أكمل سحب سلمى على السلم إلى أن وصل لغرفتها. ألقى بها على الفراش بقوة فتألمت وأخذت تفرك معصمها من أثر قبضة يده وهي تنظر له بعين باكية وحسرة وغضب شديد إلى أن قام وقال: -اسمعي يا سلمى، من هنا ورايح ولا في خروج من البيت ولا مرواح للكلية ولا فيه عربية ولا تليفون حتى. وهتقعدي هنا زيك زي الكرسي، مسمعش حسك خالص لحد ما تفوقي من الوهم إللي عايشة فيه ده. نهضت بألم وهي تنظر له بألم وحسرة: -وهم!
أنت إللي عايش في وهم مش أنا. أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ فوق بقى. صفعها صفعة قوية جعلتها تقع وتفقد وعيها. خرج سريعًا بمجرد أن صفعها ولم يلتفت إليها حتى. أغلق الباب بعنف وخرج من المنزل. في ذلك الوقت وصل يوسف وركض على درجات السلم متجهًا إلى غرفة سلمى، فتح الباب ووجدها ملقاة على الأرض. ركض نحوها مهرولًا والقلق يعتصر قلبه عصرًا، فرفع رأسها وهو يهتف باسمها بخوف ولهفة: -فوقي يا سلمى، إللي حصل... سلمى.
قام سريعًا وتناول زجاجة عطر من أعلى سطح التسريحة، وحاول إفاقتها وهو يصفعها برفق إلى أن بدأت تستعيد وعيها ببطء وفتحت عيناها. عندما رأته هو بجانبها بكت بشدة كأنها وجدت أمانها، بكت لدرجة لم يستطع حدها عن البكاء، استطاعت أن تتحدث وسط دموعها المنهمرة وتقول: -ضربني يا يوسف، ضربني تاني. هو بيعمل معايا كده ليه؟
اتسعت عيناه دهشة وأدرك حينها سبب إغمائها، قبض يداه وأغمض عيناه بعنف وهو يتوعد سرًا، ضمها إلى صدره وأخذ يربت على ظهرها بحنان وهو يحاول تهدئتها بكلمات مريحة إلى أن هدأت. في لحظة نسيا المشاحنات التي كانت بينهما منذ قليل، يذوب كل شيء بلحظة إذا وجد أحدهم يتألم أو في مشكلة، يتركون الغضب والعتاب جانبًا ولا يرون شيء سوى بعضهما فقط.
ساعدها على النهوض ووضعها على فراشها لكي يتركها تستريح قليلًا، قبّل جبينها وخرج من الغرفة يتهدد بألم وحزن شديد يجب أن يوقف تلك المهزلة بأي شكل وثمن. ****************** انصرف محمود بعد رحيل الجميع وهو يستغفر ويفوض أمره لله، وسط ذهول وحزن ممن حوله. لم يتبق مع سميحة سوى أمير ونور يواسيانها وهم بحاجة إلى من يواسيهم، خاصة نور أخيها من ناحية وصديقتها من ناحية أخرى ولا تعرف أي منهما يكون الضحية، هي أم هو أم كلاهما بالفعل.
طريقة سحب سلمى من وسطهم غير مطمئنة لقلب نور وسميحة على الإطلاق بعد تلك النظرة المودعة التي تركتها قبل ذهابها. هاتفت تهاني ابنها للاطمئنان على الوضع ولا تعرف ماذا تقول أو ماذا تفعل، استأذنت وقامت ترد في الشرفة بأريحية: -أيوه يا ماما. تهاني بقلق شديد: -طمنيني يا بنتي إللي حصل، أخوكِ عمل حاجة؟ صمتت لحظات حيث تجمعت الدموع في مقلتيها، حبيسة تحاول السيطرة عليها وعلى صوتها فقالت:
-لأ الحمد لله ما عملش حاجة، الوضع نوعًا ما قدرنا نسيطر عليه. شكت تهاني من نبرة صوتها: -مال صوتك؟ مش ده بس إللي حصل في إيه؟ لم تستطع نور السيطرة أكثر من ذلك، فانهمرت في البكاء: -سلمى انفجرت وقالت كل إللي جواها لطارق قدامنا كلنا، كل إللي كانت كبتاه جواها وسنين حبساه. أنكل هاشم سحبها من وسطنا ومشي وأنا مش مرتاحة لرد فعله ده نهائي، في حاجة غلط. تنهدت تهاني وقالت بحزن:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، مش هيرتاح ولا يعقل إلا لما يخلص على بنته. الله يهديك يا هاشم ويرحمك يا فريدة. تنهدت نور هي الأخرى بعدما جففت دموعها وقالت: -ماشي يا ماما هقفل دلوقتي وهكلمك بعدين. أنهت المكالمة وعادت للداخل تجلس بجوار سميحة، تربت وتمسح ذراعها برفق، تهون عليها حزنها على ابنة أخيها القاسي. -ما تكلميها يا نور نطمن عليها. قامت بالاتصال على الفور جرس دون رد لعدة مرات لا تجيب، نظر لها أمير ليقول باهتمام:
-برضه ما بتردش؟ هزت رأسها نافية بيأس ثم قطعت الصمت: -مش مطمنة من ساعة ما سحبها بس إن شاء الله خير. تنهد أمير ليقول: -يسمع منك ربنا، واضح أن خالي عقله فوت على كبر. *******************
بعد تفكير طويل اكتشف ما حدث بينه وبين سلمى كان خطأ منذ البداية، كان من الممكن أن يكونا سويًا لولا تم ارتباطهما بهذا الشكل الإجباري، دون وجود أي اختيار على الأقل لهما، ولكن لا كل شيء كان بمنتهى السرعة دون أي مبررات حتى من هذه الشركة أو من هاشم الجوهري شخصيًا، يشعر بأن هناك خطأ ما بشأن هذه الزيجة، يوجد وراء ما يحدث بهذا الشكل المتسرع شيء غامض وغير مفهوم، ولا يعتقد أن كان والده يعرف شيئًا عنها على الإطلاق.
والآن جاء الوقت لكي ينسحب، كي يرتاح قليلًا وترتاح معه سلمى، فلا ذنب لها في كل ما يحدث، يمكن ابتعاده يعيد من تفكيرهم مرة أخرى. ********************
يشعر محمود بأنه حقًا في كابوس كبير، لم تحدث كل تلك المصائب والمشاكل إلا منذ اللحظة التي وافق عليها على هذه الصفقة، أو بمعنى أصح تلك اللعنة التي حلت عليهم جميعًا بلا استثناء، سواء عائلته أو عائلة هاشم الجوهري التي تأذت بها تلك الابنة المسكينة التي كل ذنب ارتكبته إنها ابنة هاشم. شيئًا ما في داخله جعله يعيد النظر في الملف الخاص بتلك الشركة، فطلب من السكرتيرة إحضار الملف.
وبالفعل دخلت بعد دقائق ووضعته أمامه على سطح المكتب وخرجت على الفور، مسك الملف وبدأ بفحصه جيدًا وبعد قليل من القراءة وإجراء مكالمة تجهم وجهه، وترك المكتب والملف خلفه. عاد إلى منزله وهو يفكر بما كان يحتويه يداه من كارثة، يخشى من القادم بشكل كبير وتصور سبب كل حدث لهم جميعًا حتى الآن.
استقبلته تهاني التي اندهشت قدومه في هذا الوقت على غير عادته، استقبلته ببسمة صغيرة وهي تقترب منه وعيناها بها تساؤلات عديدة وهو شعر بها. رد باسمًا هو الآخر فاصطحبها بضم ذراعه حول منكبيها إلى غرفة مكتبه. جلسا على الأريكة المجاورة للمكتب وهو يزفر بشدة والتفكير والسهوم ينطلق من وجهه وعيناه. نظرت له تهاني في حيرة شديدة لا تعرف ماذا تقول، فلم تعتد أن ترى زوجها في هذه الحالة من قبل، ربتت على يداه بلطف وقطعت الصمت:
-مالك يا محمود في إيه؟ ارتسمت ابتسامة مصطنعة بعدما رفع رأسه ونظر إليها: -مممممم لا مفيش. أعادت وجهه إليها ثم قالت قلقة وهي تشعر بأنه يخفي عليها شيئًا ما: -يا سلام!! على أساس إني مش فهماك يعني ولا إيه؟ مالك يا محمود وما تقوليش مفيش.
