صوت زقزقة عصفورة على نافذة غرفتها. صوت المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم. صوت أبيها سلطان وهو يوقظها كما اعتاد أن يفعل يومياً. تغلغلوا لأعماق عقلها وهي نائمة. "قومي يا بنتي... اصحي عشان تفطري. جهزتلك الفطار." فتحت هبة عينيها بكسل. شاهدت والدها يقف على باب غرفتها. قفزت من فراشها فوراً. "كده يا بابا ليه بس تعبت نفسك. مش كفاية تعبك طول النهار في شغلك وتعبك في البيت بعد ما بترجع...
تطبخ وتكنس وتنضف وبترفض مساعدتي ليك في شغل البيت عشان أذاكر... كمان بتحضر الفطار وتصحيني. طب سيبني يوم أخدمك أنا." "يا حبيبتي أنا سامعك طول الليل سهرانة بتذاكري. كان لازم أحضرلك الفطار وأصحيكي." غادرت هبة السرير بنشاط. مالت على كف والدها وقبلته في امتنان. والدها عم سلطان...
كل حياتها. من يوم وفاة والدتها وهي تلدها وليس لديها أي أحد سواهُ في الدنيا. والدها كما يقولون "مقطوع من شجرة". وحيد بدون عائلة أو أي أقرباء حتى من بعيد. ووالدتها أيضاً كانت كذلك. حتى عندما تزوج سلطان من فتاة طيبة القلب تحبه...
القدر القاسي لم يمهله وقتاً للسعادة وأخذها منه يوم ولادة بنتهم الجميلة هبة. أسماها هبة لأنها هبة من الله أعطاها إياه ليعوضه بها عن حرمانه من زوجته الحبيبة. هدية السماء إليه. أنارت أيامه القاحلة برقتها وجمالها. "يلا يا هبة... الفول هيبرد ده أنا عاملهولك يا حبيبتي زي ما بتحبي." "حاضر يا بابا هصلي وأجي." خرج سلطان من الغرفة ليصنع لها الشاي. وهبة خرجت معه ودخلت الحمام توضأت وعادت غرفتها لتصلي. "الحمد لله."
مع كل فرض كانت تحمد الله على حياتها وعلى والدها. فهو تحمل كثيراً من أجل أن يربيها ويعلمها. فشخص آخر في نفس ظروفه... كان تزوج منذ زمن بعيد وأحضر لها زوجة أب. لكن هو فضل أن يعيش حياته لها. ضحى بكل شيء حتى لقمته كي يعلمها ويوفر لها كل ما يستطيع توفيره. بعد الصلاة خرجت هبة للصالة كي تتناول الفطور مع والدها الحنون.
ستة عشر عاماً مرت على نفس المنوال. سلطان يتفانى في دور الأب والأم لها. لم تشعر يوماً بنقص في الحنان. حياتهم البسيطة لا يوجد بها أي تعقيد. بيتهم البسيط مكون من غرفتين وصالة صغيرة وحمام في منطقة شعبية في القاهرة. ومع ذلك كان بالنسبة إليها نعمة من الله. درع الأمان الذي تتحامى فيه. حب أبيها يغطيها. عم سلطان لم يبخل عليها يومياً بكل ما يملك. حتى أنها تتذكر جيداً الآن تضحية أخرى تضاف إلى لائحة تضحياته التي لا تنتهي. فعندما
كانت أصغر كانت تراه يدخن السجائر وبعد ذلك لم تعد تراه يفعل ذلك. ثم أدركت أنه ضحى حتى بمزاجه من أجل أن يوفر جنيهات السجائر القليلة لها. هذا ما أدركته عندما كبرت. الجنيهات القليلة أضيفت لميزانيتها هي. عم سلطان بسيط الحال والمكانة وفر لها حياة معقولة من دخله البسيط. من عمله كفراش في شركة رجل ثري جداً. هبة لا تتذكر بالتحديد متى بدأ سلطان بالعمل لديه. لكنها بالتأكيد تتذكر التحسن الملموس في حالتهم المادية منذ أن بدأ سلطان
ذلك العمل.
"تسلم إيدك يا بابا الفول النهاردة جميل. الحمد لله. أنا هدخل أجهز عشان معطلكش." علقت هبة على فطور والدها اللذيذ برقة شديدة ودخلت إلى غرفتها تجهز نفسها وتستعد للنزول إلى مدرستها.
