بمجرد خروجها إلى الصالة لتجري الاتصال وجدته أمامها. تقابلت عيناهما دون إبداء أي كلمة، فقط عيناهما من كانت تتكلم. حزن، خيبة أمل، ضيق، آسف، عتاب، ندم. صمت، صمت كبير وعيناهما وحدها من تتكلم. نظرت إلى سميحة وقالت: -بعد إذنك داخلة البلكونة أعمل مكالمة.
كانت سميحة وأمير يراقبان الموقف باهتمام شديد، ونظراتهما لبعض التي توحي بالكثير. نعم حدث شيء بينهما لتبدو العلاقة بهذا الفتور والتغير الكبير، فما تشاهده اليوم عكس ما كانت تقصه عليها نور إطلاقًا وما كانت تشاهده بنفسها فيما مضى. قطع الصمت سؤال سميحة: -عايزة أفهم اللي حصل بينك وبين نور. شعر بالضيق عندما فتحت سميحة هذا الموضوع، فرد بفتور: -مفيش حاجة يا عمتو. وقفت سميحة وأردفت بحسم:
-لا فيه حاجة، أولًا ما كنتيش نزلتِ من عندي وهي متغيرة والدموع مالية عينيها، ثانيًا دي ما كانتش معاملتك ليها. صاح بها بغضب: -يوووه يا عمتو قلتلك مفيش. أقبلت سلمى عليهما بعدما سمعت الحديث الدائر بينهما لتقول وهي تنظر ليوسف: -أنت كذاب، في حاجة حصلت خلتك تكلمها بالأسلوب السمج ده. إيه اللي حصلك يا يوسف يخليك تعاملها بقلة ذوق كده؟ حاول التهرب من السؤال بأي طريقة ممكنة فقال على الفور:
-أنا لا متغير ولا نيلة، كل الحكاية إني بعاملها عادي زي ما كنت بعاملها قبل كده. عقدت سلمى ذراعيها وقالت بتحدي: -عارفة إنك بتتعامل معاها برسمية لكن مش بجليطة. رفع حاجبه وأردف بدهشة: -أنا جلياط يا سلمى؟! ردت بنفس النبرة: -شوف ردك وأنت تعرف. تدخل أمير في الحوار سريعًا قبل أن تسوء الأمور بينهما أكثر من ذلك، فيكفي ما حدث قبل المغادرة:
-خلاص يا جماعة مش وقته الكلام في الموضوع ده، خلينا الأول نشوف المشكلة اللي إحنا فيها الأول. ها إيه الأخبار؟ توجه بهذا السؤال إلى يوسف ليرد ويقول: -مش موافق طبعًا إن سلمى تقعد هنا مع عمتو ومصر إنها ترجع البيت، واضح إنه مستحلفلها جامد. نظرت له وقالت بعناد: -وأنا قلتلك مش مستعدة أرجع معاك البيت دلوقتي، افرض بقى يا فالح هب فيا وهو سخن كده وأنا مش ناقصة. تنهد أمير ليقول بعد تفكير:
-خالي مش هيسكت على فكرة، بس لازم ترجعي في أقرب فرصة لو طولتي هيقلب علينا كلنا. نظرت له بحزن وقالت بيأس: -للأسف، عارفة ده كويس. ****************** ممددة على فراشها تفكر في كل كلمة سمعتها، في كل نظرة وكل تعبير.