زفر في ضيق وتعب شديد، فهو مجهد للغاية من كثرة التفكير وحده، وهو لا يخفي شيئًا عن زوجته، بل العكس يشعر بالراحة الكبيرة وكأن ثقلًا أزيح من فوق صدره عندما يسرد عما بداخله، وفي كل الأحوال سوف تعرف في نهاية المطاف، فلا يعرف كيف يبدأ معها الحوار بشأن هذا: -مش عارف أقولك إيه بالظبط يا تهاني، أنا عن نفسي ما كنتش مصدق ولا مستوعب، بس حاسس أن في كارثة ولكن ما كنتش عارف إنها هتبقى بالشكل ده أبدًا. صاحت به تهاني نوعًا ما بقلق:
-كارثة إيه يا محمود قلقتني. تنهد بتردد ثم قال بنبرة محذرة: -إللي هقولهولك ده ما يطلعش بره، ولا الجن الأزرق يعرف بيه لحد ما نشوف حل للمصيبة دي. خفق قلبها بشدة وطالت نظرتها له بأن يبدأ بالحديث، فأومأت برأسها إيجابًا وبالفعل بدأ يحكي لها... *******************
في المساء ارتدت سلمى ملابسها ونزلت للردهة وهي تتلفت حولها بحذر، تخشى أحدًا من الخدم أن يراها. فاستغلت الوقت الذي تركها فيه يوسف وذهب إلى غرفته كي يستريح قليلًا منذ لحظة اختفائها، ثم استيقظ وذهب لعمله. خرجت للحديقة ومنها بخفة ركضت مسرعة نحو البوابة لتجد سيارة والدها تدخل، تجمد الدم في عروقها وشعرت بأن قدمها تخشبت لحظة، اختبأت خلف إحدى الجدران إلى أن يدخل وعندما تأكدت من دخوله ركضت بسرعة في طريقها.
شعر هاشم بخطواتها، فالتفت خلفه وشاهدها تركض، فصاح بها مناديًا بصوته بالكامل، بغضب وعنف شديدين باسمها جعلها ترتعش وتنتفض وتقف في مكانها وقلبها يدق بسرعة شديدة من شدة الخوف، تخشى من مواجهته وأن تنظر لوجهه، دقيقتان وجذبها من ذراعها وأدارها نحوه بغضب وهو ينظر لها بأعين الشرر ينطلق منها كالسهام النارية الحارقة: -مش قلت ما فيش خروج من البيت؟ حصل ولا ما حصلش؟ كنتِ رايحة فين الساعة دي؟
عايزة تهربي وتعريني زي ما عملتِ قبل كده؟ انطقي، إللي نزلك من أوضتك. سلمى من داخلها قلبها يرتعش من الخوف، ولكن قررت بأن لا تظهر ذلك أمامه، يجب بأن تبقى صامدة على قدر الإمكان، نظرت له بتحدي: -مش هتحبسني ومش هعمل حاجة بمزاجك تاني. عايز تقتلني وتريحني زي ما قتلت أمي أتفضل، على الأقل هيكون أرحم من السجن إللي أنا عايشة فيه ده.
اشتعال الدم في عروقه من شدة الاتهام الذي تقذفه أمامه ونبرة التحدي وعدم الخوف الظاهر على نبرتها، يشعر بأنه سوف يفقد السيطرة عليها تدريجيًا. حكم قبضته بشدة وهو يسحبها خلفه بقوة وهو يقول: -واضح أن كلامي ما بيتسمعش، أنا هوريكِ السجن إللي على أصوله، إن ما كنتش أربيكِ يا سلمى من أول وجديد ما بقاش أنا هاشم الجوهري.
كانت تستغيث بالخدم وهو يسحبها للداخل ولكن لا يوجد مساعدة يقدموها إياها في هذه الحالة وإلا انقطع عملهم في هذا المنزل، فأخذ هاشم يصيح بعنف وقسوة في الخادمة: -مش قلت سلمى ما تعتبش بره البيت؟ كنتِ نايمة على ودانك ولا كنتِ بتهببي إيه؟ توترت الخادمة وارتعشت يداها وكادت أن تتكلم فقاطعها: -حسابك معايا بعدين بس لما أخلص منها الأول.
صعد بها السلم ومنها إلى غرفتها، فتح الباب وألقى بها بعنف وقسوة فارتطمت على الأرض وهي تبكي، تتظرت له بحسرة وألم وعتاب ليقول لها محذرًا وهو في أقصى حالات انفعاله وغضبه: -اسمعي يا سلمى وده آخر تحذير ليكِ، لو فكرتي تعملي العملة السودة دي تاني أنا هعرفك شغلك كويس. من هنا ورايح ما فيش خروج من الأوضة دي نهائي إلا بأمر مني مش من البيت بس ولا مخلوق هيقدر يوصلك.
وحسك عينك تفتحي بؤك بكلمة واحدة لحد ما أشوف حل للمصيبة إللي أنتِ وقعتينا فيها دي بعملتك السودة. خرج من الغرفة وارتطم الباب بشدة وأوصده من الخارج، وأخذت تبكي بشدة وحرقة على قدرها مع أبٍ لا يعرف للرحمة والحنان مكان، فكل شيء أصبح أسوأ من قبل، مشاعر وأحاسيس كثيرة بداخلها لا تستطيع التعبير عنها سوى بالبكاء. بعد مدة لم تشعر بنفسها، نامت بمكانها على الأرض من شدة التعب، ولا تزال عبراتها تسري على وجهها في صمت.
على قرابة الساعة التاسعة مساءً، عاد يوسف، وأول شيء قام به هو المرور على سلمى للاطمئنان عليها قبل أن يذهب إلى غرفته. قرع على الباب عدة مرات وهو ينادي عليها فلم ترد، أمسك بالمقبض ليفتح الباب فتفاجأ أنه موصد. دب القلق والخوف الشديد إلى قلبه وأخذ يقرع على الباب بشدة وسرعة شديدة وما زال ينادي عليها، يخشى أن يكون قد حدث لها شيئًا ما بالداخل، ولا يعلم لماذا أوصدت الباب بهذا الشكل.
تناول هاتفه وحاول الاتصال بها عدة مرات ولكن دون جدوى، فلم يسمع سوى تلك الرسالة السخيفة المسجلة "الهاتف مغلق أو غير متاح". حاول معها مرة أخرى ويقرع على الباب فلا توجد أي ردود أو صوت من الداخل، إلى أن خرج هاشم من غرفة مكتبه وصاح به من الأسفل: -في إيه؟ الغاغة إللي أنت عاملها دي؟ كان يوسف يستشاط غضبًا من والده على ضربه لسلمى للمرة الثانية، فلم ينس بعد ما فعله صباحًا، فصاح به هو الآخر:
-في إن سلمى قافلة على نفسها من جوة ومبتفتحش ومش سامعلها صوت. رد هاشم بكل برود وهو يعود حيثما أتى: -متتعبش نفسك مش هتفتحلك لأني أنا إللي قافل عليها. يوسف اتسعت عيناه دهشة وفتح فاه بعدم تصديق لما سمعه، ركض سريعًا على درجات السلم ووقف أمام هاشم قبل أن يدخل مكتبه، وأردف مستفهمًا بنبرة هادئة يحاول فهم ما قيل: -نعم!! قلت إيه!! أنت إللي قافل عليها؟ طب ليه؟ عقد ذراعيه وقال ببرود: -اسأل الهانم كانت ناوية تعمل إيه؟
عايزة تهرب وتدخلنا في دوامة ملهاش أول من آخر تاني. كنت عايزني أعملها إيه؟ أسيبها تجيب أجلنا كلنا؟ ابتسم باستنكار وقال ساخرًا: -وأنت فاكر أن أجلنا كل ده لسة مجاش؟ تبقى غلطان. أحنا أجلنا بدأ من يوم ما مضيت على الصفقة الملعونة دي وحياتنا كلها اتشقلبت. مش من حقك تحبسها، هات المفتاح. لا توجد أي كلمة هزت ولو شعرة واحدة، فقط رد بثبات: -مفيش مفاتيح ومش هتشوفها عقابًا ليها. لازم حد يوقفها عن حدها.
كاد أن يرد ولكن هاشم لم يعطه أي فرصة على الإطلاق، صعق من رد فعله ووقف متخشبًا عاجزًا عن أي شيء، لا شيء سوى الغضب الذي يكسوه فقال لنفسه بعنف شديد: "والله مفيش حد محتاج يقف عند حده غيرك أنت".
