشرط يتنفذ... اتصل بيه غير متاح هاشم مع سلمى مفيش فايدة برضه مش عارفين نوصلهم. شعر طارق بالضيق الشديد من هذه التطورات المفاجئة له، ولا يعرف ما السبب.

تغاضى عن شعوره ورد بهدوء: -ما أنا كنت عايز أكلمك في الموضوع ده امبارح بس مكنش فيه وقت. رد محمود بنفس الحالة، فهو مضغوط مثله تمامًا ولكن من ناحية أخرى: -ومستني إيه يا أستاذ! خلينا نشوف شغلنا المتعطل بسببكوا ده. تنهد طارق ثم قال وهو ينظر إليه بجدية: -سلمى اشترطت إني لازم أروح وأتقدملها رسمي يا كده يا مفيش جواز. قال محمود بجدية مؤيدًا ما يقول: -وإيه المشكلة ما ده الصح ومن حقها.

رفع طارق إحدى حاجبيه، لم يتوقع بأنه والده يكون في صفها، اعتبارًا أن تلك الشكليات مضيعة للوقت. فقال بغرابة وسخرية: -نعم! حقها!! اندفعت نور بشدة مدافعة عن موقف صديقتها كنوع من الدعم: -آه طبعًا حقها مش زيها زي أي بنت... ولا عشان الشغل يعني تمشي الأمور بالشكل ده. تنهد محمود براحة وقال بهدوء: -طيب خلاص هكلم هاشم دلوقتي ونحدد ميعاد على بكرة. ابتسمت تهاني وقالت بهدوء هي الأخرى: -كويس على خيرة الله.

نظرت نور لطارق بمرح حتى تغير من حالته المزاجية. نظرة يفهمها جيدًا إلى أن قال بتهكم: -عارف أنك فرحانة فيا. لم تتحمل نور وتهاني فضحكن بشدة. تركهم وصعد إلى غرفته ومن ثم صعدت نور إلى غرفتها هي الأخرى. كان القلق الشديد يستحوذ على تفكير نور للغاية، وماذا يمكن أن يحدث في هذا اليوم بين الثنائي العجيب. تركت الأمور تسير كما كتب الله لها وكل شيء سوف يكون على ما يرام. ***************

في صباح اليوم التالي أول شيء قامت به نور هو الاتصال بسلمى، لتقص لها عما حدث. فهي بالفعل حتى أشرقت الشمس ولم تفتح هاتفها. صاحت نور بمرح: -أنتِ نايمة والدنيا مقلوبة عليكِ من امبارح يا ست هانم!! فزعت سلمى وقامت على الفور تعتدل جلستها وهي ترد في قلق شديد: -في إيه يا بنتي خضتيني... اللي حصل؟ ضحكت نور بشدة على حالتها وحاولت تخفيف الجو العام الذي أثارته: -أهدي يا بنتي إيه مش ملاحظة نبرة صوتي منعنشة كده هون.

زفرت سلمى بقوة وراحة، حمدت الله بأن كل شيء على ما يرام، ثم صاحت بنور قائلة: -كده هون!! بقى توقعي قلبي وتصحيني من النوم مفزوعة وتقوليلي كده هون!! ... -لا بجد اللي حصل، ما أنتِ متفزعنيش كده من فراغ. ردت نور بمرح: -شكل شرطك لطارق هيتنفذ اليوم يا جميل. سلمى بغير استيعاب قالت على الفور: -إيه ده بالسرعة دي؟! ردت نور بنفس الحالة: -طبعًا يا بنتي احنا في عصر السرعة. ردت سلمى مسرعة بلهفة:

-لا بجد يا نور، هو كلامي أثر فيه للدرجة دي؟ ضحكت نور بشدة ثم قالت بمرح: -مين!! طارق؟! هههههههه شكلك لسه متعرفهوش كويس.. لا مش كلامك يا بيبي، ده الفاكس اللي وصل امبارح بعد ما خلعتوا لو متجوزتوش في أقرب وقت هتدبسي مع الشركة إياها. تفاجأت سلمى بشدة وشعرت بالسوء عندما تخيلت ذلك ولا تعرف ما السبب.. حاولت تلاشي تلك الفكرة وابتسمت وقالت بلامبالاة لتخفي ما شعرت به: -وإيه يعني، كده تدبيسة وكده تدبيسة. اعترضت