دون أن تشعر سقطت بعض الدموع من عيناها، مسحتهم بكبرياء وقررت تنفيذ ما وعدت به نفسها، لن تجني على كرامتها. لم تستطع حتى الخروج ومواجهة يوسف لما قاله في حقها، ولكنها تشعر في داخلها بأنه كاذب ويخفي شيئًا، فليكن لن تتراجع عن قرارها. صوت طرقات على باب الغرفة، دخلت تهاني بعدما سمعت الإذن بالدخول، لتجد ابنتها مستلقية على فراشها شاردة. اقتربت منها وجلست على الفراش. -مالك يا نور؟ حد ضايقك؟ ردت دون النظر إليها:
-مفيش يا ماما، أنا كويسة. زفرت بحيرة لأنها تعرف لا تجدي نفعًا مع ابنتها، فغيرت الحوار قائلة: -إيه الأخبار؟ اعتدلت جلستها وقالت بهدوء: -سلمى هتقعد يومين عند عمتها لحد ما أنكل هاشم يهدي وبعدين ترجع، بس معتقدش إنها ممكن توافق على الجواز. شهقت تهاني لتقول بدهشة: -يا خبر، ده لو هاشم شم خبر بالموضوع ده هيقطع خبرها. .. والشركات والالتزامات اللي عليهم هيعملوا فيها إيه؟ صاحت بها في ضيق شديد:
-معرفش يا ماما معرفش، الموضوع من أوله وفيه حاجة غلط، حاجة مش مظبوطة أصلًا عشان اتنين ملهومش ذنب يتعمل فيهم كده، زي ما سلمى ملهاش ذنب طارق كمان ملهوش ذنب. زفرت بخنق وحزن شديد، لتقول بقلة حيلة: -والله ما عارفة أقولك إيه يا بنتي، ربنا يهديك يا هاشم، أنت السبب في كل اللي وصلناله ده. المهم، عرفتي أخوكِ إن سلمى رجعت؟ نظرت لها بطرف عينيها لتقول: -مش مكلماه، وأنا كده كده قلت لبابا. قامت تهاني تستعد للخروج فقالت
بعدما تفهمت موقف ابنتها: -طيب أنا هكلمه، ربنا يستر من اللي جاي، أنا مش مطمنة. تنهدت نور وقالت: -سيبيها على الله. *************** يجلس أمام البحر بالساعات ولا يتحدث مع أحد. إيهاب يجلس بجانبه ينظر إليه كل فترة يطمئن على حاله ثم يعاود النظر إلى هاتفه مرة أخرى. فكر كثيرًا في طبيعة علاقاته بكل من حوله، وخاصة نور.
ندم كثيرًا على تفكيره وما قاله بلحظة غباء منه ولا يعرف كيف يمكنه أن يصلح ما بينهما ويعيد كل شيء من جديد، ولكن من الصعب حدوث ذلك في الوقت الراهن، لا يعرف لماذا قال ذلك وهو يعرفها جيدًا. وتلك السلمى الحمقاء، لهذه الدرجة يبدو سيئًا للغاية لتتركه بهذا الشكل؟ لهذه الدرجة ترفض وجوده في حياتها ولا تريد التعاون معه على الأقل؟
ولكن لماذا يحزن لهذه الدرجة وهو في نفس حالها ويمكن أن يكون أسوأ منها، فهو لا يطيق الجلوس معها في مكان واحد من شدة عنادها وطريقة حديثها الاستفزازية التي تجعله يخرج عن شعوره ولا يحبها بالفعل، ولكن بداخله شيء يجعله يتعامل معها رغم ذلك، كل هذا ويرى إنها بالفعل سبب ما مروا به من مشاكل وصعوبات منذ اختفائها. قطع الصمت صوت رنين هاتفه، فلم يجب، صاح به إيهاب: -مترد يابني على الزفت ده، صوته مزعج. رد بضجر:
-مش رادد على حد، سيبه يرن. تنهد وقال بهدوء: -طيب شوف مين على الأقل بدل ما أنت مضرب على الرد كده. أردف دون النظر إليه: -دي أمي. صاح به بعنف: -ما ترد يابني ليكون في حاجة مهمة. لم يتلق أي إجابة منه، فانتشل الهاتف من يده وقام هو بالرد على الفور: -ألو، أيوه يا طنط إزاي حضرتك؟ تهاني بهدوء: -أيوه يا إيهاب الحمد لله، طارق فين وما ردش ليه؟ توتر ولم يعرف بماذا يجيب ليقول:
-معلش يا طنط مخنوق شوية ومش عايز يكلم حد، هو كويس ما تقلقيش، خير في حاجة حصلت؟ ردت تهاني بكل هدوء: -أيوه أنتوا فين دلوقتي؟ ابتلع غصته وقال وهو ينظر إليه باستغاثة، ليقول بتوتر: -في الساحل. غضبت تهاني كثيرًا على تهور ابنها وعدم مبالاته بما يحدث حوله، فصاحت به في غضب: -ساحل!! ساحل إيه وزفت إيه على دماغكوا في الظروف اللي إحنا فيها دي، مش بدل ما يحاول يتصرف يقوم يهرب، أنتوا تجولي دلوقتي حالًا وإلا مش هيحصل طيب. حاول إيهاب
تهدئتها وقال لإيضاح الأمر: -ولا هروب ولا حاجة، طارق بس كان محتاج يغير جو مش أكتر ولو كان عايز يهرب كان عملها من زمان زي سلمى مش دلوقتي. صاحت به بضيق: -ولا كلمة عنها أنت وصاحبك، في ظرف ساعتين بالكتير وتكونوا هنا، سلمى رجعت وعايزين نفكر هنعمل إيه الخطوة الجاية والحل في إيد الأستاذ. اتسعت عيناه دهشة وصاح بعدم تصديق جعل طارق ينظر له وينتبه جيدًا: -بجد؟! إمتى ده حصل؟ طيب جايين على طول، سلام. أقبل عليه باهتمام وقال:
-في إيه يابني، حد حصله حاجة؟ رد إيهاب وما زال لم يصدق ما سمعه للتو ليقول بانبهار: -مامتك أول مرة أشوفها بتزعق وانفعالية كده، بس بصراحة معاها حق. صاح به بقوة فلم يحتمل هذه المماطلة أكثر من ذلك: -مترد يابني إيه اللي حصل؟ نظر له بترقب وقال ببطء نوعًا من التشويق: -سلمى.. رجعت. اتسعت عيناه دهشة وصدمة ليصيح به قائلًا بعدما نهض: -بتتكلم جد؟ إمتى وكانت فين؟ نهض إيهاب هو الآخر وقال: -النهارده الصبح، بس معرفش أكتر من كده.
****************** قاد سيارته بسرعة عالية وإيهاب يجلس بجواره مندهشًا لما يحدث، ولا يعرف سر اللهفة التي تستحوذ عليه بهذا الشكل، ولكنه غير مطمئن. وصل طارق إلى فيلا هاشم وأخذ يضرب الجرس عدة مرات إلى أن أتى الخادم وفتح. -سلمى فين؟ رد الخادم سريعًا خوفًا من لهجة طارق الغاضبة: -مش موجودة يا أستاذ طارق. صاح به بعنف: -مش موجودة إزاي؟ جالي خبر إنها هنا. أردف بنفس النبرة: -لو موجودة هكدب على حضرتك ليه بس يا أستاذ؟ نظر له
نظرة حارقة وقال وهو ذاهب: -طيب. استقل سيارته وقاد سريعًا بجنون وقام بالاتصال بوالدته. صاح بها بمنتهى العصبية والانفعال: -أيوه يا أمي هي فين؟ روحت البيت مش موجودة فيه، بتشتغلوني ولا إيه؟ ردت تهاني بجدية وصرامة: -اهدى يا طارق، سلمى ما رجعتش بيتها أصلًا، هتلاقيها عند عمتها سميحة. شعر بالغرابة من حديثها فقال بعدم فهم: -عمتها!! ما رجعتش على البيت ليه؟ ردت بنفس النبرة: -خايفة من رد فعل هاشم، لو شافها مش بعيد يخلص عليها.
هاج طارق وعلا صوته وقال بانفعال كبير: -ده أنا اللي هخلص عليها، تعمل العملة وتخاف في الآخر، صبرك عليا يا سلمى أما وريتك. صاحت به تهاني بعنف وتحذير: -اهدى يا طارق مش كده، أنت اتجننت!! الحمد لله إنها رجعت بالسلامة. صاح بها إلى أن احمر وجهه: -اهدى إيه، هي خلت فيا عقل، ليه عملت كده ليه؟ سلام يا أمي، سلام. أنهى المكالمة سريعًا دون انتظار ردها وتهاني سوف تجن من رد فعله وانفعاله الكبير سوف يحدث كارثة إذا لم يتم كبحه.
ذهبت إلى غرفة نور مسرعة وقد شحب وجهها وهي تهرول للداخل، اعتدلت في جلستها قلقة على حالة والدتها لتقول بخوف: -في إيه يا ماما مالك؟ صاحت بها بشدة وقلق: -قومي بسرعة ألحقي أخوكِ لا يعمل في خطيبته حاجة، منفعل بطريقة مش طبيعية لو شافها هيخلص عليها. انتفضت نور بسرعة وهي تخرج مهرولة من الغرفة بخوف ورعب شديد للغاية: -إيه.. يا نهار أسود.. ده مجنون. أردفت تهاني سريعًا بخوف شديد: -طمنيني يا بنتي بالله عليكِ، استر يا رب.