اختفى هاشم وركض سريعًا إلى الأعلى ليقرع باب غرفتها فلا تجيب، مسح على شعره بعنف شديد وهو يشعر بالعجز ولا يعرف ماذا يفعل بأبيه، بينه وبين شقيقته فاصل خشبي لا يتعدى خمس سنتيمترات ولا يستطيع أن يراها أو يطمئن عليها. ماذا يفعل الآن يا ترى؟ يحتاج من يتحدث معه ليفضي ما بداخله ولا يوجد سوى نور، ولكن الآن بعدما حدث بينهم لم يعد يجرأ على الحديث معها مثلما سبق وهذا ما يتعبه أكثر ويشعره بالضيق أكثر وأكثر.
لم يمض الليل في سلام ليس فقط على يوسف، بل أيضًا على سميحة التي أصبح عقلها منشغلًا كثيرًا بعد رد فعل هاشم على حديث سلمى المنفعل، وزاد توترها أكثر بعدما رحلت نور إلى منزلها، كانت تهون عليها بالجلوس معها وطمأنتها ببعض الكلمات. ملت من جلوسها في الردهة بمفردها فقامت متجهة إلى غرفة أمير، قرعت على الباب ودخلت بعدما سمح لها بالدخول. تنهدت ثم اقتربت من فراشه وجلست أمامه فقد كان يعمل على حاسوبه.
فركت في يدها لا تعرف كيف تبدأ الحوار معه وهي واثقة من رد فعله جيدًا ولكن ستحاول فلا تستطيع الانتظار أكثر من ذلك: -مش نازل شغلك ولا إيه يا بني؟ عليها دون الالتفات إليها: -كمان ساعة كده ولا حاجة وهنزل. في حاجة؟ سكتت سميحة والتوتر زاد على وجهها وزادت معه حيرتها، فأمير أيضًا لاحظ ترددها فرفع عينيه عن حاسوبه وقطع الصمت بينهم باهتمام: -خير يا أمي. عايزة تقولي حاجة ومترددة؟
تفاجأت به سميحة واندُهشت بأنه يعرف ما يدور في مخيلتها، تنهدت وقالت بحماس جارف: -متكلم خالك يا أمير نطمن على البنت الغلبانة إللي سحبها من وسطنا دي. نظر إليها بغضب ليقول بجدية: -خالي تاني! لا يا ماما لا. أنا مش طايق أكلمه بعد إللي سمعه وشوفته النهاردة ده. تنهدت سميحة بيأس رغم كونها تعرف رد فعله ولكن كان لديها ذرة أمل أن يوافق، فقالت برجاء: -طيب سلمى ذنبها إيه بس يابني عايزة أطمن عليها.
تنهد بحيرة واستسلام من تلك النبرة التي يعرفها جيدًا، فرد بهدوء: -سلمى على عيني وعلى راسي يا أمي وأنتِ عارفة كده كويس أوي. أنا مستعد أطمن عليها هي بنفسها تالت وعاشر إنما خالي أنا آسف. من ساعتها بكلمها الفون مغلق أو غير متاح مش مطمن. زاد قلق سميحة بعد هذه الجملة فصاحت على الفور: -هنسيب البنت كده يعني؟ كلم يوسف مستنى إيه؟
ضرب أمير كفه على جبهته عندما تذكر أمر يوسف، شرد عن ذهنه أن يتصل به نهائيًا، فكل تفكيره كان منصبًا على سلمى فقط وما حدث. فأمسك هاتفه وقام بالاتصال بيوسف، الذي كان في نفس الوقت بسيارته بعد المحاولة الفاشلة للوصول لسلمى، فلم يستطع المكوث في هذا المنزل ولا يعرف إلى أين يذهب، فوجد اتصالًا من أمير، فتناول هاتفه وقام بالرد سريعًا فهو يحتاج لمن يخفف عنه: -أيوه يا أمير. رد أمير بهدوء وبداخله لهفة كبيرة: -إيه يابني فينك؟
إيه الأخبار؟ لم يتحمل يوسف فأغمض عينيه في ألم وسقطت دمعة دون إرادة منه ليقول بصوت مليء بالألم: -تعبان أوي يا أمير. أوي. اعتدل جلسته في اهتمام ولهفة ليقول: -إللي حصل؟ أنت كويس؟ سلمى حصلها حاجة؟ مسح يوسف دمعته وقال بجمود: -بابا حبس سلمى ومنع أي حد يشوفها. مفيش كلية ولا فون ولا عربية. زيها زي المساجين. انتفض بغضب ليصيح به: -أنت بتقول إيه؟ هي حصلت إللي حصل؟ يحبسها وياخد منها كل حاجة؟ عشان إيه كل ده؟!
سمعت سميحة ذلك فشهقت وضربت صدرها بيدها وهي في دهشة لتمسك بذراع أمير وتقول: -هاشم اتجنن ولا إيه؟ إللي بتقوله ده... صاح بها أمير بضيق كي يعرف يكمل المكالمة مع يوسف: -استني بس يا ماما أفهم التهريج إللي بيحصل ده (تابع مع يوسف) ما تتكلم يابني!! صاح يوسف بضيق:
-عشان حاولت تهرب مرة تانية يا أمير. والمرة دي كانت بلا رجعة لما هددها وضربها بالقلم لتاني مرة. مقدرتش تستحمل إجباره وقسوته عليها. خالك بقى أعمى يا أمير مبقاش شايف إلا الفلوس وبس. سلمى بقت تحت رحمته وأنا إحساسي بالعجز مموتني مش عارف أعملها حاجة أنا هتجنن. ضرب الموقد بعنف وغضب شديدين، اتسعت عين أمير بصدمة ودهشة لا تقل عنها، حاول تهدئته قليلًا كي يعرف حل هذه الورطة: -أهدى أهدى طيب وقولي أنت فين دلوقتي. فك زرار قميصه
العلوي وهو يشعر بالاختناق: -مش في حتة. لسة في العربية مش عارف أروح فين ولمين وأنا هنفجر لو مكنتش اتكلمت مع حد. حتى الإنسانة الوحيدة إللي كان مسموحلي أكلمها خلاص. بفكر أروح لأمي. انتفض أمير وصاح به بعنف شديد وتحذير: -إياك يا يوسف تروح هنا لوحدك تاني إياك. أنت اتجننت!! تعالى يابني أنا في البيت ونفكر سوا. زفر بشدة وقال: -طيب مسافة السكة. أنهى المكالمة وحرك سيارته وبدأ في طريقه.
جهوم احتل وجهه في ثوان معدودة والضيق والحزن حل عليه من جميع الاتجاهات، قطعت سميحة شروده: -إللي حصل؟ يوسف فين؟ حصله حاجة؟ زفر بحنق: -أخوكِ ده اتجنن رسمي بجد مش هزار. مش هيعقل إلا لما بيضيع عياله واحد ورا التاني. يوسف هيطق كان عايز يروح لطنط فريدة نفس المكان إللي جبته منه بس أنا حذرته. سلمى حاولت تهرب تاني وهاشم باشا سجنها ومانع أي حد يشوفها. أنا مش عارف أفكر الله يكون في عونك يا يوسف بجد. بكت سميحة وصاحت بضيق:
-هاشم ده مش هيتهد إلا بمصيبة تيجي على دماغه، ربنا يهديه يا رب لعياله ويفوقه من إللي هو فيه. مش حاسس بالكوارث إللي بيعملها بقى أعمى البصر والبصيرة. أعمى القلب. بعد تفكير نظر أمير لوالدته: -هو إللي حصل بين يوسف ونور. عشان يقلب عليها كده؟ صوته كان مخنوق وهو بيتكلم عنها بطريقة غير مباشرة. تنهدت بحسرة لتقول في حزن: -والله ما أنا عارفة يابني. عين وصابتهم كلهم. تنهد أمير بتفكير ونظر أمامه:
-أكيد في حاجة. وحاجة كبيرة كمان عشان يقلب عليها بالشكل ده. خلال نصف ساعة وصل يوسف إلى منزل سميحة، وصعد على الفور. عندما سمعت صوت الجرس قامت بلهفة هي وأمير الذي تحرك مسرعًا وفتح الباب، ليجد أمامه شبح يوسف وليس بيوسف الذي يعرفه. أثر الدموع مطبوع على وجنتيه، شريد وبائس، فاندهش أمير لحالته وضمه لصدره بسرعة وأخذ يربت على ظهره بهدوء كي يخفف عنه.
