دخل عمر غرفته بعد سفر دام عشرة أيام. عاد محملاً بالشوق لزوجته وحبه الوحيد، أم أطفاله، شروق. وجدها نائمة. جلس للحظات يراقبها بحب وشوق، ليشبع عيناه وقلبه من رؤيتها. انحنى دون وعي وقبل وجنتيها. تمادى أكثر وأكثر. استيقظت برعب وهي تحاول المقاومة، إبعاده أو الصراخ. لكنه همهم بشوق عارم: "أنا عمر، وحشتيني، وحشتيني أوي أوي."
لم يدع لها أي مجال للتكلم ليكمل ما يفعله. لتبادله هي الأخرى وقد أخذ الشوق منها ما أخذ. ليقضيا ليلة من أجمل الليالي. ليلة لقاء الأحباب. مضى بعض الوقت وهي تستند برأسها على صدره، تحتضن خصره بذراعها. وعمر يلعب بخصلات شعرها، وينحني كل ثانية ليقبل جبينها تارة ووجنتها تارة أخرى. وهي تنعم بالسعادة. لكنه لاحظ كعادته منذ أن تزوجها، يلاحظ أدق أدق تفاصيلها. ليهمس اسمها بقلق شديد: "شروق... شروق...
لم تجبه، لكنه سمع صوت أنينها المكبوت. لينهض بفزع، محتضناً وجهها بكلتا يديه، مردداً بخوف: "مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ شروق اتكلمي يا قلبي، اتكلمي يا روحي، مالك؟ انهارت أمامه. لقد كانت بانتظاره. نعم، عمر منقذها الدائم. الله وضعه في طريقها وجعله زوجها لكي لا يضيعها. عمر هو هدية الله لها، العوض الجميل. زاد قلقه عندما أجهشت بالبكاء أمامه وارتمت بين أحضانه تبث له حزنها وقهرها. ليردد بقلق مضاعف: "شروق، قلقتيني. انتي كويسة؟
العيال كويسين؟ طمنيني يا حبيبتي، أنا مش هعرف أتصرف وانتي كده. اتكلمي." خرج صوتها مختنقاً لتنطق باسم ابنتها الكبرى، لتقول بقهر: "مريم يا عمر... مريم." ضيق حاجبيه بحيرة ليردد باستغراب، فهو يعلم بأن مريم، بالرغم من صغر سنها، إلا أنها ذكية ومطيعة. "مريم مالها؟ شروق بغصة: "مش عارفة. كرهاني ومش طيقالي كلمة. وحتى أخواتها بتزعقلهم، وساعات، ساعات بتضربهم. أنا تعبت. تعبت مش عارفة أعمل معاها إيه." تنهد بارتياح مردداً:
"هو ده اللي بتعيطي عشانه؟ نظرت إليه بضيق، وهي تلاحظ سخريته منها. لتقول: "انت شايف إن دي حاجة مش بتزعل؟ عمر: "شروق، انتي مش صغيرة يا قلبي. ومريم في سن حرجة دي، لسه عيلة عندها خمسة عشر سنة. ودي حاجة طبيعية بسنها." شروق بغصة: "بس أنا حاسة إنها كرهاني." عمر بتفهم: "مش كده. بس انتي فاهمة الحكاية غلط. انتي بس بلاش تعاندي معاها وهوديها، وهتشوفيها رجعت زي الأول." وأحسن أنزلت شروق نظرها إلى الأرض مرددة: "بس... بس أنا...
