عادل بمنتهى البرود: مشكلتك مش مشكلتي. أنا عملت اللي علي وصبرت عليكي كتير، لكن خلاص صبري نفذ! خديجة (وهي تتوسل إليهم) : والله مش بإيدي! إنت فاكر إني مش رايدة أخلف؟ إنت فاكر الوجع اللي في قلبي ده سهل؟! كيف تقدر ترميني أكده؟ حتى أعمل بالوصية اللي أبويا وصاك بيها قبل ما يواجه ربنا، بتعمل أكده في واحدة يتيمة؟ ربنا مش هيُهمللكم واصل؟! الحاجة زبيدة (بازدراء) : كفاية شحاتة!
إحنا استحملناكي سنين، لكن خلاص لعبه خلصت يا بت إسماعيل وهتيجي ستك اللي هتنور الدار وتجيبله العيال اللي بنستناها! خديجة (تبكي بشدة) : يمايا والنبي خليني أهنا. هعمل كل اللي أنتم رايدينه وأنا بحبكم ورايدة أعيش وياكم وهعمل كل اللي أنتم محتاجينه مني، بس هملوني أعيش وياكم متطردونيش!! عادل (يحسم الأمر)
: أنا راجل كريم. هديكي حاجتك علشان تلاقي هدوم تلبسيها. يلا خدي شنطك وامشي من أهنا قبل ما أخلي الحريم يرموكي بره في الشارع خالص! خديجة (بصوت متحشرج) : عمري ما كنت متخيلة إن اللي بينا ينتهي أكده.. بعد كل اللي أنا عملته عشانكم. مش هقول إلا كلمة واحدة، هي كفاية تجيبلي حقي. حسبي الله ونعم الوكيل. سبت حقي عندك يا رب. أنا ولا عندي أب ولا أم ولا أخ ولا سند. إنت الوحيد اللي سندي في الدنيا دي يا رب. هاتلي حقي. أنا ماليش غيرك!
خديجة وهي تبكي قالت بصوت مختنق: لماذا هذا الظلم؟ لماذا كل هذا العذاب؟ هل كنتُ أستحق كل ما مررت به؟ أهذه حياتي؟ لماذا لم أتمكن من الهروب من هذا الكابوس الذي كان يلاحقني؟ لا أعلم أين أذهب الآن، ولا كيف سأواجه الحياة بعد كل ما مررت به. قالت وهي تبكي بشدة: هروح فين دلوقت؟ يا رب فرجك. أنا ضعيفة ومكسورة. يا رب وما ليش غيرك. يا رحيم ارحمني. يا ستار استرني!
في تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة تمر بجانبها، وعلى متنها مجموعة من الشباب لا يقل عددهم عن خمسة كانوا يرمقونها بنظرات مشبعة بالشهوة، تلك النظرات التي لا تحمل سوى إشارات غير لائقة ومشاعر لا تليق. شاب1 (بخبث) : إيه يا ست البنات؟ تايهة؟ محتاجة توصيلة؟ تعالي وديكي المكان اللي انتي رايداه؟ شاب2: ولا يمكن بتدوري على مكان تباتي فيه؟ إحنا تحت أمرك. تعالي هنريحك وهنديكم كل اللي انتي رايداه؟
كانت خديجة تشعر بقلق عميق يجتاح قلبها، وكأن الخوف يتسلل إلى عظامها ويجعلها ترتجف. نظرت إلى الخلف فزعت، وكان الظلام يلتهم كل شيء من حولها، وكأنها تُحاصر. حاولت أن تسرع، لكنها كانت تجد نفسها وكأنها تغرق في الوحل. خطواتها ثقيلة على الأرض، وكأنها لا تقوى على التحرك أكثر. كل خطوة كانت تثير ألمًا شديدًا في قدميها، وكأن كل عضلة في جسدها كانت في حالة من الإنهاك التام. رغم محاولاتها، كانت تصرخ أفكارها في رأسها، كل شيء يضغط عليها، الخوف، التعب، والوحدة. كلما تسارعت خطواتها، زاد شعورها بالضياع، وكأن الأرض تحتها تختفي تدريجيًا.