ابتعد عنه ودخل ووجد سميحة أمامه باسمة له بحزن ودموع باسطة ذراعيها دعوة عامة له أن يرتمي في صدرها، وبمجرد أن فعل ذلك بدأ في البكاء بصوت عالٍ، أطلق ما كبته في صدره من ألم وحزن وهموم، أراد أن يخرج تلك الطاقة السلبية ليستجمع قواه ويستطيع بذلك الدفاع عن سلمى، فهي تحتاج له أكثر من أي وقت مضى. ابتعد عنها وجلسوا جميعًا سويًا وقص لهم عما حدث منذ أن رأى سلمى تبكي على الأرض للحظة الذي ترك فيها المنزل.
ظلوا يسمعون والدهشة تكسو وجوههم أكثر فأكثر وعقل أمير مشتت فلم يستطع استيعاب الحالة التي وصل إليها هاشم من جشع وقسوة لينفجر فجأة: -الراجل ده عقله فوت. مش طبيعي أبدًا إللي بيحصل ده. مفيش حد بيعمل كده أبدًا. فيها إيه الصفقة دي عشان يصر عليها ونتايجها من وراها تبقى بالشكل ده؟! إللي بيحصل يا يوسف. يوسف تنهد بألم وحزن:
-أنا ذات نفسي مش عارف بجد. زيها زي أي صفقة أدوية بنتعامل معاها قبل كده. بس مش فاهم ليه دي بالذات بابا متمسك بيها أوي كده. الموضوع ده وراه سر كبير أوي. أمير بتفكير: -ورق الصفقة ده فين؟ رد بدون اكتراث: -في الشركة عند سلمى. هي إللي تابعتها بعدما بابا دخل في غيبوبة. بس رجع مسكها تاني على ما أعتقد مادام رجع للشغل. فمش متأكد حاليًا إذا كان معاه ولا مع سلمى. أمير بحيرة نظر له وقال: -لازم نفحص الورق ده.
ممكن يدلنا على سر تمسك خالي بالصفقة الملعونة دي. تدخلت سميحة سريعًا وقالت بضيق شديد: بعدين اللي بتتكلموا فيه ده، هو ده وقته بالذمة؟! المهم هنعمل إيه مع الغلبانة المحبوسة هناك دي، وهنخرجها إزاي؟ ده مانع حد يشوفها ولا يفتح لها باب. يوسف بحسرة ووجع رد قائلًا:
بالشكل ده هتفضل هربانة طول عمرها من حاجة مالهاش يد فيها، يا إما هتبقى محبوسة لحد ما توافق تتجوز طارق وترجع عن اللي في دماغها. أنا مش طايق أرجع البيت وهي محبوسة ومش في إيدي حاجة أعملها، مش قادر. ربت أمير على ظهره بألم وحزن يشعر به: أنا حاسس بيك يا يوسف وحاسس بوجعك. أنت تبات هنا، وبكرة الصبح نبقى نفكر هنعمل إيه. ابتسمت سميحة بحزن وقالت: أيوه يا ابني الصباح رباح، يا عالم بكرة مخبيلنا إيه. ******************
أشرقت الشمس نورها والجميع من في المنزل نيام، ولكن القلق لم يغفل لها عقل عن التفكير الطويل، ونظرة ملية إلى مستقبل مجهول ينتظرهم. استيقظت سميحة باكرة، فلم تأخذ قسطًا من النوم المريح، فظلت تفكر بسلمى وأخيها، الحال الذي وصل إليه غريب ومفاجئ، لم يكن هكذا من قبل، فما حدث له ليبدله بهذا الشكل؟ مرت ساعة واستيقظ أمير وخرج ليجلس قرب سميحة. ـ صباح الخير. تنهدت سميحة وقالت بهدوء: صباح النور يا حبيبي. أحضرلك تفطر قبل ما تنزل؟
رد سريعًا: لا يا ست الكل مش دلوقتي، اعمليلي بس فنجان قهوة. هزت رأسها نافية لتقول: قهوة على الصبح يا أمير؟ غلط على الريق، تفطر الأول وبعدين أعملك اللي أنت عايزه. رد بضيق وهو يمسك رأسه بكلتا يديه: مصدع ومش قادر يا أمي. رمقت إليه سميحة ثم قالت باستفهام: هنعمل إيه النهاردة؟ اعتدل في جلسته ونظر لها متحدثًا بجدية: شوفي يا أمي، خالي مش هيهداله بال ولا هيفرج عن سلمى غير لما يعمل اللي في دماغه، غير لما الجوازة دي تتم.
شهقت سميحة وردت بضيق: دي هتبقى جنازة مش جوازة، تتجوز غصب عشان عناد أبوها! ده يرضي مين بس يا ربي. أمير أكمل بنفس اللهجة: مفيش حل غير كده، وسلمى لازم تفهم كده. مفيش قدامنا غير إننا نطاوعه وناخده على قد عقله. نكزته سميحة في ذراعه وبضيق: ده كلام يا أمير! ترميها في ناره! تنهد بنفاذ صبر ثم أكمل بهدوء نوعًا ما: يا أمي اسمعيني للآخر. في حاجة غريبة ورا الموضوع ده، نطاوعه عشان نعرف اللي بيحصل بالضبط. موضوع التمسك ده مريب.
سميحة شبه مقتنعة بحديثه، فكرت مليًا ثم قالت: ولنفترض، هنقنع سلمى ويوسف إزاي؟ أمير بجدية أردف: مقدمناش حل تاني، لو عندك غيره يا ريت. ردت بعد تفكير: طب وطارق، تفتكر رد فعله إيه؟ أمير تنهد ثم قال: طارق من حال سلمى، بس كل الاختلاف ما بينهم إنه راجل. نظر في ساعة يده ثم قال: يا دوب الساعة داخلة على 9، أفطر وأنزل. لما يصحى يوسف أتكلمي معاه. نهض أمير ليبدل ملابسه وخلفه سميحة تعد الفطور. ******************
استيقظت نور من نومها بتعب شديد، كأنها لم تنم منذ سنوات. تنهدت واسترخت في مكانها وقت ليس بطويل. سمعت قرعات الباب لتدخل بعدها تهاني. اقتربت منها وهي تنظر في ساعة يدها: كل ده نوم يا نور؟ مش نازلة الكلية ولا إيه؟ زفرت بشدة ثم قالت بضيق: ولا طايقة أروحها بعد اللي حصل. من امبارح بتصل بسلمى مغلق، مش مطمنة. تنهدت بحيرة وقالت: أخوكِ من امبارح نفس الكلام، معرفش راح فين ده. اعتدلت نور في جلستها لتنظر إلى أمها باهتمام وتقول:
طارق مباتش هنا من امبارح؟ أومأت تهاني رأسها بلا. فكرت نور لحظة ثم قالت: طب اتصلي كده بإيهاب ممكن يكون عنده. نظرت لها ثم خرجت من الغرفة كي تحضر هاتفها. حاولت نور بعد خروج تهاني الاتصال بسلمى ولكن دون جدوى، ألقت الهاتف بجانبها بملل وضيق وهي تفكر كيف تصل بسلمى، من المستحيل أن تحدث يوسف بعد طريقته السخيفة معها، قررت الانتظار قليلًا ثم تفكر ماذا تفعل. *******************
بعد أن أغلقت تهاني معه حاول الاتصال بطارق مرارًا وتكرارًا ولكنه لم يرد، يوجد جرس ومبالاة منه، قلق كثيرًا أن يكون قد حدث شيء بشأنهما مرة أخرى بعد ظهور سلمى واختفت أخبارهم. كل هذا وسارة جالسة بجواره تتابعه منذ المكالمة بانتباه شديد، بعد مدة قطعت الصمت بينهم. ـ دي طنط ماما طارق مش كده؟ أجابها دون النظر إليها: أيوه هي. زفرت من أسلوبه ثم قالت بضيق: متعرفش أي أخبار عنه؟ أجاب دون النظر إليها:
لا للأسف، طارق مختفي من امبارح ومحدش عارف راح فين. صاحت به سارة في ضيق شديد دون مبرر: طبعًا، يمكن يكون مع ست سلمى المرادي وراميني خالص من حياته. انفجر فيها ولم يعد يحتمل أي ضغوط أو اتهامات عليه حتى الآن: حرام عليكِ بقى يا شيخة، أنتِ إيه؟ تركها ورحل على الفور يبحث عن صديقه، حاول مرارًا وتكرارًا الاتصال به دون جدوى، أغلق هاتفه ولم يعد له أثر، كاد أن يجن أو عقله ينفجر من كثرة التفكير إذا أصابه أي مكروه.