استقلت نور سيارتها وقادت مسرعة بشكل جنوني، كادت أن تصطدم بسيارة أمامها من شدة توترها وسرعة انفعالها، فكرت بالحل الأمثل لإنقاذها من تهور ذاك المجنون المسمى بأخيها وقامت بالاتصال بمحمود على الفور بصوت مرعوب: -ألو.. أيوه يا بابا ألحقني بسرعة. نهض محمود بفزع من نبرة صوتها وقال بخوف وقلق: -في إيه يا نور.. مالك يا بنتي؟ ابتلعت غصتها بصعوبة وهي تقول بارتباك:
-طارق عرف برجوع سلمى ورايحلها وناوي على الشر.. مستحلف لو شافها هيخلص عليها. صاح بها بعنف وضجر وهو يقول: -إيه الجنان إللي بتقوليه ده.. هي ناقصة!! ركض سريعًا وهاشم ينادي عليه بلا جدوى. أخذ مفاتيح سيارته وركض خلفه. ****************** منذ رحيل نور بعد المشادة التي حدثت بين يوسف وسلمى وهما مبتعدان عن بعضهما تمامًا. لا يتحدث أحد منهما مع الآخر.
نكران يوسف بتغير معاملته مع نور وفقًا لتهديد طارق له، وشك سلمى في أمره من خفيان شيء كبير لهذا الأمر وبالتأكيد لن تهدأ قبل أن تكشف المستور. يجلس أمير بينهما يحاول أن يصلح ما تم إفساده، ولكن ما باليد حيلة. وسميحة حزينة على مقاطعتهما لبعض، تشعر بأن هذه العائلة قد تم حسدها بالفعل، فهو كان لا يسمح للهواء مس شعرة واحدة منها والآن دب خلاف كبير بينهما ولا تعرف ماذا تفعل.
كسر الصمت الكاسح للردهة صوت جرس الباب بسرعة شديدة دون توقف، انتفض كل منهم في ذعر على ذلك الرنين المزعج الذي يوحي بكارثة ما سوف تحدث أو حدثت بالفعل. قام أمير سريعًا ليفتح الباب، إذ يرى نور تدخل وهي تلهث وعيناها تدور في أركان المنزل بقلق ثم نظرت إلى سلمى وقالت بانفعال: -طارق عرف برجوعك ومستحلفلك.. لو شافك مش هيعتقك وهو جاي ورايا دلوقتي. نظروا لبعضهم البعض في دهشة وقلق وعدم استيعاب لما تقول، إلى أن صاح بها يوسف:
-إيه الهبل إللي بتقوليه ده.. أتجنن ده ولا إيه! تدخل أمير سريعًا وقال وهو ينظر إليها: -اهدى أنت بس يا يوسف.. إللي حصل يا نور؟ زفرت بشدة وتعب ثم أردفت: -ماما اتصلت بطارق عشان تقوله ولما عرف هاج جدًا واتعصب ومستحلفلها.. إللي حصل مكنش سهل عليه وتقريبًا هو أكتر واحد اتصدم من إللي عملته سلمى ونفسيته كانت وحشة فلو شافها دلوقتي هتبقى سواد. صاح يوسف بانفعال شديد: -أما نشوف هيقدر يعملها إيه وأنا موجود.. هكسرله رجله.
تدخلت سميحة التي كانت تسمع حوارهم والدمع متحجر في عيناها لا تعرف ماذا تفعل لحل هذه الورطة الكبيرة التي جعلتهم يحاربون بعضهم بهذا الشكل بعدما كانوا في صفاء: -ده مش حل يا يوسف.. ربنا ما يجيب مشاكل أكتر من كده.. مش كل ما نحلها بحاجة نرجع نزودها أكتر.. هو في الأول وفي الآخر معذور يابني ومش حاسس هو بيقول إيه.. دي حاجة في الأول وفي الآخر بينه وبين سلمى.. لازم هي تواجه إللي عملته مش تهرب منه.. ولا إيه يا سلمى؟!
قالت هذه الجملة الأخيرة وهي تنظر إلى سلمى، التي كانت تفكر في كل حرف وكانت سميحة محقة به تمامًا. ولكن جزءًا من عقلها يرفض الاستماع إليه ويكابر الحقيقة. ولكن إلى متى الهروب من المواجهة أكثر من ذلك، يجب أن تراه على الأقل حتى تكسر الحاجز بينهم. بعد صمت وتفكير دار في بالها أردفت: -أنا مستعدة أقابله وإللي يحصل يحصل.. لازم نحط النقط على الحروف.. كفاية أوي لحد كده.