خديجة (بخوف) : ربنا يستر. لازم أبعد عنهم بأي طريقة. دول رايدين مني إيه دلوقت؟ يا رب استرها يا رب! كان الشباب يسيرون خلفها بسياراتهم، يملؤون الطريق بالضحك والسخرية، كأنهم يستمتعون بإهانتها. فجأة، توقفت سيارة فخمة أمامها، نزل منها رجل في أوائل الثلاثينات من عمره، طويل القامة، حادّ الملامح، ووسيم إلى حدٍّ يلفت الأنظار. هو ياسين الجارحي صاحب شركات الجارحي للإنشاء. ياسين الجارحي (بصوت حاد، وهو ينظر للشباب بنظرة شديدة)
: في حاجة؟ حد بيضايقكِ يا آنسة؟ إيه اللي موقفك هنا؟ رايحة فين دلوقتي؟ صمت الشباب للحظة وبدت علامات الخوف واضحة على وجوههم، إلا أنهم لم يتحركوا من أماكنهم. ظلّوا في سياراتهم يراقبون الموقف بصمتٍ متوتر، كأنّ أقدامهم قد شُلَّت من الرهبة. خديجة (بصوت متردد، وعيونها مليانة خوف) : أنا… أنا مش خابرة أروح وين دلوقت، بس رايدة أمشي من أهنا بسرعة؟! ياسين (بهدوء لكنه حازم) : أنتي من الصعيد صح؟ إيه اللي خرجك من بيتك دلوقتي؟
تعالي معايا. أنا مش هسيبك في الشارع لوحدك. ما تخافيش. هوصلك للمكان اللي انتي عايزاه؟! خديجة (بدموع وحزن واضح على ملامح وجهها) : أنا عايزة أروح مصر؟ ياسين (ينظر ليها بحذر، وبنبرة صارمة) : ما ردتيش عليا. أنتي من الصعيد، صح؟ مش هينفع تمشي كده لوحدك بالليل في مكان زي ده. ممكن حد يؤذيكي أو يعمل ليكي حاجة. لازما تمشي دلوقتي. ولو عايزة أوصلها لحد البيت تعالي اوصلك؟
أما الشباب الذين كانوا يشاهدون الموقف من بعيد، فقد بدأوا يتهامسون فيما بينهم باستهزاء، يتحدّثون بأصوات منخفضة، وكأنهم يقتنصون لحظة ضعف للسخرية دون أن يُلفتوا الأنظار إليهم. أحد الشباب (مستفزًا) : إيه يا عم هي مش لوحدها علشان تشيل همها. سيبها علينا بس وانصرف انت؟ دي مش صغيرة. دي مزة جامدة قوي.