******************** قلقت كثيرًا بعدما أخبرتها والدتها عن ما قاله إيهاب، فلم يعرف عنه أو عن مكان وجوده أي شيء، أين ذهب يا ترى؟ تظهر سلمى ويختفي طارق، كلاهما في متاهة كبيرة لا يستطيعون الخلاص منها بالمرة، أمسكت بهاتفها وحاولت الاتصال به ولكن دون جدوى، ألقته بجانبها بضيق وهي تفكر إلى أين ذهب.
شعرت بالاختناق ولا تعرف إلى أين تذهب، عقلها رافض أن تذهب إلى جامعتها أو حتى عملها، لا تركيز ولا شغف وحماس، وبالإضافة عدم وجود سلمى في كلتا المكانين. نهضت من فراشها توضأت وصلت وهي تدعي باكية أن تمر هذه الكارثة بسلام، فقلبها لم يعد يحتمل أن ترى صديقة عمرها وأخيها في هذا القارب الملعون الذي يسمى بالصفقة وقد غرق بهم ولا تستطيع إنقاذ أي منهم. بدلت ملابسها وخرجت على الفور، صادفت تهاني أمامها التي سألتها إلى أين تذهب،
فردت عليها بيأس: رايحة لطنط سميحة. ولا طايقة أقعد في البيت ولا طايقة أروح الشغل، ولا طايقة حتى أفضل هنا. سيبيني على راحتي يا أمي خليني أشوف سلمى جرالها إيه. كادت تمشي ولكن مسكت تهاني ذراعها كي تقف: وأخوكِ يا نور، هنسيبه كده؟ نظرت لها بضيق وقالت:
أخويا اختفى هو كمان. بكلمه قافل تليفونه، حتى أقرب صحابه ميعرفش عنه حاجة. وأدي سلمى كمان اختفت من امبارح بكلمها مبتردش. احنا في وباء يا أمي اسمه الفلوس، ادعي ربنا يخلصنا منه. عن إذنك. تركتها نور وخرجت، استقلت سيارتها وفي طريقها لمنزل سميحة، أثناء ذلك حاولت الاتصال بسلمى ولكنها لم ترد كالعادة، زفرت بحنق وغضب على قلة حيلتها، فزادت سرعتها إلى سرعة جنونية وهي تصرخ في انفعال وغضب. *********************
استيقظ يوسف فلم يجد أمير، خرج من الغرفة وجلس في الردهة يحاول استيعاب كل ما حدث بالفعل أمس، يشعر بأنه كابوس بغيض وسوف يستيقظ منه ويجد كل شيء على ما يرام كما كانت تقول سلمى من قبل، ولكن وجد كل شيء كما هو.
خرجت سميحة من المطبخ ووجدت غرفة أمير مفتوحة، دلفت رأسها فلم تجد أحد فتوقعت على الفور استيقاظ يوسف، رحلت متجهة إلى الصالة وجدته جالس على الأريكة ساهِمًا في عالم آخر، جلست بجواره وربتت على منكبه، انتفض ونظر إلى مصدر الحركة ليجدها سميحة، تنهد وعاد لما كان عليه، ابتسمت وقالت: أمير نزل من شوية، ملوش نصيب في الفطار اللي كنت هعمله. تعال ناكل سوا. رد بفتور دون النظر إليها: ماليش نفس لأي حاجة خالص يا عمتو. أدارت وجهه ناحيتها
وبدأت تتحدث إليه بحنان: مفيش عندي الكلام ده. لازم تاكل عشان تصلب طولك. أومال هتجيب حق أختك وتخرجها من اللي هي فيه إزاي؟ هنشوف حل وإن شاء الله هتفرج من عنده، بس سيبها على الله. صاح دون إرادة منه بغضب: ونعم بالله مقولناش حاجة. بس اللي حصل أنا مش قادر أفهمه، عقلي رافض يستوعبه. بأي منطق يعمل كده أنا هتجنن.
زفرت سميحة بضيق وحزن ونظرت له بحيرة لا تعرف ماذا تفعل في هذه الأزمة الكبيرة التي حلت عليهم، ومن أخيها الذي بالكاد فقد عقله من تصرفاته التي لا تقبل التصديق هذه بدون أي مبرر واضح: والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه، بس كل حاجة ولها تمن. اعتدل في جلسته وهو يقول باهتمام: قصدك إيه؟
كادت أن ترد ولكن عم الصمت عندما سمعوا قرعات الباب، نهضت سميحة لتفتح، وبعد لحظات عادت وخلفها نور تفاجئت بوجوده ووقفت ساهِمة، يوسف الذي بدوره نهض بضيق عندما رآها، صمت رهيب عم على المكان وسميحة تسترق النظر لكلاهما ونظر عينيهما لبعضهما البعض تتحدث بألف معنى وكلمة، حاولت تلطيف الجو العام فقطعت صمتهم قائلة: هنفضل واقفين كتير كده ولا إيه؟
شعر الاثنان الإحراج فجلسا كل منهم بعيدًا عن الآخر ولم يتفوهان بكلمة واحدة، فقط نظرات عابرة، تجاهل وجودها ليستأنف سؤاله مجددًا: تقصدي إيه بدفع التمن؟ توترت سميحة ولا تعرف كيف تبدأ معه هذا الموضوع، فأمير محق، لا يوجد حل آخر سوى ذلك، تنهدت بقوة وحاولت أن تتحدث بجدية: شوف يا يوسف ولازم تسمع كلامي ده للآخر. أبوك مش هيقعد على حيله ولا هيهداله بال إلا لما ينفذ اللي في دماغه، ولو وصلت إنه يسجنها بقية حياتها هيعملها. نظرت لها
نور بقلق لتصيح بها مسرعة: طب والحل إيه يا طنط؟ نظرت لهم بحزن وردت بأسف: الحل تمنه غالي قوي يا بنتي، واللي هيدفع تمنه الاتنين اللي مالهومش ذنب. ابتلعت نور غصتها وهي تحاول أن تتأكد مما وصل إليها: تقصدي ... قاطعتها سميحة بجدية: أيوه يا نور، مفيش حل غير كده. صاح يوسف بغضب: إزاي يعني؟ على أساس الاتنين موافقين!!
دول ضاربين بعض بالجزم. وكفاية اللي قالته سلمى مظنش إن طارق بعد كده هيكون متقبل أي كلام في الموضوع ده بعد اللي قاله هو كمان. سميحة نظرت إليهم في اهتمام وقالت: أنا بعد ما فكرت في كلام أمير لقيته صح. الموضوع فيه "إنّ"، الصفقة دي وراها حاجة وحاجة كبيرة أوي كمان عشان أبوك يتمسك بجواز سلمى من طارق بالشكل ده وهيفضل حابسها لحد ما اللي في دماغه يتم. هنا صعقت نور وفتحت فاها بدهشة لتقول كمن لدغتها حية: نعم!! حابسها ...
حابسها إزاي مش فاهمة.. وليه؟ رد يوسف بغضب: -قافل عليها الباب بالمفتاح ومانع أي حد يشوفها ولا يتكلم معاها.. عشان ما تهربش تاني بعد كده.. سلمى حاولت تهرب تاني والمرادي بلا رجعة.. مانع عنها كل حاجة.. من الآخر كده سجينة. شعرت نور بقشعريرة تسري في جسدها مما سمعت، العقل يرفض استيعاب حديث يوسف، حقًّا أمير له نظرة جيدة في هذه اللعنة التي حلت عليهم، تمتمت نور بصوت عالٍ كأنها في حالة هذيان:
-يعني إيه.. كل حاجة باظت خلاص.. يا الله ترجع واحدة ويختفي التاني!! انتبهت سميحة للجملة الأخيرة هي ويوسف لتقول بعدم فهم: -يختفي!! .. تقصدي إيه يا نور؟ تنهدت نور ثم نظرت إليها بحزن: -طارق ما بَتش في البيت من امبارح يا طنط.. بنتصل بيه قافل فونه.. حتى إيهاب صاحبه ما يعرفش عنه أي حاجة. ردت سريعًا بقلق: -يعني هيكون راح فين يا بنتي.. يا عيني عليك يا طارق ما استحملش اللي حصل هو كمان ولا كلام سلمى، طيب سألتي خطيبته؟
التفتت إليها وقالت ساخرة: -خطيبته!! دي بنت باردة ما بتفكرش غير في نفسها وبس.. ما اعرفش ده حبها وخطبها على إيه ده.. ولا سألت فيه ولا كلمت ماما حتى تطمن منها.. المفروض تقف جنبه في الظروف دي؛ لأنها مدركة إنه مش بمزاجه ولا بمزاج أي حد فينا. تعلم سميحة أن نور محقة ولكن الوضع الحالي يفترض عليهم ذلك، تنهدت لتقول: -طيب كلميها شوفي كده لو تعرف عنه حاجة. عقدت ذراعها بضيق لتقول بطفولية: -ما اعرفش نمرتها أصلًا ولا عايزة أعرف.