نور بمرح خفيف ممزوج بجدية: -لا بس تدبيسة عن تدبيسة تفرق.. على الأقل أنتِ عارفة طارق نوعًا ما دلوقتي. تمهلت سلمى وقالت بشرود: -عندك حق. تنهدت نور بقوة وقالت بجدية بالغة: -بس إن جيتي للحق.. طارق كان راجع البيت وكان ناوي فعلًا يفاتح بابا في الموضوع. ارتسمت بسمة صغيرة على محياها دون أن تدري، شعرت بسعادة داخلية لسماعها تلك الجملة ولا تعرف تفسيرها.. تنهدت وقالت بهدوء: -طب كويس.

بعد حوار طويل دار بينها وبين نور.. قامت سلمى واغتسلت وصلت فرضها وهي تفكر ماذا تفعل في هذا اليوم المليء بالتوتر.. تنهدت وقررت أن تجس نبض والدها عن ما حدث، بالتأكيد وصل إليه الخبر قبلها. ****************

نزلت سلمى كي ترى والدها قبل أن يذهب إلى الشركة.. وجدته يجلس على مائدة الطعام يتناول فطوره، فقررت الجلوس بجواره واستجوابه كأنها لم تعرف شيئًا بعد.. على الرغم بأن علاقتها بهاشم أصبحت مضطربة من يوم الاجتماع، فما جعلها تفعل ذلك هو وجود يوسف يتناول الفطور معه. سلمى بوجوم: -صباح الخير. يوسف وهاشم في وقت واحد: -صباح النور. ثم أردف هاشم قائلًا وهو ينظر إليها: -نمتي كويس؟ تنهدت سلمى وردت بكلمات مقصودة

وذات معنى دون النظر إليه: -ما بقتش تفرق كويس ولا مش كويس.. كلها نومة وخلاص. رفع رأسه ورمقها نظرة غاضبة وهو يقول بحدة: -تقصدي إيه باللي قلتيه يا أستاذة سلمى؟ نظرت له سلمى بحدة: -ولا حاجة يا بابا، أهي نومة والسلام.. كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه. عقد هاشم أصابع يده وهو يرمقها بنظراته الغاضبة، بعدما فهمت سر الكلمات التي كانت تقذفها عليه.. فصاح بضجر: -والله عال يا ست سلمى، وبقيتي فيلسوفة وبتتكلمي بألغاز.

ردت بحدة لتقول: -ولا ألغاز ولا حاجة، كل واحد بيفسر الكلام على حسب اللي بيعمله. طرق على سطح الطاولة بعنف وهو يصيح بها بشراسة: -قصدك إيه باللي عملته؟ ها!! .. بترمي كلامك على إيه.. أوعي تكوني متصورة إني مش فاهمك.. لا فوقي أنا واصل لي أوي بترمي الكلام على إيه.. أنتِ إزاي تتكلمي مع أبوكِ كده.. اعقلي يا بنت الجوهري وبلاش جنان. نهضت سلمى بعنف شديد وقد بدأ صوتها في العلو وهي تقول: -أعقل!! هو أنا بقى فيا عقل؟!

.. كويس إنك فاهم قصدي كويس أوي.. لكن تعرف أنت عمرك ما فهمتني ولا عرفت أنا عايزة إيه ولا بفكر إزاي.. كل همك الشركة والفلوس وبس، إنما أنا مجرد بيعة وشروة للي يدفع أكتر.. مش كده برضه يا هاشم بيه!! بكل عصبية لم يفكر في تصرفاته، صفعها بشدة.. نهض يوسف الذي كان يتابع الأحداث بينهم في صمت ليرى إلى أي مدى تجري الأمور، فلا يتصور أن يقوم والده بضرب سلمى، لم يفعلها قط وهي صغيرة.