ياسين يلف راسه ببطء، وتلاقي عيناه بتشع نار. يتقدم بخطوات سريعة لواحد منهم، وبسرعة بيديه يد قوية على صدره، يرفعه عن الأرض ويخليه يترنح. ياسين (بغضب، وهو بيضغط عليه) : إنت فاكر نفسك مين؟ علشان تتكلم على البنت بالشكل ده. وانتم إيه اللي موقفكم هنا أصلاً؟ عايزين منها إيه؟ قول انطق انت وهو؟
الشباب يصيبهم الرعب. حاول واحد منهم يواجهه، لكن ياسين يضغط عليه ويدفعه للخلف، وهو يرفعه عن الأرض بيد واحدة يجعله يقع على الأرض بكل قوته. ياسين (بصوته مرتفع، وهو بيشاور لتلك الشباب) : لو عايزين تدمروا حياتكم، تعالوا وجهوا ياسين الجارحي. روحوا من وشي؟ الشباب مش قادرين يردوا، بدأوا يهربوا في كل اتجاه. ياسين (بصوت هادئ، لكن حازم)
: خلاص، دلوقتي، إنتِ معايا. مش هسيبك في الشارع لوحدك. إركبي معايا، وأنا هأخذك لحد ما تلاقي مكان تروحي عليه؟! لم تُجب خديجة، وكان قلبها مثقلاً بالحزن. تدرك جيدًا أن الحياة التي اعتادتها قد ولّت، وأنها سقطت في دائرة مظلمة لا تستطيع الخروج منها. ومع ذلك، كان هناك شعور غريب يتسلل إليها في تلك اللحظة، ربما هو بصيص أمل، أو فرصة ثانية للحياة… رغم أنها لم تكن واثقة تمامًا من هذه الخطوة. أشار ياسين نحو السيارة: إيه رأيك؟
تعالي معايا. مفيش حد هيقدر يساعدك هنا دلوقتي. ما تخافيش مني؟! خديجه وهي تشعر بالخوف، منكمشة على نفسها، تتحدث إليه بصوتٍ مرتجف يملؤه التردد والرهبة: الدار عندك أمان. أنا خايفه أروح أي مكان. علشان أنت خابر أنه عيبه وما يصحش. لو في حريم في داركم ماشي، هاجي وياك. لو ما فيش، يبقى وصلني لحد مصر وخلاص؟ قال ياسين بابتسامة هادئة:
ما تخافيش. أنا عايش مع أمي وعمتي. وأمي ست طيبة وكبيرة في السن. وعمتي برده هي عصبية شوية، بس قلبها أبيض. ابتسمت خديجة بخجلٍ يختلط بالتوتر ثم قالتله: ماشي. لحد ما أشوف له مطرح في مصر. ربنا يسترك ويخليك. شكرا قوي على اللي انت بتسويه وياي. قال لها ياسين بابتسامةٍ ساحرة تنبض بالجاذبية: أي حد هيكون مكاني في الوقت ده هيعمل نفس اللي أنا عملته دلوقتي. تمام. فما تشكرينيش. ده واجبي. يلا اتفضلي بقى علشان طريقنا طويل.
ذهب ياسين لتشغيل السيارة، ثم انطلقوا في طريقهم نحو القاهرة. ياسين باستغرابٍ، وهو ينادي عليها ليخبرها أنهم قد وصلوا، تحدث إلى نفسه قائلاً: حتى هذه اللحظة، لم يكن يعرف اسمها! فاستغرب كيف يمكن أن يكون قد قطع كل هذه المسافة من الصعيد إلى القاهرة دون أن يعرف اسمها. ممكن أعرف اسمك؟ تصدقي أنا نسيت أسألك. أنتي اسمك إيه؟ خديجه بهدوء: اسمي خديجة. ياسين، بابتسامة جذابة مليئة بالوقار حتى في حديثه، حيث تعكس كلماته ثقة وهيبة:
عاشت الأسماء. اسمك جميل زيك ما شاء الله. ردت خديجة عليه بخجل: شكرا قوي لحضرتك. ياسين، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الزعل المصطنع، حاول إخفاء ابتسامة خفيفة تظهر في عينيه رغم التعبير الجاد الذي أظهره: ما فيش حضرتك بعد كده. قوليلي ياسين بس. خديجه باحراج: حاضر. ثم دخلا من البوابة الرئيسية، فنظرت خديجة بإعجاب، مدهوشة تمامًا بالمكان، وكأنها لا تصدق ما تراه عيناها، وقالت: واه واه واه يا أبوي إيه الجمال ده!
ياسين بابتسامة هادئة: ده قصر عائلة الجارحي يا خديجة… اعتبريه بيتك. خديجه بنبهار: بس ده حلو قوي قوي قوي. إحنا ما عندناش حدانا في الصعيد قصور كيف القصور اللي حداكم أهنا ده. إحنا كنا بنشوف دوار العمدة. كنا فاكرين أن ما فيش دار في الدنيا كلها كيف الدار. لا بس طلع في حاجات أحلى منه بكتير.