أنا... عمر: "انتي إيه يا حبيبتي؟ اتكلمي." شروق بندم: "أنا النهارده ضربتها بالقلم." نهض عمر بضيق: "انتي إزاي تعملي كده يا شروق؟ إزاي؟ انتي بكده بتبعديها عنك." ليجلس بجانبها بعد أن حاول أن يهدأ، عندما لاحظ حزنها وندمها، ليقول باستيعاب: "شروق حبيبتي، مريم بالسن ده هتكون محتاجاكي انتي أكتر حد في الدنيا دي. لما تعمل كده وتضربيها، حتشوفك إنك مش بتحبيها وتبعديها عنك أكتر." شروق بندم:
"يا عمر، انت مش عارف عملت إيه. دي ضربت أوس وزعقت لتيمور وزقت هدى ووقعتها. إنها حاسة إنها بتكره إخواتها. أنا طول الوقت بحاول أجمعهم. كل حاجة عملتها باظت يا عمر، باظت." عمر: "اهدي يا حبيبتي، كل حاجة هتتصلح. وبلاش تتخانقي معاها عشان إخواتها، عشان هتكرهم وهتبعديها عنهم أكتر. مريم بالسن ده مشاعرها بحالة اضطراب ومش فاهمة حاجة ولا عارفة حاجة. فهماني يا شروق؟
حسسيها إنها عندك بالدنيا وإنك بتحبيها أكتر من إخواتها. إخواتها لسه صغيرين مش بيستوعبوا حاجة، إنما مريم كبيرة، ومتنسيش إنها يتيمة يا شروق، وممكن ده اللي هيكون مؤثر عليها." شروق... عمر بابتسامة: "بتبصيلي كده ليه؟ شروق بحمد ربنا: "عشان انت جوزي يا عمر. أنا بحبك، بحبك أوي. شكراً عشان انت جنبي." جذبها إليه ليحتضنها، مردداً بابتسامة: "شكراً ليكي عشان دخلتي حياتي ونورتيها، انتي ومريم وعيالنا. أجمل حاجة في دنيتي... شروق:
"بحبك." أبعدها عمر لينظر إليها ويجدها تنظر إليه بعشق، ليقول بغمزة: "على فكرة في طريقة تانية ممكن تثبتيلي حبك. بس شكلك نسيتيها. بس معلش، هفكرك بيها." شروق بدلال: "يا عمر... عمر: "بط... *** صباحاً. كانت مريم نائمة في شقة والدها بعد خروجه من السجن. وقد هربت هي من منزل والدتها بعد أن تشاجرتا. استيقظت على صوت صراخ وضرب. خرجت بسرعة، وقد كانت ترتدي برمودا بلون الزهر وبلوزة ميكي ماوس.
وجدت والدها مرمياً على الأرض والدماء تتناثر من فمه. أسرعت إليه: "بابا! انت كويس؟ إيه اللي بيحصل هنااا؟ التفتت حولها لتستقر عيناها على شاب في الثلاثين من عمره، طويل القامة، ملامحه قاسية. بالرغم من جماله الشديد، إلا أن عيناه شديدة الظلمة والغضب ظاهرة عليه. خرج صوتها الغاضب: "انتوا مين وعايزين إيه من بابا؟ صمت عم المكان، ليتكلم أخيراً ذلك الرجل بعد أن تقدم نحو أدهم المرمي أرضاً، مردداً بصوت مخيف:
"انت فاكر إنك هتستغفلني؟ ده بالحلم وانت نايم. بس أنا خلاص هسامحك بالفلوس ومش هحبسك. بس بشرط... أدهم بتسرع: "وأنا من إيدك دي لأيدك دي، بس ارحمني." جلس، جلست القرفصاء أمام أدهم، وقد حرك يده على ذقنه يتظاهر بالتفكير، ليقول بثقة: "مني عارف إنك من يدي دي لأيدي دي، وكل اللي هقوله هيكون يا... مريم بغضب: "إزاي تتكلم كده؟ انت... "شششش." خرج صوته هادئ لكنه مخيف: "ماتتكلميش دلوقتي." لينهض ينادي أحد رجاله: "يا عوض، يا عوض...