وضعت كفها على وجنتيها التي تلونت بحمرة شدة الصفعة، لم تستوعب ما حدث.. صدمة كبيرة بالنسبة إليها أن يقوم هاشم بصفعها بهذا الشكل.. ولما لمجرد تنفست عما كانت تكبته في طيات نفسها.. لم تتصور ما يحدث حقيقي أم كابوس بشع.. فقط تنظر إليه في صدمة وعيناها كجمرة اللهب.. تزرف الدمع الحار من مقلتيها بغزارة وهي لا تتحدث مطلقًا.. ركضت سريعًا إلى غرفتها. لم يستوعب يوسف ما حدث هو الآخر.. نظر لوالده بألم وحسرة وهو يركض خلفها.

ارتمت سلمى على فراشها وانهارت من البكاء بشدة إلى أن فقدت وعيها من هول الصدمة.. ويوسف يقرع على الباب بشدة وعنف كي تفتح له الباب ولكن لا حياة لمن تنادي.. قد ذهبت إلى عالم آخر بلا شقاء أو عناء.. حاول فتح الباب عنوة إلى أن تم فتحه.. وجدها ساكنة في فراشها لا تتحرك وأنفاسها شبه منقطعة.. ظل ينادي عليها كالمجنون والملهوف.. يحتضن رأسها بين كفيه ويبكي بشدة على ما حدث لها: -سلمى فوقي يا سلمى..... سلمىىىىىىىىىىى فوقي عشان خاطري.

حملها يوسف بين ذراعيه ونزل على درجات السلم في غضب وسرعة ولهفة.. نظر إلى هاشم نظرة مزرية تحمل الكثير من المعاني وهو يقول: -لو حصل لها حاجة أنا عمري ما هسامحك أبدًا.. كفاية بقى كفاية. خرج ووضعها في الأريكة الخلفية للسيارة وجلس على المقود وانطلق سريعًا على أقرب مشفى وهو يقود بسرعة جنونية وارتباك شديد.

وصل إلى المشفى وتم نقلها في الحال إلى قسم الطوارئ.. فاقدة للوعي تمامًا ولا تريد الاستيقاظ قط، كأنها تهرب من واقعها المشين الذي تعيشه.. لثاني مرة يبكي يوسف بعد وفاة والدته.. فسلمى ليست مجرد شقيقته الصغرى، بل صديقته وحبيبته، الأقرب لديه.. يشعر بعطفها وحمايتها غيابًا عن والدته رحمها الله.. التي لا تزال طريقة وفاتها تشكل لغزًا لديه. **************** أثناء تجمعهم على مائدة الطعام، يتناولون الفطور.. قطعت الصمت

صوت نور بمرح كالعادة: -بأقولك إيه يا بابي صحيح أنتوا هتروحوا لأنكل هاشم أمتى؟! .. ما اتفقتوش على ميعاد؟! رد محمود بهدوء وقال: -النهارده على الساعة سبعة. ثم رفع رأسه ونظر لطارق مستردًا لحديثه: -ما تنساش تخلص شغلك بدري وتظبط حالك قبل الميعاد مفهوم؟! .. شغل السهر واللف مع صحابك ده انساه تمامًا.. خلي النهارده يعدي على خير. زفر بضيق شديد وهو يقول بحنق: -أنا رايح أخطب مش هقدم كشف هيئة. صاح به محمود بضيق:

-أنت تسمع الكلام وأنت ساكت مفهوم. ردت نور بمرح كنوع من تغيير حالة المكان القلق: -على كده بقى أقول لسلمى تخلص شغلها بدري عشان تجهز. تناولت هاتفها وقامت بالاتصال بها وانتظرت الرد، ولكن تفاجأت بصوت آخر تمامًا: -أستاذ يوسف.. أهلًا.. سلمى فين؟ يوسف بصوت باكٍ غير واعٍ بما حوله: -سلمى هتضيع مني يا نور.