صمت وهدأ الجميع فجأة ونظرهم معلق بها. يفكرون في تلك المواجهة والحرب التي من الممكن أن تشعل بينهم في أي وقت. دقائق ووصل طارق بقرعاته على الباب بعنف متواصل. فتح أمير ليدخل متجهًا ببصره وجسده إلى سلمى مثل الثور الهائج. والشرر يتطاير من عينيه كالسهام النارية الحارقة. أما هي فمنتهى السلام النفسي من الخارج ولكن بداخلها نار مشتعلة وخوف إلى أبعد الحدود. صاح بها بعنف وعصبية شديدة وأمير يحجب بينهم:
-والله وشرفتي يا هانم.. بقى كده يا سلمى دي عملة تعمليها.. ليه ها؟ .. مش كنا خلاص متفقين ها؟ .. ليه تكسريني بعملتك دي عملتلك إيه أنا عشان تهدي كل حاجة في يوم واحد وتخلي رقبتنا كلنا أد السمسمة بداية مني لحد أبوك.. ساكتة ليه ما تردي.
كانت تستمع إليه والدمع متحجر في عيناها صارخة للفرار. لم تتحمل انفعاله وكلماته، كأنها ذبحته بفعلتها بسكين بارد وهو لم يفعل شيئًا بالمقابل أبدًا. لم تتحمل أكثر من ذلك فأطلقت لدمعها العنان وانساب بغزارة على وجنتيها وهي تصيح به بعنف وقلب ممزق: -ليه؟ .. كل ده ومش عارف ليه؟
.. عشان فجأة لقيت شريط حياتي مر عليا زي شريط السينما وبيوريني أد إيه كنت مضحية لدرجة الغباء.. أد إيه اتحرمت من الحب والاهتمام والحنان.. أد إيه اتحرمت من أمي في أكتر وقت كنت محتاجلها فيه ومن أب وهو عايش على وش الدنيا ومش حاسس بيا ولا يعرف عني حاجة أصلًا.. كل همه الفلوس ويكبر شركته ومصنعه وبس.. وأنا طظ ولا حاجة ولا أفرق أي شيء بالنسبة له.. يقدر يبيع ويشتري فيا زي ما يحب.. باعني مرة لإنسان خاين ما بحبوش ولا عمره حبني..
كل إللي صبره عليا الشراكة بين أبوه وأبويا.. وسيادتك يوم لما باعني ليك عشان صفقة بكام مليون وما فكرش أنا عايزة إيه ولا بحب مين.. لا بتطقني ولا بتحبني من الأساس.. إنه ضيع أمي عشان مصالحه الشخصية.. أد إيه حب أخويا واهتمامه بيا أصبح سراب.. أد إيه خسرت كل حاجة.
مش قادرة أتصور اليوم إللي بستناه إللي يعتبر الحاجة العدلة في حياتي تتحول لغصب وكابوس مقرف.. مع الشخص إللي هيعوضني عن كل يوم مر عشته بعد موت أمي يكون غير كده تمامًا.. وفي الآخر هحصل على لقب مطلقة.. الله حلو أوي نظرة الناس والمجتمع العقيم ليا.. حياتي هتدمر بسبب حماقة وجشع لأصحاب النفوذ والمصالح وسيادتك عادي بعد كده هتعيش حياتك ملك.. طبعًا ما أنت الراجل تعمل ما بدالك.. أما أنا يداس عليها بالجزمة ولا أقدر أقول آه.. كل حاجة اسودت في عيني حتى ده.. يبقى الموت أرحم من الجحيم إللي أنا عايشاه.. ما حسيتش بنفسي وأنا ببعد وبسيب كل حاجة وأمشي.. يمكن الكابوس إللي عشت فيه ده ينتهي وأصحى ألاقي أمي عايشة وكل حياتي بقت تمام.. عرفت بقى ليه؟!