منذ يوم دخولها إلى المدرسة وسلطان اعتاد توصيلها حتى باب مدرستها ويعود في وقت الانصراف ليرجعها للمنزل مجدداً. حتى عندما وصلت لمرحلة الدراسة الثانوية سلطان أيضاً كان يقوم بتوصيلها إلى المدرسة. في البداية كان يرافقها على قدميه فمدرستها السابقة كانت بجوار منزلهم تماماً. ولكن بعدما انتقلت إلى المرحلة الثانوية والمدرسة أصبحت في حي آخر. سلطان أصبح يعاني معاناة شديدة عند توصيلها من وإلى المدرسة. فميزانيتهم المحدودة لم تكن
تسمح لهم أبداً بركوب سيارات الأجرة. لكن القدر الكريم تدخل. فعندما علم صاحب العمل بمشكلته أعطاه سلفة من راتبه تسدد على أقساط مريحة ساعدته على أن يشتري دراجة نارية كانت كمعجزة لهم رحمتهم من ذل المواصلات العامة. ومن ميزانية سيارات الأجرة الخرافية.
دخلت هبة إلى غرفتها. ارتدت زي المدرسة الكحلي. لمت شعرها الأصفر برباط رفيع وجعلته على شكل ضفيرة. أخذت شنطتها وخرجت إلى سلطان المنتظر بهدوء. دائماً سلطان كان ينتظرها بصبر. لم يشتكي يوماً من انتظارها. أخبرها أنه سينتظرها للأبد حتى آخر يوم في عمره. سلطان كان دائماً يذكر الموت. كان دائماً قلبه يحدثه أنه لن يعيش طويلاً. وكان أيضاً يبوح بتلك المخاوف لهبة التي كانت تشعر بالرعب من مجرد ذكر الفكرة. فماذا ستفعل هي بدونه؟
ركبت هبة خلف سلطان الذي أنزلها أمام مدرستها وأكمل طريقه إلى عمله كالمعتاد. ومثل كل يوم كانت تجده في انتظارها قبل ميعاد الانصراف كي يرجعها إلى منزلهم الصغير. كان يقوم بالطبخ وأعمال التنظيف اليومية بحب ويشجعها كي تذاكر. أمنيته أن يراها مهندسة. وصل سلطان المدرسة قبل ميعاد الانصراف بقليل كعادته. انتظرها بلهفة. البنات بدأوا في الخروج.
هبة كانت قادمة في اتجاهه مع إحدى صديقاتها. فرحتها التلقائية التي يلاحظها على وجهها كل يوم عندما تراه تشرح قلبه تسعده. بنته هبة الجميلة. جميلة جداً. شعرها أصفر وعينيها ملونة بلون عجيب. لون بين الأزرق والأخضر. كانت زوجته الراحلة جميلة جداً وأيضاً تحمل نفس لون شعر هبة ولكن عيناها كانتا عسليتان. وكانت دائماً تردد على مسامعه قصة مشكوك في صحتها لولا الدليل الذي كان يراه في ملامح هبة الأجنبية "أنا عندي أصول فرنسية جدة جدتي كانت فرنسية رفضت تسيب مصر مع الحملة واتجوزت مصري".
هبة بنته جميلة جداً وضعيفة وهشة للغاية والمثير للدهشة أنها نفسها لا تدرك مقدار جمالها الرباني النادر. هبة من الله ولكن جمالها النادر وضعفها يرعبانه. من لها غيره في هذه الدنيا كلها؟ ماذا لو حدث له أي مكروه فلمن يتركها وقتها؟ صوت رد عليه من داخله طمأنه: "اللي خلقها وخلقك أحن عليها منك ألف مرة." عندما وصلوا إلى البيت، حاولت هبة أن تساعد سلطان في تحضير طعام الغذاء. لكنه
رفض كالمعتاد وأمرها بلطف: "ادخلي ريحي شوية عمّا أخلص. ده أنا عامل لكِ النهاردة المسقعة اللي إنتِ بتحبيها." لطالما حاولت هبة المساعدة لكنه كان دائماً يرفض بحزم ويقول: "طول ما أنا عايش أنا هخدمك بعيوني." "ياه يا بابا تسلم لي وتسلم عيونك." في الواقع كانت حالتهم المادية (تعبانة)
لكنها كانت حينما تستمع لحكايات البنات في صفها عن الضرب والإهانة والمعاملة السيئة التي كانوا يتلقونها في بيوتهم كانت تحمد الله على حياتها وعلى حب سلطان الذي غمرها والذي عوضها حتى عن حنان الأم الذي لم تعرفه يوماً. اقتنعت أن الرزق ليس فقط نقود متوفرة وحياة مريحة إنما الأهم أن يكون في شكل بيت مستقر وأب حنون متفهم. فما فائدة الأموال الكثيرة إذا لم تتهنى بها في حضن عائلة سعيدة.