نهضت نور فجأة بفزع من كلماته ونبرة صوته الباكي.. نهض طارق هو الآخر بعدما شاهد رد فعل شقيقته، دس الخوف والقلق في قلبه ألا يكون أصابها شيئًا ما.. هربت الدماء من وجنتيها وصاحت به بانفعال وخوف شديد: -مالها سلمى يا يوسف.. اتكلم. يوسف رد بنفس الحالة: -فاقدة الوعي تمامًا.. اتعرضت لصدمة عصبية شديدة، بابا.. أرجوك تعالى. فتحت فاها بدهشة والعبرات تسيل على وجنتيها بقلق حتى قالت: -أنت في مستشفى إيه دلوقتي؟ يوسف بارتباك:

-مستشفى.... تناولت نور حقيبتها بلهفة وسرعة وهي تركض للخارج: -طيب مسافة السكة وأكون عندك. صاح بها طارق وهو يركض خلفها وينادي عليها: -استني يا نور، إيه اللي حصل؟! كانت نور قد استقلت سيارتها وقادت بسرعة جنونية والتفكير يسيطر عليها بخوف وقلق.. قاد طارق هو الآخر خلفها كي يلحق بها إلى أن وصلا المشفى.

دخلا سريعًا إلى قسم الطوارئ وسألوا عنها، رآهم يوسف بحالته المزرية فوقع قلبهما وتوقعا حدوث كارثة.. اقترب منهم وقام طارق بضمه إلى أن يهدأ من روعه قليلًا.. ونور القلق والخوف يلتهم معالم وجهها.. فصاحت به في خوف وفزع: -في إيه يا يوسف.. سلمى فين.. إيه اللي حصل ما تنطق.

ابتعد يوسف عنه ثم نظر إلى نور وبدأ بالقص عما حدث.. لم يستوعب طارق ونور ما فعله هاشم بابنته الوحيدة، أكثر ما تشعر بها هي نور، فهي تشاركها كل فرح وحزن، كل سعادة وتعاسة مرت بها. يشعر طارق بأنه غريق في بحر عميق من الأفكار، كلما يسر لهم الحال ويكونوا على ما يرام.. تظهر معضلة وتهدم كل شيء، لم يتصور شخصية كنجيب يمكنه أن يقوم بضرب ابنته لمجرد إنها أفصحت ما بداخلها. ****************

لا يعرف هاشم كيف فعل ذلك، لقد كان عقله مغشيًا تمامًا ولم يشعر بيديه وهي ترتفع إلى أعلى ثم هوت على وجنتيها بعنف شديد. منذ رحيلهما وهو يلعن الساعة التي تجرأ وقام.. مازال يجلس في مكانه والغضب والضيق يملأ قلبه، كلما حاول التقرب لابنته بعد خطبتها لعاصم، يأتي بأفعال تجعلها تنسحب من جانبه بهدوء.. والمشكلة لم يشعر بذلك على الإطلاق، فصدقت سلمى عندما قالت لا يفكر سوى بالشركة والمال فقط لا غير.

على صعيد آخر يجلس محمود وتهاني في قلق وحيرة مما حدث منذ قليل، دب القلق في قلبه ألا يكون حدث لهاشم مضاعفات ولكن لا، فالأمر متعلق بسلمى وهم الآن في مفترق طرق، لا وقت من ناحية العملية لتأجيل أي شيء، ولا من ناحية أخرى قلق على تلك الفتاة كثيرًا ألا يكون قد أصابها مكروه، فقد عانت الكثير.

نهض وذهب إلى غرفة مكتبه يبحث عن هاتفه إلى أن وجده، حاول الاتصال بنور وطارق ولكن هاتفهما غير متاح، دب القلق في قلبه أكثر، لا يعرف ماذا حدث وهو يريد الاطمئنان عليها. فكر على الفور بهاشم، لابد وإنه يعلم ما حدث بكل تأكيد.. فقام بالاتصال به على الفور.. ولكنه سمع صوتًا منكسرًا وحزينًا لأول مرة.. فصاح به في قلق: -في إيه يا هاشم مال صوتك؟ رد هاشم بهدوء شديد: -مخنوق شوية يا محمود ومش طايق نفسي. محمود صاح به بقلق:

-بدي أفهم اللي حصل، الولاد ومحدش فيهم بيرد على تليفونه وأنت صوتك ما يطمنش، وسلمى قلقان عليها ونور قامت جري تشوفها.. في إيه. هاشم وهو يحاول أن يزيل ربطة عنقه بصعوبة وتعب، ورد وهو يلتقط أنفاسه متقطعة: -تعالى بسرعة يا محمود. شعر بالسوء بداخله من نبرة صوته المتقطعة هذه: -طيب خليك مكانك أنا جايلك. أقبلت عليه تهاني بلهفة وقلق: -إيه اللي حصل يا محمود؟! رد محمود وهو يلتقط سترته بسرعة ولهفة وهو خارج:

-هاشم رجعت له الأزمة من تاني. تركض تهاني خلفه وهي تقول بقلق: -استر يا رب.. أبقى طمني بالله عليك يا محمود. ***************** قاد سيارته مسرعًا وذهب إلى فيلا الجوهري.. وجد الباب مفتوحًا، قلق كثيرًا، يبدو أن شيئًا ما كبيرًا قد حدث. نادى هاشم فلم يرد، دخل وهو يبحث عنه فوجده نائمًا على سطح المائدة بطريقة عشوائية ويبدو عليه التعب الشديد، ركض نحوه وهو يتفحصه بلهفة: -هاشم.. إيه اللي حصل؟ مالك يا هاشم؟ هاشم! تناول الهاتف من

جيب بنطاله وطلب الإسعاف: -ألو، إسعاف بسرعة.. العنوان.. بعد مرور خمسة عشر دقيقة، جاءت سيارة الإسعاف لتحمل هاشم، رحلت على الفور وهي تدوي سرينتها في مكان يملؤه الألم والأحزان. وصلت سيارة الإسعاف إلى المشفى ودخل معه محمود إلى غرفة الكشف، بعد الفحص استلزم الطبيب نقل هاشم إلى غرفة العناية المركزة، فألم قلبه اشتد عليه بسبب ضغط نفسي شديد.

جلس على إحدى المقاعد وهو ينظر إلى هاشم بحزن، ما يفكر به سوى حالة سلمى، التي لا يعرف ماذا حل بها الآن وما سوف يحدث بعد ذلك إذا حدث شيء لهاشم، سوف تدمر حياتها أكثر من قبل. بعد مرور ساعتين، كان طارق ويوسف ونور جالسون حول فراش سلمى، التي تسكن في فراشها بسكينة تامة وعلى قسمات وجهها يبدو الحزن الشديد وآثار الدمع مطبوعة على وجنتيها. ملست نور على شعرها بحنو وقلبها حزين على ما مرت به.

استيقظت سلمى وهي تفتح عينيها ببطء شديد، إضاءة المصباح تتوهج بشدة في عينيها لا تستطيع فتحها بسهولة. أزاحت عينيها حول المكان تتفقد أين هي ومن حولها، أصابتها الدهشة عندما شاهدت طارق بجوارها ويبدو عليه الحزن والهدوء الشديد.

تذكرت ما حدث فنزلت دمعة من مقلتيها دون إرادة، وأغلقت عينيها بألم على الفور وهي تتنهد بقوة وما زالت العبرات تنساب بحرية. بدون تفكير وإرادة مسح طارق دموعها برفق وحنان، اندهشت نور ويوسف شديدًا من رد فعله المفاجئ، حتى شعرت بالإحراج والخجل. بعد ساعة تحسنت سلمى قليلًا ولكنها كانت ساهمة، شريدة لم تتفوه بأي كلمة، فضل يوسف أن يعودا للمنزل من الأفضل كي تستريح. قامت سلمى وساعدتها نور في هندمة ملابسها.

رن هاتف طارق وجد المتصل محمود، فتح المكالمة على الفور: -ألو أيوه يا بابا. صاح به محمود بقلق: -أنتوا فين يابني؟ إيه اللي حصل؟ رد طارق بهدوء وجدية: -في المستشفى.. مش وقته يا بابا. محمود بحزم: -اسمع خلي بالك من سلمى دلوقتي.. هاشم جاتله الأزمة وهو في العناية دلوقتي. طارق بصدمة ودهشة وهو ينظر ليوسف: -أستاذ هاشم في العناية! سمعت سلمى هذه الجملة ولم تحتمل، دون أي مقدمات فقدت وعيها. صرخت نور بشدة وصدمة: -سلمى!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...