صمت تااام عم على الأرجاء. سكتت سلمى وعيناها أصبحت كتلة دموية من كثرة البكاء والانهيار. تنظر في عينيه بشدة وتحدي. عيناه التي انسدل الدمع منها بغزارة هو الآخر، قلبه تمزق من كلماتها بسكين حار للغاية. كل كلمة مست وجدانه وجوارحه لدرجة كبيرة. شعر بكل حرف تفوهت به من دقائق معدودة. أمنكسرة وحزينة لهذه الدرجة؟ تشعر بالوجع وتكتم كل آلامها في صمت. في صدرها لا تبوح به. مسح دموعه بسرعة ولا يعرف بماذا يجيب عليها.
في ذلك الوقت قد وصل محمود وهاشم وقد سمعا كل كلمة وحرف منذ البداية. شعر بأن الدمع تصلب في عروقه وقليل من المشاعر قد بدت على وجهه. لا ينكر طارق بأنه تعاطف معها كثيرًا، وصعبت عليه نفسه وكسرتها. فبكاء سميحة جعله يفكر جيدًا قبل أي تصرف. حالة الصمت طالت أكثر مما ظنوا، لا يعرفون ماذا يقولون. أي لا يوجد أي كلام يمكن أن يكسر هذا الصمت الرهيب. اقترب منها وقال بجدية وحزن شديد:
-أنا آسف.. آسف لو كنت جرحتك أو ضايقتك بقصد أو بدون قصد.. أنت عارفة الظروف إللي مرينا بيها كانت شكلها إيه.. وضع واتفرض علينا كلنا مش بس أنا وأنت.. أنا كمان على فكرة كان نفسي تكون شريكة حياتي شريكة بمعنى الكلمة.. تحبني زي ما بحبها.. يمكن أكون معرفتش أوصل المشاعر دي صح بس يكفي أنها شاغلة بالي وهي قدام عيني على طول رغم المشاكل إللي بينا بس كفاية إن فيه ذرة مشاعر اتحركت جوايا ناحيتها في لحظة أو في يوم من الأيام.. عشان كده أنت حرة يا سلمى.
نظروا إليه الكل في دهشة من جملته الأخيرة. في هذه اللحظة صاح به هاشم ليقول: -أنت بتقول إيه؟ شكلك اتجننت زيها.. مش بدل ما تعقلها. صاح به طارق بنفاذ صبر: -الموضوع من الأول أصلًا غلط وحضرتك عارف كده كويس.. عايز أفهم.. ما أثرتش فيك ولا كلمة منها؟ ما حركتش فيك أي مشاعر أبوة على الأقل؟ كابر هاشم مشاعره فرد بارتباك واضح: -بلا كلام فارغ.. اسمعوا أنتوا الاثنين.. هتتجوزوا يعني هتتجوزوا وإلا هي عارفة كويس أنا ممكن أعمل فيها إيه.
تحركت بعنف شديد ووقفت أمامه بتحدي لتقول وهي تنظر في عينيه بكل ثقة وثبات: -هتعمل إيه هتموتني زي ما موت أمي؟ .. يكون أحسن على الأقل هرتاح من العيشة دي والدنيا كلها.. مستني إيه ما تموتني وخلصني ولا خايف إن الصفقة تروح عليك. الدماء غلت في عروقه ولم يتحمل كلماتها فقام بكل قوة بصفعها على وجنتها بقوة شديدة جعلت شفتاها تنزف الدماء وتقع أرضًا وهو يصيح بها قائلًا: -أخرسي.. مش عايز أسمع حسك.. نسيتي إنك بتكلمي أبوك.