ما كان ينغص عليهم هنائهم في حياتهم البسيطة هو أنه في الفترة الأخيرة وخصوصاً بعد أحداث الثورة منطقتهم الشعبية امتلأت ببلطجية وشبيحة والذي فاق الاحتمال أن أحدهم شغل الشقة الفارغة فوق سطوحهم. وفي الليل كان يجمع أصحابه لعمل جلسات أنس. رائحة المخدرات والشراب مع ضحكات الساقطات التي تتسلل إلى مسامع السكان كانت الروتين اليومي المعتاد عليه طوال الليل في الفترة الأخيرة. وللأسف لم يكن أحد من السكان قادر على الاعتراض. هؤلاء البلطجية كانوا دائماً يحملون الأسلحة البيضاء وحتى الأسلحة النارية في العلن ويهددون باستخدامها إذا ما تجرأ أحدهم بالاعتراض على الوضع. وبالفعل لم يتجرأ أحد على الاعتراض.
حتى سلطان نفسه اكتفى بتكثيف حمايته لهبة وتغاضى عن السفور الذي كان يحدث فوقه يومياً. ضحكات السيدات الخليعة كانت تصل لمسامعه هو أيضاً وكان يرى عبدة وهو يصعد يومياً حاملاً زجاجات الخمر بفجور. الأتـاوة التي كانوا يفرضونها على السكان والبائعين دفعت بصمت. فمن تجرأ على الرفض نال نصيبه من العنف. فواجه التهديد ثم الضرب وحتى القتل.
بعد الغذاء الشهي الذي أعده سلطان لهبة. نهضت هبة وبدأت في المذاكرة بكل همة كعادتها. هدفها الأوحد النجاح بتفوق كي تكافئ سلطان عن كل قطرة عرق بذلها في سبيلها. والدها المسكين أضاع عمره من أجلها. من أجل تعليمها. من أجل أن يلبي كل ما يستطيع من احتياجاتها.
قلة الإمـكانيات جعلتها تذاكر بهمّة أكبر فلا يوجد احتمال لأن تأخذ الدروس الخصوصية مثلها مثل كل البنات في صفها. ولكنها كانت متفوقة حتى بدون دروس. الكثير من المجهود جعلها دائماً الأولى على صفها مما أثار غيرة البنات. كانت دائماً ترى الغيرة في عيونهم والتي أرجعتها لمستواها العلمي. لكن سببها الحقيقي كان جمالها الآخاذ.
بحلول الساعة الخامسة استعد سلطان للذهاب إلى عمله. الفترة الثانية من عمله تبدأ في الساعة السادسة مساء وتنتهي في التاسعة. صاحب الشركة كثيراً ما كان يأتي أيضاً في الفترة المسائية وبصحبتة بعض الضيوف الهامين مثله فهو أحد أقطاب المال في البلد. سلطان كان يحرص على إتمام عمله لإرضاء رئيسه السخي معه وكان دائماً
يردد: "البيّه على قد ماهو طيب وحنين بس دقيق في شغله وبيحب الدنيا نضيفة ومتلمعة والبوفيه عمران بكل المشاريب وحتى الساندوتشات الخفيفة عشان الموظفين ميحتاجوش حاجة من برة." في الماضي القريب قبل أن تعزل الست حسنية الخياطة جاره وتهرب بجلدها من البيت كان يترك هبة معها ويذهب إلى عمله في الفترة الليلية وهو مطمئن نسبياً عليها. لكن الآن بعد رحيلها أصبح مضطر لترك هبة وحيدة.