تنهدت سميحة بحيرة: -لا حول ولا قوة إلا بالله.. والعمل إيه دلوقتي؟ تنهدت نور هي الأخرى دون النظر إليها: -العمل عمل ربنا.. ما قدمناش سوى الانتظار.. وأنا وراه وراه لحد ما يرد عليا وساعتها هنفكر هنطلع سلمى إزاي. ********************
مر ثلاث أيام ولم يظهر طارق بعد، الجميع كان على محاولة الاتصال به بصفة دورية وبدأ القلق ينهش في قلوبهم، خاصة تهاني التي كانت تجلس في غرفتها تبكي في صمت على الحالة التي وصلوا إليها وعلى فقدان ولدها ولا تعرف عنه أي شيء ولا يوجد له أي أثر على الإطلاق، ما بيديه شيء هو الآخر لينهي هذه المهزلة، حديث سلمى كنصل السيف على عنقه، شعر بكل كلمة تفوهت بها ومدى قسوة الأيام والظروف التي وضعتهم في هذه الصفقة، ولكن ما مصيرهم عندما صرح بعدم إتمام هذه الزيجة؟
يوسف حاول بكل الطرق الوصول إلى سلمى خلال اليومين ولكن دون جدوى، سجينة بين جدران غرفتها تبكي ودموعها لا تتوقف عن الانهمار، لا تعرف الذنب الذي اقترفته ليكون مصيرها مشئوم، لتمتلك أب بهذه القسوة والأنانية، نزع من قلبه الرحمة ليتاجر بابنته هكذا دون أي مبرر للجميع، فما السر يا ترى.
تجلس في غرفتها حزينة، شريدة، لا تجف الدموع من مقلتيها، أصبح وجهها شاحب أصفر اللون، امتنعت عن الطعام والشراب عندما يقدم لها في المواعيد المحددة التي وضعها هاشم، تخرج الخادمة بصينية الطعام كما هي.
وضع واحد تبدو عليه، ممددة على فراشها بوضع القرفصاء تبكي في صمت لا تستمع لهاشم ولا تتكلم ولو بحرف واحد عندما يدخل عليها ويحاول تغيير مجرى تفكيرها، ولكن دون جدوى، فقط تنظر له دامعة بنظرات غضب وعتاب وتحدي، لم تعد تهابه بعد الآن، انتشل الخوف من قلبها ناحيته، فقط يصيح بها وهي لا تكترث له ولا لكلماته، صامتة تدير وجهها لجهة أخرى بعيدة عنه حتى لا تواجهه، منع عنها حديث أي شخص من الخدم وإلا يكون حسابه عسير، تشفق الخادمات على حال هذه السيدة الصغيرة ولا يعرفن مساعدتها وإلا انقطع عيشهن في هذا المنزل، فقط سجينة إلى حين موعد الإفراج عنها في وقت غير معلوم.
هاشم يباشر عمله في الشركة كعهده السابق، وجود سلمى معه كان دعمًا كبيرًا له ولكن أين هي الآن، ترسل له الإيميلات كل يوم من الشركة المقابلة لتحديد مصير هذا الشرط المبرم في العقد، ولينهي مخاوفه للأبد.
خلال الثلاث أيام نور لم تكف عن محاولة الاتصال بطارق هي وتهاني ولكن دون جدوى، في إحدى المحاولات سمعت صوت رنين هاتفه، أخفق قلبها بشدة لسماع ذلك، حمدًا لله على إعادة تشغيل هاتفه، انتظرت بفارغ الصبر إلى أن يرد عليها وإذ بها بصوته لتصيح فيه بانفعال ولهفة وهي في قمة الغضب: -أنت فين يا طارق كل ده.. غبت وقلت عدولي.. ما صدقت تهرب وتسيب كل ده وراك.. تسيب سلمى في الظروف دي.. ما ترد عليا.
زفر طارق بشدة، انتظر إلى أن تنهي نور صنبور الغضب الذي افتتح فجأة، ليرد ببرود لا يليق بالموقف: -أهدي يا نور أهدي.. في إيه.. اللي حصل لكل ده؟ فتحت فاها بعدم تصديق لرد فعله لتستأنف غضبها مرة أخرى: -ما تقوليش اتزفتي.. أنت إيه البرود اللي أنت فيه ده يا أخي.. الدنيا والعة هنا وأنت ولا على بالك.. مش خطيبتك دي برضه ولا أنا غلطانة!! زفر بشدة ليصيح بها:
-لا مش ناسي يا ستي بس الظاهر إنها هي اللي نسيت.. من الآخر كده عايزة إيه يا نور؟ زفرت نور بشدة لتقول بانفعال: -عايزاك ترجع يا طارق ودلوقتي حالًا.. صاح بها بغضب: -لا والله!! ده على أساس إيه بالظبط. لان صوتها لتقول برجاء: -أرجوك يا طارق ارجع.. في حاجات كتير هتختلف برجوعك ده.
تأثر بنبرتها قليلًا وأغلق المكالمة ووصد عيناه بألم مما سمع، لم يتوقع أن تتطور حالة سلمى إلى هذا الشكل، مجرد سجينة في منزل والدها لتدفع ثمن خطأ لا يد لها فيه، يعلم أن نور محقة، بحق ذرة ود في قلبه من ناحيتها قرر الرجوع لينهي تلك اللعنة التي حلت عليهم جميعًا. ******************* نظر له إيهاب الذي كان يجلس بجانبه، يشعر بمعاناته وبألمه، لا شيء يقدر عليه حاليًا سوى أن يكون معه على الأقل صامتًا محترمًا لمشاعره،
قطع الصمت وهو يقول بجدية: -أنا لازم أرجع النهارده. فرح واطمئن من قراره في داخله ولكنه في ذات الوقت تعجب منه، ليقبل عليه بتساؤل: -كويس إنك فكرت صح.. بس اللي جد خلاك عايز ترجع أوي كده.. واللي خلاك تكلم نور بالشكل ده.. ما لهاش ذنب على فكرة. تذكر كلماتها جيدًا، صورة سلمى وهاشم يسحبها منهم ونظرتها الأخيرة موعدة إياه، تعامله الأخير مع نور، ليخرج من تفكيره قائلًا بجدية وحزم:
-سلمى هاشم حبسها من آخر مرة رجعت فيها وسجنها لما حاولت تهرب مرة تانية من ضربه وقسوته معاها.. مانع عنها أي حد يشوفها حتى عمتها سميحة. فتح إيهاب فاه بتعجب، ليحاول استيعاب ما سمع: -أنت بتقول إيه.. قصدك إيه بسجنها. التفت إليه طارق بنظرة مليئة بالغضب والضيق المكبوت: -زي ما سمعت.. سجينة بين أربع حيطان.. عارف حال المسجونين ولا أوضح لك أكتر من كده؟! لم يصدق إيهاب على الإطلاق أن أب يصل إلى هذه المرحلة، فاستأنف طارق حديثه:
-أما بالنسبة لنور فأنا غلطت في حقها وهحاول أصلح الغلط ده.. بس مش عارف هتقبل تسامحني ولا لأ. ربت على منكبه ليقول بدعم: -نور بنت طيبة وبتحبك.. هتقدر إنك ما كنتش في وعيك ساعتها وهلفظت بأي كلام وخلاص. ابتسم بمرارة ليقول: -ما أظنش يا إيهاب.. أنا جرحتها أوي.. نور مش بس أختي الصغيرة دي كمان صاحبتي وأقرب ما ليا.. ما أظنش إنها ممكن تسامحني بالساهل كده. ابتسم إيهاب بحزن وهو يشعر بضيق صدره، وكم من ضغط نفسي ولا
أحد يشعر به على الإطلاق: -ربنا يرجع الماية لمجاريها.. سيبها على الله يا صاحبي. التفت إليه طارق سريعًا باهتمام: -ونعم بالله اسمع.. حسك عينك حد يعرف إنك كنت تعرف مكاني. ضحك إيهاب وهو يضربه بخفة على منكبه: -يا شيخ اتنيل.. ده أنا لسه عارف امبارح إنك متلقح هنا. رمقه بغضب ليقول: -ولو برضه.. بدل ما تقع في شباك نور لو شمت خبر.. أنت عارفها كويس. ضحك إيهاب وهو ينقض ليقول بمزاح:
-عارف يا خويا.. يلا قوم عشان نلحق ولا عجبتك القاعدة هنا. نهض طارق وسار دون أن يبدي بأي كلمة. ****************** زفرت نور بشدة ولكن رد طارق على مكالمتها أخيرًا يبشر بالخير، تتمنى بالفعل أن يصدق ويأتي سريعًا، فوجوده في الحال يشكل فارق كبير لحياة سلمى بالأخص وحياة الجميع بعد ذلك، المهم إنقاذ تلك المسكينة، السجينة في براثن أبيها القاسية.