خرجت الكلمة من فمها وهي واقفة أمام الباب الكبير، وعيناها مبحلقتان في كل مكان في القصر، وكأنها لا تصدق ما تراه عينيها. كان الباب نفسه تحفة فنية! مصنوع من خشب فخم، ومنقوشًا عليه رسومات دقيقة وجميلة. ضحك ياسين وهو يرى انبهارها، ثم قال لها ببساطة، وكان مستغربًا جدًا من انبهارها: ياسين بصّلها ابتسامة هادية وقالها: طب يلا اتفضلي بقى علشان ندخل.
بعد أن دخلا، رفعت عينيها فوجدت القاعة الكبيرة أمامها، وأرضيتها رخام لامع كالمرايا، والسقف العالي مزخرف بنقوش ذهبية، ومنه يهبط نجف ضخم يشبه قطع الألماس. وواصلت نظراتها المبهورة وقالت: ده حقيقي؟ ياسين بتساؤل قال لها: انتي أول مرة تخرجي من الصعيد؟ خديجة، وهي غارقة في دهشتها، لم تكن تشعر بنفسها قالتله: أيوه أول مرة أخرج بره الدار أصلاً من يوم ما اتجوزت. بدأ ياسين يشعر بالغضب والضيق الشديد عندما علم أنها متزوجة،
وقال لها بغضب: هو انتي متجوزة؟ بدأت خديجة تشعر بنفسها، وقالت له بكل حزن وأسف: لا. أنا دلوقتي مطلقة. ياسين تنفَّس الصعداء قليلًا، ثم قال لها: اتفضلي يا ستي علشان ندخل نرتاح شوية. يغمرها الامتنان، فتُومِئ برأسها وتقول له: شكرا قوي على اللي عملته وياي. هم وين الحريم اللي في القصر دي؟ فهم ياسين الأمر، فنادى على الخادمة وقال لها: رقية لو سمحت نادي ماما وعمتو دلوقتي. رُقية، الخادمة، ما إن سمعت صوته حتى أسرعت إليه باحترام،
وقالتله: حاضر يا فندم. مشيت خديجة ببطء، وكانت تشعر وكأنها لم تدخل مجرد قصر، بل دخلت إلى حكاية من الحكايات التي كانت تسمعها وهي صغيرة… ولكن الفارق أن هذه ليست حكاية، بل هي واقعها! وفجأة، سمعت صوت خطوات قادمة من الجهة الأخرى، وكانت عمَّتها فاطمة تدخل ومعها بعض الخدم. فور دخولها، نظرت إلى خديجة بذهول، ثم صاحت مستنكرةً من ملابسها ودخولها القصر: انتي جيت يا ياسين؟ مين اللي معاك دي؟ ازاي دخلت هنا؟
هو أنتم يا بهايم يا خدم ازاي تدخله الست دي هنا لحد القصر؟ لو محتاجه أي حاجة اديها لها ومشوها! ياسين: إيه يا عمتو؟ عاملة إيه؟ واهدي شوية علشان أفهمك. دي ضيفتي. مش عايز غلط تمام؟ فاطمة: الحمد لله يا حبيبي. مين اللي جاي معاك؟ هو في حد بيجي يزور حد في الوقت المتأخر ده؟ وإيه اللي هي لابساه ده؟
كانت خديجة هادئة جدًا، ولكنها كانت تشعر بتوتر شديد بسبب نظرات فاطمة التي كانت تحمل في طياتها قسوة واضحة، كما أنها كانت تنظر إليها باحتقار. في تلك اللحظة، جاءت أم ياسين، وهي منال، امرأة في الستين من عمرها، طيبة وحنونة للغاية. استقبلت ابنها بابتسامة دافئة، قائلة له بكلمات مليئة بالترحيب والحنان: ياسين يا حبيبي حمد لله على سلامتك يا روحي. إيه ده؟ انت معاك ضيوف؟ أهلاً بيكي يا بنتي. إيه الضيف القمر دي يا ياسين؟