صياح وهيجان بعد هذه الصفعة. الكل ركض نحوها ليطمئن عليها ولكل واحد منهم كلمة منهمرة على هاشم الذي لا يحمل في قلبه ذرة مشاعر أو إحساس تجاه أبنائه. وقفت سلمى بمساعدتهم وهي تقول له بصوت متقطع من البكاء وبتحدي: -بس ما تقولش أبويا. وقف محمود حائلًا بينهم وهو يصيح به بضيق شديد:
-أنت إيه جرى في عقلك حاجة.. تاني مرة تعمل العملة السودة دي يا هاشم.. إيه مش خايف على بنتك.. الفلوس عمت عينيك وقلبك ما كفاكش إللي حصل.. ما بتشوفش غيرهم.. فوق بقى يا أخي فوق.. بنتك لو جرى لها حاجة مش هيحصلك طيب وأنا بنفسي إللي هشتكيك للنيابة.. ما فيش جواز بعد كل إللي بتعمله ده.. كل الخراب وإللي حصلنا ده بسببك وبسبب طمعك. بينما نظرت له سميحة وقالت بعدما تفحصته من أخمص قدمه لمنبت شعره باشمئزاز:
-مش ممكن تكون أخويا أبدًا باللي بتعمله ده.. ما كنتش أتصور إنك تبقى بالجحود ده كله عشان شوية ورق.. يا خسارتك يا هاشم بجد. وقف طارق بجانب سلمى ووجه حديثه لهاشم بضيق شديد: -ما كفاية بقى.. حرام عليك بتعمل فيها كده ليه.. عمري ما شفت أبويا بيعمل في نور كده.. هي بنتك صحيح من لحمك ودمك ولا جايبها من ملجأ؟ .. لأني ابتديت أشك في علاقتك بيها بصراحة. صاح به هاشم بعنف وهو ينظر لمحمود:
-أنت بتقول إيه.. ما تسكت ابنك يا محمود ولا أسكته أنا بمعرفتي. أمير لم يحتمل فصاح هو الآخر. صرخ محمود في الجميع وقال: -كفاية بقى.. خلاص الموضوع اتقفل ما فيش جواز والصفقة دي عنها ما تمت. نظر له هاشم بعند وغيظ وتحدي فقال بصوت عال وهو يسحب سلمى من معصمها بقوة: -بقى كده؟ .. حلوة أوي.. هي إللي اختارت. خرج من الشقة بينما تودعهم سلمى بعيون دامعة حزينة ونظرة عتاب لطارق. واختفوا بسرعة شديدة.
وقف الجميع في حالة صدمة وذهول كبير لا يدرون ماذا سوف يفعل بها. فقط سميحة اختل توازنها وأخذت تبكي بحرقة شديدة وهي تدعي على هاشم بالهداية وأخذ أمير ونور يواسيانها، والأخيرة تبكي بصمت. أما يوسف ركض سريعًا خلفهما كي ينقذ شقيقته. لا يعرف ماذا سوف يفعل والده بها. إلى أن رحل طارق في صمت والوجوم يحتل معالم وجهه. ****************
يقود سيارته بشرود تام ولا يعرف إلى أين يذهب. وجد مكالمات فائتة من سارة وإيهاب ولكن لم يعاود الاتصال بهما، فهو في وقت يحتاج أن يعقد خلوة مع نفسه قليلًا دون إزعاج من أحد. أوقف السيارة ونزل منها ليجلس على إحدى صخور الشواطئ.
ينظر للبحر في شرود تام، يحاول استيعاب ما حدث منذ قليل، وأخذ يفكر بسلمى وعن تلك النظرة الأخيرة التي رمقته بها. لا يعرف ماذا حدث له كي تتغير مجرى حياته بهذا الشكل الغريب. لا يستطيع أن ينكر بأنه تسبب أيضًا بمشاكل عديدة لها منذ بداية الصفقة وعرضها عليها، وإلا ما كانت في الحالة التي تبدو عليها الآن.
وصل هاشم الفيلا، نزل وسحب سلمى من مقعدها وسحبها بعنف إلى الداخل وهي تبكي وتتوسل إليه بأن يتركها. شعرت بالإحراج الشديد وهي ترى الخدم ينظرون إليها بغرابة وحزن وهو يعاملها بهذا الشكل. نظر لإحدى الخادمات وقال لها بتهديد وقسوة: -لو سلمى خرجت من البيت اعتبري نفسك مرفودة. ابتلعت الخادمة غصتها وقالت بتوتر: -حاضر يا بيه.
أنهى حواره معها وأكمل سحب سلمى على السلم إلى أن وصل لغرفتها. ألقى بها على الفراش بقوة فتألمت وأخذت تفرك معصمها من أثر قبضة يده وهي تنظر له بعين باكية وحسرة وغضب شديد إلى أن قام وقال: -اسمعي يا سلمى، من هنا ورايح ولا في خروج من البيت ولا مرواح للكلية ولا فيه عربية ولا تليفون حتى، وهتقعدي هنا زيك زي الكرسي، ما اسمعش حسك خالص لحد ما تفوقي من الوهم اللي عايشة فيه. نهضت بألم وهي تنظر له بألم وحسرة: -وهم!
أنت اللي عايش في وهم مش أنا، أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ فوق بقى. صفعها صفعة قوية جعلتها تقع وتفقد وعيها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!