الست حسنية طفح كيلها من البلطجية وقررت الرحيل خوفاً على بناتها من الوضع المخيف في المنزل والحارة. كان يذهب إلى العمل وقلبه ينزف الدماء وكان يأمرها بعدم فتح الباب مطلقاً لأي سبب. لكن لسوء حظه جمال هبة كان يزداد ويزداد كل يوم. ونظرات الحيوان عبدة المقيم فوقهم كانت تأكله. وهم في طريقهم اليوم إلى المنزل عند عودتها من المدرسة لم يكن وجود سلطان معها رادعاً له كي يخفض بصره أو يستحي فهو كان كائناً بلا أخلاق تماماً.
دخل سلطان لهبة غرفتها قبل خروجه. أعاد عليها جملته اليوم وقلبه ينزف دماً: "نور عيني أنا نازل متفتحيش الباب أبداً سامعاني." هزت هبة رأسها بالموافقة فهي لم تكن بحاجة أبداً لتحذيره. من نفسها كانت تغلق الباب بالمفتاح وتجر خلفه أريكة كبيرة علها تحميها.
ودعها سلطان بعينيه ونزل السلالم استعداداً للمغادرة. كان لا يزال في مدخل العمارة وقبل خروجه للشارع لمح عبدة البلطجي يجلس على القهوة المقابلة للمنزل ويراقب المدخل بعيون مثل عيون النسر الجارح وكأنه ينتظر شيئاً ما. قلب سلطان لم يطمئن أبداً بسبب جلوس عبدة بذلك الشكل. جميع الفئران تدخلت وشكلت حرباً ضارية بداخله. استدار وصعد السلالم مرة أخرى.
فوجئت هبة به يعود من جديد. عندما سمعت الجرس كادت أن تموت رعباً. لكنها عندما سمعت صوته من خلف الباب أزاحت الأريكة وسمحت له بالدخول: "بابا مالك خير حصل حاجة؟ طمأنها سلطان وقال: "إنتِ مخرجتيش من زمان... مش عاوزة تغيري جو؟ هاتى كتبك وتعالي معايا أذاكر في الشركة."
سعادة هبة كانت قصوى بقراره. ليس فقط بسبب أنها لم تخرج فعلياً منذ أشهر ولكن بسبب خوفها الفظيع الذي كانت تشعر به في كل مرة كان يخرج فيها سلطان ويتركها في المنزل. كانت تستمع إلى أصوات مخيفة خلف باب منزلهم وكأن أحداً يتعمد إخافتها. لم تخبر سلطان يوماً بما تسمعه لأسباب عديدة ربما أهمها خوفها عليه من بطش البلطجية إذا ما حاول مواجهتهم. "ثواني وأكون جاهزة."
دخلت هبة غرفتها فتحت خزانة ملابسها. من غير تفكير أخرجت فستان العيد وارتدته بسرعة. كم تحب هذا الفستان فهو كان آخر هدية لها من طنط حسنية أعطته لها وهي تبكي وتقول: "هتوحشيني. على عيني يا بنتي. بس الوضع بقى صعب أنا خايفة على البنات. ربنا معاكم يا بنتي وتنجوا أنتم كمان. الفستان ده أنا خيطته لكِ عشان تفتكريني. أنا دايما هسأل عليكِ بس أنا ربنا فتحها علي وعملت اسم مش بطال والناس بدأت تطلبني بالاسم عشان كده هقدر أنقل من هنا."
قررت هبة ارتداءه. من يوم العيد وهي لم تخرج والفستان أيضاً لم ير النور من يومها. أيضاً لابد وأن تشرف أباها في عمله. لابد أن يروا مجهوده الجبار في الاعتناء بها وحيداً. فهو يستحق أن يرى الناس مجهوده ليعلموا أنه لم يحرمها من أي شيء أبداً.
الفستان حسنية مصنوع من قماش منقوش حريري يغلب عليه لون الزرع له حزام أبيض عريض. يصل لتحت ركبتيها بشبرين يظهر جزء صغير من رجليها البيضاء الجميلة. انتعلت صندلها الأبيض الذي كانت ترتديه بحرص بالغ في مناسبات قليلة فهو رقيق للغاية ولا يتحمل شقاء المشي. تطلعت لنفسها في المرأة ثم أمسكت الفرشاة وبدأت تمشط شعرها الأشقر الحريري. سمعت صوت سلطان يناديها بلطف. "يلا يا هبة هتتأخري. بسرعة."
لمت هبة شعرها كذيل حصان في تموجات متمردة على جانب كتفها الأيسر وحملت كتبها وخرجت تجري من الغرفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!