مين دي يا حبيبي؟ ياسين بهدوء: دي يا أمي ضيفتي لمده صغيرة جداً. هي تبقى أخت واحد صاحبي وهتقعد عندنا فترة لحد ما يرجع أخوها من السفر. ابتسمت خديجة لكن كانت عيناها تمتلئ بالحزن. منال (وهي تطبطب عليها برفق ثم قالتلها) أنا هنا لو عزتي أي حاجة يا حبيبتي قوليلي. إن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام. وأخوك هيرجع بالسلامه. شعرت خديجة ببعض الراحة حينما قالتلها السيدة منال. فاطمة لم تعجبها رد فعل منال، وعندما لاحظت هدوء زوجة أخيها،
قالت بنبرة قاسية: أسمك خديجة صح؟ لازما تعرفي يا خديجة إن الحياة هنا مش هتكون سهلة. هنا مفيش مجال للاستهتار. لازم تحترمي القوانين طول الفترة اللي هتعيشيها معانا هنا. شعرت خديجه ببعض القلق في قلبها والتوتر بسبب حديث فاطمه. قالت منال وهي تحاول تخفف عنها: خليني أوريكي أوضتك يا حبيبتي. تعالي معايا. هتكوني بخير هنا. أنا ههتم بيكي. مالك باين عليكي زعلانة كده ليه؟
اللي يدخل القصر عندنا ويقعد فترة مع عيلة الجارحي ما ينفعش يفضل كده زعلان. خديجه بهدوء: شكرا قوي لحضرتك. أنا مليحة والله. منال، وهي في غاية السعادة، قالت لها: إيه ده؟ انتي صعيدية؟ واه واه. ده إحنا هنتفاهم قوي على فكرة. أنا من قنا. عندما سمع ياسين صوت الفتاة بتلك الرقة، شعر بسعادة كبيرة. أما خديجة، فقد شعرت بالخجل وسكتت، ثم تابعت سيرها مع منال لتأخذها إلى الغرفة التي ستقيم فيها.
في تلك الليلة، جلست خديجة في غرفتها بينما كان ياسين في مكتبه يُنهي أوراقه استعدادًا للعمل، فهو صاحب شركة هندسية ومعماري محترف. كانت خديجة جالسة على السرير، وضعت يدها على رأسها، وكأنها غارقة في أفكارها. منال قالت لها بهدوء: خديجة، أنا دخلت كل حاجتك في الدولاب يا حبيبتي. كل حاجة تمام. عايزة حاجة مني تاني يا قلبي؟ لو عايزة أي حاجة قوليلي أو قولي لأي حد من الخدم. القصر كله تحت أمرك يا بنتي. خديجة (بتنهيدة)
شكرا قوي يا خالة. أنا مش خابرة أودي جمالك وين. منال مزعل مصطنع: ينفع الكلام ده؟ أنتي هتكوني زي بنتي. إيه الخالة دي؟ قوليلي يا ماما زي ما ياسين بيقولي بالظبط. مش عايزة أسمع منك كلمة خالتي دي تاني. ماشي؟ يلا بقى علشان تنامي دلوقتي. ولا أنتي مش رايدة تسمع حديتي واصل؟ خديجه باستغراب: انتي بتتحدتي صعيدي كيف ما أنا بتحدت بالظبط؟ منال بابتسامة: أيوه يا خديجة. أنا مش بقولك إن أنا من قنا؟
بس من يوم ما اتجوزت وأنا عايشة هنا في القاهرة. وبعد وفاته جوزي بقيت عايشة مع ابني ياسين. ربنا يخليه لي يا رب. هو ابني الوحيد. وانتي دلوقتي بقيتي زيه بالظبط عندي. والله أول ما شفتك قلبي انفتحلك.