"أيوة يا باشا." "روح هات المأذون واتنين شهود. بسرعة." وقف أدهم بصدمة، وبجانبه مريم. ليجلس عيسى على الأريكة مردداً: "إيه مش هتجيبولي حاجة نشربها ولا إيه؟ مريم تنقل نظرها بينه وبين والدها، إليه بصدمة. عيسى: "عايز شربات يا عروسة عشان النهاردة فرحنا." "انت مجنون؟ اطلع بررررا! " قالتها مريم بانفعال. خرجت ضحكة ساخرة: "أيوه، إني مجنون. وانتي هتبقي مرتي. مرة المجنون." مريم: "انت سامع يا بابا؟ أدهم: "اهدي يا مريم." لينظر
إلى عيسى الجالس بأريحية: "يا باشا، أنا... وقبل أن يكمل كلماته، كان ملتصقاً بالحائط وكف عيسى تمسك بعنقه، ليقول بصوت مرعباً: "انت فاكر إنك هتضحك عليا يا... لا اصحى، أنا عيسى الصعيدي." لينظر إلى مريم التي اتسعت عينها بخوف من سرعته وقوته. لينقل إليها بأمر: "عندك واحد من اتنين. تتجوزيني بمزاجك، أو تحضري جنازة أبوكي، وبرضه هتبقي مرتي بس غصب عنك." "بابا! سيب بابا خلاص، سيبه. والله أنا موافقة، موافقة والله."
أبعد كفه عن عنق أدهم ليسقط أرضاً ويأخذ نفساً طويلاً. أسرعت إليه مريم: "انت كويس يا بابا؟ كويسة؟ فيك حاجة؟ "زي القرد." قالها عيسى بجنون. "ادخلي البسي حاجة مقفولة عشان المأذون، مبحبش مرتي تلبس كده." مريم تنظر إليه بصدمة، حتى سمعت صوته الغاضب. بسرعة نهضت إلى غرفتها. *** صباحاً. كان عمر نائماً حتى سمع صوت شروق ببكاء وانهيار: "الحقني يا عمر! مريم خدت حاجتها ومشيت. أنا عايزة بنتي، هاتلي بنتي يا عمر! *** بعد مدة.
وصلت مريم مع عيسى الصعيد، وقد لزمت الصمت طوال الطريق، بعد أن رفضت إخبار عيسى ما الذي حدث بينها وبين والدها قبل عقد القران. عيسى يرمقها بنظرات غريبة. أما هي فتتهرب من النظر إليه وقلبها يرتجف خوفاً مما ينتظرها. دخلت القصر وهي تمشي خلفه، وقد كان منتصف الليل ولم يكن أحد مستيقظاً أبداً. دخل أحد الغرف لتتبعه. وفور دخولها، جذبها إليه وقد أحاط خصرها بتملك. عيسى: "إيه يا قمر؟ ساكتة طول الطريق ليه؟
حاولت جاهدة إبعاده، لكنه لم تستطع. عيسى: "لا لا لا كده عيب، ومينفعش تتعبيني معاكي يا قمر." ليستنشق رائحة شعرها مردداً بخفوت أخافها: "بقولك إيه؟ اهدي شوية وادخلي غيري لبس الأطفال ده، والبسيلك حاجة عدلة تناسب الموقف اللي مش هيتكرر تاني أبداً. بقولك أهااا، هتندمي طول العمر عشان كنتي كده بأجمل ليلة بعمرك."
كانت ترتجف خوفاً منه، ملتصقة بالحائط وهو يحيطها بذراعيه ويهمس بأذنها بهذه الكلمات. وضعت كلتا يديها على صدره بمحاولة أخيرة لإبعاده، لكنه ثبت يديها على صدره مردداً بابتسامة خبيثة: "لمستك دي بتولع النار جوايا. وهقولك... أهاا، لو فضلت كده مش هتحمل وندخل دلوقتي. قولتي إيه؟ إني معنديش مانع... مريم: "آآآ... عيسى بتذمر: "لأ والنبي بلاش الآآآ دي. اسمعي الكلام يا بت أدهم عشان أنا لسه رايق ومش عايز أتجنن عليكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!