لملمت أدوات الرسم الخاصة بها في عجالة، ففي الأيام الأخيرة حاولت الانتظام في محاضراتها، لعل يكون أخف من عدم حضورها هي وسلمى، بعد ذلك تذهب للمعرض وتبدأ العمل في رسوماتها، بعد ذلك تمر على سميحة تأنسها قليلًا. اقترب منها جاسر في دهشة: -شكلك مستعجل.. ماشية بدري أوي النهارده. ردت دون النظر إليه وهي تغلق حقيبتها: -جدًا يا جاسر.. مضطرة أمشي حالًا عن إذنك.
رحلت على الفور وهي في قرار نفسها تشعر بالراحة نوعًا ما، تشعر بأن كل شيء سوف يكون على ما يرام، فالأهم من أي شيء هو إنقاذ سلمى قبل أي شيء. وصلت لمنزل سميحة وهي تحاول ترتيب أفكارها من جديد، رحبت بها كثيرًا وجلسن في صمت إلى أن قطعته قائلة بتردد: -يوسف فين؟ ظهر يوسف من لا شيء عاقدًا ذراعه ليرد بمنتهى البرود: -يوسف موجود يا.. يا آنسة.
نظرت له في ضيق شديد من تلك الكلمة، من تلك المعاملة والأسلوب الجاف الذي بدأ يعاملها بها مؤخرًا ولا تعرف السبب بعد، كان يريد أن يتحاشاها ولكنه لم يستطع أن تكون موجودة عند سميحة ولا يراها بالفعل، فعندما سمع صوتها في الخارج نهض من فراشه مهرولًا كي يراها، شعر بأنه يفتقدها في تلك الأيام الأخيرة، لم يصدق أذناه عندما سألت عليه، فكانت إجابته بمنتهى البرود واللامبالاة ولكن من داخله يشتعل شوقًا إليها ولكنه يكابر بعد تلك المكالمة الغامضة من أخيها، اقترب وجلس قبالها وهي متعمدة أن لا تنظر إليه، ليستأنف بروده قائلًا:
-خير يا آنسة نور كنتِ عايزاني في إيه؟ قررت أن تعامله نفس المعاملة، طالما هو من ابتدأ دون أي مبرر واضح حتى الآن لتقول هي أيضًا ببرود وجدية: -كل خير يا أستاذ يوسف.. طارق ظهر... قاطعها يوسف ساخرًا: -أخيرًا بسلامته راجع. نظرت له بطرف عيناها بضيق، فلم تكترث له واستأنفت حديثها: -لسه رادد عليا ما فيش قبل ما أجي.. وعدني إنه هيجي على طول عشان نشوف هنتصرف إزاي. تدخلت سميحة على الفور بعدما شعرت بحدة الحديث بينهم:
-ما تعرفيش كان فين يا نور؟ ردت نور سريعًا بعدما تنهدت بقوة: -لا ما اعرفش.. بس أعتقد طارق لما يحب يبعد بيخرج برة إسكندرية عشان محدش يقدر يوصله. ابتسمت سميحة بحزن: -واضح أن الاتنين فيهم نفس الطبع .. أنا هتصل بأمير يجي. رد يوسف بجدية: -اجتماع مغلق يعني. ردت نور هي الأخرى بجدية: -اجتماع أو غيره مش فارقة .. المهم نوصل لحل ونوقف المهزلة اللي احنا فيها دي. *******************
وصل طارق إلى الإسكندرية يقود السيارة في صمت وبجانبه إيهاب يختلس نظرات له بين الحين والآخر كي يطمئن عليه، ليجده في حالة صمت شديدة وتركيز فقط في الطريق أمامه. ولكن الحالة التي يبدو عليها الآن شرود أكثر ما هو تركيز، ليقطع شروده رنين هاتفه ليجد المتصل نور. تنهد بعمق ورد بهدوء: -أيوه يا نور. ردت بهدوء وجدية: -وصلت لفين دلوقتي؟ أجاب بنفس النبرة وصوت عميق: -عشر دقايق وأكون في البيت. صاحت به مسرعة مما أدى
لفزع كل من سميحة ويوسف: -لا .. تعالى على بيت طنط سميحة على طول .. هبعتلك اللوكيشن. تنهد وهو يهم بإنهاء المكالمة: -تمام يا نور .. سلام. قام طارق بتوصيل إيهاب لأقرب مكان لنزله واتجه هو مباشرة إلى منزل سميحة بعدما أرسلت له نور الخريطة. وصل أمام الشقة الماكثة بها سميحة ووقف بتردد على الخطوة التي أقدم عليها للتو، ما الذي حدث ولما استدعته نور بهذه السرعة بتلك النبرة الغير مطمئنة بالمرة؟ ما الذي ينتظره خلف هذا الباب يا ترى؟
حسم أمره وضغط على الجرس، لينظروا من خلف هذا الباب بترقب على مصدر الصوت. لتقوم نور بلهفة وتفتح الباب لتلقي بطارق أمامها. تخشبا أمام بعضهم البعض ولغة العيون هي فقط نقطة التواصل بينهم. عتاب وحزن، ترجي وغفران. تلك الكلمات التي نطق بها لسانه في لحظة غضب لا تزال ترن في أذنيها كأنه قالها للتو، يعلم بأنها لن تصفو إليه بهذه السرعة. أما هي تريد أن تعاتبه وعدم الحدث معه في آن واحد فاكتفت بالصمت وهي تفتح الباب على مصراعيه، ليدخل طارق ويتفاجأ بوجود يوسف الذي نهض هو الآخر ليتقابلا في نظرة كبيرة مليئة بالتحدي والغضب الشديدين. لتقوم سميحة بدورها بفض هذه النيران المشتعلة بينهم، بعدما تبادلت هي
ونور نظرة تساؤل بعدم فهم: -هتفضلوا واقفين كده كتير .. أتفضل أدخل يا طارق. رد طارق بغضب وضيق شديد ونظره معلقًا على يوسف: -أنا مقعدش دقيقة مع البني آدم ده في مكان واحد. اندهشت سميحة ونور كثيرًا مما سمعا للتو لتصيح سميحة بها: -اللي بتقوله ده بس يا طارق يابني .. اقعد بس واستهدى بالله. نظر لنور معاتبًا إياها: -لو كنت أعرف إنه موجود هنا مكنتش جيت. نور تفهم جيدًا على ما يرمي حديثه إليه، لترد هي قائلة:
-سيبيه يا طنط .. شكل اللي حصل أثر على تفكيره. تنهدت سميحة بحزن على ما وصلوا إليه من خلاف بينهم: -اللي حصل بس يا ولاد؟ ردت نور ونظرها معلق على طارق بحزن وعتاب: -خلينا بس في اللي احنا فيه دلوقتي. عقد طارق ذراعه أمام صدره ليقول بجمود ونظراته ثاقبة نحوها: -ممكن بقى أفهم جايباني على ملا وشي ليه؟ أجابت بهدوء نسبي: -أظن مش هنتكلم واحنا واقفين يا طارق.
من هنا تخلى عن الطابع البارد الذي كان يبدو عليه، فكلماتها أثارت غضبه، لينفجر غاضبًا هو الآخر: -مش خلاص رجعت ولقيتوها .. وأنا وسبق نهيت الموضوع ده قدامكوا كلكوا .. وهي من البداية مكنتش عايزاني ولا طايقاني لدرجة بعدما اتفقنا هربت يوم الفرح .. عايزين مني إيه تاني متسيبوني بقى .. نفذت كل اللي طلبتوه عايزين تاني إيه.