حاولت خديجة أن تبتسم، لكن تلك الإبتسامة كانت مشوبة بالدهشة، إذ لم تستطع تصديق اللطف الذي لاقته من منال، وهي التي لا تعرفها جيدًا، بينما أولئك الذين اعتادت أن تلتقي بهم وتعيش وسطهم كانوا يبادلونها معاملة قاسية، تفوح منها الجفوة واللامبالاة. خديجة (بصوت ممتلئ بالضعف) تعرفي أن أنا ما قلتش كلمة "أمايا" دي من وقت ما أمي ماتت. حاضر هقولك يا ماما كيف ما أنتي رايده. بس ممكن أسأل حضرتك سؤال؟ وأنتم ما تعرفوش عن حاجة؟
كيف أمنتولي وقعدتوني في داركم من غير ما تعرفوا عني حاجة واصل؟ وضعت منال يدها برفق على كتف خديجة، ثم قالت لها بنبرة مليئة بالحنان: أول حاجة أنتي من طرف ياسين. وابني ياسين لو مش واثق فيك ما كانش دخلك القصر أصلاً. علشان ياسين الجارحي مش أي حد. وما فيش حد يقدر يقرب منه. وأنا واثقة في ابني. وشايفه في عينيك الطيابة يا حبيبتي. خديجه باستغراب:
هو ابن حضرتك هو ياسين الجارحي صاحب مجموعة الجارحي اللي بيبنوا العماير والمدن والقرية السياحية؟ منال بابتسامة هادئة وحركة خفيفة من رأسها قالتلها: أيوه هو يا حبيبتي. خديجه بهدوء: ربنا يخليه ليكي ويباركلك في حياتك يا رب. نظرت لها منال بكل طيبة و حنان وقالتلها: حبيبتي وربنا يخليكي انتي كمان يا قلبي. أنا قلبي انفتحلك والله. يلا بقى ادخلي خدي دش لحد ما الغداء يجهز. حركت خديجة رأسها بطاعة، وقالت بصوت هادئ: حاضر.
دخلت خديجة إلى المرحاض لتأخذ دشًا دافئًا كي ترتاح قليلاً وتخفف عن جسدها، بينما نزلت منال لتباشر تحضيرات الغداء، استعدادًا للضيافة التي ستُقدّم بشكل مميز. أما ياسين، فكان جالسًا في مكتبه يراجع أوراق صفقة مهمة، حتى دخلت عليه عمته فاطمة وقالتله: إيه يا ياسين؟ انت بتجيب لنا بنات ما نعرفش أصلاً؟ ولا فاصلة بتدخلها القصر وتقعدها مع امك وعمتك؟ انت ناسي اللي في بنات هنا لازما تخاف علينا؟ انت مش قاعد معانا على طول؟
يارا فاضل لها شهرين وتيجي القاهرة. ياسين: قلتلك قبل كده يا عمتو ان دي أخت صاحبي وهتقعد هنا. ومش عايز حد يناقشني في حاجة تاني. وياسين الجارحي ما بيستأذنش من حد علشان يدخل حد بيته او يقعد حد في مكان من ممتلكاته. وكمان يارا بنت حضرتك اما بتيجي هنا ما بتقعدش في القصر أصلاً. بتقضي وقتها كله في الكازينوهات والنوادي. فاطمة باستغراب وعصبية: اول حاجة ما تتكلمش على يارا بالطريقة دي. وكمان قل لي ومن امتى عندك صحاب من الصعيد؟
البنت باين عليها اللي لهجتها صعيدية. يعني انت بتكذب علينا يا استاذ. وكمان لازما تحترم نسايبك اللي انت لحد دلوقتي مش عايز تروح تزورهم. ياسين بصدمه: مين دول يا عمتو؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!