تشعر بكل كلمة تفوه بها، تشعر بحرقة قلبه ومشاعره، تشعر بغضبه وحزنه الشديد، تشعر بإنكساره .. ولكن يجب أن يفيق لينقذ ما يمكن إنقاذه الآن، لتقول رغم عنها: -على أساس إنك مش زيها .. على أساس إنك مش مغصوب على الجوازة أنت كمان .. على أساس إنك كمان مهربتش .. بس الفرق بينك وبينها الظروف، ظروفها قبل كده هي اللي جبرتها تهرب وتسيب كل حاجة وراها، خافت من المجهول .. أنا مش بدافع عنها يا طارق، بس حق ربنا يتقال.
يحاول أن يقتنع بكلام شقيقته، هو يعلم بأن معها كل الحق، طالما هو لا ذنب له فهي كذلك. صاحت بهم سميحة لتحد من هذا النزاع والنار المشتعلة بينهم: -وبعدين معاكوا يا ولاد مش كده .. اقعد يا طارق عشان نتفاهم. جلسوا جميعًا في صمت ثم نظر إليها ليقول بضيق: -ها اديني قعدت .. في إيه بقى. تنهدت نور وبدأت تتحدث بحزن:
-أنكل هاشم حابس سلمى في البيت من ساعة ما سحبها من وسطنا وزاد قسوته معاها لما حاولت تهرب مرة تانية بعد ما ضربها والمرادي مسجونة في أوضتها بقالها تلات أيام وقافل عليها .. حتى يوسف مرجعش البيت ومانع أي حد مننا يشوفها .. حتى طنط سميحة مانعها تشوف سلمى هي كمان. اندهش طارق مما سمع، لم يصدق أن هاشم يمكنه أن يفعل هذا بابنته الوحيدة، ولماذا؟ من أجل هذه الصفقة اللعينة التي حلت عليهم جميعًا!!
فصاح دون وعي بها بنبرة مليئة بالخوف والقلق والاهتمام الشديد بها: -إيه الهبل اللي أنتِ بتقوليه ده .. مش ممكن. لاحظ الجميع ذلك مندهشين من رد فعله على عكس ما توقعوا منه. كما هو لاحظ ذلك ولا يعرف كيف اندفع نحوها هكذا، فعاد بكل برود وغطرسة لم تعهدها عليه: -والمطلوب مني إيه دلوقتي؟ زفرت نور بحنق على أسلوبه فلم تعد تفهمه، ثم قالت بحنق:
-أنقذ المسكينة دي من اللي هي فيه على الأقل .. وتبقى تعمل ما بدالك بعد كده .. بس عدي اليومين دول على خير. التفتت سميحة لأمير الذي كان يجلس يتابع كل ما حدث بصمت تام بتركيز شديد: -ما تقول حاجة يا أمير .. ساكت ليه من ساعة ما طارق جه. رد أمير بعد صمت تام بكل هدوء وجدية: -واضح جدًا أن فيه مشكلة بين طارق ونور وأظن يوسف كمان، في حاجة ما بينكوا أنتوا التلاتة مش مفهومة .. وده بشكل كبير بسبب اللي حصل بس حاجة منعرفهاش.
نظر طارق ونور لبعضهم البعض تأكيدًا لكلام أمير، ليستأنف أمير حديثه: -وده مش موضوعنا دلوقتي .. رغم إن معرفتي بطارق بسيطة بس أنا مقدر موقفه جدًا بس ده مش معناه إني موافق على اللي عمله .. المهم لازم نلم الموضوع وننهي المهزلة دي بأي طريقة .. ومفيش غير حل واحد يا طارق وأظن أنت عارفه كويس. صاح به بغضب ليقول: -أنت مستوعب اللي بتقوله ده!!!
.. أظن إنك كنت حاضر يومها احنا قلنا إيه لبعض ونهينا الموضوع إزاي .. جاي تقولي دلوقتي أتجوزها!! مقدر ما يقول ولكن الواقع يتحتم عليهم غير ذلك ليرد قائلًا بهدوء وجدية: -اسمع يا طارق الكلام اللي هقوله ده كويس .. الصفقة دي وراها مصيبة وسر كبير محدش فينا يعرف تفاصيله إلا حماك .. محدش فاهم سر تمسكه باللعنة اللي اسمها الصفقة دي إيه .. ومش هيرجع عن اللي في دماغه غير لما الجوازة دي تتم وهتفضل سلمى طول عمرها سجينة ليه ...
دي محبوسة بين أربع حيطان مبتشوفش النور .. فلازم على الأقل نسايسه لحد ما نشوف آخرة الموضوع ده إيه .. وتبقى يا سيدي تعمل ما بدالك بعد كده على رأي نور لو عايز تسيبها. اقتنع طارق بحديث أمير، ورأى بأنه نوعًا ما منطقي لتصرفات هاشم واهتمامه بهذه الصفقة ليفعل هذا بابنته. زفر بشدة ولانت نبرته قليلًا ليقول: -أنا معاك في اللي أنت بتقوله .. بس هل يا ترى سلمى هتوافق على اقتراحك ده؟! رد أمير سريعًا بثقة:
-لازم توافق بأي شكل من الأشكال .. كلنا مجبورين على الوضع ده .. لازم تفهم أن ده الحل الوحيد عشان تخلصوا من اللي انتوا فيه .. بس لازم تخرج ونطمن عليها ... احنا في اليومين اللي فاتوا دول ربنا عالم مرت علينا إزاي واحنا مش عارفين عنها أي حاجة. قالت سميحة بحزن ألم: -أنت بتقول فيها يابني .. احنا هنتجنن عليها خلاص .. قلبي مش مطمن. نور بعد تفكير صاحت: -طيب يا جماعة دلوقتي هنخرجها إزاي وهو قافل عليها ومانع أي حد يشوفها.
رد طارق بتحدي وصرامة: -ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة .. يعني زي ما أخدها من وسطنا بالعافية احنا بقى هنخرجها بالعافية .. عمره ما هيوافق إنه يخرجها بالذوق أو بالتفاهم حتى. ابتسمت نور على كلام وموقف أخيها ليثبت لها إنه ما زال يحمل في طياته شيئًا لها، ليؤيده أمير: -فعلًا مفيش حل غير كده. *********************
انطلقوا جميعًا إلى فيلا هاشم الجوهري بكل عزم وإصرار وتحدي، بعدما تأكدوا أولًا بعدم وجود هاشم في الفيلا في هذا الوقت ليسهل عليهم مهمتهم. دلفوا إلى الداخل حتى قابلتهم الخادمة تعترض عليهم الطريق بخوف وقلق: -رايح فين يا أستاذ يوسف .. البيه الكبير منبه محدش يهوب ناحية أوضة ست سلمى أي كان مين. صاح بها طارق بغضب وجمود: -أنتِ اتجننتي!! .. أوعي من سكتنا ألا مش هيحصلك طيب. دمعت عيونها لتقول بترجي:
-أبوس أيدك يا بيه لو البيه عرف إني سمحتلكوا تروحلها هيقطع عيشي وهيوديني في داهية .. أنا بنفذ الأوامر بس يا أستاذ يوسف وحضرتك فاهم. نظر لها بنظراته الثاقبة جعلتها ترتجف من الخوف: -ما أنتِ لو منفذتيش اللي بنقولك عليه زي ما بتقولي هتروحي في داهية وعيشك من هنا هينقطع .. فاهمة ولا أعيد تاني!!
لأول مرة ترى هذا الوجه من يوسف .. هذا الجمود والغضب، شخصية أخرى غير شخصية يوسف الحنونة والباسمة التي تعرفها من قبل. لهذه الدرجة يحب شقيقته ويخاف عليها لتخرج هذه الشخصية الخفية التي طالما كثيرًا كان يخفيها، نتجت عن كل ما مر به في حياته مع أبيه من قبل .. من إحساسه بالضعف والعجز اتجاه شقيقته كي يساعدها، ولكن لم يعد يحتمل بعد الآن فانفجر بكل ما يقف أمامه في سبيل إنقاذ شقيقته الوحيدة من يد أبيه الذي لا يعرف الشفقة ولا الرحمة اتجاه أبنائه.
فأزاحها بيديه ليمروا متجهين مباشرة إلى غرفة سلمى. صعدوا درجات السلم راكضين إلى أن وصلوا غرفتها، حاول الشباب كسر الباب بكل ما أتاهم من قوة حتى تكسر بأيديهم ليجدوا سلمى جثة هامدة على فراشها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!